مقدمة الطبعة الثانية
تُعد النهضة الحسينية من أهم المنعطفات التاريخية التي أحْيت الدين الإسلامي في مرحلة حساسة وخطيرة كادت تودي بأهم أُسسه ومعالمه الإلهية؛ لأنّ الله تعالى يأبى إلّا أن يُتم نوره، من خلال النهضة العظيمة والتضحية الكبيرة التي قام بها الإمام الحسين×، مع ثلّة من خيرة أصحابه.
فهي نهضة إصلاحية، تربوية، علمية، توعوية، فكرية، عقائدية، معرفية، سياسية، اجتماعية... استطاعت أن تغيّر الكثير من مجريات التاريخ ومختلف الأحداث، وبقيتْ حيّة طريّة حيوية مدى الدهور والقرون، وستبقى كذلك؛ لأنّها متوافرة على جميع المقوّمات الإيجابية للخلود.
هكذا نهضة حرية بالبحث والتنقيب والدراسة والتحقيق، بشكل منهجي تخصصي يتناول مجمل الأبعاد والآثار والتأثيرات لهذه النهضة القدسية.
من هذا المنطلق؛ ولأجل تحقيق هذه الأهداف بأفضل وجه قامت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة بإنشاء مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية، لكي تغطّي أكبر مساحة من القضايا المتعلقة بالنهضة الحسينية المباركة.
وقد قامت المؤسسة بالعمل الدؤوب على تأسيس مجموعة من الأقسام والمشاريع الحسينية التخصصية، منها:
1ـ قسم التحقيق، والعمل فيه جار على تحقيق موسوعة حول التراث المكتوب عن الإمام الحسين× ونهضته المباركة، ما يشمل المقاتل والتاريخ والسيرة وغيرها، وسواء التي كانت بكتاب مستقل أو ضمن كتاب. وكذا العمل جار في هذا القسم على متابعة المخطوطات الحسينية التي لم تُطبع إلى الآن؛ لجمعها وتحقيقها، ثم طباعتها ونشرها.
2ـ قسم التأليف، والعمل فيه جار على تأليف كتب حول الموضوعات الحسينية المهمة التي لم يتم تناولها بالبحث والتنقيب أو التي لم تُعطَّ حقها من ذلك، كما ويتم استقبال الكتب الحسينية المؤلفة خارج المركز ومتابعتها علمياً وفنياً من قِبَل اللجنة العلمية، وبعد إجراء التعديلات والإصلاحات اللازمة يتم طباعتها ونشرها.
3ـ مجلّة الإصلاح الحسيني، وهي مجلّة فصلية متخصصة في النهضة الحسينية، تهتم بنشر معالم وآفاق الفكر الحسيني، وتسليط الضوء على تاريخ النهضة المباركة وتراثها، وكذلك إبراز الجوانب الإنسانية والاجتماعية والفقهية والأدبية في تلك النهضة المباركة.
4ـ قسم ردّ الشبهات، ويتم فيه جمع الشبهات المثارة حول الإمام الحسين× ونهضته المباركة، ثم فرزها وتبويبها، ثم الردّ عليها بشكل علمي تحقيقي رصين.
5ـ قسم الموسوعة العلمية من كلمات الإمام الحسين×، وهي موسوعة تجمع كلمات الإمام الحسين× في مختلف العلوم وفروع المعرفة، ثم تبويبها حسب التخصصات العلمية، ووضعها بين يدي ذوي الاختصاص؛ ليستخرجوا لنا نظريات علمية واضحة تمازج بين كلمات الإمام الحسين× والواقع العلمي.
6ـ قسم دائرة معارف الإمام الحسين×، وهي موسوعة تشتمل على كل ما يرتبط بالنهضة الحسينية من أحداث ووقائع ومفاهيم ورؤى وأسماء أعلام وأماكن وكتب وغير ذلك من الأُمور، مرتبة حسب حروف الأف باء، كما هو معمول به في دوائر المعارف والموسوعات، وعلى شكل مقالات علمية رصينة تراعى فيها كل شروط المقالة العلمية، ومكتوبة بلغة عصرية وبأُسلوب سلس ومقروء.
7ـ قسم الرسائل الجامعية، والعمل فيه جار على إحصاء الرسائل الجامعية التي كُتبت حول النهضة الحسينية ومتابعتها من قِبل لجنة علمية متخصصة؛ لرفع النواقص العلمية وتهيئتها للطباعة والنشر. كما ويتم إعداد موضوعات حسينية تصلح لكتابة رسائل وأطاريح جامعية تكون بمتناول طلّاب الدراسات العليا.
8ـ قسم الترجمة، والعمل فيه جار على ترجمة التراث الحسيني باللغات الأُخرى إلى اللغة العربية.
9ـ قسم الرصد، ويتم فيه رصد جميع القضايا الحسينية المطروحة في الفضائيات والمواقع الإلكترونية والكتب والمجلات وغيرها؛ مما يعطي رؤية واضحة حول أهم الأُمور المرتبطة بالقضية الحسينية بمختلف أبعادها، وهذا بدوره يكون مؤثّراً جدّاً في رسم السياسات العامة للمؤسسة، ورفد بقية الأقسام فيها، وكذا بقية المؤسسات والمراكز العلمية بمختلف المعلومات.
10ـ قسم الندوات، ويتم من خلاله إقامة ندوات علمية تخصصية في النهضة الحسينية، يحضرها الباحثون والمحققون وذوو الاختصاص.
11ـ قسم المكتبة الحسينية التخصصية، حيث قامت المؤسسة بإنشاء مكتبة حسينية تخصصية تجمع التراث الحسيني المطبوع.
وهناك مشاريع أُخرى سيتم العمل عليها قريباً إن شاء الله تعالى.
كتاب التوحيد في المشهد الحسيني
التوحيد هو أساس العقيدة الإلهية وركنها الحصين، وعليه تبتني جميع الأُصول الأُخرى، ومنه تتفرّع تفاصيل المعتقد؛ لذلك فإنّ البحث عن التوحيد وفي التوحيد يُعتبر بحثاً محورياً ومفصلياً للعقيدة الإلهية، وقد حاز أهم المراتب التحقيقية العلمية في مجمل مفاصل العقيدة.
ثمّ إنّ التوحيد تارة يبحث كعقيدة نظرية لها ارتباط وثيق بحياة الإنسان، وأُخرى يبحث كظاهرة حياتية يعيشها الفرد المؤمن، وإذا أردنا أن نسلّط الضوء على النوع الثاني نجد أنّ حياة المعصوم هي أفضل بيان وأتمّ مظهر لعقيدة التوحيد؛ من هنا جاء هذا الكتاب ـ عزيزي القارئ ـ لبيان مظاهر التوحيد بتمامها وأتمّها في حياة شخصية ورثت تمام صفات الأنبياء والمرسلين، فكانت المظهر الأبرز لتوحيد الله تعالى.
وقد احتوى هذا الكتاب على مظاهر توحيدية عديدة مع تحليلات علمية وربط دقيق وعميق بين مفاصل الحياة التي تحكمها العقيدة والمنطق والبرهان، وقد حاز هذا الكتاب على قبول واسع من مختلف شرائح المجتمع العلمية والثقافية؛ ممّا أدّى إلى نفاده من الأسواق في فترة قياسية، فكان لا بد من إعادة طبعه في حلّة جديدة، ليكون بمتناول يد الباحثين والمحققين.
نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أعمالنا إنّه سميع مجيب.
اللجنة العلمية في
مؤسسة وارث الأنبياء
للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية
مقدمة الطبعة الأُولى
العلم والقراءة والكتابة بالقلم، قواعد المجد، ومفاتيح التنزيل، وديباجة الوحي، ومشرق القرآن الكريم، بها يقوم الدين، وتُدوّن الشرائع، وتحيى الأُمم، وتُبنى الحضارات، ويُكتب التاريخ، ويُرسم الحاضر والمستقبل، وبها تتمايز المجتمعات، وتختلف الثقافات، ويُوزن الإنسان، ويتفاضل الناس، ويزهو ويفتخر بعضهم على البعض الآخر.
في ضوء هذه القيم والمبادئ السامية، ومن منطلق الشعور بالمسؤولية، وبالتوكل على الله تبارك وتعالى، بذلت الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدّسة جهوداً كبيرة واهتمامات واسعة لدعم الحركة العلمية والفكرية والثقافية، وتطوير جوانب الكتابة والتأليف والتحقيق والمطالعة، وذلك عن طريق الاهتمام بالشؤون الفكرية، وافتتاح المؤسسات ومراكز الدراسات العلمية، وبناء المكتبات التخصّصية، والتواصل مع الأساتذة والعلماء والمفكّرين، وتشجيع النّخب والكفاءات والطاقات القادرة على بناء صروح العلم والمعرفة.
وتُعد مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية في النجف الأشرف وقم المقدسة، امتداداً لتلك الجهود المباركة، وقد عملت منذ تأسيسها وبأقسامها ووحداتها المتنوّعة على إثراء الواقع العلمي والفكري، وذلك من خلال تدوين البحوث، وتأليف الكتب وتحقيقها ونشرها، وإصدار المجلات المتخصّصة، والمشاركة الفاعلة مع شبكة التواصل العالمية، وإعداد الكوادر العلمية القادرة على مواصلة المسيرة.
ومن تلك الأُمور المهمّة التي تصدّت مؤسّستنا المباركة للقيام بها وتفعيلها بشكل واسع ـ في إطار وحدة التأليف والتحقيق ـ هي الاهتمام بنشر التراث العلمي والنتاج الفكري والكتابات التخصّصية للعلماء والمحقّقين والباحثين، وذلك بهدف فسح المجال وفتح الأبواب والنوافذ أمام قرّاء الفكر، وطلاب العلم والحقيقة.
ومن تلك النتاجات العلمية القيّمة، هذا السفر الماثل بين يديك عزيزي القارئ، وهو كتاب (التوحيد في المشهد الحسيني) وهو عبارة عن بحوث لسماحة الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد السند (دامت بركاته) ، بقلم الشيخ رافد الزبيدي.
ويعتبر هذا العمل من الأعمال المهمة في الأوساط العلمية؛ حيث تناول أبعاداً معرفية عميقة فيما يرتبط بعقيدة التوحيد من خلال المشهد الحسيني، كاشفاً بذلك زوايا جديدة لهذه النهضة المباركة. وتُعدّ هذه الرؤية وهذه القراءة فريدة من نوعها حيث قامت على تحليل الحركة الحسينية تحليلاً كلامياً في سياق التوحيد، والمقصود من التوحيد جميع مظاهره التي تتجلّى في مجمل العقائد الإلهية. وسيلمس هذا المعنى القارئ بوضوح إذا ما طالع الكتاب مطالعة فاحصة ودقيقة.
وفي الختام نتمنى دوام التوفيق لجميع خدمة الإمام الحسين× وخدمة القضية الحسينية، ونسأل الله تعالى أن يبارك لنا فيص أعمالنا إنه سميع مجيب.
اللجنة العلمية في
مؤسسة وارث الأنبياء
للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية
مقدمة المقرر
الكثير كَتب عَنْ الإمام الحسين، والكثير قرأ الملحمة الحسينيّة، ومِن الطبيعي أنْ تتفاوت القراءات؛ لتفاوت الأفهام، وَمِنْ الاعتيادي أنْ نجد الكثير مِنْ القراءات الغيبيّة للحركة الحسينيّة، كما لا نعدم وجود الكثير مِنْ القراءات السطحيّة الساذجة، في مقابل ذلك نجد القليل مِن القراءات العقائدية الصحيحة لحركة سيّد الشهداء× الَّتِي تتجاوز السطح وتغور في العُمق الفكري والتحليلي، وأقل مِنْ ذلك القراءات التوحيديّة لمسرح عاشوراء.
ولعلَّ مِنْ باب الحمل عَلَى الصحّة - لِمَنْ وقف عَلَى السطح ولم يتجاوزه- هُوَ أنَّه توهَّم أنَّ سبر الأغوار معرفياً في واقعة كربلاء يكون مِنْ الاجتهاد مقابل النصّ - أي: نصَّ الحسين×- لأنَّه× صرَّح بسبب الخروج أمام الاستفهامات المتنوِّعة، وأسباب اصطحاب النساء والأطفال وغيرها، وما دام قدْ صرَّح فلماذا التحليل والتعليل؟! فالقضية تعبّدية.
والناظر الفَطن يرى ذلك أيضاً، ولكنَّه لا يختصر الفتح المُحمديّ عَلَى يد الحسين× بذلك البُعد الواحد، فنجد أنَّ مثل شيخنا الأُستاذ المُحقّق مُحمَّد السّند يرى أنَّ بعض تلك الأجوبة تُبيِّن بَعْض زوايا الحقيقة لا كلّها، تتناسب مَعَ مُستوى إدراك السامع، وَمِنْ هُنا أفاض شيخنا الأُستاذ في أهمّية الرؤية التوحيديّة والقراءة المنظوميّة لواقعة كربلاء، بتحليل الحركة الحسينيّة مِنْ خلال قراءتها قراءة كلاميّة في سياق التوحيد، وهي تشكِّل قراءة توحيديّة مُبتكرة فيتناول واقعة كربلاء وحركة الحسين×.
والتوحيد المقصود في هَذا البحث، لَيسَ التوحيد كيفما اتّفق، بلْ هوَ التوحيد الذي يشكِّل رأس الهرم للمعارف الدينيّة عموماً، ابتداءً مِنْ أُصول الدِّين مروراً بالفضائل الأخلاقية وانتهاءً بفروع الدِّين - وَهَذا بحدِّ ذاته يحتاج إلى شرح ليس هذا محله-.
ولذا؛ فإنَّه قدْ يستغرب القارئ الكريم لأنَّه عندما ينظر إلى عنوان الكتاب وَهُوَ (التوحيد في المشهد الحسينيّ) يتصوّر أنَّ الحديث سيكون عَنْ معاني التوحيد، وأنَّ الحسين مِنْ خلال قتاله وشهادته وَحَّدَ اللهَ، وبذلك ينبغي أنْ تكون العناوين تحمل عنوان التوحيد، أو ما هُوَ قريب مِنْ هَذا المعنى، وإذا بالقارئ يجد نفسه أمام مفردات وعناوين - كأنَّها- لا صلة لها بعنوان الكتاب، لأنَّ عنوان الكتاب هُوَ (التوحيد في المشهد الحسينيّ) وعناوين بحث الكتاب تتحدّث عَنْ البَداء، ولكن بَعْدَ القراءة والتأمُّل سيرى أنَّ الإيمان بالبَداء هُوَ مظهر مِنْ مظاهر التوحيد، بلْ مِنْ أعظمها؛ لأنَّ الحديث الشريف يقول: «ما عُبِدَ الله بشيء مثل البَداء»[1]، وكذلك: «ما عُظِّم الله بمثل البَداء»[2].
فإذاً؛ البَداء عبوديّة وتوحيد عمليٍّ واعتقادي، ثمَّ إنَّه قدْ يبدو استغراب آخر وَهُوَ أنَّ عناوين البحوث الرئيسة تتحدّث عَنْ البَداء، بينما نجد العناوين الفرعيّة تتحدّث عَنْ القضاء والقدر، والجبر والتفويض، والحتمية والتدبير، واليقظة والحذر، والمسؤولية والتفاؤل ... فما هُوَ الربط والجامع لهذه العناوين؟
فنقول: إنَّه بالنَّظر البسيط - وللوهلة الأُولى- يمكن أنْ يكون هُناك تفرُّق وتفكك في هذهِ العناوين، أمَّا بالدقّة لَيسَ هُناك تفرُّق، بلْ هُناك كمال الأُلفة؛ فإنَّ مثل التفاؤل وإنْ كَانَ عنواناً أخلاقياً ومعنى باطنياً، إلّا أنَّه ينطوي عَلَى حُسن الظَّن بالله والتوكُّل عليه، فيمكن أنْ يرتبط بالبحث مِنْ جهتين، وهُما: أنَّ هَذا المعنى الباطني الأخلاقي يمكن أنْ يكون عملاً ظاهرياً بدنيّاً؛ وبالتالي يمكن أنْ يرتبط (التفاؤل) بعناوين توحيديّة عديدة، منها التوكُّل الاعتقادي والعمليّ الصحيح، وَمِنْ جهة أُخرى بمعنى وحقيقة التدبُّر الصحيح الذي يرتبط بحقيقة الإيمان والإرادة لدى الفرد، وَهَذا يتّصل بمعنى الجبر والاختيار.
وبالتالي؛ يرتسم بارتسامها معنى القضاء والقدر والبَداء وتتشكَّل منها أُطر التوحيد الصحيح، كذلك (التوكُّل) فإنَّ نفس معنى التوكُّل بعنوانه الأخلاقي له حقيقة عُليا وهي الإيمان بحُسن التدبير وسعة القضاء والقدر الإلهيين، وله حقيقة أعلى وهي السعة الوجوديّة التي هي معنى البَداء، والبداء الأعظم الذي هُوَ مظهر لحقيقة التوحيد الأعظم.
وعَلَى هَذا؛ يمكن للقارئ اللبيب أنْ يُرجِعَ كُلَّ العناوين لجذورها العقائديّة وحقائقها التوحيديّة، سواء كانت مُتمازجة أو مُنفصلة، وَمِنْ سرّ وأسرار هذهِ البحوث المعرفية التي بيَّنها أهل البيت (ونحنُ نعيش عَلَى فُتات موائدهم) - أنَّها لو دُمجت بعضها مَعَ البعض الآخر سوف تصل بها إلى التوحيد، ولو حلَّلت التوحيد لوصلتَ إلى كُلّ المعاني العقائدية والأخلاقية، قوس صعود ونزول، يبدأ بنقطة ويرجع إلى نفس النقطة التي بدأ منها.
وهذهِ نُكتة وسرّ توحيديّ لمْ يكن ليظهر لولا بيانات أهل البيت^ مِنْ الوحي، ويمكن للناس أنْ يفهموا وينهلوا منه إذا أحسنوا شكر النعم - شكراً عمليّاً- وأعظمها وأجلاها هي نعمة الولاية، قال تعالى - عَلَى لسان يوسف×-: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، وجدير بهذهِ الرؤية أنْ يُقرأ سيد الشهداء× في منجزه مِنْ خلالها.
ثمَّ قد يبدو هناك استغراب ثالث: وهو ما علاقة (التوحيد في المشهد الحسينيّ) الذي هو عنوان هذا البحث بعنوان (السفياني بين الحتم والبَداء) وعنوان (قواعد منهجية في النشاط...) وعنوان (قواعد الجهاد الدفاعي) ؟!
والعلاقة: أنّ التوحيد في المشهد الحسينيّ الذي هو البحث الأُم -المحوري (المركزي) - يتحدَّث عن مراتب البَداء في مشهد الطف، وهذا البحث له كامل الصلة مع بحث (السفياني بين الحتم والبَداء) لوجود عنصر البَداء المشترك بينهما.
كما أنّ عنوان (قواعد منهجية في النشاط الديني والسياسي والاجتماعي) هي قواعد تُمنهج نشاط المؤمنين - وخصوصاً في الظرف الراهن- زمن غيبة الإمام # .
وبالتالي؛ هي لها علاقة ببحث السفياني باعتبار أنّها تُبرمج وتنظِّم عمل المؤمنين في كيفيّة مواجهة حركات الانحراف - التي منها حركة السفياني- كما أنَّ قواعد الجهاد الدفاعي تبيِّن نشاط المؤمنين في الجانب العسكري في كيفيّة مواجهة حركات الانحراف - عسكرياً- إذا وُجِدت مبررات الجهاد العسكري.
فإذاً؛ قواعد نشاط المؤمنين الوظيفي الديني السياسي والاجتماعي والعسكري لها أبعاد في مواجهة حركات الانحراف والفتن، وخصوصاً فتنة السفياني. وكلّ هذه البحوث الثلاثة محورها مشهد الطفّ؛ لأنّ التوحيد في المشهد الحسيني عنوان كلّي مهيمن يمنهج كلَّ نشاطات المؤمنين بشكل نَظْمٍ منظومي هيمني ترابطي.
وهُنا أُمور مُهمّة تتّصل بمنهج البحث ينبغي بيانها للقارئ الكريم وحاصلها:
أوَّلاً: إنَّ المُخ الأساس لهذا البحث هُوَ جواب سؤال مفاده: إنَّ الحسين× كَانَ يعلم بقتله، ومَعَ ذلك نراه - كأنَّه- يتصرَّف على عكس ما يعلم، حيث قاتل قتال الموعود بالنصر، ودبّر إدارة الأحداث تدبير المتطلِّع للنصر القريب، وليسَ الموعود بالقتل، وكانت الأجوبة قدْ توزَّعت عَلَى شكل مباحث.
ثانياً: إنَّ هَذا البحث عبارة عَنْ خمس مُحاضرات ألقاها سماحة الأُستاذ المُحقّق آية الله الشَّيخ مُحمَّد السّند في مجلس درسه المُبارك في الصحن الحيدري الشريف في مسجد عمران بن شاهين، ابتداءً مِنْ 25 ذي الحجّة لسنة 1433هـ لغاية 29 منه، فبدأ تدوين البحث في محرَّم لسنة 1434هـ، وتمَّ الانتهاء منه في ربيع الآخر لسنة 1435هـ، وقدْ شكّلت المحاضرة الأُولى منه مدخلاً للبحث.
ثالثاً: إنَّ هَذا البحث تقريرات مُباشرة لما أفاده الشَّيخ الأُستاذ في مجلس درسه، وكَانَ تبييض هذه التقريرات يستدعي إعادة صياغة لمفردات البحث تقديماً وتأخيراً ونحوها؛ ضرورة الاختلاف بين الدرس المُلقى والبحث المكتوب، مُضافاً إلى إحالة النصوص إلى مصادرها.
وأيضاً نتيجة المُراجعة المُستمرّة مَعَ سماحة الأُستاذ المُحقّق (دام ظله) تمَّ إضافة العديد مِنْ الأفكار والموضوعات إلى البحث الأساس.
ولا أنسى أنْ أتقدَّم بالشكر لأُستاذي (دام ظله) الذي منحني مِنْ وقته وجهده، وأيضاً أشكر كُلّ مَنْ ساعدني في إخراج هَذا الكتاب.
هَذا، وابتهل إلى العلي القدير أنْ أكون قدْ وُفِّقت في تقرير دروس شيخنا الأُستاذ بالمستوى اللائق في بيان أفكاره، وإيصالها إلى القارئ الكريم مصونة عَنْ كُلّ لَبْس، وأنْ يعفو عَنْ زلّاتي وأخطائي، بحق مُحمَّد وآل مُحمَّد.
والحمد لله رب العالمين بدءاً وختاماً.
النجف الأشرف
ربيع الثاني/ 1435
رافد الزبيدي
تمهيد
بحث التوحيد في المشهد الحسيني كان منبثقاً ومتولِّداً من سؤال عن السبب الذي ولَّد النشاط المتزايد للإمام الحسين× في معركة الطفّ.
وهناك ثلاثة أجوبة عبارة عن فصول ثلاثة تدور حول الإجابة عن السؤال، كلّ جواب في مبحث.
وجميع الأجوبة - الثلاثة- تُشير إلى سبب واحد هو الذي ولَّد ذلك النشاط وهو (البَداء) ، ولكن الأجوبة اختلفت في مستوياتها تبعاً لاختلاف مستويات البَداء، فالجواب الأول - الذي في الفصل الأول- يُشير إلى أنَّ سبب النشاط المتزايد هو البَداء الأعظم؛ لأنَّ القتل لسيّد الشهداء×، وإن كان محتوماً، إلّا أنَّ ذلك الحتم هو لما دون من العوالم، كلوح القضاء والقدر، أمّا عالم المشيئة فهو عالم أوسع يمكن من خلاله حدوث البَداء المعروف، ولذا أسميناه بالبَداء الأعظم.
أمّا الجواب الثاني - الذي في الفصل الثاني- فقد فسَّر سبب النشاط الحسينيّ بالبَداء، ولكن ليس البَداء الأعظم، بل البَداء في تفاصيل الواقعة - الجزئية- وتمّ توضيح الجواب من خلال شواهد من حياة المعصومين ^؛ إذ كان فعل رسول الله ’ مع أصحابه وأعدائه في أحيان كثيرة بلحاظ سعيه لحصول البَداء في مرتبته الجزئية، فقد كان يفعل ذلك مع الكفّار والمنافقين، وكان يربّي أصحابه على ذلك، وهو أدب إٍلهي وتربية إلهية قبل أن تكون تربية نبويّة، كما حصل في فعل الله مع إبليس، وهكذا كان فعل أمير المؤمنين× في حروبه - في مقارعته للأبطال- وفي صبره حين غُصبت منه الخلافة.
كذلك تتّضح الإجابة أكثر في نشاط الإمام الصادق×؛ فقد رسم لنا ضوابط في المعرفة الثاقبة بالقضاء والقدر، وقد تمّ من خلال ذلك معرفة الأُمور التالية: أين تكمن موقعيّة النشاط؟ وأين هي موقعيّة الرضا والصبر؟ وأين ومتى يكون الإلحاح في الدعاء؟ ومتى يكون الرضا والسكون؟
وأيضاً يمكن تفسير النشاط الحسينيّ من خلال سلوك الإمام الغائب # ، بل وفي سلوك أنصاره ووزرائه - لكن بشكل معاكس لأنّهم موعودون بالنصر وليس بالقتل- وكيف أنّهم خائفون (حاذرون) رغم حتميّة النصر، وأنّ شجاعتهم لا تنافي حذرهم، وأنّ شجاعتهم شجاعة تدبير لا شجاعة على المستوى الفردي، بل إنّ الأمر يصل إلى أهمّية ذلك التدبير في حياة المؤمن حين يأمره المعصوم× أن يكون من أحلاس البيوت، فيظهر أنّ معنى الحلس هو كمال اليقظة والحذر مع الثبات في بيت المنهج والعقيدة، وبذلك نترجم فلسفة النشاط الحسينيّ في مشهد الطفّ من زاوية وجهة أُخرى تختلف عن الأُولى .
وبعد أن يتمّ توضيح الجواب الثاني تصل النوبة إلى الجواب الثالث، حيث لم يفسِّر النشاط الحسيني بالبَداء الأعظم، ولم يفسِّره بالبَداء في تفاصيل الواقعة، بل فسَّره بالبَداء في النتائج، حيث كان نشاطه - بهذا التفسير- لرسم أفضل النتائج غير المحسومة ولا المحتومة.
وفي هذا الجواب يتمّ استعراض نشاط المعصومين^ مع أصحابهم بحثاً عن أفضل النتائج التي لا حسم ولا حتم فيها، ويتمّ استعراض القاعدة النبويّة العظيمة (تفاءلوا بالخير تجدوه) ، وهي قاعدة عظيمة وواضحة في سلوك المعصومين^ ، بل هي عظيمة النتائج في حياة كلِّ الناس لو أحسنوا فهمها وتطبيقها، وكيف أنَّها تصنع المعجزات في حياة الأفراد والأُمم.
ثمَّ نعرِّج بعد ذلك على المضايق التي مرّت في الإسلام، والتي لولا تدبير الْنَّبِيّ’ والوصي× - والأوصياء الاثني عشر^ - لما بقي للإسلام اسم ولا رسم، وكيف أنّهما حرصا بتدبير استنفاري متواصل رغم وعد الله بالنصر لهما ولدين الإسلام وأنّ الله سيُظهره على الدين كلّه.
كذلك في الجواب الثالث بيان توضيحي للمعلم الجبري اليهودي وللمعلم التفويضي، وكيف أنّ التوحيد في مشهد الطفّ كشف زيف كلا المنهجين، ثمَّ كيف حوَّل الهزيمة إلى نصر، والغصّة إلى فرصة، وكيف تحقق له النصر في الابتلاء الإلهي بنجاحه في مراتب الابتلاء الإلهي، ثمَّ في آخِر البحث تسليط الضوء على الفتح الحسينيّ.
القسم الأول
التوحيد في المشهد الحسيني
(مباحث في العقيدة)
وفيه ثلاثة فصول:
vالفصل الأوّل: البَداء الأعظم.
vالفصل الثاني: حَتميّة القضاء والقَدَر في مفهوم النهضة الحسينيّة.
vالفصل الثالث: لا حَسم سابق ولا حتم في التداعيات بدون إمكانية البَداء.
القضاء والقدر في المشهد الحسينيّ
المدخل
انفتقت مباحث هَذا الكتاب عَنْ سؤال عَنْ مشهد مِنْ مشاهد عاشوراء، والسُّؤال هُوَ:
إنَّنا نرى المعصوم سواء سيّد الأنبياء’ أو أهل بيته^ يتفاعل مَعَ الحدث، وكأنّه لَيسَ هُناك مِنْ أمر محتوم، بلْ يسعى وكأنَّ النتيجة غَير محسومة وغير محتومة، فيما تُشير الأدلّة إلى أنَّ الله أطلعهم عَلَى ما كَانَ وما يكون مِنْ الأحداث الَّتِي تجري عليهم، فنجد أنَّ فعلهم كأنَّه فعل مَنْ لمْ يعلم أو يرجو غَيْر ما علم.
ولذا يُقَال: إنَّ الله لا يُطلع الناس عَلَى مصائرهم؛ لأنَّه يؤدِّي بهم إلى الجمود والشلل إمَّا بسبب الإياس؛ لأنَّهم - بحسب الاطّلاع المُشار إليه- سوف ينتهون إلى جهنّم، أو بسبب الفرح والبطر؛ لأنَّهم سوف يذهبون إلى الجنّة.
القُرآن الكريم يخبرنا عَنْ بعض الأنبياء مثل (نوح×، أو يونس×، أو غيرهما) ، أنَّه أصابهم فتور نسبي بسيط في التدبير، وَهُوَ ما يُسمّى (ترك الأَولى) ، وليسَ هُوَ مِنْ المعصية الَّتِي يرتكبها الناس؛ وذلك بسبب العلم بما سيكون، فيونس× ترك الأَولى، حيث كَانَ الأَولى أنْ لا يفعل ذلك رغم أنَّه لمْ يرتكب محرّماً، كَانَ الأَولى أنْ لا يترك قومه بَعْدَ أنْ عَلِمَ وأُخبر بوقوع العذاب عليهم، كذلك نوح بَعْدَ أنْ أخبره الله بنجاته هُوَ وأهله أخذ يطلب مِنْ الله نجاة ابنه، قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾[3]. أي: أنَّ وعدك حقّ لا ريب فيه، وأنت وعدتني بنجاة أهلي، وأنَّ ابني مِنْ أهلي، فلماذا لا ينجو؟ فأتاه الجواب: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾[4] ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين﴾[5].
أمَّا أهل البيت^، فالأمر مُختلفٌ تماماً، فنلاحظ سلوكاً معرفيّاً سطّره سيّد الشهداء مِنْ خلال الطفّ، تأخذ منه الأفراد والمُجتمعات والدول مفهوماً توحيديّاً، وهكذا كُلّ المعصومين^، فهَذا سيّد الأوصياء في كُلّ حركاته وفي كُلّ حروبه، ولو نظرته في معركة الجمل - مثلاً- كَانَ يُقاتل مِنْ جهة الحيطة والحذر قتال مَنْ لا يقين له بالنصر رغم يقينه بالنصر.
والأمر أوضح بكثير في سيرة سيّد الأنبياء’؛ حيث كَانَ يُجاهد ويُكابد مُنْذُ بدء الدعوة إلى رحيله المُبارك، رغم البشارات الكثيرة الكثيرة بالنصر، كما نقرأ - في زيارته- : «السَّلام عَلَى المنصور المؤيد...»[6].
بلْ هُوَ موعود بالفتح وإظهار الدِّين عَلَى الدِّين كُلّه، قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[7]، مَعَ ذلك نراه يُجاهد ويُكابد، وكأنّه لمْ يُخبَر بشيء، فهل هَذا تصنُّع وتمظهر، أم ماذا؟
الجواب: إنَّ النشاط والحركة الدؤوبة الَّتِي أبداها الحسين× في معركة الطفّ - والَّتِي أُخبِر فيها مِنْ قِبل جدِّه رسول الله’ بأنَّه مقتول في هذهِ المعركة- يعود إلى أُمور عديدة، يمكن أنْ نجعلها أجوبة تفسيريّة لنشاطه اللامتناهي وحيويّة تحرّكه عنفوانياً، ومثابرته× المتوقّدة، والسطور القادمة تتكفّل عرض هذه الأجوبة.
الفصل الأوَّل
البَداء الأعظم
البَدَاءُ الأعْظَم
إنَّ الإيمان بالبَداء الأعظم في أصل الشهادة - وأصل الحدث والواقعة والنقطة المركزية وحُسن الظَّن بسعة رحمة الله- هُوَ الذي ولّد النشاط اللامتناهي للحسين× في عرصة كربلاء، فالإيمان بالبَداء الأعظم مولِّد ومُفجِّر لعنفوان الرجاء، ودافع إلى الأمل بالخير.
وهذهِ معرفة بالغة وقراءة نيّرة للتوكُّل على الله تعالى والرجاء لرحمته تفوق الإيمان بالقضاء والقدر.
وَهَذا الجواب إجمالي، ولا بدَّ مِنْ بسط الكلام بشكل تفصيلي، ولكن قبل البسط، لا بدَّ مِنْ بيانٍ لمعنى البَداء.
البداء في اللُّغة: «بَدا الشيء بدواً وبداءً أي: ظهر ظهوراً بيّناً، قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِنَ الله مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون﴾[8]»[9].
والبداء في الاصطلاح له عِدَّة معانٍ، منها: هُوَ ظهور الشيء مِنْ الله تعالى لِمَنْ يشاء مِنْ خلقه بَعْدَ إخفائه عنهم - أي: أُبدي لله تعالى شأن أو حكم تبعاً لمصلحة العبد- ومنها: البَداء معنى يساوق النسخ، فالبَداء نسخ تكوينيّ.
ومنها: البَداء بحسب ما نرى هُوَ السعة الوجوديّة، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الله وَاسِعاً حَكِيماً﴾[10]، وَهُوَ عبارة عَنْ سعة قدرته وعلمه ورحمته وأفضاله.
فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: «لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كَانَ وبما يكون وما هُوَ كائن إلى يوم القيامة، وهي هذهِ الآية: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾[11]»[12].
وهُناك آيات كثيرة تُشير إلى أنواع ومراتب البَداء؛ لأنَّ بعضها يتحدّث عَنْ بدء الخلق، قال تعالى: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾[13]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾[14]، ويقول: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾[15]، ويقول عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِين﴾[16]. وَهُوَ نوع بَداء؛ لأنَّ مُطلق المخلوق أو الإنسان أو السماوات والأرض لمْ تكُ ثمَّ كانت، وأمَّا قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء﴾[17]. فهُنا البَداء في الزيادة فإنَّ هُناك خلق والله يبدو له في زيادته.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾[18]، فإنَّ الإرجاء نوع مِنْ البَداء ومرتبة منه مُخْتلِفة عَنْ المراتب الأُخرى، فهي لَيسَ في بدء الخلق ولا في الزيادة في الخلق، بلْ هِيَ في الإرجاء لأمر الله، فإمّا أنْ يعذبَهم أو يعفو عنهم، وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾[19]. فَهُوَ لأجل بيان أنَّ زيادة عمر أو نقصانه لا يكون إلّا بكتاب وإنَّ أمر الكتاب بيده تعالى إنْ شاء زاد في الكتاب عمره فيزيد في الواقع الخارجي، أو نقص في الكتاب فينقص[20].
وَقَد أُشير إلى بيان ارتباط هذه الآيات بالبَداء في حديث سليمان المروزي مَعَ الإمام الرضا×: «قال سليمان: لأنَّه قدْ فرغ مِنْ الأمر، فليس يزيد فيه شيئاً. قال الرضا×: هَذا قول اليهود، فكيف قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[21]. قال سليمان: إنَّما عنى بذلك أنَّه قادر عليه. قال×: أفيعد ما لا يفي به؟ فكيف قال×: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء﴾، وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾، وقدْ فرغ مِنْ الأمر؟ فلم يجد جواباً»[22].
ولعلَّه يكون هُناك استغراب مِنْ التعريف الذي قدّمناه؛ فإنَّ الآية الَّتِي تُذكر في تعريف البَداء - بحسب نصَّ الروايات[23]- هي: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾[24].
فإنَّ معنى السعة لمْ يتّضح مِنْ بيان الآية، فهل تعريفنا مُخالف لبيان الآية ومفاد الروايات، أم ماذا؟
فنقول: لَيسَ هُناك مخالفة، كما أنَّ كُلّ رواية ليست في معرض بيان التعريف الكامل للبَداء، بلْ لتوضيح زاوية وجهة مِنْ جهات البَداء الذي خُصَّ في روايات أُخرى بأعظم وصف، ففي صحيح زُرَارة عَنْ أحدهما÷: «ما عُبِدَ الله بشيء مثل البَداء»[25]. وفي صحيح هشام بن سالم، عَنْ أبي عبدالله×: «ما عُظِّمَ الله بمثل البَداء»[26].
ويظهر ممّا تقدَّم أنَّ للبَداء - بحسب الآيات والروايات- جهات وزوايا عديدة يمكن أنْ يُعرف بها، وهي تُشير للسعة الوجودية، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون﴾[27].
فالوجود الواسع يُهَيْمِن عَلَى الوجود الضيِّق، والوجود الأوسع يُهَيْمِن عَلَى الواسع وهكذا، كُلّ واقعية تُغرِق ما هُوَ دونها مِنْ الواقعيات فيها، فإذا كَانَ حكم مِنْ الأحكام التكوينيّة تولّد تبعاً لموضوعه فإذا جاء الموضوع الأعلى هيمن عَلَى الأدنى، وكَانَ حكمه هُوَ النافذ وزال الحُكم الأوَّل.
إذاً؛ الإيمان بالبَداء الأعظم واحتمال التغيير هُوَ الذي ولّد النشاط اللامتناهي للإمام الحسين×؛ حيث إنَّه يتوقّع حدوث البَداء في كُلّ لحظة وفي كُلّ آن، فكُلّ شيء واقع تَحْتَ سلطة وهيمنة الباري القدير الواسع اللامتناهي، يمكن أنْ يتغيّر كُلّ شيء في (كُنْ فَيَكون) ، كما في الرواية عَنْ الإمام الصادق× قال: «ما بَدا لله بَداء كما بَدا له في إسماعيل أبي؛ إذْ أمر أباه بذبحه، ثمَّ فداه بذبح عظيم»[28].
فليسَ هُناك قانون حتمي فوق سلطان الله وهيمنته، ولو كَانَ هُوَ عالم القضاء والقدر، ولَيسَ هُناك قُدْرة حتمية تفوق قُدْرة الله، ولا حاكم عَلَى الله، بلْ هُوَ أحكم الحاكمين، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين﴾[29].
نتائج مُهمّة في الجبر والاختيار
يترتَّب عَلَى هَذا الجواب بالصياغة المذكورة عِدَّة نتائج مُهمّة:
1. إعلان رفض كامل للمَعْلَم الجبري - وَهُوَ مَعْلَمٌ يهودي- حَيْثُ رفضه القُرآن بَعْدَ أن بيّنه بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[30].
2. إنَّ القلم لمْ يجفّ ولَنْ يجفّ، وأنَّ القُدرة واسعة وليست ضيِّقة.
3. إنَّ الله تعالى غَير مسلوب القُدرة، والاعتقاد بالبَداء هُوَ اعتقاد بالقُدرة اللامتناهية.
4. إنَّ نشاط الحسين× عبارة عَنْ رجاء، وتعطيل شيء مِنْ النشاط يعني تعطيلاً لعنوان الرجاء؛ فلا بُدَّ أنْ يبقى مَعَ بقاء عنوان الخوف بموازاته كموازنة بين الخوف والرجاء، كما نصّت الروايات.
5. النشاط الحسينيّ يُشير إلى العبادة الحقيقية العمليَّة، فيكون السكون والبرود شركاً بالله، نَعَمْ هُوَ شرك خفي وليسَ بجلي.
6. الحسين× لمْ يتجاوز قانون الأسباب والمُسببات مِنْ خلال نشاطه وحركته الدؤوبة في الطّف، بلْ كَانَ يرجو بمكابدة التدبير والتوكّل سبباً فوق الأسباب، وسبباً مُسبَّبَاً مِنْ قِبل مُسبِّب الأسباب.
7. الحسين× ينطق بفعله وسيرته ويرسم بتفاعله لنا مبدأ الأمر بين الأمرين، ويُريد بيان أنَّ المؤمن بين دعامتي الخوف والرجاء والرغبة والرهبة بين الأمان واللا أمان، بين الحتم واللا حتم، لا أمان ولا لا أمان، بَلْ أمر بين أمرين.
8. منهاج كربلاء يرفض المسلك الجبري الذي يُحدّد ويُقيِّد قدرة الله، وَمِنْ المُلفت للنظر أنَّ القائل: إنَّ كُلّ الأُمور والمُمارسات تَحْتَ سلطان وهيمنة الله. قدْ وقع في الجبر مِنْ حيث لا يشعر، عندما تصوّر عدم التغيير وعدم البَداء.
9. منهاج كربلاء يرفض التوجّه الجبري في كلمات قالها ابن عربي في فصوصه - وإنْ كنّا لا نُريدُ تقييم الأشخاص بقدر تقييم المناهج- لأنَّه في كثير مِنْ تصويراته للقضاء والقدر الإلهي يُريد أنْ يصوِّر لنا أنَّ محاولة نسبة أيّ شيء لغير الله هُوَ شركٌ وفرارٌ مِنْه، مِنْ الشرك - حسب تصوّره- وذهاباً للتوحيد الخالص وقع في محذور الجبر مِنْ حيث لا يشعر، وَهُوَ منطق (يدُ الله مغلولة) ، وَهُوَ أعظم محاذير الجبر، وليسَ كما يُظن أنَّ أعظم محاذيره إلجاء العبد.
10. منهاجه× القول باختيارية العبد الَّتِي هي في طول قُدْرة واختيارية الله، وتَحْتَ هيمنة الله، فيكون القول باختيارية المخلوق ضمن القُدرة الإلهية أعظم توحيداً مِنْ نفي ذلك.
11. إنَّ مسألة الأمر بين الأمرين لَيسَت مُختصة بأفعال المخلوقين، بلْ هي قاعدة ونظام وجودي في كُلّ علاقة بين الخالق والمخلوق، وفي كُلّ وجوده وشؤوناته المُتّصلة بخالقه هي أمر بين أمرين، وَهَذا هُوَ دين التوحيد الخالص الذي رسمه لنا أهلُ البيت^.
جدليّة العلاقة بين الإبرام والبَداء
عَنْ النَّبي’ في وصاياه لعليٍّ×: «الصَّدقة تردُّ القضاء الذي قدْ أُبرِم إبراماً»[31]، والبرم كما يقول الراغب الأصفهاني: «الإبرام إحكام الأمر، قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُون﴾[32]، وأصله مِنْ إبرام الحبل وَهُوَ ترديد فتله، قال الشاعر: عَلَى كُلّ حال مِنْ سحيل ومبرم. والبريم المُبرم، أي: المفتول فتلاً مُحكماً»[33].
وعَنْ حماد بن عثمان، قال: سمعته يقول: «إنَّ الدُّعاء يردُّ القضاء وينقضه كما ينقض السلك وقدْ أُبرم إبراماً»[34].
كذلك عَنْ عبد الله بن سنان، قال: سمعت الإمام أبا عبد الله×، يقول: «الدعاء يردّ القضاء بعد ما أُبرم إبراماً، فأكثر مِنْ الدُّعاء؛ فإنَّه مفتاح كُلّ رحمة، ونجاح كُلّ حاجة، ولا يُنال ما عِنْدَ الله إلّا بالدُّعاء، وإنَّه لَيسَ باب يكثر قرعه إلّا يوشك أنْ يُفتح لصاحبه»[35].
وأيضاً عن الإمام أبي عبد الله×، قال: «إنَّ الدُّعاء يردّ القضاء، وإنَّ المؤمن ليأتي الذنب فيُحرم به الرزق»[36].
وَوَرَدَ في الدُّعاء بَعْدَ زيارة الإمام الرِّضا×: «أسألك بالقُدرة النافذة في جميع الأشياء وقضائك المُبرم الذي تحجبه بأيسر الدُّعاء»[37].
فإذاً؛ الإبرام هُوَ الإحكام، وإبرام القضاء يعني إحكامه مِنْ الله إحكاماً، فهل يتصوّر زواله وتبدّله والبَداء فيه؟! هذهِ الروايات تقول: نَعَمْ، حتّى القضاء المُبرم إبراماً، وليسَ فقط المُبرم يمكن البَداء فيه.
هكذا كَانَ يعيش أهل البيت^ في علاقاتهم مَعَ الله، لَيسَ في الأوقات العصيبة فقط، بلْ في كُلّ أوقاتهم يعيشون حالة الأمر بين الأمرين، وحالة التوازن بين الخوف والرجاء.
وَمِنْ الأمثلة الَّتِي تُذكَر في هَذا المجال قصّة قوم يونس×، قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين﴾[38].
فالآية تُبيِّن أنَّ أقوام الأنبياء العُصاة مِنْ كُلّ القُرى بَعْدَ عصيانهم لأنبيائهم - وعدم استجابتهم لدعوة الأنبياء- قدْ تدركهم لحظات الإيمان، ولكن القُرآن يقول إنَّ إيمانهم لا ينفع، لماذا؟ لأنَّه بَعْدَ فوات الأوان (بَعْدَ أنْ عاينوا نزول العذاب) ، مَعَ يأسهم وعصيانهم، إلّا قوم يونس× لمّا آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدُّنيا.
قوم يونس
في تفسير (علي بن إبراهيم) : أبي، عَنْ ابن أبي عُمير، عَنْ جميل، قال: قال لي أبو عبد الله×: «ما ردّ الله العذاب إلّا عن قوم يونس، وكَانَ يونس يدعوهم إلى الإسلام فيأبون ذلك، فهمّ أنْ يدعو عليهم وكَانَ فيهم رجلان عابد وعالم، وكَانَ اسم أحدهما مليخا والآخر روبيل، فكَانَ العابد يُشير عَلَى يونس بالدعاء، وكَانَ العالم ينهاه، ويقول: لا تدعُ عليهم؛ فإنَّ الله يستجيب لك ولا يحبّ هلاك عباده. فقَبل قول العابد ولم يقبل قول العالم، فدعا عليهم، فأوحى الله إليه: يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا. فلمّا قرب الوقت خرج يونس× مَعَ العابد وبقي العالم فيها، فلمّا كَانَ في ذلك اليوم نزل العذاب، فقال العالم لهم: يا قوم، افزعوا إلى الله، فلعله يرحمكم فيردّ العذاب عنكم. فقالوا: كيف نفعل؟ قال: اخرجوا إلى المفازة، وفرّقوا بين النساء والأولاد، وبين الإبل وأولادها، وبين البقر وأولادها، وبين الغنم وأولادها، ثمَّ أبكوا وادعوا. فذهبوا وفعلوا ذلك وضجّوا وبكوا، فرحمهم الله وصرف ذلك عنهم وفرّق العذاب عَلَى الجبال»[39].
وقطعاً الرواية حين تقول: العابد يُشير عَلَى يونس بالدُّعاء عليهم. لا يعني أنَّ النَّبي× كَانَت له مشورة فيما يخصّ أمر الوحي، بلْ النَّبي يتصرّف بحسب وحي السماء، وبحسب ما أُعطي مِنْ صلاحيات - لو صحَّ التعبير- وأمَّا دُعاؤه عَلَى قومه، فهَذا أمر طبيعي جداً، كما دعا كثير مِنْ الأنبياء عَلَى أقوامهم بالهلاك عندما استحقوا المُجازاة بالعِناد واللِّجاج، نَعَمْ هُوَ× ترك الأَولى الذي هُوَ الصَّبر أكثر، ولذلك يوصي القُرآن نبينا’: ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُوم﴾[40].
وهُنا رواية تُبيِّن أنَّ البداء بالرحمة الإلهية شمل قوم النَّبي’ كما شمل قوم يونس×، عَنْ مُحمَّد بن مُسْلِم، عَنْ أبي جعفر× - في قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾-: «قال: الناسخ: ما حُوِّل. وما ينسيها: مثل الغيب الذي لمْ يكن بَعْدُ، كقوله: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾. قال: فيفعل الله ما يشاء ويحوِّل ما يشاء، مثل قوم يونس؛ إذْ بَدا له فرحمهم، ومثل قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُوم﴾، قال: أدركتهم رحمته»[41].
إذاً؛ العذاب رُفع عَنْ قوم يونس وقدْ أُبرم إبراماً، حيث أظلّهم قريباً منهم؛ لأنَّهم تضرّعوا ودعوا ربَّهم دعاء المُضطرّ، والله يجيب المُضْطر إذا دعاء ويكشف السوء، فهم كانوا في موقف المُتفائل برحمة الله غَير اليائس، وَهُوَ إيمان عظيم بعظمة تدابير الله، وبالتالي هُوَ إيمان بعظمة الله؛ لأنَّ التعظيم خُلق عظيم ينحدر عَنْ عقيدة صحيحة، وعظمة ذلك أنَّهم عندما نظروا مُقدّمات العذاب، وقدْ تحقّقت أجزاء منها وإنَّ المُخبر بالعذاب صادق؛ لأنَّه نبي مِنْ الأنبياء مَعَ ذلك ظنّوا أنَّ الله أعظم مِنْ ذلك وَمِنْ الأسباب الطبيعية.
الفصل الثانِي
حتميّة القضاء والقدر
في مفهوم النهضة الحسينيّة
حتميّة القضاء والقدر في مفهوم النهضة الحسينيّة
إنَّ الحسم والحتم في أصل الواقعة والحدث - والتقدير الكُلِّي والعنوان الكُلِّي- لما يحدث لا يعني الحسم والحتم في العنوان الجزئي، أي: في التفاصيل الجزئية لملابسات الحدث والواقعة؛ فيمكن الحركة والحراك والنشاط في صياغة وقوع التفاصيل للحدث، بنحو تقلِّل مِنْ نتائج الخسارة، وتصاعد أرقام الفتح والكيفيّات الإيجابية في الظروف المحيطة بالواقعة، وبذلك يتصاعد عنفوان النشاط والحراك والرجاء، ويرقى تفاؤل الخير بتصاعد الأمل، وهذهِ معرفة عميقة وقراءة ثاقبة لمعنى التوكُّل على الله تعالى والرجاء لرحمته تفوق الإيمان بالقضاء والقدر.
وَهَذا الجواب (الثّانِي) يحتاج إلى بيان، وَهُوَ:
إنَّه لا بدَّ أنْ نعرف معنى الحتميّة والحتم، فالحتميّة تعني فيما تعنيه: أنَّ الإنسان لَيسَ له إرادة في رسم مصيره، إنَّما أمره محتوم ومكتوب مُنْذُ الأزل، وقدْ جرى القلم بما كَانَ وما يكون، فلا تغيُّر ولا تبدُّل، فقدْ جفّ القلم.
ولهذا الاتّجاه مدارس كثيرة، وحقيقة هذا الاتّجاه قديماً وحديثاً ترجع إلى المسلك الجبري، ولعلَّ بعض الاتّجاهات الصوفية وقعت مِنْ حيث تشعر أو لا تشعر في عقيدتها بالإرادة الإلهية في مسلك الحتمية الجبري، وهُم يتصورون أنَّه مِنْ المراتب العالية للتوحيد.
مقابل هَذا المسلك الجبري مسلك آخر عَلَى الضدّ تماماً، وهو مسلك الإرادة المُطلقة للإنسان، وأنَّ الإنسان بيده كُلّ شيء، وأنَّ إرادة الإنسان كفيلة بتغيير وجه الأحداث وبتغيير مجرى التاريخ، وليسَ مِنْ إرادة فوق إرادة الإنسان، وَهَذا المسلك هُوَ المُنتشر اليوم عِنْدَ ما يُعرف بالحداثة، فأهل الحداثة والعلمانيون يرون الأصالة للإنسان ولا يرون فوق الإنسان أو الواقع المنظور شيئاً آخر، وهذهِ هي النظرة التفويضية الَّتِي ترى أنَّ كُلّ شيءٍ تَحْتَ إرادة الإنسان ومفوّض له كُلّ شيء.
حتمية البَداء
بين الحتمية الجبرية مِنْ جهة، والتفويضية مِنْ جهة أُخرى، هُناك حقيقة أُخرى، ونظرة ثالثة، وهي حتمية البَداء وبدائية الحتم - وهُنا نُكّتة لطيفة ينبغي الالتفات إليها- فحتمية البداء لا ترى حتماً وحسماً في شيء إلّا للبداء؛ فيكون كُلّ شيء خاضعاً لحتمية البداء فلا حتمية إلّا له، أو قُلْ - بعبارة أُخرى-: إنَّ الحتميات تنصهر في الحتمية الكُبرى (حتمية البَداء) ، الحتم الأصغر يذوب في الحتم الأكبر للبَداء، (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين) .
وَهَذا الجواب - الثّانِي- يختلف عَنْ الجواب الأوَّل؛ وذلك لأنَّ الجواب الأوَّل يرى البداء في الأمر الكُلّي، وَهَذا الجواب ناظر للبَداء في الأمر الجزئي، فمفاده: أنَّهُ مَعَ التنزُّل عَنْ الجواب الأوَّل واعتبار الحتم في القضية الحسينيّة بعنوانها الكُلِّي، فلا يوجب ولا يستدعي ذلك الحَسم والحَتم في الأمر الجزئي. وبعبارة أُخرى: إذا كَانَ هُناك حتم في الأمر إجمالاً فليس هُناك حتم في الأمر تفصيلاً وتعييناً لمصاديقه.
البَداء وليلة القدر
مِنْ المعلوم لدى جميع المُسْلمين - وكما صرَّح القُرآن الكريم بذلك أكثر من مرّة- أنَّ ليلة القدر ليلة يُكتب فيها للإنسان ما يجري عليه في سنته، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾[42].
مِنْ جهة أُخرى، وَرَدَ أنَّ هُناك بعض القضايا المُهمّة المفصليّة تُكتب عَلَى الإنسان في ليلة الخامس عشر مِنْ شعبان - ليلة ولادة الإمام الثّانِي عشر # - كما أنَّ هُناك روايات تُشير إلى أنَّ بعض الأُمور تُكتب في ليالي الجُمعات، بلْ وفي كُلّ ليلة، فهل هُناك تنافٍ أو تدافع بين هذهِ الأُمور الأربعة؟
وفي مقام الجواب نقول: لَيسَ هُناك مِنْ تدافع أو تنافٍ، بلْ إنَّ هُناك تناسباً بين هذهِ الموارد؛ فإنَّ الأمر ينزل في ليلة القدر كُليّاً - جملياً- ثمَّ يفصَّل في ليالي الجُمعات أو في كُلّ ليلة، وَهَذا شبيه بما تقدَّم مِنْ أنَّ الأمر إذا كَانَ حَتميّاً مِنْ حيثه الكُلِّي فليس مِنْ اللازم حتميّته مِنْ حيثه الجزئي، فلو طبَّقنا ذَلِكَ على قضية الإمام الحسين× وافترضنا أنَّ قتله كَانَ مُحكماً أو حتميّاً لا يتغيَّر ولا بَداء فيه، فهَذا لا يعني أنَّ القتل في عرصة كربلاء مكان محتوم، ولا يعني أنَّ العاشر من محرّم - أيضاً- زمن محتوم للقتل، فيمكن فيه البَداء أيضاً. ولو تنزّلنا وَقُلْنا: إنَّ قتله في الزمان والمكان المُعيّن أيضاً مِنْ المحتوم الذي لا بَداء فيه، فإنَّه في أيّ ساعة مِنْ ساعات النَّهار غَير محتوم، وكيفيّة القتل غَير محتومة بنحو لا بَداء فيها. ما هُوَ العدد الذي يبقى معه؟ كم يُقتل منهم؟ ما هي أسماؤهم؟ ما هُوَ عدد السبايا؟ ما هُوَ دورهم؟ كُلّ ذلك غير محتوم.
كذلك الله (عَزَّ وَجَلَّ) أحكم في ليلة القدر، ثمَّ فصَّل في الليالي الأُخرى، فيكون الإحكام الكُلِّي عين التفصيل الجزئي، رغم إمكان البداء في الجزئي، فلا تدافع. والقُرآن الكريم يصف نفسه بقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير﴾[43].
وَهَذا ما يتّضح بجلاء مِنْ خلال مناظرة للإمام الرضا× مَعَ سليمان المروزي (متكلِّم خراسان) ، وهي مناظرة طويلة جداً أوردنا منها موضع الفائدة المتّصلة بالمقام:
«ثمَّ التفت إلى سليمان، فقال: أحسبك ضاهيت اليهود في هَذا الباب. قال: أعوذ بالله مِنْ ذَلِكَ، وما قالت اليهود؟ قال: قالت اليهود: ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾. يعنون: أنَّ الله تعالى قدْ فرغ مِنْ الأمر فليسَ يُحدث شيئاً، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾، ولَقَدْ سمعت قوماً سألوا أبي موسى بن جعفر× عَنْ البَداء، فقال: وما ينكر الناس مِنْ البَداء وأنْ يقف الله قوماً يرجيهم لأمره»[44].
وكذلك في مقطع آخر: «قال: سليمان: ألّا تخبرني عَنْ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾، في أيّ شيء أُنزلت؟ قال الرضا×: يا سليمان، ليلة القدر يُقدِّر الله (عَزَّ وَجَلَّ) فيها ما يكون مِنْ السنة إلى السنة، مِنْ حياة أو موت، أو خير أو شرّ أو رزق، فما قدّره في تلك السنة فَهُوَ مِنْ المحتوم»[45].
وَمِنْ المعلوم أنَّ الحتم هُنا لَيسَ الحتم المُطلق، وإلّا كَانَ كقول اليهود، فإنَّ لله فيها - أي: في ليلة القدر- البَداء مِنْ قبل ما هُوَ فوقها، كما في الرواية الآتية.
عَنْ حمران قال: «سألت أبا عبد الله× عَنْ: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾. فقال: يا حمران، إنَّه إذا كَانَ ليلة القدر ونزلت الملائكة الكتبة إلى السماء الدُّنيا، فيكتبون ما يُقضى في تلك السنة مِنْ أمر، فإذا أراد الله أنْ يُقدِّم شيئاً أو يؤخره أو ينقص منه أو يزيد أمر الملك فمحا ما يشاء، ثمَّ أثبت الذي أراد. قال: فقلت له: عِنْدَ ذلك فكُلّ شيء فَهُوَ عِنْدَ الله في كتاب؟ قال: نَعَمْ. فقلت: فيكون كذا وكذا، ثمَّ كذا وكذا حتّى ينتهي إلى آخره؟ قال×: نَعَمْ. قلتُ: فأيّ شيء يكون بيده - بعده-؟ قال: سُبْحَانَ الله، ثمَّ يحدث الله أيضاً ما شاء تبارك وتعالى»[46].
وهذهِ الرواية تفسِّر الرواية السابقة الَّتِي قالت: إنَّ ما قُدِّر في ليلة القدر، هُوَ مِنْ المحتوم.
فإذاً؛ الحُكم الكُلِّي (الفوقاني) يُنزَّل في ليلة القدر، وفي داخل هَذا الحُكم أو الأمر المُحكم كليّات أقل إحكاماً تنزّل كُلّ ليلة جمعة - مثلاً- ثمَّ في كُلّ ليلة تفاصيل أكثر مِنْ ذلك، فالجزئي الليلي - لو صحَّ التعبير- ينضوي تَحْتَ الكُلِّي الأسبوعي، والكُلِّي الأسبوعي ينضوي - يطوى- في المُحكم الأكبر الذي هُوَ ليلة القدر؛ لأنَّ الكُلِّي الذي يُكتب عَلَى الإنسان في كُلّ ليلة جمعة، هُوَ كلي مِنْ جهة ما هُوَ تحته - أي: ما يُكتب في الليالي الأُخرى- ولكنَّه جزئيٌ وليسَ كليّاً، ومُفصّلاً وليسَ مُحكماً، مِنْ حيث الكُلِّي الفوقاني الأكبر الذي هُوَ في ليلة القدر.
صور البَداء في القضية الحُسينيّة
يمكن تصوّر اجتماع الحتم الكلّي مَعَ البَداء الجزئي في القضية الحسينيّة بعدّة تصورات:
التصوُّر الأوَّل: أنْ يكون اجتماع الحتم والحسم بالقتل لسيّد الشهداء×، مَعَ عدم الحتم والحسم في المكان (مكان القتل) ، هَلْ هُوَ في المسجد الحرام، أو في المدينة، أو في اليمن، أو في الصحراء، أو غَير ذلك؟ فَعَلَى الرغم مِنْ أنَّ الحتم والحسم بالأمر الكُلِّي إلّا أنَّه لَيسَ هُناك مِنْ حسم وحتم في اختيار المكان المُنَاسِب الذي يحقّق لسيّد الشهداء الفتح.
التصوُّر الثّانِي: أنْ يكون الحتم والحسم في الأمر الكُلِّي وَهُوَ القتل، وكذلك في المكان وَهُوَ كربلاء، ولكن لَيسَ هُناك حسم وحتم في الزمان، فالزمن المُنَاسِب يختاره سيّد الشهداء لتحقّق أعلى المكاسب المُستقبليّة، وَهَذا المستوى مِنْ البَداء ذكرته مضامين روايات عديدة، منها عَنْ أبي حمزة الثمالي، قال: «قلت لأبي جعفر×: إنَّ علياً× كَانَ يقول: إلى السبعين بلاء. وكَانَ يقول: بَعْدَ البلاء رخاء. وقدْ مضت السبعون ولم نرَ رخاءً! فقال أبو جعفر×: يا ثابت، إنَّ الله تعالى كَانَ وَقَّتَ هَذا الأمر في السبعين، فلمّا قُتل الحسين× اشتدّ غضب الله عَلَى أهل الأرض فأخَّره إلى أربعين ومائة سنة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع السِّر، فأخّره الله ولم يجعل له بَعْدَ ذلك وقتاً عندنا: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾. قال أبو حمزة: وقلتُ ذلك لأبي عبد الله× فقال: قدْ كَانَ ذاك»[47].
التصور الثَّالث: الحتم والحسم في الأمر الكُلِّي وَهُوَ القتل، وافترض أمراً آخر وَهُوَ الحسم والحتم أيضاً في الزمان والمكان، ولكن لَيسَ هُناك حسم وحتم في الكيفيّة، فهُناك قتلة فاضحة لبني أُمَيَّة، وهُناك قتلة خفيّة لا يتعرّف عليها ولا يتفاعل معها أحد، هُناك قتلة حارّة، وهُناك قتلة باردة لَيسَ فيها إثارة وتحريك للضمائر، فالحسين× يختار القتلة الحارة الفاضحة لبني أُمَيَّة. فالبداء في الكيفيّة بحسب هذهِ الصورة.
التصور الرَّابع: الحتم والحسم إذا كَانَ في القتل، وفي مكانه، وكونه في أرض كرب وبلاء، وإذا كَانَ في زمانه المُعيَّن، فلا حسم ولا حتم في الأُسلوب والطريقة، فهُناك أُسلوب يؤدِّي بنتيجته إلى إضعاف بني أُمَيَّة شيئاً فشيئاً، وهُناك قتلة لا تضعفهم ولا تُبيِّن زيفهم.
أيضاً يمكن أنْ نتصوّر البداء فيمَن يقاتل الحسين ومَنْ يُقتل معه، فعن أبي عبد الله× أنَّه سُئل عَنْ قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ﴾[48]، فقال: «فقد قال الله: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ فلم يدخلوها، ودخلها الأبناء. أو قال: أبناء الأبناء»[49]. فهذهِ الرواية تصوِّر لنا أنَّ البَداء لم يكن في الأمر الكُلِّي، وَهُوَ دخول الأرض المُقدّسة، بلْ كَانَ في الجزئي وَهُوَ الأفراد الداخلون.
وهُناك صور أُخرى، يمكن أنْ تُتَصوّر للبَداء الجزئي المُجْتَمِع مَعَ الحتم الكُلِّي نتركها - اختصاراً- للقارئ اللبيب.
إحسان التقدير وإحكام التدبير
أديب الله
بَعْدَ أنْ بيّنا الجواب الثّانِي - أو الاحتمال الثّانِي- لنشاط الحسين× في عرصة كربلاء لا بدَّ بشيء مِنْ بسط الكلام، ببيان بعض المفردات الحياتيّة، الَّتِي كَانَ يمارسها المعصوم×، ابتداءً مِنْ رسول الله’، ووصولاً إلى إمام الزمان # وَخُلَّص أصحابه وأنصاره، حتّى تتّضح الفكرة في الجواب الثّانِي أكثر، وحتّى يتبيّن لنا كيف أنَّ المعصوم× كَانَ في كثير أحيانه - مَعَ وجود الحتميّة في الأمر الكُلِّي- يسعى لحصول التغيير في الأمر الجزئي.
فإنَّ النَّبي’ يصف نفسه بقوله: «أدّبني ربِّي فأحسن تأديبي»[50]. وكذلك يقول’: «أنا أديب الله وعليّ أديبي»[51]. وهذا القول منه’ لا يدلُّ عَلَى أنَّه لمْ يؤدِّب فاطمة‘، كيف وهي بضعته وروحه، وهي تلميذة النُّبوة الأُولى، وأديبة النُّبوة كما هُوَ واضح مِنْ سيرة النَّبي’ وسنته، بلْ وَمِنْ آيات القُرآن الكريم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين﴾[52].
فعليُّ× التلميذ الأوَّل للمُعلِّم الأوَّل الذي علّم الناس، بلْ حتّى الملائكة والمخلوقات الأُخرى، وعليٌّ× هُوَ المعلم الثّانِي، وفاطمة‘، تلميذة أُولى ومعلِّمة ثانية، وهكذا كُلّ سلسلة المعصومين^ صالح بَعْدَ صالح وصادق بَعْدَ صادق، وَمِنْ الواضح أنّ تأديب النَّبي’ لعليٍّ وفاطمة÷ - أو أحد المعصومين للمعصوم الآخر- لَيسَ مِنْ قبيل التأديبات الخُلقية المعروفة مِنْ حسن الخُلق، لأنَّ هذهِ أدنى درجات التأديب، بلْ التأديب هُوَ عَلَى مُستوى الظاهر والباطن، بلْ كُلّ طبقات الباطن بما لا يمكن إدراكه، ولذلك المؤدِّب يصف خلق الأديب في الكتاب الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾[53].
أدّبني ربِّي
وإذا وصف القُرآن العظيم شيئاً بأنَّه عظيم، فيا ترى ما هي عظمته ...؟[54] وقوله’: «أنا أديب الله»[55] فيه إشارة إلى حديث آخر، وَهُوَ قوله’: «تخلّقوا بأخلاق الله»[56]، فالله جَلَّ جَلَالَهُ له منظومة مِنْ الخُلق العالي العظيم في مقام فعله لا ذاته، وكَانَ أعظم مَنْ طبّقها وسار عليها هُوَ النَّبي’ وأهل بيته^، فالقرآن الكريم يكشف لنا شيئاً مِنْ تلك المنظومة الخُلقية والتأديبية الإلهية اللامتناهية في العديد مِنْ الآيات، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين﴾[57]، فالآية القُرآنية ترسم لنا صورة أمر الله بالسجود لآدم×، وسجود الملائكة وامتناع إبليس عَنْ السجود، وَمِنْ الواضح الجلي أنَّ الله تَبارَك وتَعالى يعلم بسجود الملائكة وامتناع إبليس، ولكن (لا قصاص قبل الجريمة) ، فالله تعالى لا ولَنْ يطرد إبليس مِنْ رحمته قبل صدور العصيان، وإنْ كَانَ يعلم بصدور العصيان، وَهَذا أصل عظيم وقاعدة أساسية وَمِنْ مُحكَمات المنظومة الخلقية التأديبية الإلهية في تعامل البعض مَعَ البعض الآخر.
سعة البَداء في سلوك النَّبي|
وَهَذا الأصل الذي هُوَ أحد بنود المنظومة الإلهية الخُلقية التأديبية، طبّقه النَّبي’ بشكل عجيب وغريب، وبصبر لا مُتناهي، حيث كَانَ يتعامل مَعَ مَنْ يعلم بأنَّه مُنافق أو فاسق أو في قلبه مرض، يتعامل معه بشكل اعتيادي، ويصبر عَلَى أفعاله، ويعطي الفرصة والفرصة والأمل في رحمة الله ويُطمِع الآخرين - حتّى الكافر والمنافق- في رحمة الله الواسعة، حتّى مَعَ علمه أنَّ هَذا مِنْ أهل النار؛ لأنَّه يُريد أنْ يُقلّل - لا أقل- مِنْ درجته التسافلية.
والشواهد عَلَى هَذا المسلك النبوي والتربية المستمرّة منه’ لأصحابه عَلَى معرفة البَداء والتسليم المُطلق لأمر الله كثيرة، منها حادثة صلح الحُدَيْبِيَة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾[58].
فإنَّ الله أرى رسولَه’ في الرؤيا دخول المسجد الحرام، ولكن بَدا لله في ذلك، وَهَذا البَداء في الزمن، حيث اتّفق النَّبي’ مَعَ قريش أنْ يرجع في عامه الذي جاء فيه عَلَى أنْ يعود في عام قابل، والقصّة موجودة في مصادر كثيرة أوردنا منها الفكرة المطلوبة، مَنْ شاء فليراجع[59].
وفي مناظرة للإمام الرضا× مَعَ سُليمان المروزي - وهي مناظرة طويلة جداً- يُسلِّط الإمامُ الضوءَ بشاهد آخر عَلَى سعة الرحمة بالبَداء في الأُمّة.
قال سُليمان: «هَلْ رُوّيتَ فيه شيئاً عَنْ آبائك؟ قال: نَعَمْ، رُوّيت عَنْ أبي، عَنْ أبي عبد الله×، أنَّه قال: إنَّ لله (عَزَّ وَجَلَّ) عِلْمَين: عِلماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلّا هُوَ، مِنْ ذلك يكون البَداء، وعِلماً عَلَّمه ملائكتَه ورسولَه، فالعلماء مِنْ أهل بيت نبينا يعلمونه.
قال صلوات الله عليه: قول الله (عَزَّ وَجَلَّ) لنبيه’:﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُوم﴾[60] أراد هلاكهم، ثمَّ بَدا لله تعالى فقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين﴾[61]»[62].
وخُلقه العظيم يتجلّى أكثر حينما كَانَ’ يمرّ بصعوبة أو ضائقة - أو يُصاب بألمٍ لحادثة مُعيّنة- لا يصبّ جام غضبه عَلَى الآخرين، ولا يَخلُط الأوراق، بلْ ولا يبدو منه أقل التأثُّر، وكأنَّ شيئاً لمْ يكن، فكُلّ شيء عنده بمقدار، بلْ عَلَى العكس يُبدي الاستبشار برحمة الله أكثر مِنْ الحال الاعتيادي.
الحُسينُ أُمَّةٌ
القُرآن يُشير لحقيقة وهي: أنَّ إبراهيم× كَانَ أُمَّةً، ويمكن انتزاع معانٍ عديدة مِنْ هَذا المعنى (أُمومة وأُمَمِيّة إبراهيم×) منها: كونه إنساناً لكلِّ الناس، وأُمَّة لكلِّ الأُمم، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِله حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾[63].
مطمئنةٌ بقدرك
إنَّ الأئمّة^ خير الخَلق عَلَى الإطلاق بَعْدَ رسول الله’، فهم بالتالي خير مِنْ كُلّ الأنبياء والمُرسَلين، وهم كذلك خير مِنْ جدّهم إبراهيم×، فإذا كَانَ إبراهيم أُمَّةً فعليٌّ× أُمَّةٌ، وإذا كَانَت أفعال إبراهيم× أُمَّة كذلك أفعال عليٍّ× أُمَّة، إذا كانت شجاعة إبراهيم× أُمَّة كذلك شجاعة عليٍّ×. فإنَّ شجاعته ليست كشجاعة الشُّجعان الآخرين، بلْ أنَّ شجاعته أُمَّة - شجاعة توحيديّة- عندما قاتل وقتل الأبطال وناجز الشُّجعان، ولذلك هُوَ تارةً يُعبِّر أنَّه ما قلعت باب خيبر بقوّة بشريّة، بلْ بقوّة ربّانية، وتارةً يتأخَّر عَنْ قتل ابن عبد ودّ؛ لأنَّه بصق في وجهه، فلم يرد أنْ يقتله غضباً لنفسه، بلْ غضباً لربّه، فإنَّ يده× لا تتحرّك غضباً لنفسه، في تلك الظروف العصيبة، وفي ذلك الموقف الرهيب الذي ينسي الإنسان المؤمن كُلّ شيء، وَهُوَ موقف قُدْرة وهيمنة وسيطرة مِنْ جهة، وموقف سرور وتعجل بالخير وإدخال السرور عَلَى قلوب المؤمنين - بلْ وحتّى الملائكة والملأ الأعلى- مِنْ جهة أُخرى.
ولنا أنْ نتصوّر كيف كَانَ المُسْلمون يُراقبون الموقف ويتعجّلون عليّاً× في قتل ابن ودّ؛ كي يخرجوا مِنْ المضيق الصعب الذي امتحنوا فيه.
وكأنَّ عليّاً× يجيبهم: كلا، وألف كلا، إنِّي قانت لربّي، ولم أكُ مِنْ المشركين شاكراً لأنعمه، اجتباني وهداني إلى صراط مستقيم، لا أقتلُ إلّا له وحده جَلَّ جَلَالهُ.
كَانَ× أُمَّة في تحمّله المسؤولية، وفي حركته، يحمل الإنسانية وهمومها بين جنبيه حين يقاتل، وحين يأكل ويشرب، حين ينام، وحين تولّى زمام الحُكومة الظاهرية. فالذهب والفضة اللذان تقاتلت عليهما الشعوب والأُمم، وأُزهقت فيهما النفوس يسميهما (صفراء وبيضاء) !! «يا صفراء، ويا بيضاء... غُرّي غيري»[64]، بلْ قال ذلك للدُّنيا بأجمعها: «لاَ حَانَ ِحينُكِ، هيْهَات! غُرِّي غَيْرِي، لاَ حاجَةَ لِي فيِكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهَا»[65].
وَمِنْ طريف ما يُقَال مِنْ الكلام أنَّ الصبي رُبَّما يطلق كلمة صفراء وبيضاء، لو رأى دراهم الفضة ودنانير الذهب، لأنَّه لا يعرف قيمة ومنفعة الذهب والفضّة، لأنَّه جاهل بهما، أمَّا عليٌّ فَهُوَ مُتجاهل لهما - وليسَ جاهلاً بهما- أو بالأحرى: مُتعالٍ عليهما، ولذلك سمّاهما بذلك الاسم.
وهكذا الحسين× - كَانَ أُمَّةً قانتاً لله حنيفاً ولم يكُ مِنْ المشركين- فلم تبدو منه التفاتة للدُّنيا، ولم يظهر منه قيد شعرة مِنْ فتور، فقدْ طلّق الدُّنيا كجدِّه وأبيه وأُمّه وأخيه، وأيضاً طلَّق الهزيمة والتراجع والضعف والخنوع والذلّة، فإنَّ عدوه لمْ يترك له خياراً؛ فقدْ ركز بين اثنتين كما يصف ذلك الحُسين×: «ركز بين اثنتين: بين السِّلة والذِّلة، وهيهات منّا الذِّلة»[66]، بلْ لنا العزّة؛ لأنَّها لله ولرسوله وللمؤمنين. الحسين× قال: هيهات منّا الذِّلة، ولم يقل: إنّي اخترت الموت. لأنَّ الموت وإنْ كَانَ هُوَ الخيار الوحيد الذي جُعِلَ مِنْ قِبل العدو، ولكن الحسين× حتّى هَذا الخيار الوحيد كَانَ لا يختاره بكيفيّة الذلّة، بلْ يختار العِزّة فِي كيفيّة وقوعه، يختار أبواب الرحمة الإلهية الواسعة العديدة.
إنَّها شقشقة
وَرَدَ في الأثر أنَّ النَّبي مُحمَّداً’ - في قوله لعليٍّ×- قال: «لَيسَ الشديدُ بالصرعة، إنّما الشديد الذي يملك نفسه عِنْدَ الغضب»[67]. أي: إنَّ الإنسان يُسمّى شديداً إذا ملك أعصابه عِنْدَ الغضب، وليسَ الشديد هُوَ مَنْ يصرع الأبطال ويناوش الذؤبان.
وَمِنْ المواقف الواضحة والجليّة لامتلاك عليٍّ× نفسه عِنْدَ الغضب حين بصق في وجهه المبارك ابنُ عبد ودّ العامري، فتركه بُرهة مِنْ الزمن حتّى سكت عَنْ أميرنا الغضبُ فقتله لله.
لكن الموقف الآخر الأصعب والأكثر غموضاً هُوَ حين غُصبت منه الخلافة؛ لأنَّه ملك نفسه لسنين طويلة وعديدة لا يطيقها ولا يتحمّلها مَلك مقرَّب ولا نبيّ مرسل؛ حيث رأى تراثه نهباً، وَهُوَ البطل الضرغام الذي لا يُشقّ له غبار.
وتعالَ معي لنراه كيف يصف حاله، في الخطبة المعروفة بالشقشقية، قال×: «أَمَا وَالله، لَقَدْ تَقَمَّصَها ابن أبي قحافة أخو تيم، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ. فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرتُ وَفي الْعَيْنِ قَذىً، وَفي الحَلْقِ شَجاً، أرى تُرَاثي نَهْباً... فَصَبرتُ عَلَى طُولِ المُدّة وَشِدّة المِحْنة»[68].
والخطبة أوضح مِنْ أنْ نُعَلِّق عليها، فهُنا الإمام يُبيِّن جانب الصبر، وَيَبيِّن كيف مسك أعصابه، وصبر مَعَ طول المُدّة، وليسَ ذلك فقط، بلْ صبر عَلَى ما أُحدِث بَعْدَ رسول الله’ مِنْ تحريف للدين، فهُنا تظهر الشدّة مَعَ قُوّة وشدّة الغضب؛ كي يتسنّى لَهُ حُسن المعالجة والإدارة لدفع سلبيات الحدث، والقُدرة عَلَى إدارة الأزمات ممّا كَانَ يديرها في زمن رسول الله’ معه، شعاره عمق التدبير وحسنه، وشعار الطرف الآخر الهزيمة، والشواهد كثيرة عَلَى همّة الطرف الأوَّل ونكوص الطرف الآخر، حيث نُقل: أنَّ عثمان جاء بَعْدَ هزيمته مِنْ أُحد بثلاثة أيّام مِنْ الواقعة، فقال له رسول الله’: «لَقَدْ ذهبت فيها عريضة!»[69]، فالشجاعة في إدارة الأزمات وأخذ زمام المُبادرة في حلّ المُعضلات ينبئ عَنْ عُمق وثبات اليقين وشدّة الرجاء لرحمة الله.
وهكذا كَانَ الحسين× - كَانَ شديداً- حَيْثَ لمْ يَعرف الزمان أزمة أو شدّة أشدّ مِنْ يوم عاشوراء، في المقابل لمْ تَظهر قُوّة وبسالة وشدّة مِنْ شديدٍ كالحسين×، لمْ تَظهر منه مُجرَّد فكرة في التراجع، أو الانسحاب أو التقهقر أو اليأس مِنْ روح الله، ولذلك هُوَ لمْ يختر الموت فراراً مِنْ ثقل المسؤوليّة، بلْ اختار الابتعاد مِنْ الهزيمة، حَيْثَ قال: «إنَّ الدّعي ابن الدّعي قدْ ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة»[70]، فَهُوَ يبتغي العزّة؛ لأنَّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين - كما ذكر القُرآن- فالحسين× اختار العزّة وابتعد عَنْ الذلّة.
ومنطقه: إذا كَانَ الموت وسبي العيال والقتل والمثلة - الَّتِي لمْ يُقتل ولم يُمثّل لأحد فيها مِنْ قَبلي ولا مِنْ بعدي- فيه العزّة، وفيه (هيهات منّا الذلّة) ، فأنا اختاره.
وبَعْدَ أنْ أسس شعار (هيهات مِنَّا الذلّة) طلب الموت الذي هُوَ حياة، حَيْث قال×: «إنِّي لا أرى الموتَ إلّا سعادةً والحياةَ مَعَ الظالمين إلّا برماً»[71]. وإلّا فالوضع الطبيعي، بلْ والوضع الشديد لا يطلب فيه المعصوم× لنفسه الموت، وبَعْدَ يقينه أنَّ عدوه قدْ عزم عَلَى الاثنين بلا ثالث (السلّة والذلّة) قال: «خُطّ الموت عَلَى وُلد آدم مخطِّ القلادة عَلَى جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف»[72].
فَهُوَ هُنا يصوِّر جمال الموت بعزّة، بأنَّه كالقلادة الَّتِي تُزيِّن جيد الفتاة، فالموت العزيز جميل ولذيذ، وَهُوَ مِنْ جهة يُرجعه إلى العيش الكريم ويجمعه مَعَ مَنْ غاب عَنْه مِنْ إسلافه صلوات الله عليهم.
ضابطةٌ جعفريّةٌ في القضاء والقدر
رُوي أنَّ الإمام الصادق× كَانَ في أحد الأيّام في بيته يدعو ويتضرَّع بشدّة، ويبكي بإلحاح كبير، وَبَعْدَ ذلك دخل بعضَ بيوته، ثمَّ خرج بغير الحال الَّتِي كَانَ عليها، فسأله أصحابه عَنْ سبب بكائه وتضرّعه بتلك الدرجة الَّتِي خافوا عليه منها، ثمَّ بَعْدَ ذلك سكن واستبشر، فأجاب بأعظم جواب، هُوَ عبارة عَنْ قاعدة نفيسة في التوكُّل والرضا بقضاء الله، والقصَّة يرويها عِدَّةٌ، منهم العلاء بن كامل، قال: «كنت جالساً عِنْدَ أبي عبد الله× فصرختْ الصارخةُ مِنْ الدار، فقام أبو عبد الله×، ثمَّ جلس فاسترجع، وعاد في حديثه، حتّى فرغ منه، ثمَّ قال: إنّا لنحبّ أنْ نُعافى في أنفسنا وأولادنا وأموالنا، فإذا وقع القضاء فليس لنا أنْ نحبَّ ما لمْ يحبّ الله لنا»[73].
وعَنْ قُتيبة الأعشى: قَالَ: «أتيت أبا عبد الله× أعود ابناً له، فوجدته عَلَى الباب، فإذا هُوَ مُهتمٌّ حزين، فقلت له: جُعلت فداك، كيف الصبي؟ فَقَالَ: والله، إنَّه لما به. ثمَّ دخل فمكث ساعة، ثمَّ خرج إلينا وقدْ أسفر وجهه وذهب التغيير والحزن، قَالَ: فطمعت أنْ يكون قدْ صلح الصبي، فقلت: كيف الصبي جُعلت فداك؟ فَقَالَ قدْ مضى لسبيله، فقلت: جُعلت فداك، لَقَدْ كنتَ وَهُوَ حيٌّ مُهتمّاً حزيناً، وقدْ رأيتُ حالك الساعة وقدْ مات غَير تلك الحال، فكيف هَذا؟ فَقَالَ: إنّا أهل بيت إنَّما نجزع قبل المصيبة، فإذا وقع أمر الله رضينا بقضائه وسلَّمنا لأمره»[74].
وَقَدْ جسّد الإمام الحسين× بشكل مُميّز - هَذا المعنى- وصوّر لنا كيف يتفاعل الإنسان مَعَ الحدث إلى آخر لحظة قبل وقوع القضاء بالتضرُّع والدعاء؛ لأنَّ الدعاء يردّ القضاء وقدْ أُبرم إبراماً.
نَعَمْ، الدعاء لا ينحصر بأنْ يكون بلسان المقال، بلْ بلسان الحال، وَهُوَ في غالب أحيانه أشدّ مِنْ لسان المقال.
فَهُوَ× في حين خاطب القوم بلسان المقال ونصَحَ لهم، هُوَ يخاطب الله بلسان حاله في نفس الوقت ويطلب مِنْ الوسيع رحمته فتح سُبُلِه ودرجات تكامله له، ولكلّ مَنْ كَانَ في المشهد، فمَنْ كَانَ مؤمناً يتحرّى الإمام له زيادة الإيمان، ومَنْ كَانَ مُنحرِفاً يُريد أنْ يُقلّل مِنْ درجات تسافله، ويرفعه مِنْ أسفل درك الجحيم إلى ما هُوَ أخفّ منها لعلَّهُ يحظى برحمة مِنْ الرحمات الإلهية.
وَمِنْ جهة ثالثة: هُوَ× يرسم سُبل التكامُل - أيضاً- إلى عياله وأهل بيته ويُعطي الدروس الكثيرة في التضحية والهمّة العالية والحِنكة والشّجاعة.
وَمِنْ جهة رابعة: هُوَ يدير الحدث بما يصبّ مَعَ الغايات البعيدة الهادفة.
حربٌ باردةٌ لا تُنافي حتميّة القضاء
إنَّ الأساليب الَّتِي اتّخذها أئمّة أهل البيت^ فِي مواجهة أعدائهم عديدةٌ، وأغلبها كانت عبارة عَنْ حرب باردة، وَهَذِهِ الحرب لا تنافي إيمانهم بسعة الرحمة وسعة البُداء وحتميّة القضاء، وَقَدْ خفيت عَلَى كثير مِنْ السطحيين الأساليبُ المتنوّعة - العديدة والكثيرة- الَّتِي كَانَ يواجه بها الأئمّة^ أعداءهم، وخصوصاً الإمام الصادق×.
مِنْ الأُمور الَّتِي ينبغي أنْ نُسَلِّط الضوء عليها هي أنَّ الإمام الصادق× لَيسَ كما يظهر لنا مِنْ الأحداث، أو يُشاع عَنْه أنَّه مشغول حصريّاً في تأسيس الحوزات العلميَّة ولا دخل له - ولو مِنْ بعيد- في السياسة، وأنَّ الظروف الَّتِي كانت في عصره تطلبت ذلك، كما أنَّ ظروف الإمام الحسين× كانت توجب عليه الخروج إلى كربلاء، وليسَ الواجب دوماً عَلَى المعصوم× مواجهة السُّلطة وتحدّي الوضع القائم، فضلاً عَنْ الخروج بالسيف، وأنَّ عليه أنْ يترك التحدّي نتيجة الظروف.
وهَذا التحليل وَهَذا الكلام غَير دقيق ولا سديد، بلْ غَير صحيح؛ حَيْث يذكر المُؤرِّخون أنَّه× واجه الوضع القائم آنذاك وجاهد بالكلمة حتّى أنَّه تعرَّض للقتل مِنْ قِبل أبي جعفر الدوانيقي مرّات كثيرة، حَيْث أرسل عليه في تلك المرات وَهُوَ حاقد عليه، وأسمعه غليظ الكلام، وكَانَ يهمّ في قتله، ولكن تحول دونه الظروف المُختلفة.
وَهَذا وغيره مِنْ الإشارات تُشير إلى أنَّ الإمام× كَانَ يستخدم أُسلوب التقيّة الأمنيّة في التحرُّك والنشاط؛ ممّا يقلق السُّلطة العباسيّة الَّتِي تتحسّس وتستشعر نمو قُوّةٍ مناهضة لدى الإمام الصادق×، تشكِّل خطورة عَلَى بقاء السُّلطة العباسيّة، فتقيته ليست سلبيّة، (سكون وضعف واستكانة ووهن) ، بلْ كَانَ يستعمل أُسلوب الحرب الباردة، حَيْث كَانَ في معرض توزان القوّة أو المواجهة مَعَ المنصور بين الحين والآخر، كُلّما توفَّر ظرف العمل والكلام ليُعطي درساً لكلِّ الأجيال: أنَّ التقية هي عنوان ثانوي (عنوان اضطراري) وحكم اضطراري، فلا تستلزم عدم رعاية الواجب الأوَّلي قدر المستطاع، وبقدر المتاح مِنْ آليات متنوّعة خفيّة لا يهتدي إليها الخصم العدو، فضلاً عمّا إذا ما ارتفع ظرفها فِي بَعْض الجهات والزوايا أو المراحل، وزالت شرائطها أو بعض شرائطها، فتعود العناوين والأحكام الأولية إلى الرعاية التامّة. فالضرورات تقدّر بقدرها ولا تزعزع ملاكات المصالح الأصلية في الدِّين والشرع.
وتقدير هذهِ الظروف تبقى للمؤمن الواعي الحركي المُلتزم بمسؤوليته، وَهُوَ الذي يقدِّر الزمان ويوازن بين التقيّة والحفاظ عَلَى النفس مِنْ جهة، وَمِنْ جهة الحفاظ عَلَى الدِّين والمذهب.
فلينظر المؤمن المُتفرِّس في هذهِ القصص ليرى كيف كَانَ الإمام× دؤوباً فِي البناء والتدبير، ويواجه ويُجاهد ليقابل نظام عدوه كُلّما وُجدت طُرق وأساليب تشكِّل فُرَصاً بالغة الأهمّية.
عِبَر ودروس مِنْ حياة الإمام الصادق×
وهُنا نذكر قصّة للإمام× في حياة أبيه الباقر× بتوجيه منه× حَيْث خطبَ الناسَ في موسم الحجّ خطبة سياسيّة، هي بمثابة إعلان لحرب باردة ضدّ السُّلطان المُنحرِف، ولذلك اضطرّ الخليفة بسبب تأثير تلك الخطبة أنْ يرسل في طلب الإمامين÷، والقصّة: ذكر الطبري بإسناده، عَنْ الصادق×، قال: «حجّ هشام بن عبد الملك بن مروان سنة مِنْ السنين، وكَانَ قدْ حجّ في تلك السنة مُحمَّد بن عليّ الباقر وابنه جعفر بن مُحمَّد^ فقال جعفر بن مُحمَّد‘: الحمد لله الذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً وأكرَمَنا به، فنحنُ صفوة الله عَلَى خلقه وخيرته مِنْ عباده وخلفائه، فالسعيد مَنْ اتّبعنا والشقيّ مَنْ عادانا وخالفنا.
ثمَّ قال أبو عبد الله جعفر بن محمد×: فأخبر مسيلمة أخاه بما سمع، فلم يعرض لنا حتّى انصرف إلى دمشق وانصرفنا إلى المدينة، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه فأشخصنا، فلمّا وردنا مدينة دمشق حجبنا ثلاثاً، ثمَّ أذِن لنا في اليوم الرَّابع فدخلنا، وإذا قدْ قعد عَلَى سرير الملك وجنده وخاصته وقوفاً عَلَى أرجلهم سماطين متسلحين...»[75].
ويظهر مِنْ خلال هذهِ الرواية مدى عُمق المواجهة الَّتِي كَانَ يواجهها الإمام× لعدوه ومدى خشية عدوه منه، سواء في زمن أبيه (زمن بني أُمَيَّة) أو زمن الدولة العباسية.
وفي هذا المجال أيضاً ما ورد عن أبي بكر الحضرمي قال: «لما حُمل أبو جعفرٍ× إلى الشام إلى هشام بن عبد الملك وصار ببابه، قال لأصحابه - ومَن كان بحضرته من بني أُمَيّة-: إذا رأيتموني قد وبّختُ محمّد بن عليّ ثمَّ رأيتموني قد سكتُّ فليَقبِل عليه كلُّ رجل منكم فليوبِّخه. ثمَّ أمر أن يؤذن له، فلمّا دخل عليه أبو جعفر× قال بيده: السلامُ عليكم. فعمّهم جميعاً بالسلام، ثمَّ جلس، فازداد هشام عليه حنقاً بتركه السلام عليه بالخلافة، وجلوسه بغير إذنٍ، فأقَبل يوبِّخه ويقول فيما يقول له: يا محمّد بن عليّ، لا يزال الرجل منكم قد شقّ عصا المسلمين ودعا إلى نفسه، وزعم أنّه الإمامُ سفهاً وقلّة علم. ووبّخهُ بما أراد أن يوبِّخه، فلمّا سكتَ أقبل عليه القوم رجلٌ بعد رجلٍ يوبِّخه حتى انقضى آخرهم، فلمّا سكتَ القوم نهض× قائماً، ثُم قال: أيّها الناس، أين تذهبون وأين يُراد بكم، بنا هدى الله أولَكم، وبنا يختم آخرَكم، فإن يكن لكم ملكٌ معجَّل فإنّ لنا ملكاً مؤجّلاً، وليس بعد ملكنا ملكٌ؛ لأنّا أهلُ العاقبة، يقول الله (عزّ وَجَلَّ) : ﴿والعَاقِبَةُ للمُتَّقِين﴾. فأمر به إلى الحبس، فلمّا صارَ إلى الحبس تكلَّم، فلم يبقَ في الحبس رجلٌ إلّا تَرشَّفَه وحنّ إليه، فجاء صاحبُ الحبس إلى هشامٍ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي خائفٌ عليك من أهل الشام أن يحولوا بينك وبين مجلسك هذا. ثُمَّ أَخْبَرَه بِخَبَرِه، فَأَمَرَ بِه فَحُمِلَ عَلَى الْبَرِيدِ هُوَ وأصحَابُه لِيُرَدُّوا إِلى المدينة، وأَمَرَ أَنْ لَا يُخْرَجَ لَهمُ الأَسْوَاقُ، وحَالَ بَيْنَهُم وبين الطّعَامِ والشّرَابِ، فَسَارُوا ثلاثاً لا يَجِدُونَ طَعَاماً ولَا شَرَاباً، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَدْيَنَ، فَأُغْلِقَ بَابُ الْمَدِينَةِ دُونَهُمْ؛ فَشَكَا أَصْحَابُه الْجُوعَ والْعَطَشَ، قَالَ: فَصَعِدَ جَبَلاً لِيُشْرِفَ عَلَيْهِمْ فقالَ بِأَعلَى صَوْتِه: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا، أَنَا بَقِيَّةُ الله؛ يَقُولُ الله: ﴿بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾[76]، قالَ: وكانَ فِيهِمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَومِ، هذه - والله- دَعْوَةُ شُعيبٍ النبيِّ، والله، لَئِنْ لَمْ تُخْرِجُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِالأَسواق لَتُؤخَذُنَّ مِنْ فَوْقِكُم ومِن تَحتِ أَرْجُلِكُم، فَصَدِّقُونِي فِي هَذِه المرَّةِ وأَطيعُونِي وكَذِّبُونِي فيما تَسْتَأْنِفُونَ، فَإِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ. قَالَ: فَبَادَرُوا فَأَخرَجُوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وأَصْحَابِه بِالأَسْوَاقِ، فَبَلَغَ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ خَبَرُ الشَّيْخِ فَبَعَثَ إِلَيْه فَحَمَلَه، فَلَمْ يُدْرَ مَا صَنَعَ به»[77].
يُلاحظ من هذه الرواية:
1. هكذا كانت أكبر دولة إسلامية تتخوَّف وتتحسس من الإمامين الباقر والصادق÷، كما يبيِّن هذا الموقف من الإمامين الصادقيَن÷ توازن مسيرهما السياسيّ، فلم يكونا في الانتماء المُعلَن موالين للسلطة بحيث يغيب صراط الشرعيّة عن وعي الأُمّة.
2. مع كلّ هذا لم يستطع رئيس هذه السلطة أن يبرّر سبب اعتقاله للإمامين÷؛ ولذلك كان مضطراً لإطلاق سراحهما وإرجاعهما إلى المدينة سالمين غانمين، لكن بسبب حقده وعدائه الشرس على آل مُحمَّد’ أوعز إلى المُدن التي يمرّ من خلالها موكب الإمامين÷ بالفرض على أهاليها بإغلاق أسواقهم ومقاطعة التعامل مع الإمامين.
3. إنّ موقف مولانا الباقر× لم ينكسر ولم ينثنِ عن بيان حصر الشرعيّة في الحكم بأهل البيت^ ، رغم أنّ هذا الإعلان السياسي في مقرّ القصر الرئاسي لبني أُمَيّة .
4. عدم تقريره× للحاكم الأُمَويّ بالخلافة وعدم اكتراثه به، وعدم تهيبه من بطش العصابة الأُمَويّة، وإقدام الحاكم الأُمَوي على حبسه×.
5. قيامه× في الحبس بالتأثير على السجناء بجذبهم لمسار أهل البيت^، وتهيّب السلطة من بقائه، كلّ ذلك يوضِّح حقيقة سيرة الباقر× والصادق× في المسار السياسي وطبيعة تعاملهم مع السلطة الأُمَويّة في حين أنّهما‘ لم يعتمدا الحرب الساخنة معها.
كذلك رواية أبي نعيم المرويّة في حلية الأولياء «إنَّ المنصور استدعى الإمام الصادق يوماً وأجلسه إلى جانبه بكُلِّ إجلال واحترام، فوقع الذُّباب عَلَى وجه المنصور، ولم يزل يقع عَلَى وجهه وأنفه حتّى ضجر منه المنصور، فقال: لِمَ خلق الله الذُّباب يا أبا عبد الله؟ فقال الصادق: ليذلُّ به أنف الجبابرة. فوجم المنصور وتغيّر لونه، ولم يتكلَّم معه بما يُسيء إليه كلمة واحدة»[78].
كذلك نُقل أنَّ المنصور عاتب الإمام عَلَى عدم مجيئه إليه، وعلّل المنصور قائلاً: تَصحبُنا لتنصحَنا. فردّ عليه الإمام× بقوله: «مَنْ يُرد الدُّنيا لا ينصحُك، ومَنْ يُرد الآخرة لا يصحبُك»[79].
وأيضاً عَنْ مُحمَّد بن أبي حمزة قَالَ: «قَالَ أبو عبد الله×: - وذُكِرَ هؤلاء عِنْدَه وسوء حال الشيعة عندهم، فَقَالَ:- إنِّي سرت مَعَ أبي جعفر (المنصور) وَهُوَ في موكبه وَهُوَ عَلَى فرس، وبين يديه خيل وَمِنْ خلفه خيل، وأنا عَلَى حمار إلى جانبه، فَقَالَ لي: يا أبا عبد الله، قدْ كَانَ ينبغي لك أنْ تفرح بما أعطانا الله مِنْ القوّة وفتح لنا مِنْ العزّ، ولا تخبر الناس أنَّكَ أحق بهذا الأمر منّا وأهل بيتك فتغرينا بك وبهم. قَالَ: فقلت: ومَنْ رفع هَذَا إليك فَقَدْ كَذَبَ. فَقَالَ أتحلف عَلَى ما تقول؟ قَالَ: فقلت: إنَّ الناس سحرة يعني - يحبّون أنْ يفسدوا قلبك عليّ- فلا تمكّنهم مِنْ سمعك؛ فإنّا إليك أحوج منك إلينا.
فَقَالَ لي: تذكر يَومَ سألتك هَلْ لنا مُلكٌ؟ فقلت: نَعَمْ، طويلٌ عريضٌ شديدٌ، فلا تزالون في مُهلة مِنْ أمركم وفسحة مِنْ دنياكم، حتّى تصيبوا دماً حراماً في شهر حرام.
فعرفت أنَّه قدْ حفظ الحديث، فقلت: لعلَّ الله (عَزَّ وَجَلَّ) أنْ يكفيك، فإنّي لمْ أخصّك بهذا، إنَّما هُوَ حديث رويته، ثمَّ لعلَّ غيرك مِنْ أهل بيتك أنْ يتولّى ذلك. فسكت عنّي»[80].
وفي موقف له مَعَ والي المنصور عَلَى المدينة، عَنْ المُفيد، عَنْ ابن قولويه... عَنْ عبد الله بن سلمان التميمي، قال: «لمّا قُتل مُحمَّد وإبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن× صار إلى المدينة رجلٌ يُقَال له: شبة بن عقال، ولّاه المنصور على أهلها، فلمّا قدمها، وحضرتْ الجمعةُ، صار إلى مسجد النَّبي’ فرقى المنبر وحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: أمَّا بَعْدَ، فإنَّ علي بن أبي طالب شقّ عصا المُسْلمين، وحارب المؤمنين، وأراد الأمر لنفسه، ومنعه أهله، فحرّمه الله عليه وأماته بغصَّته، وهؤلاء وُلده يتّبعون أثره في الفساد، وطلب الأمر بغير استحقاق له، فهم في نواحي الأرض مقتولون، وبالدماء مُضرّجون. قال: فعظم هَذا الكلام عَلَى الناس ولم يجسر أحدٌ منهم ينطق بحرف.
فقام إليه رجلٌ عليه إزار قومسي سحق، فقال: ونحنُ نحمد الله ونُصلّي عَلَى مُحمَّد خاتم النبيين وسيّد المُرسلين، وعَلَى رسول الله وأنبيائه أجمعين، أمَّا ما قلتَ مِنْ خير فنحنُ أهله، وما قلتَ مِنْ سوء فأنت وصاحبُك به أوْلى وأحرى، يا مَنْ ركب غَير راحلته، وأكل غَير زاده، ارجع مأزوراً. ثمَّ أقبل عَلَى الناس، فقال: ألا أُنبئكم بأخلى الناس ميزاناً يوم القيامة، وأبينهم خسراناً، مَنْ باعَ آخرته بدنيا غيره، وَهُوَ هَذا الفاسق. فأسكت الناس وخرج الوالي مِنْ المسجد لمْ ينطق بحرف، فسألتُ عَنْ الرَّجُل فَقِيْلَ لي: هَذا جعفر بن مُحمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم)»[81].
تناسب التقدير بين الإنسان الصغير والكبير
هَلْ يُتصوّر الجبن أو الخنوع أو الخضوع أو الضعف، أو حتّى ترك الشأن السِّياسي وعدم السعي فِي بناء تكوين منهاج الحَقّ والجهر به في ظرفه المُنَاسِب مِنْ رجلٍ يقول ولو بالتلويح لوالي المنصور: أنت فاسق، أو يقول للمنصور نفسه: أنت جبّار، أو لا نفع في نصحك لأنَّك مِنْ أهل الدُّنيا.
هذهِ السنّة مِنْ الإمام الصادق× ترسم للمؤمن منهاجاً حياتيّاً يقول لَهُ: إنَّكَ إنسان صغير والدِّين إنسان كبير، والمُهمّ هُوَ الحفاظ عَلَى الإنسان الكبير، وتكون المحافظة عَلَى الإنسان الصغير بالتّبع - بتبع محافظته عَلَى الإنسان الكبير- فإذا ما جاء الخطر عَلَى الإنسان الكبير (الإنسان الأهمّ) ، وهو الدِّين وجب عَلَى الإنسان الصغير التضحية دونه، والعكس صحيح، أي: إذا جاء الخطر عَلَى الإنسان الصغير وجب عَلَى الإنسان الكبير المحافظة عَلَى أتباعه - الإنسان الصغير- ولذلك شرَّع له التقيّة، فقد وَرَدَ: «التقيّة ديني ودين آبائي، ولا دين لِمَنْ لا تقيّة له»[82] وكذلك يوجب عليه المحافظة عَلَى نفسه في مختلف الظروف والموارد الَّتِي لا يكون فيها خطر عَلَى الدِّين.
وممّا مرَّ يظهر لك جهاد الإمام الصادق× وما خَفيَ مِنْ نشاطه كَانَ أعظم، ناهيك عَنْ تربيته لأصحابه، فكما كَانَ له في الفقه مثل زُرَارة وأضرابه، وكذلك عنده هشام بن الحَكَم وهشام بن سالم والمعلى وأمثالهم، وكما كانوا عُلماء كَانَ لهم جهاد بالكلمة - لا الانهماك في أبواب السُّلطان- وأمر بالمعروف ونهي عَنْ المنكر، ومواقف مُشرِّفة كاشفة عَنْ الدور التربوي والسلوكي العظيم، الذي كَانَ ينتهجه الإمام× في حياته ومَعَ أصحابه.
ولذلك اُغتيل الإمام× كآبائه شهيداً مسموماً، ولو لمْ يكن نشاطه المُتنامي يقلق السُّلطة لمَاتَ حتف أنفه. وهذهِ سيرة كُلّ الأئمّة والأنبياء بين يديك طافحة بذلك، ولذلك شُرِّدوا وأُوذوا وقُتلوا في سبيل الله. والإمام× وَكُلّ المعصومين^ أفضل بدرجات مِنْ سائر بقية الأنبياء، وهم أحرى مَنْ سلك مسالك الجهاد والدِّفاع عَنْ الدِّين بأساليب مُخْتلِفة باردة وخفيّة ومتنوّعة.
والخُلاصة: إنَّ الإمام الصادق× لمْ يترك الخيارات الأُخرى مَعَ تمسّكه بخيارات معيّنة، ففي حين كانت الظروف مؤاتية لتأسيس الحوزات، لمْ يغفل× جوانب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عَنْ المُنكر بآليات مُتكثّرة، فكَانَ يواجه أعداءه بحرب باردة مُبَاشرة أو بصورة غَير مُبَاشرة بواسطة أتباعه كُلّما سنحت الفرصة وتوفَّر الظرف.
مُهذّب خائف رغم حتميّة النصر
وَهَذا مشهد عكس مشهد سيّد الشُّهَداء×، فرغم حتميّة الشهادة لمْ يسكن عَنْ النشاط والسعي الحثيث للوصول إلى الهدف بأيِّ درجة ممكنة، وفي المشهد الحالي رغم حتميّة النصر فلا يدعوه إلى السكون عَنْ النشاط أيضاً، وَهَذا مِنْ بديع معرفة الأئمّة بالقضاء والقدر وعلمهم بالبَداء الإلهي الأعظم.
المُهذَّب الخائِف
عبارة وَرَدَت في السَّلام عَلَى الإمام المهدي(عجل الله فرجه الشريف) فما معنى ذلك؟ هَذا السُّؤال أجابت عَنْه روايات كثيرة جدّاً، تَدلُّ عَلَى عِدَّة معانٍ وأوصاف، أحدها: أنَّ الإمام يخرُج مِنْ المدينة خائفاً يترقَّب إلى مكَّة حين يقترب ظهوره، عَلَى سُنّة موسى بن عمران×، وهُنا تتبادر الأسئلة عَنْ معنى الخوف، ولماذا يخاف لو كَانَ مِنْ المحتوم نصره؟ فليترك الحبلَ عَلَى الغارب، وليذهب برجله إلى المنون؛ فإنَّه لا يموت لأنَّه موعود بالنصر، وإنَّ الدِّين سيظهر عَلَى الدِّين كُلّه بيده المُباركة ولو كَرِهَ المشركون.
فما معنى الخوف؟ فُسِّر الخوف بأنَّه لَيسَ خوفاً عَلَى النفس، بلْ هُوَ خوف عَلَى المشروع الإلهي، كما أنَّ موسى× حينما خرج مِنْ مدينة مِصر ﴿خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾[83] لمْ يكُن خائفاً عَلَى نفسه لنفسه مِنْ القتل، أو حصول الأذى، بلْ هُوَ خائف عَلَى نفسه لأجل خوفه عَلَى إقامة الدِّين وعَلَى أداء الرسالة وَمِنْ غلبة الجُهّال عَلَى الأمر. كذلك الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) ، وَهَذا جواب إجمالي - رغم صحته- ولا بدَّ مِنْ التفصيل، فنقول:
رغم أنَّ هُناك وعداً جازماً بحصول النصر ونجاح المشروع الإلهي قضاءً وقدراً، وأنَّ ذلك محتومٌ لا ريب فيه، إلّا أنَّ زمنه غَير محتوم، والنهاية معروفة لكن متى ستحصل؟ هَلْ بَعْدَ يوم أو بَعْدَ سنة أو بَعْدَ مائة سنة؟ فينبغي المحافظة عَلَى النتائج الَّتِي حصلت لأجل عدم تأخُّر المشروع الإلهي؛ لأنَّه لا حتم فيه مِنْ حَيْث الزمن والتفاصيل والكيفيّات الأُخرى، فالمكاسب الَّتِي حصلت عِنْدَ صاحب المشروع يجب المحافظة عليها، وَهُوَ مأمور بالحرص عليها والخوف عليها مِنْ الضياع، (يخاف عَلَى شيء فيتحرّك للمحافظة عليه برجاء المحافظة عليه) ، وَهَذا هُوَ الصحيح مِنْ الموازنة بين حتميّة القضاء والقدر وبين مسؤوليّة الاختيار والسعي للتكامل، فيبقى بين الرجاء والخوف (كما في الحديث) ، محافظاً عَلَى ما حصل عليه، وسيحصل عليه.
وهكذا كَانَ الحسين× يخاف عَلَى ضياع جهوده وجهود أبيه وجدِّه وَأُمِّه وأخيه^، وما أسّسه لنجاح المشروع الإلهي، فَهُوَ (خائف يترقّب) حين خرج مِنْ مدينة جدّه الرسول’، خوفاً عَلَى الدِّين وحرصاً منه عَلَى الجهود الَّتِي بذلها جدُّه وأبوه وأُمُّه وأخوه^، بلْ جهود كُلّ الأنبياء السابقين، بلْ وأكثر من ذلك فكَانَ يخاف عَلَى ضياع الجهود الَّتِي سيبذلها الأئمّةُ مِنْ وُلده بعده وَمَنْ تبعهم بإحسان مِنْ المؤمنين، فالخوف ممدوح لِمَعِيِّة الرجاء معه؛ ولذلك فخوف موسى - بلْ خوف القائم# وخوف الحسين×- خوفٌ معه الرجاء؛ لأنَّه لَيسَ فيه قعود وتخاذُل وقنوط ويأس مِنْ روح الله، بلْ التحرُّك عَلَى طبق الخوف لدفعه أو رفعه وَهَذا هُوَ الرجاء العملي.
شجاعةُ التدبير لا تُنافي الحذرَ
سورة الكهف الَّتِي اصطلحنا عليها سورة الإمامة[84]، (وفعلاً هي كذلك) ، فهي تُعطي أربعة نماذج مُهمّة تُبيِّن حيثيّات وسلوكيات الإمامة وهي:
1) قصّة آدم× كخليفة وإمام.
2) نموذج أصحاب الكهف.
3) نموذج العبد الصالح.
4) نموذج ذي القرنين.
كذلك تؤكِّد الروايات أنَّ أصحاب الكهف والعبد الصالح الذي هُوَ الخضر×، سيكونون مِنْ أنصار الإمام المهدي#، أي: أنَّ هؤلاء لهم الأهليّة للعيش في آخر الزمان، أي: لهم الأهليّة للقيادة العسكريّة والسياسيّة، التدبيريّة والاجتماعيّة في الزمن اللاحق (المُتقدِّم) المتطوِّر علميّاً وحضاريّاً؛ ممّا يكشف لنا عَنْ علوِّ علمهم، وعن عمق عقيدتهم، وصفاء نيتهم، وعمق تدبيرهم وخبرويتهم، وأنَّ علمهم لَيسَ مِنْ سنخ العُلوم المعروفة، بلْ هُوَ علم لَدُنّي كما أَخبرنا القُرآن في قصّة الخضر.
نَعَمْ، القُرآن لمْ يخبرنا عَنْ سنخ علم أصحاب الكهف، بلْ قال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾[85]، ولعلَّ أحد القرائن عَلَى أنَّ علمهم لَدُنِّي - بالإضافة إلى الآية: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾- هُوَ نفس أهليّتهم للقيادة الإدارية والتدبيريّة في آخر الزمان.
الأمر الآخر المُهِم الذي يجب أنْ نُسلِّط الضوء عليه - لبيان ميزاتهم الَّتِي سبّبتْ أهليّتهم للقيادة في آخر الزمان، بَعْدَ أنْ عرفنا أنَّ سنخ علمهم لَدُنّي- هُوَ الجانب الأمني أو الحسّ الأمني (كما يُعبَّر في العصر الحاضر) ، والقُرآن يُبيّن لنا ذلك في مقطع صغير خفيٍّ يتّضح بالتدبُّر وبالتأمُّل، فعن أصحاب الكهف، يقول: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾[86].
فَمِنْ قوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾. وقوله: ﴿وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾. استدلَّ بعضٌ بها عَلَى مشروعيّة التقيّة إلّا أنَّه فيها جانب عظيم وخطير مِنْ تدريب النفس عَلَى الحسّ الأمني والتدبير؛ فإنَّ (التلطّف) الذي طلبه أصحاب الكهف مِنْ صاحبهم الذي أرسلوه إلى المدينة فيه جانب عظيم وخطير مِنْ تدريب النفس عَلَى الحسّ الأمني والتدبير، وهُوَ نوع خفاءٍ، للمتلطِّف حين مواجهته للناس.
فاللطافة كما يقول الراغب الأصفهاني: «ويعبِّر باللطافة واللطف عَنْ الحركة الخفيفة وعن تعاطي الأُمور الدقيقة»[87]، إذاً؛ التلطُّف هُوَ الخفّة في التعاطي والتعامل، والخفّة لا يُقصد بها سرعة الحركة، بلْ هي تُشير إلى عدم الثقل له لدى الآخرين، وهُوَ عدم الوزن، أي: لا يُقام لهذا المُتعاطي وزناً، وكأنَّ العين لا تحسب له حساباً ولا تُقيم له وزناً، وَهَذا معنى عظيم وحسّ أمني خطير لا يمكن أنْ يعمله كُلّ أحد، وهو في الحقيقة هبة إلهية وسرّ إلهي.
وفي كثير مِنْ القصص الَّتِي تروى عَنْ أشخاص تشرَّفوا برؤية الإمام صاحب الزمان # ، أنَّهم إنّما التفتوا إلى أنَّ هَذا هُوَ الإمام# بَعْدَ أنْ ذهب أو اختفى عنهم، وَأنَّهُ لمْ يشعرهم أنَّه هُوَ الإمام، والإمام أعطاهم إشارات خفيّة أو لطيفة، ولكن للطفاتها ودقّتها لمْ يلتفتوا إليها.
نَعَمْ، مَنْ يدّعي الرؤية بداعي إظهار أنَّه وسيط مَعَ الإمام (عجل الله فرجه الشريف) فَهُوَ كاذب مُفترٍ.
خفاء التدبير بلا خفاء للمدبِّر
كذلك اللطف هُوَ عبارة عَنْ تعاطي لمعانٍ دقيقة، لا يفهمها كُلّ أحد فالعبارات اللطيفة الدقيقة الَّتِي تُلقى لا يفهمها عامّة الناس، بلْ يفهمها الخواص أو خواص الخواص؛ فيكون التلطّف هُوَ فِي الكلام بقدر السُّؤال مَعَ عدم الزيادة، والكلام بشكل إجمالي ومُقتضب، أو بشكل بسيط وسلس وغير مُعقّد؛ لأنَّ التعقيد يزيد السُّؤال.
فالتلطّف وعدم إشعار الآخرين هُوَ إشارة للحسّ الأمني العالي الذي مارسه أصحاب الكهف، وكذلك الخضر× حينما جاء إليه موسى× يتعلّم منه، حَيْث كَانَ بين موسى× وبين الخضر× موعد، ولا يُتصور أنَّ الخضر تخلّف عَنْ الموعد، كما لمْ يتخلّف موسى×، ولكن الذي حصل أنَّ موسى× لمْ يطّلع عَلَى العَلامة حين وقوعها وهي اتّخاذ الحوت سبيله سرباً، وحينها كَانَ الخضر× جالساً في نفس المكان، ولم يُشر إلى موسى×، ولم يحرِّك ساكناً لشدّة حياطته الأمنية رغم أنَّه عرف موسى× حسب المقرر.
فتلاقي موسى والخضر÷ وإنْ كَانَ وعداً إلهياً وقدراً محتّماً وقضاءً مُبرماً إلّا أنَّ ذلك لمْ يدع موسى والخضر÷ يتوانيان عَنْ تحمّل أعلى المسؤولية وإتيان قمّة النشاط، ومراعاة أشدّ الحذر وأدقّ الترقُّب مَعَ أنَّ الخضر× قدْ شرب مِنْ عين الحياة ومضمون البقاء إلى يوم الظهور المُقدّس للإمام # ، إلّا أنَّ حذره مُتصاعد حتّى مَعَ مثل موسى× نبي مِنْ أُولي العزم.
وَمِنْ ثَمَّ قال له - حيطةً وحفاظاً عَلَى برنامج مسؤولياته الخفيّة-: هَذا فراق بيني وبينك. والسبب لأجل أنْ يبقى في معايشة تامّة لأُسلوب الحياطة الأمنية - التقيّة المُكثّفة- حتّى في الحالات الاعتيادية، قال تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾[88].
وهذهِ التقيّة مِنْ الإمام# وأصحابه - والبرنامج الأمني المُكثّف- لَيسَ تشكيكاً في وعد الله المحتوم بالنصر والعياذ بالله، ولا تشكيكاً في قُدْرة الله، بلْ هُوَ عَلَى العكس تماماً زيادة في الإيمان بمدى سعة القدرة والمشيئة الإلهية، وزيادة في المعرفة بمشيئة الله وسعة قدرته الَّتِي هي البداء وبسعة قُدْرة الله وسعة علمه.
وإنَّ الاحتراز مِنْ مثل الخضر× أو أصحاب الكهف^ هُوَ أكثر تسليماً لمشيئة الله الواسعة، مِنْ استسلامهم للقضاء والقدر اللذين هُما أضْيَق مِنْ سعة المشيئة، ألا ترى قول نبي الله إبراهيم×: ﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾[89]. فرغم يقينه إلّا أنَّه استثنى مشيئة الله لسعة علم الله بكُلِّ شيء.
وبعبارة أُخرى: رغم كون الخضر× حيّاً إلى آخر الزمان إلّا أنَّ اتّباع الأساليب والطُّرق الأمنية شيء أساسي، وَهُوَ أشدّ تسليماً لله حَيْث سلّم بسعة مشيئة الله وعلمه وقدرته، ولم يغترّ بحتميّة القضاء والقدر، ولذلك المخلصون عَلَى خطر عظيم ووَجَلٍ كبير؛ لتهيِّبهم مِنْ سعة المشيئة والعلم والقُدرة والبَداء، فبقدر ما لديهم مِنْ رجاء ومعرفة بالجمال لديهم خوف ومعرفة بالجلال، وَهُوَ ما يُشير إليه سيد الشُّهداء في دعاء عرفة: «إلهي، إنَّ اختلاف تدبيرك وسرعة طواء مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عَنْ السكون إلى عطاء، واليأس منك في بلاء»[90].
فعدم سكونهم لعدم اقتصارهم بلا خوف وإنْ أُعطوا، وَلَيْسَ سوء ظنٍّ بالله تَعَالَى، بَلْ توازن شدّة الرجاء مَعَ شدّة الخوف، وَهُوَ تجلّ لعظمة الربوبية مَعَ شدّة عبوديّة وشدّة خضوع، وعدم يأسهم وعدم اقتصارهم عَلَى الخوف بدون رجاء في البلاء؛ لكون خوفهم مَعَ رجاء، وَهَذا معنى دقيق بحاجة إلى تدبُّر.
كمالُ التدبيرِ اليقظةُ والحذرُ
أحلاس البيوت
وَرَدَت روايات عديدة ذكرت عنوان (الحِلْس) ، وأُسيءَ فهم هَذا العنوان كثيراً، وتصور الكثير أنَّه يعني الجمود وترك المسؤوليات؛ فلا بُدَّ هُنا أنْ نُسَلِّط الضوء عَلَى هَذا العنوان.
عَنْ أبي عبد الله×، قال: «... فكونوا أحلاس بيوتكم، والبدوا ما أَلبدنا، فإذا تحرَّك مُتحرِّكنا فاسعوا إليه ولو حَبواً»[91]. وعن أبي الجارود، عَنْ أبي جعفر×، قال: «قال: قلتُ له×: أوصني؟ فقال: أوصيك بتقوى الله، وأنْ تلزم بيتك وتقعُد في دهماء هؤلاء الناس، وإياك والخوارج منّا؛ فإنَّهم ليسوا عَلَى شيء ولا إلى شيء...»[92]. وعَنْ أبي المرهف، قال: «قال أبو عبدالله×: هلكت المحاضير، قال: قلتُ: وما المحاضير؟ قال: المُستعجِلون، ونجا المقرَّبون، وثبت الحصن عَلَى أوتادها، كونوا أحلاس بيوتكم؛ فإنَّ الغبرة عَلَى مَن أثارها، وإنَّهم لا يُريدونكم بجائحه إلّا أتاهم الله بشاغل إلّا مَنْ تعرَّض لهم»[93].
هذهِ الروايات وغيرها نراها تأمر المؤمن في زمن الغيبة أنْ يكون حِلْساً مِنْ أحلاس بيته، وقدْ شاع تفسيره بمعنى الجلوس في الدار، أو بمعنى السكون وعدم الحركة، أو عدم التحرُّك لئلّا يؤدِّي بالمؤمن للأذى أو الموت. فهل المُراد مِنْ هَذا اللسان ذلك أو شيء آخر؟ وَهَذا ما سيأتي توضيحه في خاتمة البحث - في بحث مستقل في الفصل الأول من القسم الثاني- إذْ هَذا المعنى الشائع تفسيره لا يتناسب مَعَ القواعد المعرفيّة العامَّة مِنْ التوكُّل والرجاء وعدم اليأس وعدم الاستسلام إلى الظروف والواقع الراهن مهما كَانَ مُعقّداً ومُكبّلاً.
وقدْ جذَّر هذهِ الثقافة - ثقافة الأمل والنشاط- ما وَرَدَ في زيارة الحسين× أنَّه كَانَ أسير الكربات[94]، أي: أنَّ تعقيد الظروف كَانَ يحيط به مِنْ كُلّ جانب، وبرغم كُلّ ذلك لمْ يكن× مستسلِماً لتلك الظروف، بلْ كَانَ في قمّة الحيويّة والنشاط.
الفصل الثَّالث
لا حَسم سابق ولا حَتم في التداعيات
بدون إمكانيّة البَداء
لا حَسْم سابق ولا حَتم في التداعيات بدون إمكانيّة البَداء
إذا كَانَ الحَسم والحَتم في الأمر الكُلِّي وكذلك الجزئي فلا حَسم ولا حَتم في التداعيات، بنحو يسدّ الباب عَنْ تطرُّق البَداء الإلهي، لا سيّما البَداء الأعظم.ال
هَذا الجواب: مَعَ التنزُّل عَنْ الجواب الأوَّل: مِنْ أنَّ قضية شهادة الحسين× نفسها تحتمل البَداء، ولو البَداء الأعظم. ومَعَ التنزُّل عَنْ الجواب الثّانِي: مِنْ أنَّ قضية الحسين× تحتمل البَداء في تفاصيلها الجزئية، وإنْ لمْ تحتمل البداء في أصل الشهادة، يأتي دور الجواب الثَّالث، وَهُوَ:
إنَّ النتائج والتداعيات المُترتّبة عَلَى الحدث غَير محسومة سلفاً ومُسبقاً، والتفاصيل الأُخرى المُتولِّدة مِنْ الحدث الخارجة عَنْ حاقِّ الواقعة كذلك المجال فيها مُمكن للحركة والحراك والسعي بلحاظها لإنجاز أكبر قدر مِنْ الأهداف العالية، فلا يأس ولا إياس، بلْ عنفوانُ رجاءٍ ملؤه تفاؤل بالخير والأمل، وهذهِ معرفة غائرة بالتوكُّل عَلَى الله تعالى والرجاء لرحمته تفوق الإيمان بالقضاء والقدر، فإنَّ النتائج الَّتِي يرمي الحسين× للتخطيط لوقوعها والَّتِي تتكشّف يوماً بَعْدَ يوم كانت مِنْ إنجازات الحسين× بمشيئته تعالى وراء القضاء المحتوم، أي: بما ألهمه الله مِنْ العلم والفهم بسعة قُدْرة الله تعالى وسعة علمه تعالى، وبما كشف له مِنْ الواقع بما له مِنْ علو، وأُخرى كانت مِنْ إنجاز السبايا، وبالخصوص زينب والسجاد÷ بما لهم مِنْ علم إلهي وحكمة وتربية مُحمّدية علويّة فاطميّة حسنيّة حسينيّة.
وَهَذا واضح في قول السجّاد لعمّته زينب‘: «أنتِ عالِمةٌ غَيرُ مُعلّمة وفهمةٌ غَيرُ مُفهّمة»[95]، وزينب÷ تؤكِّد له أنَّ قضية الحسين× باقية ما بقي الليل والنَّهار، حَيْثَ تقول‘: «ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدِّي وإخوتي؟ فو الله، إنَّ هَذا لعهدٌ مِنْ الله إلى جدِّك وأبيك، ولَقَدْ أخذ الله ميثاقَ أُناس لا تعرفهم فراعنة هذهِ الأرض، وهم معروفون في أهل السموات، أنَّهم يجمعون هذهِ الأعضاء المُقطعة والجسوم المُضرّجة فيوارونها، وينصبون بهذا الطف عَلماً لقبر أبيك سيّد الشهداء لا يُدرس أثره، ولا يُمحى رسمه عَلَى كرور الليالي والأيام، وليجتهدنَّ أئمّةُ الكُفْر وأشياع الضلال في محوه وطمسه، فلا يزداد أثره إلّا علواً...»[96].
وهذهِ كلمة مِنْ العقيلة‘ عالية المضامين يصعب إنجازها وتطبيقها، وهي كلمة نسمعها ونُردّدها، وهي خفيفة في اللسان، ولكنَّها كانت ولا زالت ثقيلة في ميدان التطبيق وميدان العمل، فالإخبار والعلم شيء، والعمل شيء آخر مُغاير تماماً للكلام والعلم.
إذاً؛ فإنَّ نتائج كثيرة غَير محسومة وغير محتومة يمكن أنْ تترتّب بتحمّل المسؤوليّة ومكابدة الهمم، وإنْ كَانَ أصل الحدث محتوماً والواقعة مُبرمة في القضاء؛ فكَانَ الحسين× - دوامة قطب نشاط وحيويّة- يرمي إلى إنجازها، وأُنجزت وتحقّقت عَلَى يده، أو عَلَى يد السبايا في زمنه أو بَعْدَ زمنه المُبارك وإلى يومك هَذا.
التفاؤل في ميزان القضاء والقَدَر
تفاءلوا بالخير
نودُّ - هُنا- الإشارة إلى بعض الأُسس والقواعد الَّتِي أسسها النَّبي’، والَّتِي تُلقي بظلالها عَلَى ما ينبغي فهمه مِنْ الجواب الثَّالث في معرفة سعة التوكُّل والرجاء بالله تعالى ورحمته.
بند وأصل وأساس عظيم، ونظريَّة نبويّة، وكلمة جامعة مِنْ الخاتم’، الذي قال: «أُعطيتُ جوامع الكلم»[97]، وهذهِ الكلمة هي: «تفاءلوا بالخير تجدوه»[98]، هذهِ الكلمة الجامعة مِنْ (الخاتم لما سبق، والفاتح لما استُقبل والمهيمن عَلَى ذلك كُلّه) ، هذهِ الكلمة العظيمة الكُبرى مِنْ النَّبي’ ليست مُجرَّد كلمة تشجيعيّة اندفاعية لشحذ الهمم - وإنْ كانت كذلك- بلْ هي كلمة شوهدت نتائجها، وتشاهد اليوم في عشرات الميادين، بلْ مئات أو أكثر مِنْ ذلك. وكثيرون نجحوا في حياتهم بتطبيقهم لهذه المقولة العظيمة، في حين تجد إنساناً في قمّة الفشل، ولكنَّه مُتفائل وتفاؤله يحوِّل الهزيمة إلى نصر والفشل إلى نجاح والأزمات إلى فُرَص.
فالتفاؤل حالة تكوينيّة تعيشها النفس، والروح تصنع المُعجزات في تدبير وإدارة الحدث فِي عالم التكوين الخارجي، كما صنعته في عالم التكوين الباطني للنفس، وليسَ الأمر مُختصاً بالأفراد، بلْ هُوَ حتّى عَلَى صعيد المُجتمعات وعَلَى صعيد الدول والحكومات.
تدبير الخير لمستقبل الأُمّة
مِنْ فرط حرص النَّبي’ عَلَى الخير للمُسْلمين، بلْ لكلِّ الناس بما فيهم أهل الكُفْر والنِّفاق واستماعه لكلامهم، قال بعض الصحابة في زمانه: هُوَ (أُذن) . فأجاب عَنْ ذلك القُرآن بقوله: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[99].فَهُوَ يستمع للجميع ويصاحب الكُلّ (بما فيهم المُنافق) ؛ لذلك يظنّ الظانّ أنَّ النَّبي’ استجاب لهذا القرشي المُتآمر، أو قَبِل قول هَذا المُنافق، والحال أنَّ في الاستماع الجيّد والإصغاء التامّ له أبعاد كثيرة جدّاً، فَهُوَ مِنْ جهة يُشجِّع الطرف الآخر عَلَى التفاعل والمُشاركة والإسهام، سواء الصحيح أو الخاطئ حتّى يُصحّح’ له الخطأ - تكلَّموا تُعرفوا-. وَمِنْ جهة يبثّ جواً مِنْ الحريّة وقبول الطرف الآخر، وَهُوَ لا يعني بالضرورة تطبيق ما يقوله الطرف الآخر، وَهُوَ تشجيع للحوار الهادئ البنّاء والمشورة النافعة. وَمِنْ جهة ثالثة هُوَ تعليم للآخرين؛ لأنَّه عندما يتكلَّم بما عنده مِنْ أفكار تأتيه أفكار جديدة ورؤى أُخرى، وينتفع البقية مِنْ المناقشة وَمِنْ التصحيح والمُداخلات. وَمِنْ جهة رابعة دور للمشاركة والمراقبة داخل الإطار الإسلامي الصحيح، والابتعاد عَنْ سياسة تكميم الأفواه في الاستفسار عَنْ بعض السياسات التنفيذيّة عَلَى الرغم مِنْ أنَّها وحي مُنزَّل.
ولذلك لمْ يكن الله ولا رسوله’ يمنع مِنْ التفاعل الصحيح البنّاء، فالنبي| في عشرات المواقف يستقبل الكلام القاسي بصدر رحب مِنْ جهة، وَمِنْ جهة أُخرى يقول هَذا أمر الله، ولم يكن في كلام القُرآن وفي كلام النَّبي والأنبياء السابقين ما يُشير إلى تحريم إبداء المُقترحات والأسئلة الفاحصة عَنْ الحقيقة في تصرُّف مِنْ التصرّفات والممارسات، وَهَذا ما يُفَسِّر لنا عشرات التعليلات المُفسّرة المُبيّنة الَّتِي في القُرآن لتصحيح المسارات الخاطئة الَّتِي مارستها الأقوام في الاجيال السابقة عَنْ حكمة أفعال الأنبياء، وتصرّفاتهم حَيْث توهّموا بالنَّظر السلبي لتلك التصرّفات.
نظير ذلك قضيّة تنصيب عليٍّ× أميراً للمؤمنين مِنْ قِبَل السماء، فقدْ جاءت العزيمة منه تعالى في حجّة الوداع في مكَّة، إلّا أنَّ الأمر لمْ يكن مُضيّقاً مِنْ جهة الزمان والمكان، وكَانَ الزمن باختيار النَّبي’ حَيْث كَانَ يتحرّى الوقت المُناسب الذي يوصل فيه التبليغ للناس مع اشتماله عَلَى أكبر حصيلة ممكنة مِنْ تشييد صرح هَذَا الأصل الأصيل للإسلام والمسلمين، ثمَّ أتت عزيمة أُخرى منه تعالى مُضيّقة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين﴾[100]، أي: بلِّغ - يا رسول الله’- تنصيب الأمير×.
فَقَدْ روى ابن مردويه بسنده، عَنْ ابن مسعود عَنْ قراءة الآية، قَالَ: «كُنَّا نقرأ عَلَى عهد رسول الله’ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...﴾»[101]، وأخرج ابن أبي حاتم -وابن مردويه وابن عساكر- عَنْ أبي سعيد الخدري، قال: «نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ...﴾على رسول الله| يوم غدير خُم في عليّ بن أبي طالب»[102]، وإذا كنت في خشية عَلَى الرسالة وعَلَى المشروع الإلهي، فإنَّه مشروع معصوم، وأنت أيضاً معصوم وممنوع مِنْ أنْ يصل إليك الشرّ مِنْ الناس والتكذيب، فإذا لمْ يكن هُناك شرّ وتكذيب فهُناك الخير كُلّ الخير وَهُوَ المُبتغى والغاية.
وخشية النَّبي’ بكُلِّ تأكيد كانت في محلِّها، وعوامل الخشية موجودة والقُرآن يوضِّح ذلك، ولكن لا بدَّ مِنْ التبليغ؛ لأنَّ الأمر المبلَّغ به هُوَ عِدْل الرسالة، بلْ هُوَ الرسالة، وَمِنْ الآيات الَّتِي تُبيِّن ذلك قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع﴾[103][104].
فالأمر الأوَّل والعزيمة الأُولى بتبليغ الولاية رغم عظمتها وخطورتها في الأمر الإلهي النازل عَلَى النَّبي’، إلّا أنَّ ذلك لمْ يدفع بالنبي’ إلى الاندفاع في الحركة والحراك مِنْ دون تدبير وتخطيط في توخّي الأفضل في المساحة المفتوحة بَعْدَ أنْ لمْ يكن الأمر مُضيّقاً، بَلْ موسّعاً حتّى جاء الأمر مرّة أُخرى بالفوريّة والتضييق، فترك التأخير بسبب الترويّ والتحرّي إلى المُبادرة والإسراع.
هَذا مثال وسنّة منه’ أنَّ الأمر وإنْ كَانَ حتميّاً وبالغ الخطورة، إلّا أنَّه لا ملازمة بين الحتميّة وعدم السعة فِي التفاصيل، فأصل الإبلاغ لازم، ولكنَّه مِنْ جهة الزمان والمكان والظروف متّسع للتدبير والتحرّي الأنسب للحركة والحراك، وتوخّي أفضل الظروف وأحسن النتائج.
وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ النهي الشديد في السنّة الإلهيّة عَنْ التضييق بكثرة السُّؤال، كما في بني إسرائيل ضيَّقوا عَلَى أنفسهم الأوامر الإلهية ذَاتَ العموم (المُتّسعة) بسبب كثرة السُّؤال عَنْ التفاصيل والقيود، كما في أمره تعالى لهم بذبح البقرة، فكان في البدء مُتّسع لهم المجال في التفاصيل والحركة فيها رغم إلزامية الأمر، إلّا أنَّهم أكثروا السُّؤال عَنْ القيود في التفاصيل ليحتِّموها عَلَى أنفسهم، مَعَ أنَّها لمْ تكن مُبرمة بالقيود مُضيّقة عليهم رغم إبرام أصل الأمر.
وَهَذا معنى ما وَرَدَ مِنْ أنَّ الله يكره كثرة السُّؤال، أي: عَنْ التفاصيل المُقيِّدة للسعة - كَمَا هُوَ حال اليهود أصحاب البقرة- لا كراهة السُّؤال عَنْ المعرفة بالحقائق بمعنى التعلم والمعرفة، وَهَذا معناه أنَّ سنّة ومحبّة الله تَعَالَى هِيَ فِي حيويّة النشاط والحراك مِنْ العبد فيما وسَّع الله تعالى عليه المجال سواء في الأمر التكويني أو الأمر التشريعي، وَهَذه السنّة الكونية والتشريعية تناسب مقتضى ومعنى التوحيد فِي الأفعال (أمر بين أمرين) ، فلا جبر حتم مُضيَّق، ولا تفويض انقطاع عَنْ الغاية والإرادة الإلهيّة.
قمّة النشاط مَعَ حتميّة الشهادة
تفاؤل الحسين×
سَيِّد الشُّهَداء يجسِّد هَذا البند العظيم وهذهِ الكلمة - تفاءلوا بالخير- الجامعة (عمليّاً) في ساحة الطّف، يُقاتل قتال المُنتصر لا يعرف الهوادة، يكرّ عَلَى القوم كراراً، كرّ الأسد الغضوب، يبتغي الخير ويطلب عنوان الخير بكُلِّ أبعاده، سواء الحالية أو المُستقبليّة للدين أو له× باعتباره حجّة الله في أرضه أو لأهل بيته وصحبه، بلْ أكثر مِنْ ذلك يبتغي الخير لأعدائه ويطلب الصلاح لهم، ففي كُلّ حركة وسكنة وَكُلّ لحظة مِنْ اللحظات ينظر لذلك العنوان العام المُهيمن الواسع مِنْ اتّساع الرحمة الإلهيّة.
وَهَذا الأمر لَيسَ عِنْدَ المولى أبي عبد الله× فحسب، بلْ هُوَ أدب إلهيّ ونبويّ وعلويّ، فإنَّ الله جَلَّ جَلَالَهُ يبني الأُطر العامَّة لتعامله مَعَ مخلوقاته - وليسَ مَعَ الإنسان فقط- عَلَى إطار الرحمة العامَّة الواسعة، والَّتِي تنطوي تحتها عناوين عامّة أُخرى، كالخير والجود والكرم والعطاء، رغم علمه بمصائر الناس ومآلهم، وكأنَّه يتجاوز عَنْ علم قضائه وعلم قدرهِ المحتوم إلى سعة مشيئته الَّتِي هي درجة أعلى مِنْ العلم بالقضاء والقَدَر الإلهيّ، فليس عطاؤه محظوراً عَلَى أهل الكُفْر ولا عَلَى أهل الإيمان، قَالَ تعالى: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾[105]، فيعطي ويعطي ويبتغي الخير، ويتحرّى الخير ويأمل الخير في كُلّ آن مِنْ عبده، كما في الحديث القدسي: «مَنْ تقدَّم إليَّ شبراً تقدّمتُ إليه ذراعاً، ومَنْ تقدّم إليّ ذراعاً تقدّمتُ إليه باعاً...»[106]، جَلَّ ربّي عَنْ الزمان والمكان.
وهكذا أدَّب اللهُ نبيَه’ وَهُوَ القائل: «أنا أديبُ الله»[107]، حيْث كَانَ’ يبتغي فِي تدبيره وإدارته لشؤون الآخرين الرحمة والخير للجميع، وكَانَ يتفاءل بالخير فِي رسم سياساته وخطواته في سيرته مَعَ أصحابه وجميع الناس إلى آخر لحظة وآخر فرصة وأمل لإرعوائهم إلى الحَقّ وترك الباطل، ويجد الخير بذلك التفاؤل؛ ولذلك استطاع أنْ يقلب الموازين واستطاع أنْ يجعل مِنْ الأعداء إخوة مُتحابّين؛ حَيْث أجرى الصلح بين الأوس والخزرج، وآخى بين المُهاجرين والأنصار، وكَانَ يتواضع للصغير والكبير ويستمع للحرّ والعبد.
التفاؤل المعاكس (المذموم)
ليس التفاؤل على إطلاقه ممدوحاً، فهناك مواطن يُذَم فيها التفاؤل، وَهِيَ المواطن الَّتِي ينبغي فيها الحذر والخوف مِنْ سخطه تَعَالَى - مثلاً- ونحوها، فينبغي التعرُّف على تلك المواطن وهو أمر بالغ الأهمّية، فإنّ مواضع العفو والرحمة تغاير مواضع النكال والنقمة الإلهيّة، وهي مواقع تكوينيّة لا يمكن أن يمتزج بعضها بالبعض الآخر - كما في دعاء الافتتاح-: «أيقنتُ أنّك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشدّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة...»[108]، فينبغي أن يعرف المؤمن مواطن الرضا والغضب الإلهيّ، فيتجنَّب ما يسبب غضبه ويطلب موضع عفوه ورحمته.
فهناك تفاؤل مذموم لأنّه في غير محله، قال تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[109]، بل ذَكَرَ القرآن في موطن سُخرية من البعض الآخر؛ لأنّه يتفاءل بغمام سيمطره بالعذاب، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[110].
والقرآن الكريم ينقل لنا صوراً من حزن وجزع يعقوب×، أنّه حركة لرفض الباطل وليس هو تخدير، ومن جهة أُخرى هو تفاؤل صحيح لمبرراته الواقعيّة؛ فيكون جزعه غير منافٍ للعبادة والصبر، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾[111].
من جهة أُخرى ينهى القرآن عن الحزن المذموم الذي ليس فيه تفاؤل بسعة الرحمة وعلو الكلمة الإلهيّة، قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[112].
معالم أُخرى للأمل في تدبيره×
الإغراق في لطافة وإتقان التدبير
ويمكرون...
لأجل تسليط الضوء أكثر عَلَى الجواب الثَّالث، وأنَّ الحسين× كَانَ يرمي لتحقيق أفضل النتائج المُستقبليّة وأعلاها بلا يأس ولا إياس، بلْ عنفوان رجاءٍ ملؤه التفاؤل بالخير والأمل.
نودُّ أنْ نُبيِّن بعض الجوانب الَّتِي واجهها الحسين×، وَمِنْ تلك الجوانب جانب مَكْر العدو، وليسَ الابتلاء بهَذا الجانب خاصاً به، بلْ كُلّ المعصومين^ ، بلْ الرسالة المحمديّة ورسولها تعرضا لأشدِّ أنواع المَكْر وأقساها، والآيات في هَذا المجال كثيرة.
وَمِنْ الآيات الَّتِي تُبيِّن ذلك - والَّتِي تُشير إلى أنَّ مَكْرَ الأعداء كَانَ الابتلاء به سنّة إلهيّة حتّى في الأنبياء السابقين- قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّار﴾[113].
بلْ إنَّ الآيات كشفت أنَّ الأمر وصل بوضوح لاغتيال صاحب الرسالة - النَّبي’- قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِين﴾[114]. بلْ إلى آخر حياته’ جرت العديد مِنْ محاولات الاغتيال له’، أشارت إليها الآيات والسور العديدة، فضلاً عَنْ الروايات والنصوص التأريخيّة، فَقَدْ روى حمّاد بن عثمان، عَنْ أبي عبد الله×، قَالَ: «لما أُسري بالنبي’ إلى السماء قِيلَ لَهُ: إنَّ الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مختبرك فِي ثلاث لينظر كيف صبرك. قَالَ: أُسَلِّمُ لأمرك يا ربّ، ولا قوّة لي عَلَى الصبر إلَّا بك، فما هُنَّ؟ قِيلَ لَهُ: أولهن: الجوع والأثرة عَلَى نفسك وَعَلَى أهلك لأهل الحاجة. قَالَ: قبلتُ - يا ربّ- ورضيتُ وسلّمت ومنك التوفيق والصبر.
وأمَّا الثانية: فالتكذيب والخوف الشديد، وبَذْلك مهجتك فِي محاربة أهل الكفر بمالِك ونفسك، والصبر عَلَى ما يُصيبك منهم مِنْ الأذى، وَمِنْ أهل النفاق، والألم فِي الحرب والجراح. قَالَ: قبلتُ - يا ربّ- ورضيتُ وسلَّمتُ ومنك التوفيق والصبر.
وأمَّا الثالثة: فما يلقى أهلُ بيتك مِنْ بعدك مِنْ القتل...»[115].
ثمَّ إنَّ القُرآن يرسم لنا طُرقاً عديدة لمواجهة هَذا المَكْر، وَمِنْ تلك الطُّرق مواجهة المَكْر بمثله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾[116]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾[117]، ويمكن توضيح ذلك الطريق مِنْ المواجهة بالمثل مِنْ خلال اعتراض وجوابه:
والاعتراض هُوَ: أنَّه لماذا قرّب رسول الله’ المُنافقين والذين في قلوبهم مرض والفئات الأُخرى المعادية الَّتِي تمكر بالدين؟ فكَانَ الأُولى طردهم.
وجوابه: هُناك أجوبة كثيرة في بيانات الوحي، وَمِنْ البيانات الَّتِي جاءت في صفحة التنزيل هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ بَالْمُنَافِقِينَ﴾[118] - كما في قراءة أهل البيت^ وهي قراءة صحيحة[119]- والقراءة المعروفة والموجودة في المصحف هي قوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فالمنافقون لمْ يقرِّبهم رسول الله’، ولكنَّهم تقرّبوا لأجل المَكْر بالنبي والمَكْر بالتدبير الإلهي - لأجل مصالحهم الخاصّة- ولكن الله يدبِّر لهم ويَمْكُر بهم، فهم تقرَّبوا لأجل أخذ زمام القيادة والزعامة والحصول عَلَى المال والجاه، ولكن الله يدبِّر لهم بأنْ يضرب بهم الكفّار، يضرب أعداء الله (الكافرين) بأعداء الله (المنافقين) ، فأين ما وقعت الخسارة فهي تقليل مِنْ عدد الأعداء (الناشطة) المُتحرِّكة الماكرة بالإسلام؛ وبالتالي الكفكفة مِنْ تدابيرهم ومخططاتهم.
تدبيره| الخير لأُمّته
وكَانَ النَّبي’ يدير نظام التدبير كمنظومة كبيرة وعظيمة هائلة تُهَيمِن عَلَى جوانب مُخْتلِفة في حياة الناس والمُجتمعات، ولذلك كَانَ ينظر للمنافق - بلْ وحتّى الكافر- أنَّه موجود مِنْ الموجودات فيه السلب والإيجاب الممكن استثماره لطريق الحقّ وتوظيفه للهدى مِنْ حَيْثُ لا يشعر ولا يرغب وإنْ كَانَ الكافر والمنافق لا يرعوي للحقِّ والهدى في نهاية المطاف، ولا بدَّ أنْ تكون في حياة ذلك المُنافق جوانب يمكن الاتّكاء عليها في تحقيق التدابير الإلهيّة، في حين يصعب عَلَى المؤمنين تنفيذ ذلك باعتبار شمولها عَلَى مَكْر ودهاء، وهم أبعد ما يكون عَنْ ذلك.
إذاً؛ مَنْ الذي يُنَفِّذ المُخطّط الإلهي؟ والدِّين يحتاج إلى طاقات مُتنوِّعة مِنْ جهة وكثيرة مِنْ جهة؛ إذ كمٌّ بلا كيف لا يحقّق التدبير الإلهي، وكيفٌ بلا كمّ أيضاً لا يحقّق ذلك.
وفي هذهِ القراءة (جاهد الكفّار بالمنافقين) ينبغي ألّا ننظر إلى جانب السلب فقط، وأنَّ رسول الله’ أراد أنْ يضرب الكفّار بالمنافقين، حتّى يخلِّص المؤمنين مِنْ شرِّ الطرفين، كلا، بلْ إنَّه’ متفاءل بسعة البَداء، وسعة الرحمة، وسعة العلم الإلهيّ؛ ولذلك كَانَ يسخِّرهم عسى أنْ تدركهم الهداية في لحظة مِنْ اللحظات، فيتبدّل واقعهم السيّئ إلى واقع حسن، والمَكْر السيّئ إلى مَكْر حسن في المنافق، وكذلك فإنَّ رسول الله’ قاتل الكافر وَهُوَ يأمل أنْ يتحوّل في لحظة إلى مؤمن.
فكَانَ النَّبي’ يبحث عَنْ حصول البَداء في التداعيات والنتائج، وحصلت شواهد كثيرة مِنْ هَذا القبيل، كإسلام كثيرٍ مِنْ الكُفّار؛ فإنَّ الكافر حين يرى سيرة النَّبي’ وأخلاق حاكميّته وهداه وأجواء المعركة، ويرى قدرات النَّبي’، وفداء وتضحية المُخلصين مِنْ أصحابه، فإنَّ هذهِ الرؤية تسبب له اليأس مِنْ الانتصار عَلَى الفئة المؤمنة، وشيئاً فشيئاً سوف يتولّد في نفسه التراجع عَنْ الكُفْر والانضمام إلى ساحة الإيمان.
المبالغة في المداراة مَعَ قمّة الحذر واليقظة
لِنْتَ لَهُمْ
وَمِنْ الطُّرق الَّتِي مارسها رسول الله’ مَعَ المنافقين والذين في قلوبهم مرض، بلْ مَعَ عموم المُسْلمين هُوَ اللين الظاهري والتعاملي في ممارساته الخارجية التدبيريّة، مَعَ حزم التدبير وإحكام وإتقان الخطوات في ظلِّ وجوِّ صلابة العقيدة والإيمان في الباطن، فَهُوَ مِنْ جهة الإيمان كالجبل - كما في الحديث- لا يستفل منه، أمَّا مِنْ جهة المظهر الخارجي وعلاقاته فهو ليّن؛ لأنَّ المؤمن (هشٌّ بشّ) ، «حزنه في قلبه وبشره في وجهه»[120].
والوحي يرسم لنا جانب اللين - فِي آليات التدبير والتخطيط مِنْ دون تفريط فِي علو الهدف وعظم الغايات المرسومة- في آيات عديدة قدْ يُعبّر عنها في أحيان كثيرة بعنوان الصفح والعفو، والمغفرة والإمهال، وترك أذاهم، ونحو ذلك، والصفح كما في اللُّغة: «وصفحت عَنْه: أوليته مني صفحة جميلة مُعْرِضاً عَنْ ذنبه، أو لقيت صفحته متجافياً منه، أو تجاوزت الصفحة الَّتِي أثبتُّ فيها ذنبه مِنْ الكتاب، إلى غيرها مِنْ قولك: تصفّحت الكتاب[121]. وقوله: ﴿السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾»[122].
وهُناك آيات كثيرة تُبيِّن لنا جانب الصفح والتجاوز عَنْ الأخطاء والتجاهل والتغافل عَنْ بعض الجوانب السلبية، كأُسلوب مناورة فِي التدبير، لأجل رعاية أُمور عُليا وتدبير مواضع أعلى وأكبر، قال تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُون﴾[123]، وآية أُخرى تُشير إلى أنَّه رغم علمك - يا رسول الله- بخيانتهم أصفح عنهم، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾[124]، وأُخرى ترسم لنا صورة أعلى وهي الصفح الجميل، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾[125]، بلْ تشير آيات أُخرى إلى أنَّه ينبغي أنْ تكون سياسة الصفح سياسة لكلِّ المُجْتَمع، قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيم﴾[126].
لكن ذلك لا يعني إهمال الأهداف والغايات فِي التدبير ورعاية المهام، ولا ترك الحذر واليقظة الشديدة في التخطيط، كَمَا أنَّ شدّة الحذر والحيطة في التدبير لا تعني الحدّة والغضب؛ لأنَّ التخطيط بلحاظ الوضع الراهن والمستقبل، والأُمور الخطيرة واللّين والصفح والعفو والمغفرة بلحاظ ما مضى وما قَدْ حدث سابقاً، وما صَغُر مِنْ الأُمور وفي الأُسلوب في التنفيذ.
بلْ إنَّ القُرآن يُؤكِّد أنَّ هذهِ السياسة ينبغي أنْ يتّخذها المؤمن في المجتمع الصغير - أُسرته- كما اتّخذها في مجتمعه الكبير، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾[127]، فالآية - كما هُوَ واضح- لمْ تأمر بطردهم أو معاقبتهم، ولا مجازاتهم ولا ملاحقتهم عَلَى ما مضى منهم، بلْ أشارت إلى الحذر منهم بأخذ العبرة والاعتبار ممّا مضى ممّا ارتكبوه، وهي سياسة تدبيريّة عظيمة، فَمِنْ جانب لا تُفرِّط بالطاقات المُحيطة بالإنسان مِنْ الزوجة والأولاد، وَمِنْ جانب آخر تتفادى سلبياتهم بسياسة الحذر مِنْ تكرار معوقاتهم مستقبلاً وعدم علاج الماضي بالعقوبة، بَلْ بالترويض الجديد المستقبلي لهم.
الانفتاح التفاعلي مَعَ المُجْتَمع مَعَ الحفاظ عَلَى سرِّية الحقائق الخطيرة
أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا
في كثير من الحالات العدائيّة مِنْ الأعداء الَّتِي واجهها الحسين× وأهل البيت^ مِنْ قَبْله، وواجهها المعصومون^ مِنْ وُلده مِنْ بعده هي بسبب الجهل - نَعَمْ أعداء الحسين× كانوا يعرفون أنَّه ابن بنت نبيهم ولا يوجد عَلَى الأرض ابن بنت نبيٍّ غيره، ولكن علم في مرتبة وجانب لا ينفع معه الجهل بالجوانب والمراتب الأُخرى- حَيْث كانوا جاهلين بمعنى وحقيقة ومرتبة الإمامة وحقيقة ما يفعلون وما يرتكبون، أو يمكن تفسيره أنَّه عِلمٌ مِنْ جهة وَمِنْ جهة بغض وبغضاء وحقد لا ينفع معه العلم؛ لأنَّه يؤدِّي إلى لجحود، قَالَ تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾[128]، وحينما وعظهم الحسين× أجابوه: (لَقَدْ أبرمتنا بكثرة كلامك أو ما ندري ما تقول؟!) ؛ حَيْث طبع الله عَلَى قلوبهم.
وَهَذا - الجهل- هُوَ حال غالب الناس؛ ولذلك مارس المعصومون^ كلّهم المداراة مَعَ الناس، تدبيراً لتربية العباد، وإدارةً لسياسة استكمالهم بقدر الإمكان وقدر الفرص المتاحة.
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ﴾[129]، إشارة لذلك وتعليم لقاعدة عظيمة فِي الإدارة والتدبير والقيادة للمجتمعات والأنظمة؛ حَيْثُ إنَّه’ لمْ يكن ليِّناً في تعامله فقط، بلْ في حديثه وبكلِّ طبقات حديثه، وفي اختيار الألفاظ لئلّا تُفهَم بشكل خاطئ، وهذهِ مداراة وتقيّة مُداراتيّة صعبة مُستصعَبة، وَهُوَ القائل’: «أُمرتُ أنْ أُكلِّمَ الناسَ عَلَى قدرِ عقولهم»[130] ونفس هذهِ السياسة مارسها أهل البيت^ فهم خير مَنْ يُقتدى به، فقدْ روي عَنْ أبي عبد الله×: «ما كلَّم رسول الله’ العبادَ بكنه عقله قطُّ»[131].
بلْ هي تستبطن سياسة يعلِّمها رسول الله’ كُلَّ أصحابه، كَمَا في الحديث عَنْ مسعدة بن صدقة، عَنْ جعفر عَنْ أبيه... عَنْ عَليّ بن الحسين×: «لو عَلِمَ أبو ذرّ ما فِي قلب سلمان لقتله»[132]، فكَانَ سلمان لا يُظهِر كُلَّ ما يعلم لأبي ذرّ مَعَ مكانة أبي ذرّ.
ولعلَّ سائلاً يسأل: أنَّه كيف يقتل أبو ذرّ سلمان؟ وبأي معنى؟
فنقول: إنَّ الجهل هُوَ الذي يسبب ذلك، فالإنسان يعلم كثيراً مِنْ الأشياء ويغيب عَنْه الأكثر، وما غاب عَنْه هُوَ جاهل به وغافل عَنْ وجه الحكمة فيه، فيصعب عليه تحمّله، فإذا كَانَ هَذا حال أبي ذرّ، وَهُوَ مِنْ الدرجة التاسعة في الإيمان - كَمَا وَرَدَ- فما بالك بأوساط المؤمنين مِنْ الدرجات الاعتيادية النازلة في الإيمان، فعدم تحمّلهم قدْ يؤدِّي إلى محاذير ومفاسد أعظم بكثير.
والحديث الشريف عَنْ أمير المؤمنين× يقول: «الناس أعداء ما جَهِلوا»[133]، فعداوتهم نتيجة جَهْلهم؛ وَمِنْ هُنا يتّضح لنا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾[134]، فالآيات الَّتِي وَرَدَت في صفح النَّبي’ جاءت بلسان الإدارة والتدبير للنبي’ ليدبِّر أُمور المُجْتَمع الإسلامي، وَهُوَ أصل وقاعدة عظيمة وأُسوة لكلِّ القادة والمجتمعات، بلْ الحريّ بالسياسة الدولية وحتّى السياسة الأُسرية أنْ تنتهج المنهج نفسه.
تبدُّل الهزيمة إلى نصر
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُون﴾[135]، أحد أسباب الصبر هُوَ العلم والإحاطة العلميَّة بجميع جوانب الحدث، فَكَمَا يُنظر للجانب الإيجابي كذلك يُنظر إلى الجانب السلبي، وهذهِ النظرة الشاملة يحاول المعصوم أنْ يجعلها قاعدة نظام فِي تدبير حياة المؤمن، بلْ هي تربية لعامّة الناس.
ويروى أنَّ عيسى× مرَّ مَعَ الحواريين عَلَى جيفة كلب - مِنْ الواضح الكلب في حياته ممقوت فكيف به بَعْدَ موته وتعفِّنه!- وكأنَّ بعض أصحابه سدّ أنفه وبعضهم الآخر أبدى رأيه السلبي، وقال: ما أقبحه... وهكذا، فهل يمكن أنْ يتفطَّن الإنسان إلى وجود جانب إيجابي وصفحة ناصعة في هَذا الكلب المتعفِّن؟! عيسى× يستطيع بيان ذلك الجانب الإيجابي حَيْثَ قال لأصحابه: «ما أشدّ بياض أسنانه»[136].
وَهَذا المنهاج في التعاطي مَعَ الأُمور والأحداث مِنْ النَّبي عيسى× يُستَخلَص مِنْه قاعدة عامّة في كُلّ مراحل الحياة، وتُجعل نهجاً وطريقاً يُحقّق به المُعجزات فِي إدارة الأحداث، وَهُوَ مصداق مِنْ مصاديق التفاؤل الذي بيَّنه سيِّد الأنبياء’ بقوله: «تفاءلوا بالخير تجدوه»[137]، وقدْ سلّطنا الضوء عَلَى شرح الحديث وصلته بالمقام.
وصحيح ابن مسكان عَنْ عبد الله بن فرقد، قَالَ: «خرجنا مَعَ أبي عبد الله متوجهين إلى مكَّة حتّى إذا كَانَ بسرف أستقبله غراب ينعق في وجهه، فَقَالَ×: متَّ جوعاً، ما تعلم شيئاً إلّا ونحنُ نعلمه، إلّا أنّا أعلمُ بالله منك. فقلنا: هَلْ كَانَ في وجهه شيء؟! قَالَ: نَعَمْ، سقطت ناقة بعرفات»[138].
ومفاد الرواية أنَّه× يُبيّن أنَّ جزع الغراب لمحدوديّة علم الغراب، فإنَّه يدرك الحوادث مِنْ جانبها السلبي ولا يدرك حكمتها الإيجابيّة المنطويّة وراءها، كَمَا لا يدرك الجانب الإيجابي مِنْ تلك الحوادث؛ فَمِنْ ثَمَّ يجزع بالنعيق، وَهَذا خلاف المعصوم فلا يضطرب مِنْ علمه بالحوادث لما يلمّ به مِنْ علم إلهي جامع تنكشف فيه الغايات الحكيمة العظيمة في التدبير الإلهي، فلا يصيبه جزع وَهُوَ مفاد قوله×: «إلَّا أنّا أعلمُ بالله منك»، فكلّما ازداد العلم ازدادت الحكمة ولطافة إتقان التدبير.
كذلك مِنْ خلال هذهِ الحادثة والموقف لَهُ× نخرج بنتائج مُهمّة:
1. إنَّ الإمام× لمْ يجزع - كما جزع الغراب- لأنَّ روحه أقوى وإحاطته العلميَّة أكبر، وكلّما كبرت إحاطة الإنسان العلميَّة كُلّما كَانَ أكثر صبراً عَلَى حوادث الدهور، فالغراب جزع لأنّه لمْ يُحِط بكُلِّ العلم؛ لأنَّه عَلِمَ جانباً مِنْ جوانب العلم، كذلك حال الهُدهُد في قصّة سليمان× حَيْثُ يبدو مِنْهُ التكبّر عَلَى سليمان× حين قَالَ:﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾[139]، فهو تصوّر أنَّ ما علم به كُلّ الحقيقة مَعَ أنَّهُ جهل ما عدا ذَلِكَ؛ وَمِنْ ثَمَّ وقع فِي صفة غَيْر محمودة بسبب الجهل واختلاطه مَعَ مرتبة العلم لديه، كما هُوَ حال بعض مدّعي العرفان والصوفيّة أنَّه أحاط الملكوت وأنَّه أوحدي زمانه وله إحاطة غفل عنها المعصوم والعياذ بالله.
2. فائدة مُهمّة وعظيمة وهي: أنَّ بعض مَنْ يدّعي العرفان عندما يتعلَّم حرفاً أو حرفين مِنْ العلم يتصوّر أنَّه عرف وأحاط بكُلِّ العلم؛ فيطغى بسبب غناه العلمي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾[140]، أو يَبْطُر بسبب النعمة العلميَّة؛ لأنَّه يتصوّر أنَّه حوى الملكوت فينزلق في متاهات الباطل والانحراف العقائدي أو الشذوذ الجنسي؛ بسبب شدّة نزوة طرب النفس، كَمَا هُوَ مجرّب فِي حالات رياضات النفس، كَمَا فِي حال بلعم بن باعورا ومنصور الحلّاج وغيرهما.
وأحياناً يجزع فينسلخ لأنَّ سعته الإحاطية يسيرة فتضعف نفسُه، وَهُوَ يتصوّر أنَّ بإمكانه حمل الجبال الرواسي مِنْ العلم والحكمة، فيُحمِّل نفسَه فوق الطاقة.
3.
ممّا تقدَّم يمكن أنْ نفهم أنَّ أحد أسباب جوانب الصبر لدى مولانا الحسين× هُوَ العلم
وسعة الإحاطة العلميَّة بسعة البَداء، وسعة المشيئة الإلهيّة؛ فلا يأس ولا إياس مِنْ
رَوح الله.
تدبيرٌ عظيمٌ في ظرفٍ عسير
المضائق
الإسّلام مرَّ بمنعطفات عديدة، بلْ ومرَّ بمضائق شديدة، حتّى وصل الأمر بالنبي’ أنْ يتوجّه بالدعاء والتضرُّع إلى الله بشكل مغاير لما يدعو به في الأوقات الاعتيادية، رغم يقينه بالنصر.
وهُنا نذكر مثلاً للنشاط وحيويّة الحركة في حالة معاكسة للتفاؤل بالخير الذي هُوَ في مورد البلاء المحتوم، والحالة المعاكسة هي الخوف في مورد النصر والنجاح المحتوم.
1. فإنَّه رغم الوعد بالنصر إلّا أنَّه لا يستلزم ترك النشاط والحراك؛ مِنْ جهة الحذر والخوف مِنْ التفاصيل الجزئيّة السلبيّة أو النتائج الناقصة.
2. ما يُرى لدى كثير مِنْ أهل الإيمان - في قضية ظهور الإمام المهدي # - حَيْث يرون أنَّ الظهور فوق المحتوم، أي: (ميعاد) ، ولا يُخلِف الله الميعاد، فأيّ حاجة للحركة والحراك لتمهيد الظهور وإعداد الأرضيّة؟! كَمَا فِي «ونُصرتي لكم مُعَدَّة»[141]، لا حاجة إلى ذلك، وهذهِ نتيجة ورؤية خاطئة جدّاً.
3. فإنَّ أصل الظهور وإنْ كَانَ فوق المحتوم ولا بَداء فيه إلّا أنَّ وقته وتوقيته ممّا يمكن فيه البَداء، كما حصل تأخير مشروع المهدويّة مُنْذُ زمن الحسين× إلى الصادق×، ثمَّ تمَّ تأخيره إلى زمن الكاظم×، ثمَّ تأخيره إلى الإمام الثّانِي عشر # .
4. فالتفاصيل ممّا يتطرَّق إليها البَداء والتغيير؛ فلا بُدَّ مِنْ الخوف واليقظة والحذر، وَهَذا ممّا يوجب الحيويّة والنشاط في الحراك، رغم أنَّ الظفر والنصر محتوم إلّا أنَّه لا يوجب ترك تحمُّل المسؤوليّة، وَهَذا معنى ظريف تفسيريّ لقاعدة (لا جبر ولا تفويض) ، أي: لا جبر في التفاصيل رغم أنَّه لا تفويض في أصل الحدث وأصل الوقوع والواقعة.
5. وَهَذا المعنى تفسير توحيديّ لقاعدة الزهد الذي قال عنها أمير المؤمنين×: إنَّه مشروح في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾[142]، أي: لا تفرحوا بحتميّة النصر وتتركوا الخوف والحذر واليقظة، كما لا تأسوا مِنْ حتميّة البلاء؛ فتتركوا النشاط والحراك والرجاء في تحسين النتائج والتفاصيل.
6. وَمِنْ ثَمَّ أكَّدَ أهل البيت^ أنَّ المؤمن مهما ازداد إيمانه فإنَّ الخوف والرجاء متساوٍ في قلبه؛ لكي يستتم التوحيد في قلبه، ولا يظنّ أنَّ يد الله غَير مغلولة، بلْ يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء.
7. ولأجل ذلك وَرَدَ أيضاً في أحد الزيارات الجامعة للأئمّة المعصومين^: أنَّ أئمّة أهل البيت^ فاقوا وسبقوا سائر الأنبياء والمرسلين والملائكة المُقرَّبين؛ وذلك بالقلوب الَّتِي تولّى الله رياضتها بالخوف والرجال: «لا يسبقنّكم ثناء الملائكة في الإخلاص والخشوع، ولا يضادكم ذو ابتهال وخضوع، أنّى ولكم القلوب الَّتِي تولّى اللهُ رياضتها بالخوف والرجاء، وجعلها أوعية للشكر والثناء، وآمنها مِنْ عوارض الغفلة، وصفاها مِنْ شواغل الفترة؟!»[143].
مضائق عسيرة ومواطن خطيرة
مِنْ المضائق الَّتِي حقّق الله تعالى الانفراج والنصر - بلْ والفتح للإسلام عَلَى يد أمير المؤمنين عَليّ×- معركة بدر الكُبرى الَّتِي كانت الحسابات الاعتيادية فيها هي تفوّق عدد المُشركين وهيبة قريش، تؤكِّد أنَّ النصر لصالح المُشركين، والنَّبي’ لا تأخذ منه هذهِ الحسابات المادّية مأخذها، فيقف بحكمة المعرفة بسعة قُدْرة الله تعالى يتضرّع إلى ربِّه مِنْ جانب، وَمِنْ جانب آخر يحزم التدبير الميداني؛ فتنكشف الغُمّة بسيف الكرار×، حَيْث قتل قرابة نصف المقتولين مِنْ الكفّار، وشارك المُسْلمين بقتل النصف الآخر[144].
وفي معركة أُحد، وما أدراك ما أُحد؟! حَيْث حدثت الهزيمة للمُسْلمين بَعْدَ النصر، فتأتي سعة معرفة النَّبي’ والوصي عليّ× فِي إمكان تحوّل القضاء والقَدَر؛ فيعزمان بسعة تدبيريّة منطلقة مِنْ تلك المعرفة بسعة بَداء الله تعالى وسعة مشيئته، فيُدفع القتلُ عَنْ النَّبي’ وتُحوَّل الهزيمة إلى نصر، حتّى جاء نداء الوحي بين الأرض والسماء «لا فتى إلّا عَليّ، ولا سيف إلّا ذو الفقار»[145].
ويُحقّق الانتصار وتُهزم قريش مرّة أُخرى في أُحد، والواقعة بيَّنتها روايات أهل البيت^، منها رواية زيارة الإمام الهادي× لجدِّه أمير المؤمنين× يوم الغدير: «ويوم أُحد، إذْ يصعدون [المُسْلمون والصحابة] ولا يلوون عَلَى أحد، والرسول يدعوهم في أُخراهم وأنت تذود بهم المشركين عَنْ النَّبي ذات اليمين وذات الشمال، حتّى ردّهم الله تعالى عنكما خائفين، ونصر بك الخاذلين»[146]، وإن طمس ذكر ذلك النصر أكثرُ كتب تاريخ المُسْلمين. ومنها رواية أُخرى ذكرها الكليني فِي كتاب روضة الكافي.
وفي معركة الخندق حين عبر عمر بن ودّ العامري، وأخذ يُنادي في معسكر المُسْلمين ولا مِنْ مُجيب، فأجابه (الإيمانُ كلُّه) كما سمّاه رسول الله’.
قال: «برز الإيمانُ كُلُّه إلى الشُّركِ كُلِّه، اللَّهُمَّ، احفظه مِنْ بين يَديه وَمِنْ خَلفه وعن يمينه وعن شماله وَمِنْ فوق رأسه وَمِنْ تَحْتَ قدميه»[147]، هذهِ الشدائد لا تؤثر في الإمام عَليّ× في قُدْرة تدبيره وشجاعة إدارته للحدث، وقدْ اهتزّ لها غيره، وعمى عليهم البصيرة في الأُمور، كما وَرَدَ في زيارة الإمام الهادي× لجدّه أمير المؤمنين×: «ويوم الأحزاب و﴿إِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾[148]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾[149] فقتلتَ عَمْرَهم وهزمتَ جمعهم ﴿وَرَدَّ اللَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾»[150].
وهي مِنْ جهة أُخرى، حذر ويقظة واحتراز لرسول الله رغم علمه بالنصر، وإنَّ عليّاً في علم الله يقتل ابن ودّ العامري، لكن مَعَ ذلك نرى النَّبي’ يدعو له بالحفظ ويجتهد في الدعاء، وعليّ× كذلك في قتاله لابن ودّ يتصرّف تصرُّف مَنْ يعلم بأنَّ المشيئة الإلهيّة منفتحة عَلَى كُلّ الاحتمالات وإنْ كَانَ القضاء مُبرماً والقَدَر محتوماً.
كما في قول إبراهيم×: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾[151]، فرغم عدم خوفه مِنْ آلهة المُشركين ولا منهم إلّا أنَّه رغم ذلك هُوَ في حَذَرٍ مِنْ جهة سعة علمه تعالى ومشيئته فيظلّ متأهباً يقظاً.
فرغم الشدائد العظيمة الَّتِي مرَّ بها رسول الله’ والمحن الكبيرة والصعاب الكؤود والزلازل المهولة الَّتِي عصفت به، رغم كُلّ ذلك - ورغم وجود المنافقين والمُرجفين والذين في قلوبهم مرض والأحزاب وصنوف عديدة معادية داخل صفوف المُسْلمين فضلاً عَنْ خارجه- لم يستسلم هُوَ ولا وصيّه عَليٌّ× إلى كُلّ ذلك، بلْ كَانَ النشاط والأمل والحيويّة والرجاء بقُدْرة الله، كُلّ ذلك يُفتت اليأس المحتوم والشدائد المقضيّة بنصر مُؤزّر وفتح مبين.
وَهَذا الذي نشاهده مِنْ سَيِّد الشُّهَداء× أنَّه× رغم كونه أسير الكُربات، إلّا أنَّه كَانَ في قمّة انفجار الحراك والنشاط والبناء لتداعيات مُتطلِّعة مستقبليّة ثاقبة، لمْ تحجبه الشدائد عَنْ إبصار الآثار والنتائج وما يتلو الحدث مِنْ أحداث إلى يوم القيامة.
يوم حُنَيْن
يوم حُنَين الذي وَرَدَ ذكره في زيارة الهادي× لجدِّه أمير المؤمنين× يوم الغدير: «ويوم حُنَين عَلَى ما نطق به التنزيل: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِين * ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾[152]، والمؤمنون أنت ومَنْ يليك وعمّك العبّاس ينادي المنهزمين: يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة، حتّى استجاب له قومٌ قدْ كفيتهم المؤنة، وتكفّلت دونهم المعونة، فعادوا آيسين مِنْ المثوبة راجين وعد الله تعالى بالتوبة، وذلك قول الله جَلَّ ذِكْرُه: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء﴾[153]، وأنت حائز درجة الصبر فائزٌ بعظيم الأجر»[154].
ويخصّ بالذكر يوم حُنَين، وذلك لجهات لعلَّ منها بيان وضوح التأييد والنصر الإلهي؛ حَيْث إنَّ المُسْلمين انهزموا في تلك الواقعة بسبب إعجابهم بكثرتهم، حَيْث يظهر لنا كيف أنَّ الإعجاب ببعض المقادير والأوضاع المادّية، كالكثرة والثقّة بها يؤدِّي إلى ضعف الحذر، وقلّة الخوف، وعدم اليقظة، وقلّة التأهب، وضعف الالتجاء إليه تعالى، أي: ضعف التوكُّل عليه وازدياد التوكُّل عَلَى أوضاع القَدَر، وَهُوَ تواكل عَنْ النشاط لو اعتمد عليها الإنسان دون المشيئة الإلهيّة.
وفي المقابل، إنَّ هذهِ الكثرة لمْ تُغرِ أصحاب النفوس العالية وأصحاب الهمم المُتعالية أو تدعوهم إلى الفتور والتواكل، بلْ كانوا في قمّة اليقظة والترقُّب لمفاجئات التغيير في القَدَر والمقادير ورفع إبرام القضاء ممّا يدعوهم إلى قمّة الحراك والنشاط والاستعداد للمفاجئات توكّلاً عَلَى الله وحذراً مِنْ سعة المشيئة الإلهية، ففي تلك المعركة حين انهزم المُسْلِمُون رُؤي رسول الله’ شاهراً سيفه يشدّ العزائم، والوصي عليّ× بين يديه يكرّ عَلَى القوم، وقدْ صاح النَّبي’ بالعبّاس لأجل أنْ يُنادي المُسْلمين.
فهُنا مشهدان: مشهد الهزيمة والتواكُل مِنْ قبل المهاجرين والأنصار؛ بسبب الاعتماد الكامل عَلَى الأسباب الطبيعية، إلّا قلّة مِنْ الخاصَّة وبني هاشم. يقابله مشهد للخوف مِنْ سعة المشيئة والتوكُّل عَلَى الله والعزيمة والإصرار يرسمه لنا النَّبيُّ’ والوصيُّ×.
غُلّت أيديهم
نعود إلى قضيّة المَعْلَم الجبري اليهودي وبيانها بشيءٍ مِنْ البسط، فقضيّة المَعْلَم الجبري الذي سلكه اليهود في فكرهم العقدي، والذي يرى أنَّ يد الله مغلولة - وَهُوَ أيضاً مِنْ مبتنيات مدارس جبرية عديدة جميعها ترى أنَّ يد الله مغلولة مَعَ تفاوت في الدرجات- حَيْث يرون أنَّ الله كتب ما كَانَ وما يكون، فلا تغيّر ولا تبدّل فهم قائلون بالجمود وبالثبات وعدم التغيّر في شيء؛ لأنَّه لا معنى للتغيّر، ولعلَّهم ذهبوا لذلك لأنَّ التغيير يكون مِنْ الجهل، فمثلاً الإنسان لمْ يكن يعلم بأمر فيتخذ قراراً، ثمَّ يطرأ له علم بعدم وجود مصلحة في قراره فيتراجع ويغيّر قراره، أمَّا ربُّ الأرباب الحكيم العليم المُحيط بكُلِّ شيء فلا جهل فِي ساحته.
إذنْ؛ فلا تغيّر ولا تبدّل، بَلْ لا معنى للتغيّر والتبدّل.
فنسبة التبدّل والتغيّر إلى الله يعني - في حسبانهم- نسف كمال العلم الإلهي؛ فَمِنْ أجل التوحيد الخالص يجب عدم التفكير في التغيير، وقدْ وقع في ذلك الكثير مِنْ المدارس الكلاميّة كالأشعريّة[155] وبعض العُرفاء والصوفيّة.
مقابل ذلك المسلك المادّي التفويضي الذي يقول بإطلاق إرادة الإنسان مِنْ كُلّ قيد، ويرى أصالة الإرادة للإنسان ولا إرادة تحكم إرادة الإنسان، وهذهِ التفويضيّة مُتطرّفة، وهُناك تفويضيّات أُخرى أقلّ مِنْ ذلك ترى شأنيّةً لإرادة الإنسان، وأنَّ الله هُوَ الذي أعطاه الإرادة وفوَّض إليه الأمر؛ فَهُوَ مُطلق الإرادة بواسطة الله.
وَمِنْ الأمثلة الَّتِي بيّنها القُرآن للمسلك - الجبري- الذي يقول: إنَّ يد الله مغلولة. هي قصّة اليهود حينما أمرهم الله بذبح بقرة؛ حَيْث لا يرون أنَّ هُناك مساحة للحركة الاختيارية وأنَّ باب التغيير والتبديل مسدود.
وبما أنَّهم يرون أنَّ يد الله مغلولة - وَهَذا الوصف لمعتقدهم هُوَ لحقيقة وواقع معتقدهم، وإنْ كانوا قدْ لا يصرِّحون بذلك، لكن هَذا واقع معتقدهم وَهَذا ما يُضمرون وينطوون عليه، وما لعلَّه يظهر مِنْ فحوى كلامهم- قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[156].
ولعلَّ سائلاً يسأل: ما علاقة ذلك بذبح البقرة في بني إسرائيل؟
والجواب: إنَّ معنى يدّ الله مغلولة هُوَ معنى جفاف القلم، وأنَّ الله كتب ما كَانَ وما يكون؛ فلا تغيّر ولا تبدّل في ذلك.
وبما أنَّ لا تغيّر ولا تبدّل، وأنَّ الله قدْ كتب كُلّ الحوادث فقدْ كتب أدّق الدقائق وتفاصيل الجزئيات، ومنها حادثة قتل الشاب مِنْ بني إسرائيل، عندما أمرهم موسى بذبح بقرة اعتقدوا أنَّها بعنوانها الجزئي مكتوبة - أي: بأوصافها الجزئية مِنْ العمر واللون وغيرها- فإذا أراد بنو إسرائيل ذبح البقرة الَّتِي يُريدها الله، لا بدَّ أنْ يذبحوا البقرة ذات الأوصاف الدقيقة الثابتة في اللوح الثابت عِنْدَ الله، ولعلَّ هَذا في نظرهم قمّة الطاعة والتوحيد؛ ولذلك حينما قال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾[157]، قالوا: ﴿...ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾[158].
وبملاحظة الآيات في سورة البقرة مِنْ آية 67 إلى آية 70 أنَّهم كرّروا كلمة (يُبيِّن) ثلاث مرات؛ إشارةً إلى إرادتهم الأمر المُضيّق لحسبانهم أنْ لا فُسحة في الحركة والحراك، والأُمور كُلّها مُعيّنة مُسبقاً مِنْ دون تغيير، هَذا هُوَ السُّؤال المذموم الذي يبتغي منه تضييق دائرة الأفعال والتدبير؛ لأنَّ اللوح الذي كتبه الله - بحسب زعمهم- لوح ثابت فيه العناوين محدّدة وثابتة وجزئية، والبقرة عنوان كلّي؛ ولذلك أخذوا يتشدّدون ويتشدّدون حتّى انحصرت في مصداق واحد، فذبحوها وما كادوا يفعلون.
وعَلَى الضدّ تماماً مِنْ هَذا المنهج - أو المسلك الضيِّق المُضيَّق- ترى سَيِّد الشُّهَداء رغم أنَّه أُخبر بحدث مُشخّص ومضيّق، وبواقعة جزئية ومصداق مُحدّد، لكنَّهُ مَعَ ذلك يبتغي ما هُوَ أوسع، ورغم أنَّه أُخبر أنَّه مقتول مسلوب في أرض كربلاء، إلّا أنَّه يبتغي ويطلب أوسع مِنْ ذلك، فَهُوَ لا يُبْخِل كريماً ولا يُضيِّق واسعاً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيم﴾[159]، والحسين× أُخبر أيضاً بحادثة متعيَّنة مِنْ النَّبي’ وَمِنْ وحي السماء، ومَعَ ذلك فإنَّه× تحرّك وسعى أنْ يوسِّع الجزئي ويوسِّع العنوان الضيِّق - وَهُوَ القتل في كربلاء- إلى خيارات أكثر ولو في ضمن العنوان الضيِّق.
المسلك الجبريّ أنواعٌ وأنماط
المسلك الجبريّ عَلَى أنواع وأنماط، فنمط يُلغي كُلّ الخيارات، وَهُوَ المسلك المُتشدِّد في الجبريّة؛ فإنَّه يلغي كُلّ خيار لله ولعبده، كما هُوَ الحال في المسلك اليهودي الذي يقول: إنَّه جفّ القلم، فإذا جفّ القلم فلا خيار لأحد. وكأنّهم اقتطعوا الآية القُرآنية، وهي قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾[160]. ولم يكملوا، والحال أنَّ الآية بيّنت (أنَّه استوى عَلَى العرش بَعْدَ نهاية خلق السموات والأرض وما بينهما ولم يكن استواؤه عَلَى العرش مِنْ جفاف القلم) ، بلْ في الآية تتمّة تقول: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾[161].
والاستواء عَلَى العرش يُراد مِنْهُ استعلاؤه وسيطرته عَلَى كُلّ شيء، وأنَّ قدرته سواء عَلَى كُلّ الأُمُور لَيْسَ شيء أسهل وآخر أصعب، بَلْ كُلّها مقهورة ومنقادة لَهُ تَعَالَى، فالاستواء لا يعني الثبات، أو يكون هُناك فِي الجملة ثبات، ولكن الثبات لا يعني جفاف للقلم وعدم التدبير وعدم التغيّر، بلْ هُناك ثابت بلحاظ أصل وجوده، إلَّا أنَّهُ بلحاظ مشخصاته وملابساته قابل للتغيّر بإذن الله الذي يدبِّر الأمر ويفصِّل الآيات.
الجَبريّة الصُوفيّة
وَهَذا ما وقع فيه بعض الصوفيّة مِنْ القول بالجبر مِنْ حَيْث لا يشعرون؛ وذلك أنَّهم وإنْ لمْ يقولوا في كلامهم: إنَّ يد الله مغلولة. ولم يصرّحوا ولم ينسبوا العجز للإنسان، لكنّهم قالوا بضرورة التعجيز للإنسان - وفرق بين العجز وبين التعجيز، أو بين سلب الإرادة منهم وبين أنَّهم بإرادتِهم يسلبون إرادتَهم- وَهَذا مِنْ باب ذكر المعاذير والتمحُّل لهم، والحمل عَلَى أنَّ (سلب الاختيار بالاختيار) رغبة منهم في اختيار الله، كأنَّ الإنسان يجعل نفسه محطّاً للإرادة الإلهيّة.
ما يُريد الله لي وليسَ ما أُريده أنا، لا أختار ولا أتصرّف؛ لأنَّ أيّ تصرُّف في بدني هُوَ تصرُّف في مال الغير - الله- والتصرُّف في مال الغير لا يجوز، ولا إرادة لي؛ لأنَّ الإرادة أيضاً تجاوز عَلَى إرادة الله، فلا أُريد إلّا ما أراده الله، وَهَذا في زعمهم مُنتهى العبوديّة كما يَرَون.
المنطق الحُسينيّ يُحاكم الجَبريّة
ولكنَّه بحسب المنطق الحسينيّ يكون هذا المسلك يشتمل على جَبريّة مُخفّفة ويأس مِنْ رَوح الله، وتملّص مِنْ المسؤوليّة والمُحاسبة وركون إلى القعود والفشل، وَمِنْ جهة أُخرى هي مغالطة خَفِيّة؛ لأنَّها تنطوي عَلَى التباس، وهو أنَّ كُلّ مَنْ يتصرَّف بإرادته، فَهُوَ قدْ تصرّف في غَير ما يريده الله وَهُوَ مشرك بالله، فأيّ حركة وأيّ تحرُّك هُوَ اعتراض بلسان الحال عَلَى الله وتجاوز عَلَى إرادته، (فيجب أنْ يكون الإنسان كالميت بيَدَي غاسله) ، وَهَذَا معنى جمودي يدعو إلى الضعف والوهن والاستكانة والقنوط واليأس، بينما أعطى الحسين× درساً مِنْ خلال عمله وشعاره يُقتدى، وهو أنا أتحرّك في إرادة الله وليسَ تجاوزاً عَلَى إرادة الله، بلْ ضمن إرادته (مِنْ الإرادة وليسَ عَلَى الإرادة) ، وهذا بحاجة إلى بيان:
جوهر الإجابة هُوَ قضيّة السعة الوجوديّة لقدرة الله وسعة مشيئته؛ وبالتالي سعة الإرادة عَلَى لوح القضاء والقَدَر، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون﴾[162].
فالمنطق الحسينيّ يقول: هُناك أمر مقَدَّر ومقضي محتوم، ولكن - أيضاً- هُناك سعة مُستمرّة، وتوسُّع في الإرادة الإلهيّة، فالإنسان عندما يتحرّك يطلب بلسان الحال، ويقول: إنَّ المشيئة والقُدرة والإرادة واسعة في توسّع، والخيارات كثيرة.
نَعَمْ، لو لمْ يختر الإنسان فَقَدْ يُقَال: إنَّهُ مُستسلم لإرادته تعالى. لكن لا يصح هذا المعنى؛ إذْ لا مجال للتسليم قبل الوقوع[163]، ولكن هُناك ما هُوَ فوق التسليم وَهُوَ الرضا، وهُناك ما فوق الرضا؛ وَمِنْ هُنا لا بدَّ أنْ نبيِّن المستويات الَّتِي توضِّح تفاعل العبد مَعَ الإرادة الإلهيّة قبل أو قُبيل الوقوع وما بَعْدَ الوقوع، والَّتِي مِنْ خلالها تُبيِّن مراتب النجاح في الابتلاء الإلهي.
مراتب النجاح في الابتلاء الإلهي
هُناك مراتب عديدة للنجاح في الابتلاء الإلهي، وَكُلّ مرتبة غَير الأُخرى بحسب التكامل الإلهي، وَكُلّ مرتبة تختلف عَنْ الأُخرى - وبحسب تكامل المؤمن- وهُنا نقول:
إنَّ الحسين× في أعلى المراتب مِنْ النجاح؛ لأنَّ درجة النجاح تتناسب مَعَ صعوبة الامتحان والابتلاء الإلهي، فإذا كَانَ الحسين× نجح بشكل مُتميّز في المرتبة العُليا فبالتأكيد يكون قدْ نجح في الدرجات الأدنى بشكل مُتميّز أيضاً.
ولابدَّ هُنا مِنْ وقفة نُبيِّن فيها ماهية ومراتب ذلك النجاح الذي أُعطي به الحسين× الدرجات العُليا في الآخرة، وما قام به (صلوات الله عَلَيْه) من ملحمة، وأنَّ السعي والحراك والمثابرة مجاله مفتوح قبل وقوع وقبل حصول الحدث، وأنَّ هَذَا لا ينافي التسليم والرضا بالقضاء والقَدَر الإلهي، بَلْ هُنَا موطن الرجاء والتفاؤل بالخير والأمل، والإيمان بسعة المشيئة عَلَى القضاء والقَدَر، وأمَّا موطن التسليم والرضا والشكر فَهُوَ بَعْدَ الوقوع والحصول، كَمَا قَالَ× بَعْدَ وقوع القتل فِي أهل بيته وأصحابه «رضا برضاك لا معبود سواك»، وتبيان ذلك.
1. مرتبة الصبر والتسليم لإرادة الله، وَهُوَ الانقياد والتسليم للإرادة الإلهيّة، وهذهِ المرتبة تجتمع معها وجود الصعوبة والكراهة للنفس، ولكن الإنسان بإرادته يروِّض نفسَه عَلَى الصبر عَلَى ما حلَّ به قربةً لله تعالى.
2. وأمَّا مرتبة الرضا فهي أعلى منها؛ لأنَّ الصعوبة والكراهة غَير موجودة، بلْ الاستبشار والرضا، فيكون الإنسان مخبتاً ومستسلماً للإرادة الإلهية، والنفس راضية فرحة بما قسم الله لها.
وهاتان المرتبتان بَعْدَ وقوع القضاء وليسَ قبله، أمَّا قبله فلا مجال ولا معنى للتسليم، بَلْ هُوَ استسلام للتواكل، بلْ هُوَ مجال للنشاط والحراك والمسؤوليّة.
3. نَعَمْ، يمكن أنْ نتصوّر وجود مرتبة للرضا قبل وقوع القضاء، وَهُوَ (الرضا بما سيقع) مَعَ التفاؤل؛ وبالتالي عدم التمرُّد والسكون للقضاء الإلهي لاطمئنان النفس بما سيقسم الله لها مَعَ التفاؤل بوجود ما هُوَ أوسع.
4. وهذهِ المرتبة - الرضا- كَمَا قُلْنا لا تكون قبل وقوع القضاء، بلْ قبله المجال مفتوح للحركة والحراك والنشاط والقيام بالمسؤوليّة، بلْ هُوَ المُتعيّن والواجب، كَمَا بيّنه الإمام الصادق× في عِدَّة روايات، وهذهِ الروايات ترسم لنا منهاجَ عمل في كيفيّة تعامل الإنسان مَعَ القضاء والقَدَر، وما هُوَ الواجب عليه قبله وبعده؟ وأين يكون مجال المسؤوليّة؟
5. الروايات الَّتِي تُبيِّن موطن النشاط والحراك والمسؤوليّة، الَّتِي وردت عَنْ الإمام الصادق×، والَّتِي مِنْ خلالها يتّضح لنا النشاط الحسيني المملوء بالرجاء المتوقِّد بالمعرفة بسعة علمه ومشيئته تَعَالَى، المُتزايد قوّة وتوسّعاً في كربلاء. عَنْ يونس بن يعقوب، عَنْ بعض أصحابنا قَالَ: «كَانَ قوم أتَوا أبا جعفر× فوافقوا صبياً له مريضاً، فرأوا منه اهتماماً وغمّاً وجعل لا يَقِرُّ، قَالَ: فقالوا: والله، لئن أصابه شيءٌ، إنّا لنتخوّف أنْ نرى منه ما نكره. قَالَ: فما لبثوا أنْ سمعوا الصياح عليه، فإذا هُوَ قدْ خرج عليهم منبسط الوجه في غَير الحال الَّتِي كَانَ عليها، فقالوا له: جعلنا الله فداك، لَقَدْ كُنّا نخاف ممّا نرى منك أنْ لو وقع أنْ نرى منك ما يغمّنا. فَقَالَ لهم: إنّا لنحب أنْ نُعافى فيمَن نحبُّ، فإذا جاء أمر الله سلّمنا فيما أحبَّ»[164].
كذلك قول الصادق×: «إنّا أهل بيت نجزع قبل المصيبة، فإذا نزل أمر الله رضينا بقضائه وسلّمنا لأمره، وليسَ لنا أنْ نكره ما أحبَّ الله لنا»[165].
وبنفس المضمون أحاديث كثيرة منها ما ذُكر في الوسائل في باب جواز إظهار التأثُّر[166].
6. فالجزع في الرواية المُتقدمة - ومضمون روايات أُخرى- بمعنى الإلحاح في الرجاء والدعاء والطلب مِنْ الله تعالى، وَهَذا ميزان لموضع الحراك والفعّاليّة والنشاط لإرادة التغيير والرجاء، أنَّه قبل نزول أمر الله وقبل وقوع القضاء.
أمَّا بَعْدَ وقوع أمر الله ووقوع القضاء، فهُنا موطن التسليم والرضا بما ثبت حصوله ولا يرغب في غيره، وَهَذا الميزان مُخالف لمنطق الجبر اليهودي والأُمَوي، ولمنطق التفويض القدري اليهودي السقيفي الأُمَوي. فالجزع قَبل الوقوع عبارة عَنْ قمّة الحيويّة والرجاء والأمل والنشاط، لا التبرّم والإياس.
وَهَذا التفصيل في الميزان المعرفي لدى أهل البيت^ قبل وقوع القضاء مَعَ ما بَعْدَ وقوعه مِنْ أعظم موازين المعرفة بقضاء الله وقَدَره، والمعرفة بمشيئته برجاء وخوف، والتسليم لفعله والرضا به، فلكلّ هذهِ الأحوال مواطن ومنازل ومقامات لمْ يكن لتُعرَف لولا أهل البيت^، وهي تفاعل الاختيار الإنساني مَعَ الحاكميّة الإلهيّة.
النشاط والحركة الحُسينيّة
يظهر من كثير من كلمات أهل البيت^ التحذير من اليأس وتضييق سعة الإرادة والرحمة الإلهيّة، قال مولانا صادق أهل البيت^ لميسرة: «يا ميسرة، ادعُ ولا تقل: إنّ الأمر قد فُرِغَ منه. إنّ عند الله (عزّ وجلّ) منزلة لا تُنال إلّا بمسألة، ولو أنّ عبداً سدَّ فاه ولم يسأل لم يُعطَ شيئاً، فسَلْ تُعطَ، يا ميسرة، إنّه ليس من بابٍ يُقرع إلّا يوشك أن يُفتح لصاحبه»[167].
الحسين× من خلال حركته لم يَغلق باب المسألة رغم تسليمه ورضاه وتفاؤله بعظيم رحمة الله، لكنّه يقول بلسان حاله: هناك ما هو أوسع وأوسع وأوسع إلى ما لا نهاية، فالإمام الصادق× حين يقول لميسرة: «إنّ عند الله (عزّ وجلّ) منزلة لا تُنال إلّا بمسألة»، فهذا يعني الحركة والتحرّك لنيل تلك المنزلة، وهذا ما فعله الحسين× حيث أطاع ما أمر به رسولُ الله’: «إنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلّا بالشهادة»[168].
وبيان الصادق× يفسِّر حركة الحسين×؛ لأنّه كان يطلب ما فوق المنزلة بالمسألة، والسؤال بالعمل والسعي لا باللسان فقط، وأنّ الحسين× كان يُلّح بالدعاء بلسان الحال ويبحث عن سعة الإرادة الإلهيّة، وهذا قمّةٌ في التوحيد، وقمّة التعظيم لمقام الله تعالى عن أن يحكم عليه قضاء أو قدر أو لوح أو قلم؛ لأنّه لم يُبخِل جواداً، ولم يُصغِّر عظيماً، ولم يُضيِّق واسعاً، وهذه معرفة واسعة وشاملة وكبيرة أكبر من الإنسان وممّا وصل أو سيصل إليه من المعرفة التوحيديّة بالله، وهذا - وهو الإيمان بالبَداء- توحيد أعظم من التوحيد الذي ترسمه لنا كلُّ المعارف الإلهيّة، فضلاً عن الفضائل الأخلاقية المحدودة مهما كبرت وعظمت، كما ورد: «مَا عُظِّمَ الله بِمِثْلِ البَدَاء»[169].
وبهذا؛ فالحركة والحراك ليس اعتراضاً على قضاء الله وقدره، بل استمطار من سعة بحر المشيئة ومن طمطامه الزخّار للعلم الإلهي.
النشاط والحركة اليونسيّة
لأجل استيضاح المطلب لا بدّ من التفرقة بين الحركة اليونسيّة والحركة الحُسينيّة، بين النشاط اليونسيّ والنشاط الحُسينيّ:
1. نحن نعتقد أنّ يونس× كان مسلِّماً لأمر الله، راضياً متفائلاً بسعة رحمة الله، ولكنّ الفرق أنّه تحرَّك إلى خارج الحدث والمواجهة، ولم يتحرّك في الداخل - كما تحرَّك الحسين×- تحرّك إلى خارج معركة الهداية، فالآية القرآنية تصف يونس أنّه ظنَّ أن لن يضيِّق اللهُ عليه المسؤوليّة، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[170].
2. الظنّ بسعة الإرادة والرحمة الإلهيّة - وعدم الضيق في المسؤوليّة- وظّفه يونس× إلى خارج معركة الهداية التي خاضها في قومه، فعندما بليت ونفذت سُبُل النجاح ابتغى سعة الرحمة في مكان آخر غير مكان معركته، وكان من الأَوْلى التحرُّك لطلب سعة الرحمة وهو في قومه.
3. لم يكن صبره× بمستوى صبر الحسين× قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾[171]، فالحسين× نادى قبل أن يكون مكظوماً استمطاراً من سعة بحر المشيئة.
4. إنّ الحسين× حتى بعد اليقين باليأس من القوم، بل ما هو أكثر من اليقين باليأس من القوم ما زال يقاتل ويقاتل بتفاؤلٍ لا حدود له حتى قُتل مظلوماً عطشاناً.
شجاعةُ إدارةِ الأزماتِ وإمامة الأُمّة
شجاعةُ التدبير
لمْ تكن شجاعة الحسين× شجاعة فردٍ أو شجاعة فرديّة فحسب، بلْ كانت شجاعة في التدبير وشجاعة في الحكمة وفي التخطيط والتقدير، وهي ما يُسمّى بشجاعة القيادة وشجاعة إدارة الأزمات وإمامة الأُمّة.
فإنَّ المَكْر الذي مكره أعداء الحسين به× لا يقل عَنْ المَكْر الذي مكره الأعداء بجدِّه وأبيه وأُمِّه وأخيه؛ حَيْث إنَّه جُعْجِع به ومُنع مِنْ الوصول إلى الكوفة، ومُكِر به وبأهل بيته وأصحابه؛ حَيْث قُتِلوا وسُلِبوا وداست الخيلُ صدرَه وسُبيت نساؤه.
وسنّة المَكْر سنّة يصفها القُرآن بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُون﴾[172]، كُلّ هَذا المَكْر الذي مكروه تحوَّل إلى نصر للحسين× - قَتْلهم للحسين× أعطاه الحياة الأبديّة إلى يوم القيامة وأعطاهم الموت والفناء والعذاب إلى يوم القيامة- فما هُوَ المُخطِّط والمُدبِّر؟ وما هي النتيجة؟ فإنَّه كما يقولون: «الأعمال بخواتيمها»[173]، والمنتصر هُوَ صاحب النتائج وصاحب العاقبة الحَسَنة، فالحسين× كَانَ يبحث عَنْ النصر الواقعي وَهُوَ الفتح، وليسَ عَنْ النصر الظاهري، فالحسين× يصف معركته بالفتح، فالفتح نصر عظيم وكَانَ الحسين× يبحث عَنْه، وَهَذا ما تُشير إليه العقيلة‘ في مجلس يزيد (لعنه الله) حَيْث تقول: «فكِدْ كَيْدكَ واسْعَ سَعْيَكَ وناصِبْ جُهْدَكَ، فواللهِ، لا تَمحْو ذِكرَنا، ولا تُميتُ وَحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا ترحضُ عنك عارَها، وهل رَأيُك إلاّ فَنَد، وأيّامُك إلاّ عَدَد، وجَمْعُك إلاّ بَدَد، يومَ يُنادي المنادِ: أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ»[174] .وهذه الكلمة الجامعة لسيدة البيت الهاشميّ تُشير إلى كيفيّة تحوّل تدبير الشيطان السيئ إلى نصر في صالح المؤمنين.
الغصّة والفرصة
هُناك نفوس واسعة الأمل والرجاء تستطيع أنْ تحوّل الهزيمة إلى نصر - تحوّل الغصّة إلى فرصة- فإنَّ نفس الهزيمة لو نظرت إليها ببصيرة وتَرَوِّي مِنْ جميع جوانبها لرأيت فيها جوانب إيجابية كثيرة تُستثمَر وتُوظَّف للنتائج المرجوّة، وَهَذا ما رآه الحسين× في ساحة الطّف، فَهُوَ يرى أنَّ هَذا الجيش المُحاصر له سوف يفعل به وبأهل بيته وبأصحابه وعياله ما يفعل، وهذهِ كُلّها جوانب سلبيّة واقعية لا محيص عنها.
إذنْ؛ ينبغي ألّا ينصحهم الحسين×، فلماذا نصحهم×؟
قال مفسِّرو الواقعة: إنَّه لأجل إلقاء الحجّة عليهم. وَهَذا تفسير لطيف لكنَّهُ يقف عِنْدَ مشارف الجانب السلبي.
أمَّا الجانب الإيجابي، فيمكن استعراضه مِنْ خلال عِدَّة وجوه:
1. إنَّ الحسين× نصحهم لأجل أنْ يهتدي مَنْ يهتدي - كما اهتدى الحرّ في آخر لحظاته- فلو نظرنا عَلَى مُستوى ومُحيط جزئي وكمفردة جزئيّة نرى الحسين× انتصر في كسب الحرّ إلى جهة الإيمان، وَهَذا سَعْيٌ لتحصيل ما أمكن مِنْ الانتصارات الجزئيّة الَّتِي لمْ يفرط بها الحسين×، وتقليل ما أمكن مِنْ الخسائر - مهما أمكن- وإنْ استيقن بخسارة أصل النصر العسكري، وَهَذا طموح خفّاق آفاقي.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الحسين× وإنْ كَانَ يبحث عَنْ الفتح الذي هُوَ أعظم مِنْ النصر، لكنّ ذلك لا يعني مُطلقاً التفريط بالجوانب الأُخرى، وعدم البحث عَنْ الانتصارات في الجوانب الأُخرى فيما هُوَ ممكن ومقدور.
وهذهِ قاعدة وضابطة دستورية يضعها بين أيدينا - وفحواها-: أيُّها المؤمنون، مهما عَظُم هدفُكم، ومهما عمقَ تدبيرُكم، فهَذا لا يعني إطلاقاً ترك وإهمال الجوانب مهما كانت صغيرة وغير أصيلة بلحاظ الهدف الأكبر.
وَهَذا الأصل الدستوري والقاعدة الكبيرة لَيسَ فقط هُوَ عَلَى المستوى الاجتماعي سواء في المُجْتَمع الصغير (الأُسرة) والمُجْتَمع الكبير، بلْ عَلَى مُستوى الأُسرة الدوليّة والمجتمع البشري الشعوبي، أو الدول والحكومات والعلاقات الدوليّة... إلخ.
2. إنَّ الكلمات وبيان براهين الحقّ والهداية الَّتِي تكلَّمها الحسين× مَعَ أنّها إلقاء للحجّة عَلَى أعدائه، وهم لمْ يستجيبوا لها، لكنّهم حملوها إلى غيرهم، فَمِنْ جهة هُم أعداء للحسين× ومبغضون لكلامه ووعظه، لكنْ مِنْ جهة أُخرى هُم حاملون لخُطَبِه ومواعظه وكلماته إلى أهلهم، بلْ إلى كُلّ الأجيال إلى يومك هَذا.
3. أحدُ أهمِّ مَنْ وثّق الحادثة التأريخية لمعركة الطفّ هُم أعداء الحسين× حَيْثُ كانوا أحد مفردات التواتر لواقعة الطّف برمتها[175]، وهم أحد مفردات التواتر في بعض الحوادث الجزئية - داخل نفس المعركة وَمِنْ ضواحيها- الَّتِي خدمت مسيرة الهداية.
هذهِ الثمرات الثلاث العظيمة - بلْ وأكثر- كانت نتيجة عظمة تدبير الحسين×، فضلاً عَنْ أصل الغايات العظيمة لأصل النهضة.
ويمكن أنْ نذكر بعض الأمثلة لما خطّطه الأعداء وانقلب عليهم:
أوَّلاً: إنَّ الأعداء عَنْ علم وعمد وتدبير خبيث قتلوا الحسين× وأصحابه تلك القتلة المأساوية؛ حَيْث مثّلوا بالجثث وقطعوا الرؤوس... إلخ، فصاروا يتكلّمون في الأمصار بما فعلوا تصوراً منهم أنَّه كسر ووهن لعظمة الحسين×، فكانت النتيجة هي عكس ما دبّروا ومَكروا.
ثانياً: إنَّهم عَنْ علم وعمد حملوا السبايا وداروا بهم في الأقطار زيادة في النكاية، ولا يعلمون أنَّهم حملوا القناة الإعلامية لنشر مظلوميّة الحسين×، بلْ لنشر انتصار الحسين× في كُلّ العالم وفضح الأُمويين وأتباعهم.
حتميّة عدم النصر لا تنافي إمكانية الفتح
شهادة الفتح
الفتح وعنوان الفتح - كما لعلَّه يتنبّه إليه البعض- إنَّه أخصّ مِنْ النصر، بلْ بالأحرى هُوَ معنى مُغاير لمعنى النصر، وإنْ تلاقيا فِي جملة مِنْ المواطن، فكم مِنْ مُنتصر غَير فاتح، وكم مِنْ فاتح غَير منتصر (عسكريّاً) ويوجد منتصر فاتح، فبين المعنيين عموم وخصوص مِنْ وجه، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾[176].
فصلح الحُدَيبية سمّاه القُرآن فتحاً مُبيناً، ولم يقتصر عَلَى لفظ (الفتح) مَعَ أنَّه لمْ يكن نصراً عسكريّاً في البين أصلاً، وحادثة صلح الحُدَيبية، وردت في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾[177].
فإنَّ الله أرى رسولَه’ في الرؤيا دخول المسجد الحرام، ولكن لَمْ يحتّم الله تَعَالَى توقيتاً لتحققها؛ حَيْث اتّفق النَّبي’ في صلحه مَعَ قريش أنْ يرجع في عامه الذي جاء فيه عَلَى أنْ يعود في عام قابل، والحادثة موجودة في مصادر كثيرة، أوردنا منها الفكرة المطلوبة مَنْ شاء فليراجع[178].
فمَعَ وجود البَداء فِي التوقيت ورجوع المُسْلمين ومَعَ ذلك ُسمّي (فتحاً مُبيناً) ، والسبب في ذلك أنَّه حصل بمصالحة قريش مُنعطف كبير وجديد وَهُوَ اعتراف قريش تلقائياً بالصلح بالنبي ومنهاجه وملّته، فكَانَ انفتاحاً حضاريّاً في مسيرة البشر الدينيّة.
ونظيره في سورة النصر: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ الله وَالْفَتْح﴾[179]، فغاير الله تعالى بين عنوان النصر وعنوان الفتح، ويظهر مِنْ القُرآن أعظمية الفتح مِنْ النصر بفارق كبير جدّاً، وأنَّه لا يكترث بالنصر بقدر اكتراثه بالفتح.
فتحُ الحسين أم حسين الفتح
قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾[180]، هذهِ الآية نزلت في مشهد مُغاير لكلِّ التوقعات، فقدْ نزلت في صلح الحُدَيبية؛ وبالتالي فهي تُشير إلى أنَّ الفتح الذي يُريده الله معنىً مغايراً لما يفهمه عامّة الناس، فإنَّ الفتح هُوَ التغيّر الحالي والمُستقبلي بالحسم لصاحب الفتح، فمعركة بدر عَلَى عظمها وعظم نصرها، والَّتِي ربط بها النَّبي’ بقاء الإسّلام وزواله، حَيْث قال’ - وقدْ رفع يده إلى السماء-: «اللَّهُمَّ، إنَّكَ إنْ تُهلك هذهِ العصابة اليوم لا تُعبد بَعْدَ اليوم»[181].
رغم ذلك القُرآن لمْ يسمّها فتحاً، فما هي الأبعاد الَّتِي حملها صلح الحُدَيبية حتّى سمّاه القُرآن فتحاً، بَلْ وزاد فِي وصفه فقال: (فتحاً مُبيناً) رغم أنَّ الكثير مِنْ المُسْلمين وخصوصاً المُشكّكين والمُرجفين يرونها هزيمة وفشلاً، فكيف يمايز ويقايس القُرآن خلافاً لكلِّ الحسابات؟ هَذا لا يدركه إلّا لِـمَنْ له علم وإحاطة وهيمنة عَلَى الزمان والمكان والنفوس، بلْ لكلِّ الكون في الدُّنيا والآخرة، في ظلّ صورة الخسارة الظاهريّة - بالصلح- تبدأ الولادة الجديدة، وفي ظل تكفير المشركين وتكذيب أغلب المُسْلمين وظنّهم بالله الظنونَ وبرسوله’، يأتي الفتح.
في قمّة الضيق والمضيق الذي يمرّ به النهر ينفتح عَلَى البحار والمحيطات العظيمة، هكذا كَانَ الحسين× يُؤسِّس بناءً معرفياً، ويوصل الرسالة للناس بأنَّ الفتح غَير النصر، والنصر العسكريّ الخارجيّ قدْ يكون مُخالفاً للفتح فتصبح الهزيمة فتحاً وإنْ لمْ تكن نصراً، قال×: «مَنْ لَحِقَ بي استُشهد ومَنْ لمْ يلحق بي لمْ يُدرك الفتح»[182].
إذاً؛ الحسين× يُبشِّر مَنْ يلحق به بالشهادة ويُنذر مَنْ لمْ يلحق به أنَّه لا يدرك الفتح، وَهَذا درس لكلِّ المُسْلمين، بلْ لكلِّ العالم البشري في إعادة الحسابات والوعي والمعرفة في مقايسة ووزن الأُمور، فَبَعْدَ معركة الجمل كَانَ المُسْلِمُون ينتظرون كلمة تشيد بالانتصار بَعْدَ المعركة، فإذا بأمير المؤمنين× يُشير إلى الفتح بقوله: «أنا فقأت عين الفتنة، وَلَمْ يكن ليجرأ عليها أحد غيري»[183].
هذهِ مُفاجئة مِنْ الإمام× رُبَّما الكثير يتساءل ويخاطبه - فِي حديث النفس-: أنت غالب، أنت مُنتصر، أنت لست في خطبة وعظ أو كلمة أخلاقية، هَذا محلٌّ قُتِلَ فيه أُناس واستُشهد آخرون، وأُسِرَ البعض الآخر ونجا وانتصر البعض، فما هي مُناسبة هَذا الكلام؟!!
الإمام× أراد أنْ يُبيِّن المقصود الحقيقي المُستقبلي، البعيد كُلّ البُعد عَنْ أذهان المُسْلمين، فضلاً عَنْ النَّاس؛ حَيْثُ أراد أنْ يُحطِّم المقولة المتشابهة في الزيغ مِنْ أنَّ أُمومة المؤمنين تعني الحُجيّة في الموقعيّة الدينيّة، والحال أنَّ القُرآن يشهد عَلَى أزواج النَّبي’ بالعصيان والتظاهر عليه.
وإنَّ كونهنّ أزواج النَّبي’ لا يلازم حصانتهن عَنْ الزيغ والخطيئة، كامرأة نوح وامرأة لوط، فَمِنْ غَير الصحيح أنْ يُخدع الإنسانُ المؤمنُ بالأسماء الطويلة العريضة، ولذلك قَالَ×: «اعرف الحقَّ تَعرِفُ أهلَه»[184]. والمؤسف عدم وعاية مغزى كلامه×.
وكذلك الحسين× يُشيّد أركان الدِّين ويُجَدِّد ما بُليَ منه ويُعطي درساً حضاريّاً في كُلّ الأجيال، أنَّ الأهمّية للتخطيط، والأهمّية للفتح الذي هُوَ تشييد للحضارة الحقيقيّة، فالدول اليوم أخذت تبحث عَنْ الانتصارات الاستراتيجيّة بعيدة المدى، وأصبحت الانتصارات المقطعية الراهنة في المنطق العلمي لهذا العصر إنجازات مؤقتة لا يُكترث بها بالقياس إلى ما هُوَ بعيد المدى.
فالأنبياء - وَكُلّ المُصلحين مِنْ المصطفينَ- كانت تنظر الناس إليهم (بما فيهم المُسْلمون) أنَّهم قُتلوا اسْتُشهدوا وَظُلموا وغُلبوا وقُهروا مِنْ قِبَل قومهم، أمَّا بَعْدَ ثورة الحسين× انقلبت الصورة وانقلبت النظرة، انقلب السحرُ عَلَى الساحر، انقلب سحر الأفكار البسيطة الساذجة ذات البهرجة والزخرفة والوسوسة الشيطانيّة عَلَى صانعها الساحر الذي أسسها وثبّتها في نفوس الناس وجعل الناس أُسراءَ لها.
والحسين× يقلب مجرى التاريخ، وَهَذا لَيسَ كلام شعاري أو شعري خيالي؛ لأنَّه× أعاد النَّظر والحسابات عِنْدَ كُلّ الناس وصحّح النَّظر، وأوجد بصيرة ثاقبة لدى أجيال المُسْلمين والبشريّة بافتراق نهج السقيفة والنهج الأُمَوي عَنْ النهج النبويّ السماويّ، وأنَّ الخلافة السلطوية سلطنة قُدْرة وتسلُّط، ومسار الهداية الدينيّة مسار آخر، وهذهِ البصيرة المسلّحة في العقول لمْ تكن لتوجد ويستمر تواجدها لدى الأجيال لولا تضحيّة مثل سبط الرسول وفرخ البتول وعزيز المرتضى وخامس أصحاب الكساء؛ وبالتالي لا بدَّ لكتب التأريخ أنْ تُعاد صياغاتها، لأنَّها نظرت لجهة واحدة، نظرت لمظلوميّة الأنبياء وأنّهم لمْ ينتصروا، في حين أنَّ الحقيقة أنَّهم كانوا مُمهِّدِين لمُحَمَّد’ الخاتم لما سبق، والفاتح لما استُقبل، والمُهيمن عَلَى ذلك كُلّه.لقسم الثاني
خارطة مسؤوليّات العصر الراهن
وفيه ثلاثة فصول:
v الفصل الأوّل: خارطة المسؤوليّات في النشاط الوظيفيّ الدينيّ والسياسيّ والاجتماعي.
v الفصل الثاني: خارطة المسؤوليّات في النشاط الوظيفيّ الدينيّ للمؤمنين تجاه حركات الانحراف الديني.
v الفصل الثالث: خارطة المسؤوليّات في النشاط الوظيفيّ الدينيّ العسكريّ للمؤمنين، ووظيفة تقديس وحماية المقدَّسات.
الفصل الأوّل
خارطة المسؤوليّات
في النشاط الوظيفيّ الدينيّ والسياسيّ والاجتماعيّ
القاعدة الأُولى: (كُنْ حِلْساً) والأحلاس في البيوت.
القاعدة الثانية: إعداد القوّة.
القاعدة الثالثة: طلب العلم ونشرُه.
القاعدة الرابعة: عموم المسؤوليّة على الجميع.
القاعدة الخامسة: التقيّة الذكية وترقية تنامي الحسّ الأمني.
القاعدة السادسة: المرونة والمناورة في المسير والمسار.
القاعدة
السابعة: ضرورة توازن القِوى مع العدو.
مقدّمة
هذه قواعد سبع أو أكثر[185] في الفقه العقائدي والنشاط الوظيفيّ الدينيّ والفقه السياسي الاجتماعي، أي: إنّ نفس القاعدة الواحدة لها بُعد دينيّ حين تدخل في الوظيفة الدينيّة من حيث إنّها واجبة أو مستحبة، فرديّة كانت أو اجتماعيّة وغيرهما، ومن جهة فإنّ نفس هذه القاعدة يمكن أن تكون منهاجاً للعمل السياسيّ وقاعدة سياسيّة، ونفسها بعينها ضابطة في فقه التربيّة الأُسرية والتعامل الأُسري وفقه السلوك الاجتماعي.
ومن المعلوم أنّ هذه القواعد قد ينظر الفقهاء أو أرباب العلوم المختلفة إليها من جهة وزاوية البُعد الفرديّ، والحال أنّ البُعد الفرديّ هو أحد زوايا تلك القواعد، وهو أدنى الواجبات في الدين، وهناك ما هو أهمّ وهي الواجبات الاجتماعيّة أو السياسيّة أو الاقتصاديّة أو العسكريّة، فكلّما كانت أوسع وأهمّ في الدين كان الملاك أهمّ؛ وبالتالي تكون المطلوبيّة أعلى.
والحاصل: أنّ البُعد الدينيّ في هذه القواعد ما كان من ناحية الوظيفة في الأحكام الشرعية، أمّا بُعدها في الفقه السياسيّ فهو ما ارتبط بشؤون السلطة والشأن السياسي بشكل عام، وأمّا البُعد في الفقه الاجتماعي، فمن حيث كونها تنظيرات أو تطبيقات اجتماعيّة.
القاعدة الأُولى
(كُنْ حِلْسَاً) والأحلاس فِي البيوت
قاعدة منهجيّة في النشاط الوظيفيّ الدينيّ والسِّياسيّ في زمن الغيبة:
(كُنْ حِلْسَاً مِنْ أحلاس بيتك)
قَدْ احتُمل عِدَّة احتمالات لمعنى (الحِلْس) وللمعاني الَّتِي تأمر الفرد المؤمن - في زمن الغيبة الكُبرى- بالجلوس في الدار:
1. أنْ يكون معنى ذلك أنْ يدّخر نفسَه لنصرة الإمام # ؛ فينبغي أنْ يحافظ عَلَى نفسه.
وهُنا نقول: إنَّ معنى المحافظة مُغاير لمعنى الجلوس في الدار، فقدْ يكون هُناك ادّخار للنفس بلا جلوس في الدار، وقدْ يكون هُناك جلوس سلبي يُعرِّض المؤمن للخطر.
2. أنْ يكون معنى (أحلاس البيوت) هُوَ اجتناب الاغترار بكُلِّ صيحة ونداء مِنْ هُنا وهُناك، وَمِنْ فئة وأُخرى مِنْ دون تثبّت ورَوِيَّة وتعقُّل وفحص، ومِنْ دون دراية؛ لئلّا يؤدِّي إلى قتل النفس بالضلال، والانضواء تَحْتَ تيارات الانحراف، والانخداع بالزُخرُف وبالبهرجة والإعلام، بلْ اللازم أنْ يكون مُصداقاً لقول الإمام عليٍّ×: «كُنْ في الفتنة كابن اللبون، لا ظهرٌ فيُركب، ولا ضرعٌ فيُحلب»[186]، وابن اللبون مِنْ الإبل ما أتى عليه سنتان حيث لا يمكن استغلاله بالحلب، ولا بالركوب حيث لا يُركب، كذلك المؤمن خارج مِنْ الفتنة بانتصار، رغم أنَّه في الفتنة، وليسَ هُوَ جليس الدار، بلْ هُوَ في الفتنة وليسَ معها، كما وَرَدَ «كُن في الناس، ولا تكن معهم»[187]، ونظير قوله× أيضاً: «كونوا كالنحل في الطير، لَيسَ شيء مِنْ الطير إلّا وَهُوَ يستضعفها، ولو علمت الطيرُ ما في أجوافها مِنْ البركة لمْ تفعل بها ذلك، خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم»[188]، أي: كُنْ في الفتنة ولا تكُن رقماً مِنْ أرقامها حتّى لا تخسر عقيدتك، وكُنْ حِلْساً مِنْ أحلاس البيوت، أي: «لا تكن عبد غيرك وقدْ جعلك الله حرّاً»[189]، ولا تكن حطباً لنيران الفِتن، وذلك يكون بالصبر والتثبّت وعدم الاستعجال، وَقَدْ وَرَدَ فِي الرواية «هلكت المحاضير... ونجا المقرِّبون»[190]، و (المحاضير) أي: المستعجلون بلا تَرَوِّي، والاندفاعيون بسرعة استرسال بلا تثبّت وفطنة، مِنْ دون مُلاحظة عواقب الأُمور، وقوله: (ونجا المقرِّبون) - بكسر الراء المشدّدة- تعني أنَّهم يقولون بقرب الفرج وينتظرون في برمجة أعمالهم وجدولة تحرّكهم توخِّي الظهور.
فالانتظار مِنْ مادّة الناظر، أي: المتطلِّع لشيء آتٍ، حيث يجعل مركز كُلّ برامجه وتخطيطه وخطاه وخططه السعي لذلك الهدف، والدوران حول تلك النقطة المركزيّة مِنْ دون رسم هدف مغاير لذلك الفرج الحقيقي؛ وذلك بعدم الاغترار والفرح بالانفراج النسبي الضئيل، وبذلك يكون السعي والعمل والنشاط أكبر مِنْ الأهداف المتوسطة، فضلاً عَنْ الأهداف المقطعيّة الشخصيّة، وَهَذا المعنى لا يعني السكون والركود والنكول عَنْ هدف الانتظار، بلْ يعني دوام استهدافه في السعي والنشاط والحركة والحراك، والسكون والسكوت عَنْ بقية الأهداف الأُخرى الدنيويّة، وكذلك هُوَ بتوظيف الأهداف المتوسطة لذلك الانتظار والظهور مِنْ دون الاغترار بتلك الأهداف لنفسها بنظرة موضوعيّة لها، تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُون﴾[191]؛ ولذا كَانَ عليٌّ أمير المؤمنين× منشغلاً بتجهيز النَّبي’ ودفنه، حين كَانَ الناس يتصارعون عَلَى كرسي الحُكم لمْ يستخفّه المُستخفّون، ولم يربكه استعجال المُستعجلين وحرص الدنيويين.
المعاني اللغوية للحِلْس
3. وَهَذا الاحتمال يدعم الاحتمال الثّانِي الذي مرَّ، إلّا أنَّه يركّز إلى جانب استعمال السِّرية والحسّ الأمني في العمل، حيث إنَّه ذُكر في المعنى اللغوي للحِلْس: (إنّه بمعنى الكساء يُجعل عَلَى ظهر البعير تَحْتَ رحله، أو هُوَ الكساء يكون تَحْتَ البرذعة للبعير، أو هُوَ الكساء يبسط في البيت تَحْتَ حرّ الثياب) ، وَهَذا الاحتمال الثَّالث يحتاج إلى شيء مِنْ البسط بالبحث في المعاني اللغوية.
* في العين: «الحِلْس ما ولي البعير تَحْتَ الرحل... والحِلْس للبيت ما يبسط تَحْتَ حرّ المتاع مِنْ مسح وغيره... وفي الحديث في الفتنة كُن حِلْسَ بيتك... الحلس الشعاع الذي يلازم قرنه»[192].
* وقال في جمهرة الأمثال: «وأصل الحِلْس: كساء يوضَع تحت البرذعة على ظهر البعير ويلزمه، فشبه الذين يعرفون الشيء ويلزمونه به، وفي الحديث: إذا كانت فتنة فكن حِلْس بيتك. أي: الزمه ولا تُزايله»[193].
فظهر مِنْ هذهِ التعاريف اللُغوية أنَّ معنى الحِلْس إمَّا معنى الخفاء أو الثبات والمُلازمة عَلَى الشيء، وكلا المعنيين بهدف عدم الاغترار والانجرار إلى أطراف النزاعات والفتن والاختلافات، بلْ الثبات واللزوم عَلَى ما كَانَ عليه، فلا يزايل هويته وانتماءه الذي كَانَ عليه بانتماءات حادثة ومتولّدة، وبذلك يقرب هَذا المعنى مِنْ المعنى السابق.
* وَمِنْ ثمََّ وَرَدَ الحِلْس - كما في لسان العرب- بمعنى العهد، تقول: «أحلستُ فلاناً، إذا أعطيته حِلْساً، أي: عهداً»[194]، وَهَذا المعنى أيضاً يقرب مِنْ معنى اللزوم والثبات وعدم الانحراف؛ وذلك لقوّة مراعاة السِّرِّية والكتمان والإخفاء والتستر، لا بالسكون والركود والقعود والابتذال، وجعل النفس بذلة مبتذلة في أيدي العابثين والمعتدين.
* وفي مجمع البحرين بَعْدَ ما ذكر تلك المعاني المُتقدّمة لغةً، قال: «هَذا هُوَ الأصل، والمعنى الزموا بيوتكم لزوم الأحلاس، ولا تخرجوا منها فتقعوا في الفتنة... والحلس - بكسر اللام- الشجاع»[195].
* وفي تاج العروس: «وَمِنْ المجاز (الحِلْس) : الكبير مِنْ الناس للزومه محله ولا يزايله»[196].
* والذي في المحيط: «رأيت حِلْساً في الناس، أيّ كبيراً»، إذا يلازم قعر بيته لا يبرح، ويُؤيِّد أنَّ الحِلْس بمعنى الثبات والثقل عَنْ الاهتزاز ما عُرف في كلمات اللغويين فيما قالوا: حِلْس بيته فيمَن لمْ يبرح مكانه، أي: لمْ يغيّر ما ثبت عليه قلبُه مِنْ الإيمان بهداهم ومنهاجهم.
نتائج مُهمّة مِنْ معنى الحِلْس
ولمزيد توضيح قول اللغويون في معنى الحِلْس أنَّه البردع أو البردعة والبرذغ أو البرذعة. فينبغي أنْ نوضِّح معنى البرذع، قال في لسان العرب: «والبرذع هُوَ الحِلْس الذي يلقى تَحْتَ الرحل... والبرذعة مِنْ الأرض: لا جلد ولا سهل، وابرنذع للأمر ابرنذاعاً: تهيأ واستعد. وابرنذع أصحابه: تقدّمهم»[197]، ويمكن الحصول ممّا تقدَّم عَلَى نتائج عديدة:
1. بما أنَّ معنى الحِلْس هُوَ البردع الذي هُوَ قماش أو شيء آخر يوضع بين السرج وبين ظهر الدابة كالحصان، والهدف منه زيادة في (ثبات) السرج عَلَى ظهر الحصان أو غيره، وَمِنْ جهة أُخرى هُوَ (حماية) ظهر الدابة مِنْ قساوة السرج، وهكذا المؤمن الحِلْس هُوَ كالبردع يحمي ظهور المؤمنين، ويكون حصناً منيعاً ثابتاً لهم.
2. وقوله: والبرذعة مِنْ الأرض: (لا جلد ولا سهل) ، هَذا يعني أنَّ البرذع الذي هُوَ الحِلْس دائماً يسير عَلَى الطريقة الوسطى، فلا يكون ليِّناً فيُعصر، ولا يكون يابساً فيُكسر، أي: يكون وسطاً مِنْ باب ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾[198]، أو يكون وسطاً، أي: لا إلى اليمين ولا إلى الشمال، أي: هُوَ عَلَى الوسطية (الاستقامة) ، فلا يذوب في الإفراطيين، ولا ينساق مَعَ التفريطيين المفرطين، بلْ متوازن في السير والمسير، ويوازن الجوانب مِنْ دون متاركتها.
3. نستشعر مِنْ معنى البردع الذي هُوَ ما يوضع بين الرحل أو السرج وبين ظهر الدابة، أنَّه بطانة داخلية غَير ظاهرة، وَهُوَ بطانة نافعة؛ فيكون الحِلْس هُوَ بمعنى البطانية الإيمانية الصالحة الَّتِي يأمر القُرآن بالركون إليها وعدم اتّخاذ غيرها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾[199].
4. البردع الذي هُوَ بين الرحل وظهر الدابة، له نفع غَير ظاهر وغير مُعلَن، (خفي غَير ظاهر) ، لكنَّهُ متواجد فاعل بين الأطراف مِنْ دون مشاهدته، وَمِنْ دون الشعور به - كما هي سنّة الغيبة للإمام الثّانِي عشر # - فالأمر بالعمل الخفي (غير ظاهر النفع) ، كما هُوَ نفع الحِلْس الذي هُوَ بين ظهر الدابة والرحل؛ حيث إنَّه له دور ونفع لكنَّهُ خفي.
ولو دقّقنا النَّظر، فإنَّ البردع الذي قدْ يكون قطعة مِنْ القماش البالي، هذهِ القطعة إذا وُضعت ظاهراً فإنَّ نفعها معدوم، وإذا خُفيت نفعت - أيما نفع- كذلك المؤمن إذا خفي نفع وإذا ظهر علانية استُئصل وأُبيد.
5. وقوله: (ابرنذع) : تهيأ واستعد. إنَّ معنى البرذع هُوَ التهيؤ والاستعداد؛ فيكون معنى الحِلْس والحليسة هُوَ التهيؤ المنقطع سريعاً، وذلك بالتنامي التدريجي للقوّة العجول الدفعي المنقطع سريعاً.
ما هُوَ معنى (البيت) الذي وَرَدَ فِي الرواية:
ثمَّ إنَّ معنى البيت في هذهِ الروايات أيضاً هُوَ استعمال كنائي، يُراد به لزوم المنهاج الذي عليه المؤمن - منهاج أهل البيت^- فالبيت هُوَ بيت الإيمان وبيت المؤمنين وجماعتهم، كَمَا أُطلق عَلَى بلاد المؤمنين وبلدهم ومجتمعهم دار الإيمان فِي قِبال دار الإسلام وفي قبال دار الكفر، فالدار هِيَ الكيان الاجتماعي، وكذلك البيوت، والبيت نظير إطلاق البيوت فِي آية النور بمعنى الرجال الَّذِيْنَ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عَنْ ذكر الله تَعَالَى، أي: إنَّ قوله×: «كن حِلْساً مِنْ أحلاس بيتك»، أي: استقم عَلَى ما أنت عليه مِنْ الإيمان وبيئة المؤمن والتزام جماعة المؤمنين، وبنمط ورَوِّية الخفاء وكتمان موضع القوّة والضعف في المؤمنين عَنْ الأعداء والمخالفين، والمواصلة في مشروع أهل البيت^ بدون صخب في العلانية تثير الأعداء وتعرقل مسيرة الإيمان.
فالعمدة في هذهِ الوصية المُسْتفيضة في رواياتهم جملة مِنْ النُّقاط:
الأُولى: الاستقامة والثبات عَلَى الإيمان.
الثَّانية: التزام السِّرِّية والخفاء.
الثَّالثة: التمركّز في بيت الإيمان وجماعة المؤمنين، وعدم اتّخاذ ولائج وانتماءات خارجة عنهم.
والتمركّز لا يعني التقوقع الجغرافي بقدر ما هُوَ تمركز الاستراتيجيّة ومنظومة الولاء، والتحالف مَعَ المؤمنين.
وأين هَذا المعنى البديع مِنْ المعنى المغلوط المشتهر تقليديّاً في الأذهان مِنْ معنى الجمود وترك الحبل عَلَى الغارب والتفرّج مِنْ بعيد، والتخلّي عَنْ جملة مِنْ المسؤوليّات الخطيرة؟! كما أنَّ المعنى الصحيح المتقدّم لا يعني الصخب في العلانية، والجهار في إذاعة الأسرار والصراخ والضجيج في كُلّ الأُمور، فالنشاط وتحمّل المسؤوليّة لا يعني الضجيج والصخب وإعلان الأسرار للأعداء في العلانية، وكذلك الخفاء والكتمان لا يعني الجمود والانعزال والتفرّج مِنْ بعيد، ولنا في الإمام المهدي # القدوة البالغة؛ فإنَّه # في قمّة الخفاء مَعَ قمّة تحمّل كافة المسؤوليّات في كُلّ الساحات والميادين الساخنة والباردة.
وَهَذا اللسان - كُن حلساً مِنْ أحلاس البيوت- في الروايات كثير، ومفاده لا يتّضح تماماً، إلّا بمقارنته بطوائف روايات أُخرى في هَذا الشأن؛ كون منظومة الدِّين واحدة لا تتّحدد الرؤية فيها إلّا بالمجموع وتفسير كُلّ بعض بالأبعاض الأُخرى، وكذلك العكس.
فمثلاً: نجد رواية صحيحة أعلائية، بلْ قطعية الصدور يرويها الصدوق، عَنْ الفضيل بن يسار النهدي ومشاركته مَعَ زيد الشَّهيد في ثورته، مَعَ أنَّ الفضيل مِنْ تلاميذ الإمام الباقر والصادق÷ المبرّزين، والرواية هي قول الفضيل: «انتهيت إلى زيد بن عليّ صبيحة خرج بالكوفة، فسمعته يقول: مَنْ يُعينني منكم عَلَى قتال أنباط الشام، فوالذي بعث محمداً بالحقِّ بشيراً، لا يُعينني منكم عَلَى قتالهم أحد إلّا أخذت بيده يوم القيامة فأدخلته الجنّة بإذن الله.
قال: فلمّا قُتل اكتريت راحلة وتوجهت نحو المدينة، فدخلت عَلَى الصادق جعفر بن مُحمَّد×، فقلت في نفسي: لا أخبرته بقتل زيد بن عليّ فيجزع عليه. فلمّا دخلت عليه، قال لي: يا فضيل، ما فعل عمّي زيد؟ قال: فخنقتني العبرة. فقال: قتلوه؟ قلت: إي والله، قتلوه. قال: فصلبوه؟ قلت: أي والله، صلبوه. قال: فأقبل يبكي ودموعه تنحدر عَلَى ديباجتي خده كأنّها الجمان.
ثمَّ قال: يا فضيل، شهدتَ مَعَ عمّي قتال أهل الشام؟ قلت: نَعَمْ. قال: فكم قتلت منهم؟ قلت: ستّة. قال: فلعلك شاكّ في دمائهم؟ قال: فقلت: لو كنت شاكّاً ما قتلتهم. قال: فسمعته وَهُوَ يقول: أشركني الله في تلك الدماء، مضى - والله- عمّي وأصحابه شُهداء مثلما مضى عليّ بن أبي طالب× وأصحابه»[200].
والذي نُريدُ أنْ نقوله: إنَّ الإمام× لمْ ينكر عَلَى الفضيل مشاركته، بلْ أكَّد له ألّا يتردّد فيما قام به مِنْ قتلهم، بلْ أعطاه مبلغاً مِنْ المال يوزِّعه عَلَى عوائل الشهداء.
كذلك روايات كثيرة أكدت أنَّ الذي يحجزهم عَنْ النهوض هُوَ عدم استقامة محبّيهم عَلَى تحمّل شدّة المسؤولية، وأنّهم لو وجدوا أنصاراً لخرجوا عَلَى الظالمين.
وفي هَذا الصدد نذكر ما رواه الكليني في روضة الكافي بسند متّصل، عَنْ أبي هيثم بن التيهان، قال: إنَّ أمير المؤمنين× خطب الناس في المدينة، ثمَّ ذكر الخطبة - الخطبة الطالوتية-: «قال: ثمَّ خرج مِنْ المسجد فمرَّ بصيرة - حظيرة- فيها نحو مِنْ ثلاثين شاة، فقال: والله، لو أنَّ لي رجالاً ينصحون لله (عَزَّ وَجَلَّ) ولرسوله بعدد هذهِ الشياه لأزلت ابن آكلة الذبان عَنْ ملكه. فلما أمسى بايعه ثلاثمائة وستّون رجلاً عَلَى الموت، فقال أمير المؤمنين: اغدوا بنا إلى أحجار الزيت مُحَلِّقين. وحَلَق أمير المؤمنين، فما وافى مِنْ القوم مُحلِّقاً إلّا أبو ذر، والمقداد، وحذيفة بين اليمان، وعمّار بن ياسر، وجاء سلمان في آخر القوم، فرفع يده [أمير المؤمنين×] إلى السماء فقال: إنَّ القوم استضعفوني كما استضعف بنو إسرائيل هارون... لولا عهدٌ عهده إليَّ النَّبي الأُمّي’ لأوردت المخالفين خليج المنيّة، ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت، وعن قليلٍ سيلعمون»[201].
وقريب منه ما رواه الخزّاز بسنده المُتّصل، عَنْ جابر بن يزيد الجعفي، عَنْ أبي جعفر مُحمَّد بن علي الباقر×: «... قلت: يا سيدي، أليس هَذا الأمر لكم؟ فَلِمَ قعدتم عَنْ حقِّكم ودعواكم، وقدْ قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾؟ قال: فما بال أمير المؤمنين× قعد عَنْ حقّه، حيث لمْ يجد ناصراً، أو لمْ تسمع الله تعالى يقول: - في قصة لوط× لقومه- ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد﴾، ويقول في حكاية عَنْ نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِر﴾، ويقول في قصّة موسى×: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾، فإذا كَانَ النَّبي هكذا فالوصي أعذر، يا جابر مَثَل الإمام مَثَل الكعبة إذْ يؤتى ولا يأتي»[202].
وقريب منه ما رواه في علل الشرائع[203] بسنده، عَنْ ابن مسعود، عَنْ أمير المؤمنين×، وقريب منه أيضاً ما وَرَدَ في الاحتجاج[204] عَنْ أمير المؤمنين× بَعْدَ رجوعه مِنْ النهروان، وذكر المجلسي في علّة قعوده عَنْ قتال مَنْ تآمر عليه مِنْ الأوّلين، وعلّة قعود مَنْ قعد منهم^، وذكر المجلسي رواية أُخرى عَنْ الاحتجاج قوله×: «لو وجدتُ يومَ بويع أخو تيم أربعين رهطاً لجاهدتهم في الله...»[205].
وكذلك الصدوق[206] في الأمالي بسند معتبر عَنْ المفضل، وكذلك الطوسي في أماليه[207].
وقدْ جمع المجلسي في هَذا الباب - باب العلل- كثيراً منها مُتضمِّناً لهذا التعليل.
وكذلك ما وَرَدَ - متعدّداً- مِنْ أنَّه: كَانَ قدْ قرر أنْ يكون الحسين× هُوَ المهدي ولكن بدا لله فيه.
فيظهر أنَّ الذي يؤخِّر إقامة دولتهم هُوَ تخاذل المؤمنين عَنْ الالتزام العالي الكبير بالمسؤوليّة الثقيلة، وَهَذا ما تواترت به الأخبار، بلْ والآيات الكريمة واضحة الدلالة بالمضمون والصراحة في ذلك، قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾[208].
فالأُمَّة - إذاً- واقعها هُوَ الضعف عَلَى مختلف الأصعدة، الدينيّة والحياتيّة، المادّية والمعنوية.
ويتحصّل ممّا تقدَّم: أنَّ معنى الحِلْس هُوَ الثبات وعدم الانتقال عَنْ المسار العقائدي والديني بالانجرار خلف تيارات الباطل والزيغ، وَهَذا ما توضّحه لنا الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾[209].
موسى× حِلْس البيوت
قد روى الكليني مرفوعة عليّ بن عيسى، قال: «إنَّ موسى× ناجاه الله تعالى، فقال الله في مناجاته: يا موسى... وكُنْ خَلِقَ الثياب جديد القلب تخفى على أهل الأرض، وتُعرَف في أهل السماء حِلْسَ البيوت مصباح الليل... يا موسى، كُنْ إمامهم [العباد] في صلاتهم، وإمامهم فيما يتشاجرون، واحكم بينهم بما أنزلتُ عليك، فقد أنزلتُ حُكماً بيِّناً وبرهاناً نيِّراً ونوراً ينطق»[210].
في الحديث القُدْسي يأمر الله (عَزَّ وَجَلَّ) موسى بأن يكون حِلْساً من أحلاس البيوت، ومع ذلك فإنّه لم ينافِ الأمر بإقامة الحكم الإلهيّ بين الناس وإقامة التوراة؛ ممّا يدلل على أنّ المراد الحقيقي والصحيح من الحِلْس هو السرِّية والخفاء في الإقامة في بيت مشروع الحقِّ، والثبات على النهج الصحيح، وعدم الانجرار مع كلّ اتّجاه وكلّ راية مرفوعة، بل الأمر بالحِلْس والخفاء في البيوت، في حين الأمر بقيادة الناس هو قمّة النشاط والدور الفاعل ورفع الفتنة والنزاع بين البشر، وبذلك يظهر جلياً أنّ الأمر بـ (كُن حِلْساً من أحلاس بيتك) هو الخفاء والسرِّية في مواجهة العدو في حين الإقامة في بيت كيان الحقّ، وليس أمراً ودعوى إلى الجمود والسكون، والوهن والضعف، والاستضعاف والتفرّج للأحداث من دون الخوض في إدارة إصلاحها.
كيف؟ وقد ورد في الروايات المستفيضة - كما في روايات الزيارات العديدة- الذمّ الشديد للضعف والوهن، والسكون والضراعة، والاستكانة والتتعتع، والهلع والتضييع والتخلف، بينما أمر بالقوّة والنهوض، والبروز والنطق، والمحافظة والإقدام والإعداد، وإن لم يكن ذلك بمعنى الحدّة والسخونة، والتهوُّر والصخب، والإفشاء والإذاعة للأسرار الأمنيّة وكشف المستور، بل هو أمر ذكي في الآليّات والخطوات للخطط.
وفي عدّةٍ من زيارات لأمير المؤمنين× ولسيِّد الشهداء×، منها عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله’، قال: «... وجاء رجلٌ[211] مسرع مسترجع وهو يقول:... قويتَ حين ضَعُفَ أصحابُه، وبرزتَ حين استكانوا، ونهضتَ حين وهَنوا، ولَزِمتَ منهاج رسول الله|... ولم تَضرَّع برغمِ المنافقين وغيظِ الكافرين وكُرهِ الحاسدين وصِغَرِ الفاسقين، فقمتَ بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيتَ بنور الله إذ وقفوا، فاتّبعوك فهُدوا، وكنتَ أخفضهم صوتاً وأعلاهم فوتاً، وأقلهم كلاماً، وأصوبهم منطقاً، وأكثرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدّهم يقيناً...»[212].
فهم جديد لمعنى (حين) التي وردت في الزيارة
القضية الحِينيّة
الوسطيّة في ميزان العمل
الدور المنقذ لتوازن سفينة المؤمنين والمسلمين عن الغرق المتطرِّف
ذُكر في المنطق - بعض أوصاف- القضية الحِينيّة، وهي: (أنّ المحمول فِعليُّ الثبوت للموضوع حين اتّصافه بوصفه) ، وما أوردناه في زيارة أمير المؤمنين× - يشبه ذلك- وهو أنّه× حين يأفل عمل القوم، وحين يضعف صبرُهم يبرز صبرُه×، حين يُتعتع القوم ينطق×، وليس دائماً، فهذا الوصف ثابت فِعلاً للإمام× حين يتّصف القوم بعدم ذلك، فهو دور موازن، وهذا دور آخر غير الدور الذي لأمير المؤمنين×، والذي هو ثابت له على الدوام، وهو عمله الدائم كمكلف بالإمامة والقيادة، وبالتكاليف الشرعية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها، وهذا تفسير لمعنى الوسطيّة في العمل والتكليف[213]، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾[214].
الوسطيّة في قوام العمل حين عَجْز الأُمّة
المُعادِل الموضوعي
العامل المشترك الأكبر
الوسطيّة بمعنى (بيضة القبّان)
أمير المؤمنين× هو الميزان - وهو القبّان- وهو قسيم الجنّة والنّار، وهو مع الحقِّ والحقُّ معه، وبه تُعرَف الرجال، ولكن هذا لا يمنع أن يكون له دور آخر، وهو الوسطيّة في توازن وميزان الأُمور، بمعنى بيضة القبّان - لو صحّ التعبير- وهذا الدور هو أحد أدواره التي سنّها في نهج ومنهاج الدين.
وبه يكون دوره أُمّةً، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِله حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[215]، أي: رغم كونه ميزاناً تُوزَنُ به الخلق كذلك هو توازن للخلق، أي: أحد أهمّ عناصر الميزان، عناصر التوازن.
وهذا الدور العظيم - دور بيضة القبّان- مرتبط بشكل وثيق مع برنامج الرقابة الأمني - دور الشهادة على الأُمّة- للذين أمنوا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾[216]، فقد ارتبطت الوسطيّة بالشهادة؛ ولذلك فإنّ (إمساك العصا من الوسط) ضمان أكيد للنجاة من السقوط في حضيض المتشابهات الفتّانة.
أيُّها المؤمن
كُنْ كموسى× حِلْسَ البيت جديد القلب، وكما كان يوسف×. ولا بدّ أن تكون في الحدث، فإن الوسطيّة بمعنى المعادل الموضوعي والعامل المشترك الذي لا غنًى لكثير من العمليّات التدبيريّة - الحسابية- عنه.
علي× خير قدوة حين يحدث فتور نسبي في الأُمّة يشرق نور عليٍّ×، حينما تسكت الأُمّة عن الباطل يظهر نور الحقِّ من عليٍّ×، ما أن تبرد الأُمّة حتى يبعث فيها السخونة، ولعله أحد معاني إثارة دفائن العقول - الذي هو من أهمّ وظائف الأنبياء- فالعقول مفطورة على الدين، وأنّ الأنبياء يثيرون دفائنها.
ومن ذلك تلخَّصَ: أنّ المراد من الحِلْس هو الثبات، وأن لا يبرح المؤمن من استقامته على انتمائه الى منهاج وخطّ أهل البيت^ والملازمة على ذلك، ولا تأخذه الاتّجاهات والجماعات المختلفة يميناً ولا شمالاً؛ لأنّ المراد الجمود والتفرّج وترك الأُمور على غاربها، وعدم الاكتراث بالأُمور التي لا تصبّ في اتّجاه منهاج أهل البيت^، أي: بقدر ما هُمْ مع المنهاج فنعم، وبقدر ما يبتعدون فلا، لا أنّ المعنى الجمود واللامسؤوليّة والذوبان في المادّية والذاتيّة، والاستمتاع بلذّة الوداعة والراحة والخمول وبهجة الحياة الدنيا.
ثمَّ إنَّ هاهنا أصلاً وقاعدة أُخرى.
الصَبْر والتصبُّر
إنّ الصَبر والتصبُّر لا يعني الجمود، بل الاندفاع في النشاط والفاعليّة والتخطيط لتدابير متعدّدة واسعة.
وقد ورد في روايات مستفيضة - بل متواترة- ذمُّ الاستعجال والنهي عن الاندفاع الساخن، إلّا أنّ الكلام يقع في حقيقة المعنى المراد منه متوازناً مع الأبواب الأُخرى، الواردة فيها أيضاً روايات متواترة دالّة على قواعد دينيّة أُخرى، فالنظم المتوازن بينهما هو الجادّة المستقيمة والنمرقة الوسطى.
أذاً؛ للصبر في منهاج أهل البيت^ تفسير يختلف عن المناهج الأُخرى، سواء الإسلاميّة أو غير الإسلاميّة، بل أنّ بعض المناهج السائرة على منهج أهل البيت^ ترجّلت في فهم (عدم الصبر أو الجزع) في سير ومسير أهل البيت^ أين ومتى يكون؟ وما هي مساحته؟
وقد تقدّم سابقاً في الرواية عن الإمام الصادق× - بل الروايات الكثيرة- أنّ الجزع وعدم الصبر يعني النشاط والحراك والحركة قبل وقوع القضاء والقدر؛ طمعاً في سعة المشيئة وسعة الرحمة الإلهيّة.
ثمَّ إنّ الجزع وعدم الصبر لا يعني الاعتراض على القضاء والقدر كما قد يتصور البعض، بل إنَّ ساحة الصبر بعد وقوع القضاء والقدر.
القاعدة الثانية
إعداد القوّة
وأعدّوا...
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ...﴾[217]، وهذه الفريضة القرآنيّة العظيمة ليست مختصّة بباب الجهاد وحال مناجزة العدو، بل هي مطلقة على الدوام أن يبني المؤمنون أنفسهم وقوّتهم صرحاً يهابه العدو، ورادعاً له عن التطاول. وبيان ذلك بأُمور:
الأول: نرى الآية فرَّقت معنى القوّة عن رِباط الخيل، وكأنّها تُشير إلى أنّ القوّة بحسب المعنى أوسع من معنى القِوى العسكريّة التي أحد مصاديقها (رِباط الخيل) .
الثاني: هذا التفريق والتمييز واضح في الآيات القرآنية، قال تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾[218]، فالآية هنا فرَّقت القوّة عن البأس الشديد، أي: بيَّنت أنّ معنى القوّة أوسع من معنى القوّة البدنيّة والعسكريّة، ومن معاني القوى الأُخرى، كقوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً...﴾[219]، فقد أُشير - في التفاسير- إلى أنّ معنى القوّة هو الإحكام والإبرام.
الثالث: كذلك طَلَبُ ذي القرنين القوّة من القوم الذين استنجدوه، وهي الإعانة الماليّة والبدنيّة، قال تَعَالَى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾[220]،وهكذا آيات أُخرى تُشير إلى أنّ معنى القوّة معنى أوسع من معنى القوّة البدنيّة والعسكريّة.
إذن؛ يتبيَّن أنّ عنوان ومعنى القوّة معنىً مطلق شامل لكلِّ أنواع القوّة، سواء القوّة العسكريّة أو غير العسكريّة، ومن الواضح أيضاً أنَّ القوّة غير العسكريّة لها مصاديق كثيرة، منها: القوّة العلميّة، والقوّة السياسيّة، والقوّة الاقتصاديّة، والقوّة الاجتماعيّة وغيرها، رغم أنّ الآية قالت بعد ذلك: (ومن رباط الخيل) ، فيظهر أنّ القوّة المعطوف عليها رباط الخيل شيء آخر أعمّ من رباط الخيل؛ فتكون القوّة العلميّة في التطور العلميّ على المستوى السياسيّ والذكاء السياسيّ، وكذلك على المستوى الاقتصادي؛ فإنّ القوّة الاقتصاديّة قوّة لا ينكرها عاقل، كذلك القوى التي ذكرناها، بل أنّ القوّة الاجتماعية والوجاهة الاجتماعية والتأثير في المجتمع أيضاً قوّة أُخرى.
وكلّ هذه المصادر للقوّة تولِّد هيبة تُرهِب العدو المتربِّص بنا، والقضية غير مختصّة بوجود معركة أو معركة وشيكة، بل على العكس القوّة تُبنى في وقت السِّلْم للأسباب التالية:
1. لأنّها تتنامى من الدرجة البسيطة، ثمَّ تتصاعد إلى الدرجة العليا، وهذا التنامي يكون في وقت السِّلْم بشكل أفضل.
2. إنّ وقت الحرب ليس وقت بناء للقوّة، بل هو وقت استخدام لما بَنَيْتَه من قوّة، وهذا واضح، فإذا لم تكن بَنَيْتَ قوّتَك في وقت سابق سوف تُهْزَم في الوقت اللاحق، أي: وقت الحرب.
3. إنّ وقت السِّلْم وقت صحيح لبناء القوّة بصورة هادئة ورصينة.
فينبغي تحشيد الهِمَمِ والإرادات والعزائم للقيام بالمسؤوليّة، وتخطيط برنامج يقوم بعبئ ضخامة الحدث: «ونُصرتي لكم مُعدّة»[221]، وهذا النصّ ورد مستفيضاً في زيارات أهل البيت^، سواء في جانب الملف الأمنيّ أو العسكريّ أو التعبويّ للنفوس ولحماس الهِمَم، أو في الملف السياسيّ أو الماليّ والاقتصاديّ، أو في الملف العقائديّ والفكريّ والإيدلوجي في الملفات الأُخرى، من الرعايات الحازمة التي يلزم على المؤمن النهوض بها.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾[222].
وهذهِ الآية ترسم أصلاً مُحكَماً وقاعدة خطيرة استراتيجية، ألا وهي أنَّ بناء القوّة لَيسَ له سقف يقف عنده، بلْ هُوَ أُفق مفتوح لا يتناهى، بلْ في قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان﴾[223]، ودعوة للبشر إلى إنماء سلطان قوِّتهم إلى القدرة على النفوذ من أقطار السموات والأرض.
فإذاً؛ بناء القدرة والقوّة ليس له سقف في دعوة القرآن، نعم استخدام القوّة تّجاه الآخرين ولو كانوا من الأعداء المُعتدين له سقف وحدّ محدود، كما أنّ استخدام القوّة تّجاه الآخرين حالة استثنائية واضطرارية، وليست حالة أولية في منطق القرآن ومدرسة أهل البيت^.
فبين بناء القوّة وإعدادها مع استخدام القوّة واستعمالها بون شاسع، ومن ذلك يُفهَم التوصية بـ «كُن حِلْساً من أحلاس بيتك»، أنّه ليس دعوى لعدم بناء القوّة لكيان الإيمان والمؤمنين، بل غايته عدم استخدام واستعمال القوّة تّجاه المخالفين لدعوتهم إلى الهدى والحقِّ، لا أنّها وصية وتوصية منه× لترك بناء القوّة أو إيقاف مسيرة بنائها ، وكم بين المعنيين من فرق شاسع.
ومن ثَمَّ نلاحظ أنّ أتباع أهل البيت^ كانوا قلّة بعدد الأصابع في الصدر الأول، ثمَّ كيف تناموا إلى يومنا هذا، وليس ذلك إلّا من بناء القوّة والقدرة لا من إيقافها؛ ومن ثَمَّ ولأجل هذا الأصل والقاعدة العظيمة قام كلُّ ظالم بقتل إمام من أئمّة أهل البيت الأحد عشر^ واستئصاله، إمّا بالسّم أو القتل، رغم أنّ أئمّة أهل البيت^ من الإمام السجّاد× إلى الإمام الحسن العسكري× لم يستعملوا القوّة، لكن خلفاء بني أُمّية وبني العباس لمسوا منهم التنامي في القوّة؛ فمِنْ ثَمَّ استشعروا الخطر على ملكهم، فقاموا بتصفيتهم، بينما لم يَقدِم بنو أُمّية وبنو العبّاس على قتل أحد من علماء المخالفين إلّا نادراً، وهذا برهان قاطع من سيرة أئمّة أهل البيت^ على الإصرار في بناء القوّة والقدرة وتناميها وتمدّدها بلا حدود. فبين بناء القوّة والقدرة مع استخدامها تمايز كبير وقد وقع الخلط عند كثيرين، بل بقي هذا الخلط معشعشاً قروناً إلى يومنا هذا.
إذاً؛ بناء القوّة والقدرة المُتنامي فائدته الردع للعدو عن الطمع في مقدرات المؤمنين والمسلمين، وهو من باب (الوقاية خير من العلاج) ، بينما استخدام القوّة هو من العلاج بعد وقوع الابتلاء بمرض اعتداء المعتدي لإزالة ذلك العدوان، بل إنّ تنامي القوّة والقدرة له خاصية أُخرى، وهي خاصية إزالة العدوان أيضاً، بنحو سلميّ تلقائيّ عفويّ.
ومن ثَمَّ يتبيَّن أنّ الهدنة - التي أوصى بها أئمّة أهل البيت^ في زمن الغيبة الكبرى- لا تتنافى مع ضرورة بناء وتنامي القدرة، بل بينهما كمال الوئام والتلازم؛ فإنَّ الهدنة تعني فيما تعنيه الحفاظ عَلَى مقدّرات معسكر الإيمان وكيانه، وَهَذا لا يتمُّ بمُجرَّد ترك المناوشة مَعَ الخصم والعدو المخالف، وبمُجرَّد الكفّ وصرف ترك المُنابذة والمُنازلة، فإنَّ ذلك بمجرّده لا يحقّق الأمان والحفظ، بلْ لا بدَّ مِنْ اعتماد بناء القوّة وتنامي القُدرة كي يكون ذلك مُلجأً للعدو والخصم عَلَى رعاية الهُدنة، ورادعاً له عَنْ الطمع في نكث الهُدنة والقيام بالعدوان والتجاوز، ألا ترى في هُدنة الإمام الحسن مَعَ معاوية، لمْ تكن تلك الهُدنة متمحِّضة في الكفّ عَنْ القتال، بلْ أكثر بنود ذلك الاتّفاق كَانَ فيه المحافظة مِنْ الإمام الحسن× وشيعته عَلَى إبقاء القوّة والقُدرة وعدم تسليمها لمعاوية.
وَمِنْ ثَمَّ؛ كَانَ أوَّل بند مِنْ بنود الإمام الحسن× أنَّ أخاه الإمام الحسين× لا يدخُل في هذهِ الهُدنة، بلْ يظل خطّاً ساخناً يمكن تفعيله في أيّ وقت، مُضافاً إلى البنود الأُخرى الصريحة في ذلك.
فمفهوم الهُدنة وعنوانها هُوَ الآخر مِنْ العناوين الَّتِي حصل الالتباس في مفهومها ومعناها، كالتوصية الواردة: «كن حِلْساً مِنْ أحلاس بيتك» كما مرَّ.
فبالدقّة عندنا أصلان: أصل تنامي القوّة والقُدرة السِّياسيّة والعسكريّة، وأصل آخر وَهُوَ تنامي القوّة والقُدرة التكنولوجيّة والعلميّة، وليسَ معنى القوى والقُدرة السِّياسية أو التكنولوجيّة أو حتّى الاقتصاديّة لَيسَ المقصود منها الدولة فقط، باعتبار أنَّ السِّياسيّة أو الصناعيّة بيدها، بلْ الأمر والمسؤوليّة عَلَى الجميع أفراداً أو مجتمعات أو دولاً كُلّا ً بحسبه، كما وَرَدَ: «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عَنْ رعيته»[224].
القاعدة الثالثة
طَلَبُ العِلْمِ ونَشْرُه
كما أنَّ هُناك أصلاً وقاعدة ثالثة وهي (طَلَبُ العِلم ونشره) ، فإنَّه أيضاً لا سقف له، وكذلك الدلالات المُسْتفيضة للآيات القُرآنية الحاثّة عَلَى العلم، أي: عَلَى طلبه، بلْ تحثّ عَلَى عدم الوقوف عَلَى حدّ في طلب العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم﴾[225]، وكذلك الحال في مجال نشره، كما في قوله تعالى ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون﴾[226].
وكذلك الأحاديث النبويّة الكثيرة الَّتِي منها: «اطلب العِلمَ مِنْ المهد إلى اللّحد»[227]، وكما أنَّ الحال في استثمار العلم وتسخيره وتطويعه أصل رابع مبني عَلَى موازين وضوابط، وليسَ مفتوحاً بنحو انفلاتي، فهذهِ قواعد أربع لها ركنيّة كبيرة في تبيان قِوام منهاج أهل البيت^ في دعوتهم لإظهار الإيمان عَلَى كافّة أرجاء الأرض .
القاعدة الرابعة
(كلُّكم راعٍ)
قاعدة: عموم المسؤوليّة على الجميع، مع:
- عدم سقوطها ولو تقاعس الأغلب.
- عدم عذرية ترك المسؤوليّة لو تخاذل الأكثر.
قال الْنَّبِيّ’: «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته»[228].
وهذه الوصية النبويّة الخطيرة لم تقصر المسؤوليّة على بعض دون البعض، ولا على النخب دون عامّة آحاد الأُمّة، بل كلٌّ من موقعه يتحمَّل الثقل والعِبء، سواء قام الآخرون بمسؤولياتهم أم تخلّوا عنها.
قاعدة الرعاية «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته»، قاعدة عظيمة ومهيمنة تُمنهِج وتُبرمِج إعداد القوّة، رغم أنّ قاعدة إعداد القوّة قاعدة عظيمة وكبيرة ومطلقة أيضاً، ولكن كيفيّات الإعداد ومتعلِّقات الإعداد من حيث المسؤوليّات لا تتمَنهَج إلّا من خلال تلك الكلمة النبويّة الجامعة: «كلُّكم راعٍ».
فالرعاية مسؤوليّة، أي: أنّ الراعي مسؤول، لذلك قال النبي|: «وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته»، أي: أنّ هذه المسؤوليّة تلاحقك في الدنيا والآخرة، وأنت مسؤول قَبْل العمل وحين العمل وبعد العمل، ومسؤول أيضاً لو تركت العمل أو قصرت في العمل، وأنت مُجازى بأحسن الجزاء لو أنجزت العمل بالصورة المطلوبة.
كما أنّ لنا قدوة عظيمة بإمام عصرنا صاحب والعصر والزمان المهدي # ؛ حيث إنّ تطاول الدهور والعصور على الظهور بمشروعه الإلهيّ بإقامة دولة العدل والقسط في سائر أرجاء الأرض لم يُثنه عن الاستقامة والرباط والمرابطة على الطريق لتحقيق الهدف، ولا زعزع طول المدّة من أمله ورجائه بالله تعالى في تقدير وتدبير الفتح والنصر، فكم هائل وعظيم هذا الإصرار من التحمّل لإدارة المضي بالمسؤوليّة والتخطيط عِبَر عشرة قرون، وهذا ينتج عدّة أُمور:
1. إنّ الصبر على الشدّة وطول المدّة في تحمّل المسؤولية والعِبء الثقيل لَهو من أعظم ما يميِّز عظمة الإمام صاحب العصر والزمان # .
2. إنّ الصبر والرباط والمرابطة على الطريق لتحقيق الهدف بتفاؤل ملؤه أمل ورجاء بالله تعالى في تقدير وتدبير الفتح والنصر، رغم ما مرّت من عقبات وأزمات وكوارث وانتكاسات وفتن حلّت بالمؤمنين.
3. هذه الثقة المطلقة بالله تعالى التي لا يزعزعها شيء، وهي من أهم بل الأهم في رسم خارطة المسير والمسار الصحيح في تحمّل المسؤوليّات للتعامل مع متطلبات العصر الراهن.
4. إنّ أصحاب وأنصار الإمام # من الأبدال الأوتاد - لا الأدعياء- في دولته الخَفِيِّة الآن، وهم قدوة أُخرى لنا للثبات على صراط الحقِّ والمسير والمسار القويم الصحيح.
نعم، لا محوريّة مستقلّة لهم، بل محوريّتهم تابعة لمحوريّته #.
فإذاً؛ نحن مسؤولون عن إعداد القوّة، ونحن مسؤولون عن رعايتها ولو تخاذل الأغلب، ولا عُذرَ لنا ولو تخاذل الأكثر.
القاعدة الخامسة
التقيّة الذكيّة وترقية تنامي الحسّ الأمني
مقدّمة
لقاعدة التقيّة الأمنيّة موقعيّة مهمّة، فهي قَبل الجهاد الدفاعي ومعه وبعده، فإنَّ التقيّة الأمنيّة هي قبل الجهاد الدفاعي بكلِّ أنواعه؛ لأنّها تبدأ من الدرجة البسيطة، وهي معه لأنّها حارسة له وخطّ ساند له من الخرق الداخلي للعدو، وهي حصانة من الاختراق الأمني والاستخباري الذي يمكن للعدو إحداثه في جسد المجتمع المؤمن، وكذلك هي بعد الانتصار العسكريّ أو - لا قدرَّ الله- بعد الفشل العسكريّ حماية وحصانة من زيادة الفشل والتردّي لأجل لملمة الجُراحات.
إذاً؛ موقعية قاعدة التقيّة الذكية الأمنيّة موقعيّة عظيمة في الدين وفي السير والمسير السياسيّ والاجتماعيّ، كما هو حال الإمام المهدي # الآن في غيبته، وحال الأوتاد والأبدال الذين يعملون معه في غيبته، فهذه القاعدة عامّة وشاملة لكلِّ زمان ومكان، وخصوصاً زمن الغيبة.
وفي الحقيقة: إنَّ عِزَّ الأُمم وقوّتها وفخرها هو بوجود الجنود في الخفاء (الجنود المجهولون)، الذين يقومون بتحصين وحماية المجتمع من أن تميد بهم
الأرض، بل إنّ أحد تفاسير «لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها»، ليس أن تسيخ الأرض فقط بأهلها تكويناً بسبب الملكوت بالقضاء والقَدَر الإلهي، بل أيضاً بحسب الأسباب الطبيعيّة، أي: لولا رعاية الإمام # وفعل الإنسان الكامل - بالأسباب الطبيعيّة الإداريّة والتدبيريّة والتنظيميّة- بإحداث الموازنات والمعالجات السياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة الظاهريّة والخفيِّة وكلّ المجالات المعيشيّة الأُخرى لساخت الأرض بأهلها.
الإعداد الأمني
1. أحد أهمّ مستندات هذه القاعدة هي نفس قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[229]؛ فإنَّ قوله تعالى: ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾. تشمل كُلّ مستويات القوّة، سواء كانت قُوّة عسكريّة أو استخبارية - وهي الإعداد الأمنيّ- أو غيرهما، وإنَّ قاعدة الإعداد الأمنيّ مهيمنة عَلَى قواعد الجهاد الدفاعي الَّتِي سنذكرها، حَيْثُ إنَّها قَبل الجهاد الدفاعي ومعه وبعده، فإنَّ الجهد الاستخباري الأمنيّ الاجتماعيّ، جارٍ في السلم والحرب.
مِنْ جهة أُخرى، فإنَّ تتمّة الآية تقول: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾[230]، وفيها إشارة إلى أنَّ هُناك عدواً - متربِّصاً- خفيّاً سوف يُردع، سواء كَانَ خارجيّاً أو داخليّاً.
2. تعاكس الإعداد الأمني مَعَ قواعد الجهاد الدفاعي.
مِنْ الطريف أنَّ قاعدة الإعداد الأمني مُتمازجة ومُتداخلة مَعَ الجهاد الدفاعي، ومَعَ ذلك هي مُتعاكسة، وليسَ معنى التعاكس هُوَ التضاد، بلْ هُوَ تعاكس السير المنظومي لتنامي هذهِ القواعد مَعَ القاعدة الأُخرى.
فإنَّ قاعدة الإعداد الأمني تنطلق مِنْ المستوى البسيط وتتنامى إلى المستوى العالي، تبدأ كشيءٍ بسيط، وكخلية صغيرة ثمَّ تكبر، أمَّا الجهاد فإنَّه يبدأ مِنْ الدرجة الأعلى، فَإنْ عجز عنها وجبت عليه الدرجة الأدنى وهكذا .
التقيّة والكتمان حارس الإعداد
يمكن استيضاح معنى الحراسة مِنْ عِدَّة نقاط:
أوَّلاً: وَرَدَت روايات كثيرة في الحثّ عَلَى التقيّة، حتّى عُدّت مِنْ ضروريات المذهب، بلْ هُوَ وارد في مضامين آيات كثيرة، قَالَ تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾[231]، وهذهِ الآية وَرَدَ فِي تفسيرها بنحو مستفيض أو متواتر أنَّها في التقيّة، ونرى الإمام الصادق× يطبِّقها عَلَى مِثل ميثم، فيقول×: «ما منع ميثم رحمه الله مِنْ التقيّة؟! فوالله، لَقَدْ عَلم أنَّ هذهِ الآية نزلت في عمّار وأصحابه...»[232].
وكذلك مِنْ الآيات، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾[233].
كذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلّا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾[234].
والتقيّة الَّتِي نُريدها في هذهِ القاعدة تقيّة في بُعْد خاص، وليسَ التقيّة بعرضها العريض الشمولي؛ فتكون آيات وروايات التقيّة شاملة لمِثل موردنا - وَهُوَ التقيّة (الذكيّة) الأمنيّة- لعمومها وشمولها.
ثانياً: الآيات والروايات لا تقتصر - بحسب ظهورها- عَلَى التقيّة بالعنوان والبُعد الفردي، أو بالمعنى المعهود - وهي تقيّة الخوف- بلْ إنَّ النَّبي’ وأهل بيته^ وسّعوا عنوان التقيّة إلى التقيّة التعليميّة (الأمن التعليميّ أو المعلوماتي) والتقيّة المُداراتية، قَالَ’: «إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أنْ نُكلِّم النَّاس عَلَى قَدِر عقولهم»[235]، وكذلك قول أمير المؤمنين× فِي وصف الْنَّبِيّ’: «فبعثه اللهُ بالتعريض لا بالتصريح»[236]، وكذلك قوله’: «أُمرتُ بمداراة الناس»[237]، وكذلك قول الإمام الصادق×: «ما كلّم رسول الله’ العبادَ بكُنه عقلِه قطُّ»[238]، إلى غَير ذلك مِنْ الروايات في هَذا المضمون.
وقدْ سبق أنْ ذكرنا أنَّ قول الإمام×: «التقيّة ديني ودين آبائي، ولا إيمان لِـمَنْ لا تقيّة له»[239].
فالإمام× بِهَذَا يعتبر أنَّ التقيّة منهاج عمل له ولآبائه المعصومين^، ثمَّ يعمّم هَذا المنهاج لكلِّ المؤمنين، ويعتبر أنَّ مَنْ لا يعمل بالتقيّة لا دين له، وَهَذا اللسان الشديد يُستشعر منه أنَّ القضية ليست عملاً عَلَى مُستوى الفرد والأفراد فَقَطْ، بلْ هُوَ عَلَى مُستوى أعظم وأهمّ، وَهُوَ العمل الاجتماعي، بلْ أيضاً فِي السلوك الدينيّ والسِّياسيّ.
ثالثاً: الكتمان الصحيح (الممدوح) :
لو راجعنا مضامين الروايات الَّتِي ذكرت أُسلوب التقيّة الذي اتّبعه النَّبي’ في المُجْتَمع لشَاهَدْنا أنَّ تكليم النَّبي’ الناسَ عَلَى قدر عقولهم، وَلَيْسَ عَلَى قدر عقله’، يعني أنَّه لمْ يكشف الحقائق الَّتِي يعلمها؛ لأنَّ النَّاس لا تتحمّل كلّ ما يحمله النَّبي’، وأنَّ هُناك بَعْض الحقائق لا يصحّ كشفها للناس، وأنَّ الناس مراتب، فإنَّ ما يُكشف مِنْ الحقيقة - والَّتِي هي أمر لا متناهي- للمعصومين^ لا يتحمَّله الأبدال والأولياء، كَمَا هُوَ الحال فيما جرى بين الخضر× وموسى×، فضلاً عَنْ أنْ يتحمّله النَّاس، كذلك الحال بالنسبة إلى أصحابه’ غَير المعصومين^، ما يكشفه النَّبي’ لسلمان غَير ما يكشفه لأبي ذرّ أو لعمّار (رض) ، فالنَّاس معادن وطبقات ودرجات مِنْ التحمّل والقُدرة.
فإذا عرفنا هَذا فَإنَّهُ ينبغي أنْ لا نزن الأُمور بميزان واحد، ونكيل النَّاس بمكيال واحد، وأنَّ مُستوى الأخذ غَير مُستوى العطاء، وَهَذَا ما تبيِّنه لنا وبشكل جلي رواية عمّار بن أبي الأحوص، قَالَ: «قلت لأبي عبد الله×: إنَّ عندنا قوماً يقولون بأمير المؤمنين× ويفضّلونه عَلَى الناس كلّهم، وَلَيْسَ يصفون ما نَصِفُ مِنْ فضلكم، أنتولاهم؟ فَقَالَ لي: نعم فِي الجملة، أليس عِنْدَ الله ما لَيْسَ عِنْدَ رسول الله’، ولرسول الله’ عِنْدَ الله ما لَيْسَ لنا، وَعِندنا ما لَيْسَ عندكم، وعندكم ما لَيْسَ عِنْدَ غيركم، إنَّ الله وضع الإسلام عَلَى سبعة أسهُم: عَلَى الصبر، والصدق، واليقين، والرضا، والوفاء، والعلم، والحلم، ثمَّ قسَّم ذَلِكَ بين الناس، فَـمَنْ جعل فيه هَذِهِ السبعة الأسهم فَهُوَ كامل محتمل، ثمَّ لبعض الناس السهم، ولبعضهم السهمين، ولبعض الثلاثة الأسهُم ولبعض الأربعة الأسهُم... فلا تحملوا عَلَى صاحب السهم سهمين، ولا عَلَى صاحب السهمين ثلاثة أسهُم... فتثقلوهم وتنفّروهم، ولكن ترّفقوا بهم وسهّلوا لهم المدخل...»[240].
رابعاً: الكتمان السيئ (المذموم) :
القُرآن الكريم ما انفكّ يندّد بالذين يكتمون البينات، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون﴾[241]، الآية تُبيِّن أنَّ هُناك لعناً لِـمَنْ يكتم البيّنات، وقدْ عرفنا أنَّ الروايات تذمّ مَنْ لا يكتم؛ فإذن لَيسَ الكتمان عَلَى إطلاقه صحيحاً، وَلَيْسَ البيان عَلَى إطلاقه صحيحاً، فهُناك موارد ليست مِنْ موارد التقيّة والكتمان، ومَعَ ذلك لَيسَ كُلّ ما هُوَ بَيِّن يجب كشفه، بلْ هُناك مِنْ البيِّنات ما يجب سترها وعدم إشاعتها، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون﴾[242]، فإنَّ كتمان الفاحشة لجهة أُخرى غَير حيثيّة التقيّة.
فيجب أنْ نُميِّز بين ما يُبيَّن وما يُشاع وما يُكتم، وهُناك أصل آخر لمْ يتركه القُرآن، وَهُوَ ما إذا لمْ يعرف النَّاس بعض الماهيات المستجدّة والأُمور الطارئة المستجدّة المرتبطة بالوضع العام الَّتِي لعلَّها تخفى عَلَى المُجْتَمع، فيذمُّ وينهى عَنْ إذاعتها والعجلة في إعلانها قَبل التعرُّف عَلَى أنَّها مِنْ الَّتِي يجب إذاعتها أو كتمانها، فكأنَّ الآية تُعطي قاعدة مُهمّة وجديدة للفرد المؤمن وللمجتمع ككلّ وهي أنَّ الأصل في مستجدات الأُمور المتعلِّقة بالوضع العام هُوَ إرجاعها إلى أُولي الأمر المعصومين^، قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[243].
فإذاً؛ الأصل هُوَ الحذر والتثبّت واليقظة، والبصيرة فِي معرفة أنّها مِنْ أيّ نوع.
تقيّة الكتمان مراتب ودرجات
وَرَدَت روايات تُبيِّن مدى العقوبة الَّتِي تنال المذيع للسرّ، فما معنى السّر؟ وما معنى إذاعته؟ قبل أنْ نبدأ لا بدَّ أنْ نُبيِّن أنَّ تقيّة الكتمان عَلَى درجات:
1. قَالَ أبو عبد الله×: «إنِّي لأُحدِّث الرَّجُلَ الحديثَ فينطلق فيحدِّثُ به عنّي كَمَا سمعه، فأستحلُّ به لعنه والبراءة منه»[244]. وَهَذا يُشير إلى أنَّ الكتمان واجب عَلَى مَنْ يحدِّثُه الإمام× في (لفظ الحديث) حَيْثُ يكون أصل لفظ الحديث واجب الكتمان.
وهُناك أحاديث وَرَدَت في كتمان تأويل الحديث وإنْ كَانَ نصُّ ولفظُ الحديث غَيرَ واجب الكتمان، كَمَا عَنْ ابن مسكان، قَالَ سمعت أبا عبد الله× يقول: «قوم يزعمون أنِّي إمامُهم، والله، ما أنا لهم بإمام، لعنهم اللهُ؛ كُلّما سترتُ ستراً هتكوه، أقول: كذا وكذا. فيقولون: إنَّما يعني كذا وكذا. إنَّما أنا إمام مَنْ أطاعني»[245]، وهُنا نرى الإمام لمْ يكذِّب تأويلهم للحديث؛ لأنَّ التأويل صحيح، ولكنَّه أنكر عليهم عدم كتمانهم لتأويل الحديث.
وهُناك روايات تُشير إلى أنَّ التقيّة في كتمان الحديث مراتب، فمرتبة كتمانه عَنْ الأعداء ومرتبة منها كتمانه عَنْ المحبّين والأولياء، كَمَا في قول أمير المؤمنين×: «أتحبّون أنْ يُكذَّبَ اللهُ ورسولُه؟! حدِّثوا النَّاس بما يعرفون، وأمسكوا عمّا ينكرون»[246].
وكذلك عَنْ عبد الأعلى بن أعين، عَنْ أبي عبد الله جعفر بن مُحمَّد× أنَّه قَالَ: «لَيسَ هَذا الأمر معرفة ولايته فقط، حتّى تستره عمَّن لَيسَ مِنْ أهله، وبحسبكم أنْ تقولوا ما قُلْنا، وتصمتوا عمّا صمتنا؛ فإنَّكم إذا قلتم ما نقول وسلمتم لنا بمثل ما آمنا به، قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾[247]، قَالَ عَليّ بن الحسين÷: حدِّثوا النَّاس بما يعرفون ولا تحمّلوهم ما لا يُطيقون فتغرّونهم بنا»[248].
وقصّة المعلّى بن خنيس واضحة الدلالة في ذلك، فَعَنْ حفص بن نسيب، قَالَ: دخلت عَلَى أبي عبد الله× أيّام قتل المعلّى بن خنيس مولاه، فَقَالَ لي: «يا حفص، حدَّثت المعلّى بأشياء فأذاعها فابتُلي بالحديد، إنِّي قلت له: إنَّ لنا حديثاً مَنْ حفظه علينا حفظه الله، وحفظ عليه دينه ودنياه، ومَنْ أذاعه علينا سلبه الله دينه ودنياه، يا معلّى، إنَّه مَنْ كتم الصعب عَنْ حديثنا جعله الله نوراً بين عينيه ورَزَقَه العزَّ في النَّاس، ومَنْ أذاع الصعب مِنْ حديثنا لمْ يمت حتّى يعضّه السلاح أو يموت مُتحيِّراً»[249].
فإذاً؛ هذهِ مسؤوليّة يجب أنْ يتحلّى بها المؤمنون في كتمان حديث أهل البيت.
2. أوردَ صاحب الوسائل جملة مِنْ الروايات في أبواب الكتمان، ومنها باب كتمان الدِّين عَنْ غَير أهله، منه رواية سليمان بن خالد، قَالَ: قَالَ أبو عبد الله×: «يا سليمان، إنَّكم عَلَى دين مَنْ كتمه أعزّه اللهُ، ومَنْ أذاعه أذلّه الله»[250].
التقيّة من الجهلاء أشدّ من الأعداء
ورد في الحديث الشريف عن النبي’: «الناسُ أعداء ما جَهِلوا»[251]، يُشير هذا الحديث إلى أنّ أهمّ وأعمّ مصادر العداوة هو الجهل، حيث يجعل الصديق عدواً. فكشف بعض الحقائق التي لا يتحمّلها الجاهل بها يؤدّي به إلى إنكارها، لأنّ عقله - مثلاً- لا يستوعبها، وإذا أنكرها فإنّه ينكر العقل الذي يحملها، وبالتالي ينكر الشخص الذي يحملها.
والذي تتولّد عداوته لك من خلال إنكاره ما تحمل من علم - مع أنّه كان صديقاً حميماً سابقاً، أو لا أقل لم يكن من الأعداء- تكون عداوته أشدّ لعدّة عوامل:
أولاً: لأنّه عدو خفيّ؛ باعتبار أنّك تعتقد أنّه في سِلم وسلام معك، وإذا به يفاجئك في يوم من الأيام بعداوته لك.
ثانياً: أنّه قد يُعين أعداءك الحقيقيين على قتلك أو محاربتك.
ثالثاً: أنّه يقتلك مادّياً أو معنوياً - ويحسب أنّه يحسن صُنعاً- ويتقرَّب بقتلك إلى الله.
رابعاً: أنّه إن لم يقتلك مادّياً فإنّه بالتأكيد سيقتلك معنويّاً؛ لأنّه يعتقد أنّك باطل.
فإن الإنسان لعلّه بنفسه يحدث الفتنة على نفسه من خلال إظهار ما لا يصح إظهاره وإذاعة ما لا يصح إذاعته، ومن هنا يُنصح بعدم التعسُّف في استخدام الحقِّ، رغم أنّ الحقَّ إلى جانبك، بل بالرِّفق واللِّين؛ ولذلك ورد عن أبي جعفر× قال: «قال رسول الله’: إنّ الرِّفق لم يُوضع على شيء إلّا زانه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلّا شانه»[252].
ومن هنا؛ ورد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[253]، فإنّ القرآن لم يقل: اقتُلوهم. وإنّما قال: احذروهم. والحذر أنواع ومراتب أهمّها عدم إظهار ما لا يصح إظهاره؛ لأجل إدارة وتدبير الشؤون الحياتيّة. وهذا معنىً آخر من معاني ما ورد من جواز الكذب على الزوجة، فليس الكذب بمعناه المعهود، إنّما هو بمعنى عدم إظهار كلّ الحقيقة؛ لأنّ البيان الكامل يؤدّي إلى العداوة.
وما دام الإنسان في معركة مع عدوٍ داخلي وهو النفس، وعدو خارجي مخالف له في فهم الحقائق والأفكار؛ فإنّه يسوغ له استعمال الخدعة - بقدر الضرورة- لأجل أن يخادع خداعهم ويوهم جانب الجهل فيهم؛ فإنّ: «الحرب خدعة»[254]، كما في الحديث الشريف، فينبغي استخدام الخدعة بقدر الضرورة، وبقدر مستوى العداوة ونوع العداوة.
فينبغي بالإنسان أن يخطط بخفاء لمواجهة مستوى الخداع أو الجهل الموجود في النفس الأمّارة بالسوء، أو الجهل الموجود عند الأزواج أو الأولاد أو الأعداء الحقيقيين، وهذا يحتاج إلى ضابط وميزان لا يسقط فيه التدبير إلى الازدواجية، بل يبقى على الاستقامة بتدبير خفيّ يُحرس فيه الأمن؛ ولذلك حذَّر المعصوم× المؤمنين من استخدام التقيّة في غير موطنها، كما في احتجاج الحسن العسكري× - في حديث- أنّ الرضا× جفا جماعة من الشيعة... فقال لهم: «وتتّقون حيث لا تجب التقيّة، وتتركون التقيّة حيث لا بدّ من التقيّة»[255].
المذيع جاحد
في رواية عن معلّى بن خنيس، عن أبي عبد الله× - في ذيلها- «إنّ المذيع لأمرنا كالجاحد له»[256]، وفي حديث آخر عن محمّد الخزّاز، عن أبي عبد الله×، قال: «مَن أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة مَنْ جحدنا حقَّنا»[257]، فما هو السبب يا ترى في تشدّد الرواية بجعل المذيع كالجاحد؟!
والجواب يبيِّنه الحديث الشريف، عن نصر بن صاعد مولى أبي عبد الله×، عن أبيه، قال: «سمعت أبا عبد الله× يقول: مذيع السرِّ شاكٌّ، وقائله عند غير أهله كافر، ومَن تمسَّك بالعروة الوثقى فهو ناجٍ. قلتُ: ما هو؟ قال: التسليم»[258].
من الأُمور المهمّة التي ينبغي الالتفات إليها أنّ الإنسان إذا أراد أن يهدم مشروعاً أو مخطّطاً لأعدائه؛ فإنّ من جملة الأُمور التي تؤدِّي إلى قتل ذلك المخطّط في مهده هو كشفه؛ لأنّ الكشف والفضح لما هو مستور - ومُدبَّر بليل- يعني تهديم ذلك المخطّط وقطع الطريق على الماكرين.
ونفس الكلام ينطبق على أسرار مشروع أهل البيت^، فالمذيع جاحد وقاتل عمد - وليس قاتل خطأ- لأنّه قاطع طريق، بمعنى يقطع الطريق على مسيرة الحقِّ ويُفشل كلَّ المخطّطات الحقَّة - الخفيِّة- لمنهاج أهل البيت^ في هداية المجتمع، أو مواجهة الأعداء، والحال أنّ السلاح السرّي أقوى تأثيراً؛ فيكون سلب هذا السلاح - الذي هو الورقة الرابحة والثابتة- خسارة كُبرى؛ فهو ورقة رابحة لأنّه السلاح الأقوى والأبقى صموداً أمام العدو، وهو ورقة ثابتة لأنّها في ظرف السِّلم والحرب، وفي ظرف العمل السرّي والعلني - سيان- لأنّ العمل العلني والمواجهة العلنيّة لا توجب مُتاركة العمل الخفيّ والسرّي والتخطيط السرّي، فهو باقٍ على كلِّ حال، فأيّ كشف له ولو لبعض فقراته يكلِّف مسار أهل البيت^ والمؤمنين الشيء الكثير، بل الشيء الذي لا يُجبر كسره، ولهذا شدّد الإمام× النكير على مَن يكشف السرَّ.
الكتمان والإذاعة... المذيع سرّنا كقاتلنا عمداً
عن أبي حمزة، عن عليّ بن الحسين× قال: «وددت - والله- أنّي افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي: النزق، وقلّة الكتمان»[259]، والنزق هو الخفّة والطيش.
فيا ترى ما هي عظمة تلك الخصال التي يفدي الإمام بها لحم ساعده، فهل المقصود الكتمان على المستوى الفردي، أو هو على المستوى الاجتماعي والسياسيّ، وتطبيق قاعدة الكتمان في البُعد السياسيّ، وهو بُعدها الأهمّ والأبلغ ضرورةً، الذي تُشير إليه روايات كثيرة، منها ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن الرضا× عن مسألة فأبى وأمسَك، ثمَّ قال: «لو أعطيناكم كما تريدون، كان شرّاً لكم وأخذ برقبة صاحب هذا الأمر... وأنتم بالعراق ترون أعمال هؤلاء الفراعنة وما أمهل الله لهم، فعليكم بتقوى الله ولا تغرّنكم [الحياة] الدنيا، ولا تغترّوا بمَن قد أمهل له، فكأنّ الأمر قد وصل إليكم»[260]، كذلك قال محمّد بن مسلم: سمعت أبا جعفر× يقول: «يُحشر العبد يوم القيامة وما نَدِيَ دماً، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيُقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا ربّ، إنّك لتعلم أنّك قبضتني وما سفكت دماً فيقول: بلى سمعت من فلان رواية كذا وكذا، فرويتها عليه فنُقلتْ حتى صارت إلى فلان الجبّار فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه»[261].
فيتحصّل من هاتين الروايتين - وروايات أُخرى بنفس المضمون-: أنّ أيّ خبر يُحتمل من إذاعته الخطر على مقدّرات جماعة المؤمنين ومسار أهل الإيمان، أو أحداً من شيعته لا يصح، بل لا يجوز كشفها.
وفي هذا الصدد هناك روايات تُشير إلى وجوب كتمان الأمر ولو كان يؤدّي إلى الخطر من بعيد - وبصورة غير مباشرة- لأنّ بعض موارد الإذاعة تؤدِّي إلى قتلهم معنويّاً واجتماعيّاً؛ فيؤدِّي بالتالي إلى قتلهم ماديّاً، فعن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله× وتلا هذه الآية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾[262]، قال: «والله، ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم، ولكنّهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأُخذوا عليها فقُتلوا؛ فصار قتلاً واعتداءً ومعصية»[263].
والأمر لا يقتصر على البُعد السياسيّ فقط؛ فإنّ الإمام الباقر× يضع ضابطة عامّة ومهمّة في كيفيّة التصرُّف في ظلّ الحكومات الظالمة، عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر×: «خالطوهم بالبرانيّة وخالفوهم بالجوانيّة إذا كانت الإمرة صبيانيّة»[264]، بل يؤكِّد× الابتعاد عن القتل المعنويّ - أي: القتل في البُعد والموقع الاجتماعي أيضاً- وليس القتل المادّي فقط، فلا ينبغي ولا يجوز زجّ النفس في ذلك، بل هو من الكبائر العظيمة، فعن هشام الكندي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «إياكم أن تعملوا عملاً يُعيِّرونا به؛ فإنّ ولد السوء يُعيَّر والده بعمله، كونوا لمَن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً، صلوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أوْلى به منهم، والله، ما عُبد الله بشيء أحبّ إليه من الخبء. قلت: وما الخبء؟ قال: التقيّة»[265]، بل الإمام الصادق× ينفي الإيمان عمَّن لا يتّقي، فعن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله×، قال: «اتّقوا على دينكم فاحجبوه بالتقيّة؛ فإنّه لا إيمان لمَن لا تقيّة له، إنّما أنتم في الناس كالنحل في الطير، لو أن الطير تعلم ما في أجوافها ما بقي منها شيء إلّا أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنّكم تحبّونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولَنَحَلُوكم في السرّ والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا»[266].
الجندي الخفي (المجهول)
يكتم إيمانه
قَالَ تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً﴾[267].
هذهِ الآية تمدح مؤمن آل فرعون عَلَى كتمانه لإيمانه؛ باعتبار أنَّ كتمان الإيمان كَانَ تقيّةً خوفاً مِنْ آل فرعون، وقدْ وَرَدَت روايات تُشبِّه أبا طالب مؤمن قريش بمؤمن آل فرعون، وتُبيِّن العلّة الَّتِي دعت أبا طالب× لكتمان إيمانه، فَعَنْ الشعبي يرفعه عَنْ أمير المؤمنين×، قَالَ: «كَانَ - والله- أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب مؤمناً مُسلماً، يكتم إيمانه مخافةً عَلَى بني هاشم أنْ تنابذها قريش»[268].
وحينما يقول أمير المؤمنين×: (مخافةً عَلَى بني هاشم) ، أي: بما هُم يمثّلون القيادة الدينيّة، واستئصالهم مِنْ قبل قريش استئصال للدين، ولولا حماية ورعاية أبي طالب الخفيّة الغيبيّة لهم لنابذتهم قريش، ولولا هَذا الدور الرئيس مِنْ الحماية والرعاية لمْ يكن أبو طالب ليحمي بني هاشم، فكَانَ كعنصر توازن، وكترس حامي وحماية بهدنة مستمرّة بينهم وبين قريش.
وما خفيَ مِنْ دور أبي طالب× أعظم، وَمِنْ خلال قرينة تشبيهه بمؤمن آل فرعون وبقرائن أُخرى نستطيع أنْ نقرأ أبا طالب× مِنْ خلال القُرآن، أي: نقرأ دوره قراءة قرآنية.
فقدْ كانت مهام كثيرة قام بها مؤمن آل فرعون أهمّها حماية خليفة الله؛ ولذلك كَانَ يخاطبهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله﴾[269].
وكَانَ مؤمن آل فرعون يجلس مجالسهم تقية، لكنَّهُ لَيسَ منهم، كَمَا في الحديث: «كُنْ في الناس ولا تكن معهم»[270].
كذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين﴾[271].
وَهَذا المؤمن لمْ يمنع القتل عَنْ الْنَّبِيّ موسى× فقط، بلْ كَانَ يملك حسّاً استخباريّاً عاليّاً، بَلْ أيضاً هُوَ اخترق جهات التخطيط والتنفيذ لدى النظام الباطل الفرعونيّ.
إنَّ هَذا المؤمن الذي يكتم إيمانه قدْ جعل نفسه جنديّاً استخباراتيّاً أو (جنديّاً مجهولاً) اخترق أعداء الإسّلام لأجل أنْ يؤمّن المؤمنين، وكَانَ يجالس أهل الباطل ويأكل ويشرب معهم ولم يكن منهم، بلْ جنَّد نفسه حماية وحصانة لجماعة الإيمان، ولولاه لقُتل خليفة الله، وَهَذا الدور أيضاً قام به بشكل واضح وكثير أبو طالب×، فما أعظمه مِنْ دور، وَهُوَ في الحقيقة دور أُمَّة ودور جيش كامل، وَهُوَ حسّاس ومُهم إذَا أُنجز بشكل مُتقَن، فيمكن - إذنْ- للمؤمن أداء دور حسّاس بلا استنزاف لطاقات مادّية وبشريّة، ويمكن مِنْ خلاله إنقاذ جماعة الإيمان وليسَ إنقاذهم فَقَطْ، بلْ جلب المعلومات النافعة لهم، وكشف كُلّ المُخطّطات والتآمر الذي يُخطّط ضدّ المؤمنين.
أصحاب الكهف
تتميماً لما سبق أنَّ مؤمن آل فرعون كَانَ يُجالس الفراعنة الفسقة ويشاركهم وَهُوَ كاتم لإيمانه، كَذَلِكَ أصحاب الكهف، وفي رواية تبيِّن عظم الدور الذي كَانوا يقومون به، فَعَنْ أبي عبد الله×: «ما بلغتْ تقيّةُ أحدٍ ما بلغتْ تقيّة أصحاب الكهف، إنَّهم كانوا ليشدّون الزنانير، ويشهدون الأعياد، فآتاهم الله أجرهم مرّتين»[272].
بلْ ما هُوَ أعظم مِنْ ذلك ذكره أبو عبد الله× في رواية أُخرى: «إنَّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكُفْر، وكانوا عَلَى إجهار الكُفْر أعظم أجراً منهم عَلَى إسرار الإيمان»[273].
الرواية الأُولى تُبيِّن أنَّ حضورهم إلى مجالس الفسق والفجور تقيّة لهم عظيم الأجر عَلَيْهَا، وهي لَيسَ تقيّة فرديّة كَمَا لعلَّه يتصوّر البعض - ومعنى التقيّة الفرديّة هي: التقيّة عَلَى المستوى الفقهي فِي البُعد الفردي- بلْ هي تقيّة عَلَى مُستوى العمل الاجتماعي، وَهُوَ أعلى مِنْ الفقه فِي البُعد الفردي، بلْ ثَمّة ما هُوَ أعلى مِنْ البُعد الاجتماعي، وَهُوَ العمل المنظومي السِّري الدينيّ السِّياسي والاجتماعيّ الذي هُوَ عمل بناء الدولة الإلهيّة، وَهُوَ عمل منظوميّ سرّي خطير يصعب عَلَى كُلّ أحد القيام به، لكنَّهُ ممكن ومتصَوَر وموجود.
نَعَمْ، بابه لَيسَ مفتوحاً لادّعاء المُدَّعين؛ وذلك لأنَّ مُقْتضى منظوميّة السِّرية الكتوميّة هُوَ عدم البروز، فضلاً عَنْ الإبراز والتكلُّم.
وعدم التكلُّم لغة يفهمها مَنْ مارس العمل الاستخباريّ، وهي لغة أمنيّة خطرة وحسّاسة، أُسّ أساسها الكتمان، وأبسط وأسلس الحالات والقَصص الَّتِي تُذكر عَنْ رجال الاستخبارات الذين يخترقون المنظومات الأمنية للدول والحكومات.
إنَّهم يعيشون ويموتون ولا يعلم حَتّى زوجاتهم وأهاليهم شيئاً عَنْ طبيعة عملهم؛ لأنَّهُ في عُرف الأمن الاستخباري لو أنَّ شخصاً كشف حقيقته للناس فاللازم أنْ يُقتل، فكيف يصدّق النَّاس شخصاً يدّعي أنَّه متّصل بالإمام # أو أنَّه مِنْ جنوده السرّيين؛ لأنَّ مُقْتضى السِّرية عدم الإبراز والكشف ومقتضى عدم الكشف هُوَ السِّرية، وإذا كَانَ سرّياً وَهُوَ الآن قَدْ كشف نفسه فقدْ كذب أو قدْ عزل نفسه عَنْ هَذا المنصب في اللحظة الَّتِي تكلّم بها؛ لأنَّ وظيفة هَذَا المنصب والدور يلازم الخفاء ولا ينفكّ عنه، وكذلك عدم الكلام، فإذا تكلّم فَهُوَ كاذب ومناقض لدعواه.
والرواية الأُخرى في شأن أهل الكهف عظيمة جدّاً، وفيها دور آخر ملازم للكتمان ومنبثق مِنْ قاعدة الكتمان (التقيّة الذكيّة) ، وَهُوَ قول الصادق×: «وكانوا عَلَى إجهار الكُفْر أعظم أجراً منهم عَلَى إسرار الإيمان»[274]، وَهَذا الدور فعلاً أعظم أجراً؛ لأنَّه عمل أعظم مِنْ نفس الكتمان، فالشخص حينما يكتم يمكن أنْ يسكت ويخفي نفسه عَنْ الآخرين، ويبتعد عَنْ أيّ تصريح أو تصرّف يكشف شخصيته الإيمانيّة، فتظنّ النَّاس مِنْ خلال سكوته وتصرّفه الانعزالي أنَّه عَلَى ما هُم عليه مِنْ نِحلة أو ملة ودين الكُفْر استصحاباً منهم؛ لكونه عَلَى دينهم.
قاعدة أُخرى (تقيّة الاصطناع) ملازمة لقاعدة (التقيّة الذكيّة)
كتمان الإيمان دور عظيم، وَهُوَ المحافظة بالتقيّة عَلَى النفس أو عَلَى جماعة الإيمان، ولكن ما هُوَ أعظم هُوَ أنْ تبرُز للطرف المقابل وتُفهم الآخرين بتصرّف معيّن أنَّكَ عَلَى نِحلتهم أو ملتهم أو دينهم (الكُفْر) ، وَهَذا الدور كَمَا في (الرواية المُتقدمة) هُوَ قاعدة أُخرى ملازمة لقاعدة (الكتمان الذكيّ) ، وهي قاعدة (اصطناع الكُفْر تقيّةً وخداعاً للعدو) ، فإنَّ (الحرب خدعة) ؛ وذلك لأنَّ القاعدة السابقة قاعدة الكتمان الذكي شبيهة بمبدأ (الوقاية خير مِنْ العلاج) ، حَيْثُ يقي الإنسان نفسه وهي شبيهة بالدِّفاع الوقائي، حَيْثُ يكون أهل الجهاد في حالة تحصين لأنفسهم. كَذَلِكَ شبيهة بقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾[275]، فهُنا عمل عَلَى مُستوى التوقّي مِنْ النار (الخوف مِنْ النار) ، أمَّا طلب الجنّة - وما هُوَ أعلى منها كعبادة الأحرار- فَهِيَ مراتب أعلى وأجرها أكبر وأعظم. فهذهِ القاعدة الجديدة شبيهة بمعنى (الجهاد الاستباقي) ، فَهُوَ دفاع بواسطة الاستباق؛ لأنَّ (الهجوم خير وسيلة للدفاع) ، وهي قاعدة عظيمة وإقداميّة تقدُّميّة، وليست تقهقريّة تراجعيّة.
وفي رواية أُخرى عَنْ عبد الرحمن بن كثير، عَنْ أبي عبد الله× - في حديث-: «أنَّ جبرائيل× نزل عَلَى رسول الله’ فقال: يا مُحمَّد، إنَّ ربّك يقرؤك السَّلام، ويقول لك: إنَّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنَّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرّتين، وما خرج مِنْ الدُّنيا حتّى أتته البشارة مِنْ الله بالجنّة»[276].
وهذهِ الرواية تختلف عَنْ الرواية السابقة الَّتِي شبّهت أبا طالب بمؤمن آل فرعون، فهُنا تُشَبِّهه بأصحاب الكهف وَهُوَ دور ثُنائي مزدوج أعظم مِنْ الدور الأوَّل؛ لأنَّ إظهار الشرك يقتضي أنْ يُظهره لساناً وظاهراً، ولكن في نفس الوقت لا يُمارس شركهم، وفي نفس الوقت يقتضي منه أنْ يكون فاعلاً ويُشاركهم في القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة، وأكثرها قضايا مُعقّدة فيها أعمال تصبّ في مصلحة الشرك بالله وتقوّي المُشركين، فكيف استطاع أنْ يتخلّص مِنْ كُلّ تلك الممارسات، هَذا مِنْ أصعب الصعاب الَّتِي لا يستطيعها ويقوى عَلَيْهَا إلّا مَلَك مقرَّب أو نبيّ مُرسَل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، وليسَ الأمر مبالغة، بلْ تاريخ التجارب والميدان شاهد واضح عَلَى ذلك.
الخضر× والتقيّة الذكيّة
قَالَ تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾[277]، الخضر× عبد صالح آتاه الله العلم اللدنّي، وَالمعروف مِنْ أقوال وروايات الفريقين أنَّ الخضر× لا يزال حيّاً، وأنَّ هَذا العبد الصالح يكون وزيراً للإمام # في حكومته، بلْ هُوَ الآن يعمل في حكومة الإمام # السِّرية، وَهَذا الدور سلَّط القُرآنُ الضوءَ عليه في صُحبة موسى للخضر÷، قَالَ تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾[278].
فهُنا صورة قرآنية تُبيّن التدبير الأمنيّ الخفيّ الذي كَانَ في لقاء النَّبي موسى× - وَهُوَ نبي ورسول مِنْ أُولي العَزْم- مَعَ الخضر× فقدْ أُحيط اللقاء بتمام السّرية والخفاء والبرمجة الأمنيّة، حيث وُضعت شفرة خاصَّة من الله بين النَّبي موسى والخضر÷، يلقى فيها موسى الخضرَ مِنْ دون أنْ يعلم حتّى وصي النَّبي موسى وَهُوَ فتاه يوشع بن نون الذي كَانَ معه؛ لأنّها أجواء أمنيّة شديدة السِّرية.
ولأجل هذهِ الحراسة والسِّرية الشديدة جعلت لقاء العبد الصالح بعلامتين واحدة مُتعلقة بالأُخرى (مجمع البحرين والسمكة) .
المنهج أهمّ وأوْلى
نرى القُرآن في ذكره للخضر× وتلك الحادثة الغريبة جدّاً بكُلِّ حيثياتها نراه يقصّ الحادثة بسريّة أيضاً وبتشفير، وَمِنْ الطريف أنَّ القُرآن حينما يذكر الخضر يقول عَنْه: (عبد صالح) . في حين يذكر موسى باسمه إشارة منه إلى نهج السّرية حتّى في كشف اسمه، وكأنّه يقول: أيُّها المؤمنون، أيُّها الشيعة، حافظوا عَلَى إمامكم حتّى في الحديث الاعتيادي، ولا تتكلَّموا بما يكشف ويناقض الغَيْبَة أخفوه في قلوبكم قبل حديثكم.
وأيضاً هُناك نُكّتة أُخرى يُريد القُرآن الإشارة إليها، وهي أنَّ المنهج أهمّ وأخطر، وما فعله الخضر - العبد الصالح- أهم وأوْلى بالرعاية والالتفات مِنْ نفس شخص الخضر× مهما كَانَ صالحاً وعظيماً ومُلْهَماً مِنْ الله (تعالى) ، وَهَذا ينبغي أنْ يكون مِنْ الأولويات في الفهم بالنسبة للمؤمنين، بلْ إنَّه يجب أنْ يكون الأصل والمحكم المهيمن عَلَى كُلّ مسار ومسير المؤمن، فكُلّ الحركات - سواء كانت في التاريخ الماضي أو الحال المعاصر- يجب أنْ تُقرأ قراءة منهجية، وأنْ تُعطف عَلَى محكم المحكمات، وقد نبَّهت الكثير مِنْ الروايات بضرورة ذلك الفهم، بلْ إنَّ الآيات الَّتِي ذكرت هذهِ الشخصيّات (الخفيّة) ذكرتهم برموز وألقاب في حين ذكرت الآخرين بأسمائهم، ومما ذكره القُرآن: (مؤمن آل فرعون، أصحاب الكهف، رجل مِنْ أقصى المدينة يسعى، امرأة فرعون) ، وكلّهم ممَّن كتم إيمانه وممَّن كان يعمل بخفاء، وهذا درس قرآني عظيم في المنهج الأمني.
خفاء أم اختفاء
عن عثمان بن عيسى، عمَّن أخبره قال: قال: أبو عبد الله×: «كفّوا ألسنتكم والزموا بيوتكم؛ فإنه لا يُصبكم أمر تخُصُّون به أبداً، ولا تزال الزيديّة لكم وقاءً أبداً»[279]، الظاهر الأوّلي لهذا الحديث هو أن يسكت المؤمن ويجلس في بيته، فإذا فعل ذلك فإنّه لا يُخصّ ببلاء وعدوان من السلطة الحاكمة، أي: لا يُستهدَف باستهداف خاصٍّ مباشر؛ لأنّ الجلوس في الدار سوف يُنجيه من المهلكة المحتملة، وأنّ أنظار السلطة سوف تُصرَف عنك وسوف تقع الضربة فيمَن يحسب على الشيعة بالمعنى الأعم وهم (الزيديّة) والاتّجاه الثوري المتغافل عن محوريّة المعصوم×.
أقول: سبق أن ناقشنا في (قاعدة الأحلاس) الفهم الخاطئ لمعنى الجلوس في الدار، وأنّ معنى (الزَم بيتك) ، أي: الزَم منهاجك العقائدي ولا تبرحه، أي: لا تزغ؛ إذ لا يعتمد على المُتراءى البَدْوي من لفظ (الزَم بيتَك) والظاهر الأوَّلي، وإلّا لأدّى إلى لوازم لا يمكن الالتزام بها، منها: رفع اليد عن الثوابت وترك الواجبات، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرهما.
والمعنى هو كفّ الألسن عن كشف الأسرار التي تؤدّي إلى هلاك الأنفس من قِبل الأعداء، وسوء الفهم من قِبل الإخوان، والسكوت عن فضول الكلام. فالحِلْس في البيت، يعني: كن في نشاط ومسير منهاجك - والذي هو على طِبق بيت اعتقادك- حِلْساً خفيّاً.
والإمام× يأمر أصحابه بالخفاء لا بالاختفاء، كما في الحديث عن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر×: «خالطوهم بالبَرّانيّة وخالفوهم بالجوانيّة إذا كانت الإمرة صبيانيّة»[280]، وكلامه× واضح وصريح - بل ومفسِّر للحديث المتقدِّم- وفي الحديث الآخر عن هشام الكندي، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «إياكم أن تعملوا عملاً يعيِّرونا به، فإنّ وَلَد السوء يُعيَّر والده بعمله، كونوا لمَن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً، صلّوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقوكم إلى شيء من الخير فأنتم أوْلى به منهم، والله، ما عُبد الله بشيء أحبّ إليه من الخبء، قلت: وما الخبء؟قال: التقيّة»[281].
التقية الذكيّة عند الإمام الصادق×
من الحوادث المعروفة وصيّة الإمام الصادق× لمَن يكون الخليفة من بعده، فعن أبي أيوب النحوي قال: «بعث إليّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل، فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلمّا سلَّمت عليه رمى بالكتاب إليّ وهو يبكي، فقال لي: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أنّ جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون - ثلاثاً- وأين مثل جعفر؟ قال: قال لي: اكتب. قال: فكتبت صدر الكتاب، ثمَّ قال: اكتب: إن كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدِّمه واضرب عنقه. قال: فرجع إليه الجواب أنّه قد أوصى إلى خمسة واحدهم: أبو جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبد الله، وموسى، وحميدة»[282]، وفي رواية أُخرى أنّ المنصور بعث إلى والي المدينة: إن أوصى - أي: الإمام الصادق×- إلى رجل بعينه فاقتله. فأجابه الوالي: أن أوصياءه خمسة. فأيُّهم أقتل؟ فبُهت المنصور وقال: «ليس لقتل هؤلاء سبيل»[283].
وقد نلمح ما يُشبه ذلك في الأُمم السابقة ، فإنّ إبراهيم كانَ أُمّة في دوره في التقيَّة التي قَصَّها القرآن في سورة الأنعام، وهو دور ونشاط فاعل في مواجهة فساد وانحراف المجتمع لكن بغطاء مقنّع، كذلك القرآن يقصّ لنا عمل مَن جاء مِن أقصى المدينة.
فهذه التقيّة الأمنيّة الخفيّة من الإمام الصادق× في تغييب خليفة الله - الإمام الكاظم×- هي مِن أعلى أنواع التقيّة الأمنيّة في حفظ السرّ؛ لأنه حفظ لخليفة الله.
التقيّة الذكيّة في سلوك إبراهيم×
إبراهيم× يستعمل الخفاء والتقيّة الذكيّة في الخطاب وهداية قومه والقيام بمسؤوليّة التغيير والإصلاح، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[284]، فهنا إبراهيم× حين يقول: (هَذا ربّي) (هَذا أكبر) . تقيّة في الخطاب والبيان والتعايش الدينيّ والمدنيّ لأجل هدايتهم؛ لأنَه يعتقد أنّ هذهِ الكواكب والنجوم مربوبة لله وليست أرباباً، ولولا هذا الأُسلوب من التقيّة الأمنية في الخطاب التغيريّ (وهو كتم الإيمان وإظهار الكفر) الذي هو نفس الأُسلوب الذي ذكرته الروايات لأبي طالب×، ولأهل الكهف^، ولمؤمن آل فرعون×، ولولا هَذا الأُسلوب من المعايشة لم يكن لهؤلاء من محافظة على أنفسهم ولا على المؤمنين، ولا المحافظة على مشروع الإيمان، ولولا أُسلوب التقيّة الأمنيّ الإبراهيمي لم يكن× ليحفظ الإسلام والمؤمنين، أو لينشر الإسلام.
القرآن يكشف عن أربع مهام سرّية لأهل الكهف^
قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾[285]، في هذه الآية على قصرها هناك عدّة واجبات عظيمة وكبيرة يجب على أهل الكهف أداؤها في زمن غيبتهم وخفائهم عن المؤمنين وعن الناس.
الواجب الأول: (فابعثوا أحدَكم بوَرِقِكُم) :
الواجب هو: أنّ المجموعة المؤمنة التي تعمل في الخفاء (تقيّةً) ، إذا احتاجت إلى الاتّصال بالناس فمن اللازم عليها أن تنتخب واحداً منها فقط، وتُناط به المهمّة، ولا يصح أن يتصدّى الجميع ويشغلوا أنفسهم بتلك الاحتياجات.
الواجب الثاني: (فَلْيَنظُر) ، مسح ميداني ومراقبة لمجريات الأوضاع.
الواجب الثالث: (فَلْيَأْتِكُم) ، القيام بالمدد والعون للمؤمنين.
الواجب الرابع: (وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) ، أداء الواجب الثالث في ظلّ خفاء هادئ لذلك النشاط، مع عدم إلفات الآخرين لجماعة المؤمنين ومقدّراتهم وأُمورهم باستخدام آليات وأساليب تحجب الطرف الآخر عن الانتباه.
أسرار (التقيّة التدبيريّة) في سورة الكهف
1. أصحاب الكهف كان لهم عظيم الأعمال رغم الموقعيّة الحسّاسة والخطيرة والقريبة من رقابة جهاز السلطان والملك، إلّا أنّهم كانوا في قوّة من السرّية والخفاء، تفوِّت الفرصة عن اكتشافهم وخطورة ما يقومون به.
2. كان بقاؤهم في كيان الملك الكافر بخفاء ما داموا يستطيعون الحركة على منهاجهم، فلمّا أحسّوا أنّهم لا يستطيعون الحفاظ على هوية منهاجهم والاستقامة عليها - ولو بتوسُّط الخفاء- أبعدوا أنفسهم عن هذا الكيان؛ لئلّا يذوبوا في كيانه الباطل.
3. وهذا نظير الحديث المستفيض في باب التقيّة لقول أمير المؤمنين×: «فأمّا السبّ فسبّوني؛ فإنّه لي زكاة ولكم نجاة، وأمّا البراءة فلا تتبرّأوا منّي...»[286]. في هذه الرواية المستفيضة تحديد لأمد التقيّة بأن لا تصل بالإنسان في ذوبان هويته في نهج الباطل وانسلاخه عن هوية منهاج الإيمان؛ إذ ليس المراد تحريم البراءة اللفظيّة في مقابل تجويز السبّ لفظاً، وهذا ما كذبه الإمام الصادق× في نسبة ذلك لأمير المؤمنين×، بل المراد بالبراءة كسيرة ومنهاج عمل ينسلخ فيه عن أمير المؤمنين×، وإلّا فما هو الفرق بين البراءة اللفظيّة والسبّ اللفظي للتقيّة، فالمراد من البراءة المحرّمة من نهج أمير المؤمنين× هو السلوك العملي المنسلخ عن نهج أمير المؤمنين×.
4. رغم أنّ اللقاء الذي تمّ بين النبي موسى× والخضر× هو لقاء بين اثنين ممَّن اصطفاهم الله لمسؤوليّات وأدوار إلهيّة، والنبي موسى× من أُولي العزم إلّا أن الخضر× لمّا كان عضواً في شبكة إلهيّة خفيّة كان لقاء النبي موسى× به قد أُحيط بدرجة كبيرة من السرّية والخفاء، وبلغة تشفير أمنيّ متصاعد جدّاً، حيث كان اللقاء أُوعز إلى النبي موسى× أنّه يتمّ بعلامتين: ضياع الحوت، وبلوغ مجمع البحرين.
5. كما أنّ جو اللقاء فُرض فيه تعامل أمنيّ مشدد يبتعد عن الصخب وعن انفلات الأسرار مع انضباط صارم وحازم؛ حيث اشترط الخضر× على موسى× أن لا يسأله، كما في الآية الكريمة: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾[287]، إلى أن قال له النبي موسى× معتذراً: ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾[288].
6. الآية الكريمة بيَّنت أنّ سبب عدم استمرار النبي موسى× في مصاحبة الخضر× عدم صبره على الصرامة - انضباطاً- في إنفاذ الأُمور بلا تتعتع سؤال وتلكؤ استنكار ممَّا يفشي سرّ المهمات؛ لأنّ إبراز السؤال ممَّا يثير اللغط وإذاعة الأسرار، ومِن ثَمَّ ورد في وصايا التقيّة عنهم^النهي عن القِيل والقال وكثرة السؤال والثرثرة؛ ممَّا يسبب إذاعة وإفشاء الأسرار، لا أنَّ النهي عن التحرّي في نفسه.
7. نعم، التحرّي إن كان موجباً وذريعة للتلكؤ فهو الآخر عيب وقصور عن سرعة إنفاذ المطلوب، فبعد فرض المعرفة الإجماليّة يكون العمل على الموازين، فإنّ التعمُّق في التفاصيل إعاقة وعقبة عن المضي قُدُماً.
8. ثمّ تُبيِّن السورة افتراق النبي موسى× عن الخضر× في نهاية المطاف، فرغم أنّ المصاحبة للنبي موسى× وهو من أُولي العزم فضيلة وكمال، إلّا أنّ سرّية عمل الخضر× تُحتِّم عليه الابتعاد عن الارتباط بالنبي موسى×، فكم هي عظيمة وظيفة الخفاء والسرِّية؟ وكم من وظيفة خفاء وسرِّية في إنجاز المهام المقدّسة العظيمة سطّرته لنا سورة الكهف؟
برنامج أمني للإمام الصادق×
كيف يتعامل الإمام مع مَن يكشف الأسرار
مرَّ أنّ الإمام× يتوعّد الذي يكشف أو يُفشي الأسرار بالعذاب الأُخروي، بل الدنيوي أيضاً، كما في كثير من الأحاديث السابقة ليس هذا توعّد بالعذاب الأُخروي والدنيوي تعبّداً فحسب، بل هو تربية لأصحابه على أمرين:
أولاً: كيفيّة كتمان الأسرار.
ثانياً: كيفيّة معالجة انكشاف السرّ.
كما في معتبرة عبد الأعلى، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «إنّه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول له فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله فأقرِئهُمُ السلام وقل لهم: رحم الله عبداً اجترّ مودّة الناس إلى نفسه، حدِّثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون. ثمَّ قال: والله، ما الناصب لنا حرباً بأشدّ علينا مؤونة من الناطق علينا بما نكره، فإذا عرفتم من عبدٍ إذاعة فامشوا إليه وردّوه عنها، فإن قَبِل منكم وإلّا فتحمّلوا عليه بمَن يَثقل عليه ويسمع منه، فإن الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تُقضى له، فألطفوا في حاجتي كما تُلطفون في حوائجكم، فإن هو قَبل منكم وإلّا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم، ولا تقولوا: إنّه يقول ويقول. فإنّ ذلك يُحمَل عليَّ وعليكم، أما والله، لو كنتم تقولون ما أقول لأقررت أنّكم أصحابي، هذا أبو حنيفة له أصحاب، وهذا الحسن البصري له أصحاب، وأنا امرؤ من قريش قد ولدني رسول الله’ وعلمتُ كتاب الله وفيه تبيان كلّ شيء: بدء الخلق، وأمر السماء، وأمر الأرض، وأمر الأولين والآخرين، وأمر ما كان وما يكون. كأنّي أنظر إلى ذلك نصب عيني»[289].
وهذه الرواية من أنفَس الروايات التي تبيِّن معنى الكتمان الأمنيّ للسرّ ومراتب الرعاية الأمنيّة للأسرار، وكيف أنّ حفظها من أبرز معاني الطاعة ومن أهم أسباب حُسن الصحبة لقيادة وإدارة الإمام×، فالرواية تبيِّن:
1. معنى احتمال أمرهم وحمل أسرارهم مراتب مرتبة دُنيا وهي التصديق له، ومرتبة عُليا وهي ستره أمنيّاً وصيانته - وهي المطلوبة- ولذلك قال: «إنّه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله».
2. أنّ الآليّة الصحيحة في التعامل مع الناس هو كسب مودّتهم؛ وبالتالي هو كسب لهم إلى صف الإيمان، والآليّة الأُخرى الملازمة لها - أو قل: آليّة الآليّات- هي كيفيّة استخدام الآليّة الأُولى، ولذلك قال: «رحم الله عبداً اجترَّ مودّة الناس إلى نفسه، حدِّثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما يكرهون».
3. أنّ مَن لم يستر أمرهم ولم يحدِّث الناس بما يعرفون، ويستر عنهم ما ينكرون بمنزلة الناصب؛ ولذلك قال: «والله، ما الناصب لنا حرباً بأشدِّ علينا مؤونة من الناطق علينا بما نكره».
4. كيفيّة التعامل مع مَن يُفشي السرّ، ومن عظمة وأهمّية صيانة السرّ، أنّه× يجعل صيانته عن الكشف على مراتب، فهو في المرحلة الأُولى في صدد الوقاية عن الكشف، ثَمَّ علاج الكشف إن لم تنفع مرحلة الوقاية؛ ولذلك قال: «فإذا عرفتم من عبدٍ إذاعة فامشوا إليه فردّوه عنها»، بل يجب استعمال علاج أكثر فاعليّة للضغط الاجتماعي لردعه عن الإفشاء؛ لذلك قال: «فإن قَبِل منكم وإلّا فتحمّلوا عليه بمَن يَثقل عليه ويَسمع منه»، أي: إن لم ينفع ذلك فقوموا بحجب إفشائه للأسرار الأمنيّة لكم، «وإلّا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم»، أي: أوقفوا تداول كلامه فيما بينكم؛ لئلّا يروج كشفه للأسرار الأمنيّة فيما بينكم فيزداد انكشافاً وإفشاءً لتلك الأسرار الأمنيّة.
5. أنّ الإمام× يأمر بطول النفس وسعة البال والتروِّي في اختيار أذكى وأنفع الآليّات للعلاج - بالتلطّف- في علاج إفشاء السرّ، وأنّ الاهتمام بذلك ضروري كاهتمام الإنسان بحاجات نفسه؛ لذلك قال: «فإنّ الرجل منكم يطلب الحاجّة فيُلطف فيها حتى تُقضى له، فألطفوا في حاجتي كما تُلطفون في حوائجكم»، والتلطّف واللطف اعتماد الرفق واللين، أو إخفاء الأُسلوب بمهارة فائقة ومرونة تستقصي وتتحرّى أكبر قدر من الطرق والفُرَص والنوافذ والخيارات الكثيرة.
6. (آخر الدواء الكّي) ، بعد أن يُمنع المُفْشِي للسرّ ويُثَقَّل عليه ويُتلطّف معه حتى يحصل المطلوب، فإن لم يحصل المطلوب يأتي دور المؤمنين في احتواء الموقف ونزع فتيل الأزمة التي يمكن أن يولِّدها إفشاء السرّ من قِبَل ذلك الأخرق؛ لأنّ إفشاء السرّ غير انتشاره.
وهذا أمر بالغ الأهمّية غفل عنه المؤمنون والتفت إليه الإمام× وأكّد عليه، وهو أنّ المؤمنين حينما يرون أنّ هناك سرّاً قد أُفشِي يُسارعون في نشره بحجّة أنّ فلاناً قال، فيقولون: قال كذا وكذا. فيصلون إلى إفراط أو تفريط بعدم تمييزهم أنّ عاقبة تداول نشر السرّ المُفشَى أسوء من نفس أصل بدء الإفشاء؛ لاعتقادهم أنّهما سيان وهذه غفلة كبرى يحذِّر منها الإمام×. بل لو لاحظنا مرمى الإمام× بدقّة نرى أنّ نفس احتواء السرّ المُفشَى هو وأد للإفشاء في مهده؛ وبالتالي هو علاج يُميت السرّ في مهده ويجعله كالعدم، ولذلك قال: «فإن هو قَبِل منكم، وإلّا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم، ولا تقولوا: إنّه يقول ويقول، فإنّ ذلك يُحمل عليَّ وعليكم»، وهذا المقطع العظيم من حديث الإمام× - لوحده- أصل وقاعدة عظيمة أمنيّة ونُظميّة في التحكّم والسيطرة في كيفيّة انتشار المعلومة الخبريّة وتكوين الرأي العام، سواء الثقافي العقائديّ أو السياسيّ الاجتماعيّ، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلّا قَلِيلاً﴾[290]، وهذه القاعدة ترسم للمؤمن كيف يزن الأُمور ويقدِّرها بقدرها.
7. أنّ الإمام× يجعل ميزان الصُحبة هو بالطاعة في تنفيذ ما يرسمه من منهاج بالدقّة المطلوبة.
دور المؤمن في الحكومة الخَفيّة أعظم
أُطروحة جديدة في معنى الظهور بعد الغَيْبَة
دولة الخفاء وخفاء الدولة
دولة الغَيْبَة وغَيْبَة الدولة
من الضروري أن يلتفت المؤمن إلى أنّ زماننا هذا وهو زمن الإمام المهدي # ، هو زمن الحكومة الخفيّة للإمام # ، أي: إنّ هناك حكومة فعليّة للإمام # الآن ولكنّها خفيّة، لا بمعنى انسياق المؤمن لزيف الدجّالين من أدعياء السفارة في الغَيْبَة أو انخداعه لدعاوى الفِرَق الضالّة المُدّعية للمهدويّة، بل من الضروري أن يعلم المؤمن أنّ دوره الآن في هذه الحكومة أعظم من دوره حين الظهور أو ما بعد الظهور، وذلك ينشر مذهب أهل البيت^ في أوسع رقعة وكافة أرجاء الأرض؛ لأنّ دوره حين الظهور هو دور قتالي أو إداري بإشراف مباشر من الإمام× أو أحد قادته المنصب من قِبَله، وهو دور وإن لم يمكن سهلاً ولكنه دور أسهل بكثير من بناء مجتمع الدولة في الحكومة الخفيّة، وهذا ما يُشير إليه الحديث الشريف، عن أمير المؤمنين×: «قال: إنّ رسول الله’ بعث سَرِية فلما رجعوا قال: مرحباً بقومٍِِِِِِ قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر. قيل: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس»[291].
ومن الجدير بالملاحظة أنّ هناك ما هو أعظم من جهاد النفس، وهو بناء الدولة الخفيّة للإمام # ؛ لأنّه جهاد على مستوى النفس وزيادة، أمّا على مستوى النفس فلأنّ المؤمن يبني نفسه ويُكاملها في فترة غَيْبَة الإمام # - فترة الحكومة الخَفيّة- لأجل أن يكون في استعداد دائم وأُهبة كاملة للظهور المقدّس، وهو من جهة أُخرى يبني أُسرته دينيّاً وعلميّاً، وكذلك يبني مجتمعه ويؤسس لتكامل وتقوية الحكومة الخفيّة للإمام # ؛ وذلك بتقوية مجتمع المؤمنين ودار الإيمان.
فإذن؛ يكون دوره أعظم لهذه الحيثيّة، وكلّما قَويت الحكومة الخفيّة - وذلك بتقوية قاعدتها وهو جماعة ومجتمع المؤمنين ودار الإيمان، وثبتت أركانها واستحكمت حلقاتها- كلّما كان ظهورها أسرع؛ وذلك بظهور الإمام # ؛ لأنّ هذه القوّة هي بنفسها تعجيلاً للظهور، لأنّ الظهور يعني تنامي وتكامل هذه الحكومة، بل بالدقّة الظهور هو ظهور لتلك الحكومة الخفيّة، بل هو إعلان لتلك الحكومة بعد أن كانت خفيّة وغير ظاهرة يُعلَن عنها بعد تكاملها وقوّتها وسيطرتها.
وممّا تقدم تتّضح لنا أدوار المؤمن المتعدّدة والمهمّة والحيويّة في دولة الإمام # الخفيّة الآن، وكيف يبني تلك الدولة؟ وكيف يدفع عنها وعن قائدها # كلّ ما يُسبّب اختلال وتعطيل تكامل وقوّة هذه الدولة.
وهذا البيان رسم خارطة مسير ومسار للمؤمن في فترة غَيْبَة الإمام # ، كما أنّه يُعطي تفسيراً صحيحاً لمعنى الغَيْبَة، فأين هذا المعنى من الثقافة السطحيّة التي تقول: إنّ الإمام # غير حاضر ومبتعد أو في جزيرة خضراء لا علاقة له بالناس وينتظر مَن يُهيئ له الظروف والأسباب للظهور المقدّس؟! وبالتالي يكون منتظراً لأمر الله بهذا اللحاظ، وهذه ثقافة جبريّة سيئة جدّاً وفهم خاطئ؛ لأنّه يجعل الإمام # متواكلاً وليس متوكلاً على الله تعالى.
أمّا على الثقافة الأُخرى والفهم الآخر - وهو الصحيح- نرى أنّ الإمام # منتظر لأمر الله وهو في عمل ليلاً ونهاراً في بناء دولة الظهور الآن، فإنّ دولة الظهور المقدّس لا تُبنى ولا تُؤسّس أركانها حين الظهور أو بعد الظهور؛ لأنّ الظهور قطف أو جني للثمار التي أسّسها الإمام # في دولته الخفيّة.
نعم، من خلال هذه الأُطروحة لا يصح أن نزهد ولا يحق لنا أن نزهد في الجانب الغيبي، ودور الأسباب الغَيبيّة؛ لأنّ منهجنا (الأمر بين الأمرين) ، فلا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، أي: لا جبر ولا حَتميّة مطلقة للأسباب الغَيبيّة والإعجاز الغَيبي والإدارة الغَيبيّة بمعزل عن الأسباب الطبيعيّة في تعجيل الظهور، كما أنّه لا تفويضيّة بجعل كلّ الأسباب بيد المؤمنين في إدارة وتنامي الحكومة الخفيّة للإمام # .
فيجب أن يعلم المؤمن أنّه لَبِنَة أساسيّة وحيويّة وضروريّة في بناء الدولة الخفيّة وتعجيل الظهور المقدّس، أي: إنّه عنصر مهم في قوّة الدولة؛ وبالتالي ظهورها، ولا يمكن التنازل عن دوره بحال من الأحوال في هذه الفترة، ولا يحول دون ذلك حَتميّة ظهور الإمام # ، وعظمة إدارته لدولته، رغم كونها إدارة عظيمة وعالية وجليلة.
ولعل سائلاً يسأل: ما هو الفرق العملي بين الثقافتين؟ وهل هناك ثمرة عمليّة لذلك؟
وللجواب عن ذلك: أنّ الفروق في ذلك كبيرة وكثيرة، منها:
1. أنّه على الفهم الجبري الخاطئ، وأنّ الإمام # لا محالة سيظهر كحَتم قَدَرٍ وقضاءٍ بفعل محض من السماء، وأنّ الله يُظهر دينَه على الدين كلِّه؛ فإنّه مدعاة للتواكل وترك الحبل على الغارب.
2. على الفهم الأخر أنّ المؤمن له دور عظيم لتعجيل الظهور، ولكن لا دور له الآن، وإنّما دوره في فترة الظهور المقدّس وما بعد الظهور، أمّا الآن فالمؤمن ليس له دور.
نعم، دوره أن يكون مستعدّاً للظهور، وهو استعداد ترقُّب نفسي ليس إلّا، ولا يعدو أن يكون أمراً غامضاً لا مفهوم واضح له عمليّاً.
كما يمكن أن يكون له دور على المستوى الفردي، وهو استعداده لتربية نفسه دينيّاً وعلميّاً، وقد يتعدّى قليلاً إلى القيام بواجبه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أُسرته وفي مجتمعه، أمّا على المستوى التدبيري لمصير الدين أو العلمي في مستوى أبعد وأعمق وأوسع، فليس هناك التفات، أو لا يوجد تثقيف واضح على ذلك.
أمّا علاقته بالإمام المهدي # ، فقد يُنظَّر في تلك الثقافة أنّه يجب أن يتفاعل المؤمن مع الإمام # .
وأمّا كيفيّة ذلك التفاعل الذي يجب على المؤمن مع الإمام # ، فلعله لا يعدو مستوى الشعور به، والدُعاء له، والتصدُّق عنه، وأن يدعو صباحاً ومساءً بتعجيل الظهور المقدّس، وهذا غاية عونه ونُصرته ومؤازرته للإمام # ، وكان الله غفوراً رحيماً.
أمّا بناءً على الثقافة والرؤية السديدة، فإنّه ينبغي أن يفهم المؤمن أنّه الآن يعيش كفرد في مجتمع دولة الإمام # الخفيّة، فكيف يتعامل معها؟ وكيف يبنيها؟ فهو بمثابة موظّف، ولو شعر المؤمن أنّه موظّف في مجتمع دولة الإمام # ، وأنّ دولة الإمام # الآن وليس بعد الظهور، وكيف ينبغي أن يتصرّف المؤمن مع مجتمع متعدد الأهواء والاتّجاهات والألوان بنظرة موضوعيّة لفرد يريد بناء دولة واقعيّة حاضرة يعيشها؟ وبالتالي؛ سيختلف نظره إلى قائدها # - بحسب هذا الفهم- أنّه كيف يبني مجتمع دولته # في ظرف خفائه[292].
وهذه النظرة شكل آخر غير التعبّد الدينيّ المحض، وغير فكرة إسقاط الواجب الدينيّ التعبّدي، بل بفكرة استثمار الواجب التعبّدي - الصحيح- لبناء الدولة، وبناء الدولة هو بناء للفرد وللمجتمع في نفس الوقت، ولكنّه أعظم وأعلى وأكمل.
وهذه النظرة الموضوعيّة - التجرّدية- الشموليّة تتناسب مع قول الإمام أمير المؤمنين×: «الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنّة؛ فإنّ الجنّة فيها رضا نفسي والجامع فيه رضا ربّي»[293]، وهذا الكلام فيه إشارة إلى ما نريد؛ فإنّ المؤمن في عَيشه في مجتمع دولة الإمام # وإسهامه الآن في بناء دولة الإمام # بعد الظهور، هو عيش أعظم سعياً وأجراً من العيش في الجنّة؛ لأنّ العيش الرغيد في دولة الإمام # كالعيش الرغيد في ظل الجنّة فيه رغبه ورضا النفس، ويكون السعي في تكامل دولة الإمام # - في ظرف الظهور- كالسعي في التكامل في الجنّة سهل، فهو بلا معوقات وابتلاءات، أمّا الجلوس في المسجد، فهو كالسعي في بناء مجتمع دولة الإمام # في فترة الغَيْبة بتشييد أركان دولة الإمام الخفيّة التي ستظهر على العالم بعد خفائها - قويّة صلبة- ومن هنا؛ ورد أنّ أجر عمل وطاعات المؤمن في الغَيْبة أعظم أجراً من عمله وطاعته في ظل دولة الظهور.
فعن عمّار الساباطي قال: «قلتُ لأبي عبد الله×: العبادة مع الإمام منكم المستتر في دولة الباطل أفضل أم العبادة في ظهور الحقِّ ودولته مع الإمام الظاهر منكم؟ فقال: يا عمّار، الصدقة - والله- في السرّ [في دولة الباطل] أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك عبادتكم في السرّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل أفضل؛ لخوفكم من عدوِكم في دولة الباطل وحال الهدنة مَمَّن يعبد الله (عزّ وجلّ) في ظهور الحق مع الإمام الظاهر في دولة الحق، وليس العبادة مع الخوف وفي دولة الباطل مثل العبادة مع الأمن في دولة الحق، اعلموا أنّ مَن صلَّى منكم صلاة فريضة وحداناً مستتراً بها من عدوه في وقتها فأتمّها كتب الله (عزّ وجلّ) له بها خمساً وعشرين صلاة فريضة وحدانية، ومَن صلَّى منكم صلاة نافلة في وقتها فأتمّها كتب الله (عزّ وجلّ) له بها عشر صلوات نوافل، ومَن عمل منكم حسنة كتب الله له بها عشرين حسنة، ويضاعف الله حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله ودان الله (عزّ وجلّ) بالتقيّة على دينه وعلى إمامه وعلى نفسه وأمسك من لسانه أضعافاً مضاعفة كثيرة، إنّ الله (عزّ وجلّ) كريم»[294].
مع الالتفات إلى أنّ الإمام أمير المؤمنين× لا يعني - في حديثه- أنّه جالس وغير فاعل وهو في المسجد، بل أحد عناوين المسجد هو عنوان إدارة الدولة؛ لأنّ دولته× - وهكذا الدولة العادلة في الظهور المقدّس- تُدار من المسجد؛ لأنّ المسجد هو العنوان الدينيّ والإداري والعلميّ المقدّس، الذي يهيمن على كلّ المفاصل السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وغيرها، فيكون معنى جلوسه في المسجد هو الجلوس الفاعل البنّاء، جلوس التدبير الدينيّ والدنيويّ وتدبير بناء الدولة، وهذا الجلوس قريب من معنى الحِلْس - كن حِلْساً من أحلاس بيتك- الذي هو الجلوس في بيت العقيدة والإيمان والثبات على النهج الصحيح، وقد تقدّم هذا المعنى.
القاعدة السادسة
المرونة والمناورة في المسير والمسار
ولهذه القاعدة أسماء عديدة منها:
- قاعدة: المرونة في المسير والمسار.
- قاعدة: مناورة ومران الخيارات والأساليب في المسير والمسار.
- قاعدة: المناورة التي تحافظ على الثابت التوليفي بين ما هو قديم وما هو عصريّ.
- قاعدة: الموازنة بين النهج التقليدي والنهج العصريّ الحديث.
- قاعدة: استخراج اللبّ الثابت في النهج التقليديّ عن القشور القديمة وتلبيسه آليات عصريّة.
لا بدّ من مقدّمة:
هل المبدئيّة للواقع أم الواقعيّة للمبدأ؟ وهذه جدليّة بين البراغماتيّة الواقعيّة وبين المبدأيّة، وهي من القراءات المغلوطة التي ينتهجها أرباب السياسة الذين يقولون بمبدأيّة الواقع - الخارجي- أي: إنّ المبادئ تتشكّل على أساس معطيات الواقع الخارجي، وهذا النهج له أشكال كثيرة، ويعبِّرون عنه بعبارات كثيرة تدور على أساس (النفعيّة والمصلحة) ، وجعلهما المدار والمحور لكلّ المبادئ والثوابت.
وبهذا تتغيَّر المبادئ على أساس الواقع، وهو منهج له لوازم خطيرة تتفرّع عليه مباحث عديدة وقواعد كثيرة في البُعد الاجتماعي والبُعد السياسيّ، بل والدينيّ وهو أهمّها.
فمثلاً في البعد الفلسفي، قد يُسأل هل الحقيقة نسبية أم مطلقة؟ وفي البُعد الدينيّ (الأخلاقي) قد يُثار البحث أنّه هل الأخلاق نسبية أم مطلقة؟ وتتفرّع عليه بحوث أُخرى دينيّة أنّ القرآن هل يُفسَّر بالرأي أو لا؟ وهل يُعطف القرآن على الرأي أو الرأي على القرآن؟ أو يُعطف القرآن بعضه على بعض بعطف المتغيِّر على الثابت القرآني أو المتشابه على المُحْكَم؟ أو يُعطف المُحْكَم والمتشابه على الولاية؟ بنظرية أُمومة الولاية لمُحْكَمات القرآن - كما هو الصحيح- كذلك ما يُعرف في البحوث المعرفيّة بـ (استبداد العقل) أي: هل للعقل أن يستبدّ أم لا؟ وما هي مساحته؟ كلّ هذا في البُعد الديني.
وأمّا في البعد الاجتماعي، فالعلاقات الاجتماعيّة يمكن أن تتشكّل بقوالب القاعدة، وأنّ المتغيِّرات أين يمكن أن تكون في المبادئ أو في آليات المبادئ - كما هو الصحيح-؟ ونفس القوالب بأشكال أُخرى يمكن أن تتشكّل هذه القواعد في بُعدها السياسيّ.
وقاعدتنا هنا تحاول أن تضع الضوابط في ذلك من جهة، ومن جهة أُخرى هي تُبَيِّن تكليف المؤمن في البُعد الدينيّ الفقهيّ السياسيّ والاجتماعيّ.
سعة الحكمة في صيرفة تدبير وإدارة الأُمُور
هذه القاعدة حلّ وسطيٌّ بين إفراط التغيير وإفراط الثابت، بالمحافظة عَلَى الثابت فيما له مِنْ مساحة وبحسب درجاته؛ لأنَّ الثبات أيضاً متفاوت في الثبات، كَمَا أنَّ المتغيِّر متفاوت في درجات التغيير.
وهي قاعدة فقهيّة عقائديّة أخلاقيّة تاريخية، نحاول هُنا أنْ نتكلَّم فيها بما يتّصل بالجانب الفقهيّ.
نَعَمْ، سنشير إجمالاً إلى البُعد العقائدي أو التاريخي لاستيضاح الجانب الفقهيّ، ولا بدَّ مِنْ مُقدّمة في نقاط قبل بيان القاعدة:
1. إنَّ الدِّين مراتب وإنَّ حفظ المراتب ومراعاة المراتب شيء أساسي في كُلّ مسير ومسار الدِّين، فلا يمكن أنْ تُقاس العقائد بالفروع؛ لأنَّ العقائد أعلى السلسلة، ثمَّ الأخلاق، ثمَّ فروع الدِّين.
2. ينبغي حفظ العلاقة بين المراتب الدينيّة، فالدِّين طبقات، شبيه بطبقات القانون الوضعيّ، فالقانون الدستوري أعلى مِنْ القانون النيابي وله ارتباط به، والنيابي أعلى مِنْ الوزاري، والوزاري أعلى مِنْ البلدي وهكذا، وَكُلّ هذهِ الطبقات مرتبطة مَعَ بعضها البعض.
3. إنَّ المقياس لا يمكن أنْ يكون واحداً بناءً عَلَى المراتب، فلا يمكن أنْ يُقاس واجب عقائدي بواجب مِنْ فروع الدِّين؛ فإنَّ وجوب تولّي أهل البيت^ أعلى مِنْ وجوب الصَّلاة، وإنَّ حُرمة تولّي أعداء الله ورسوله وأهل بيته^ أعلى مِنْ حرمة شرب الخمر والزِّنا وهكذا.
4. كَمَا أنَّ القانون السماوي مراتب كذلك الكتب السماويّة وكذلك أنبياء الله (عَزَّ وَجَلَّ) ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ الله﴾[295]، فنبوّة سيّد الأنبياء أعلى مِنْ نبوّة أيّ واحد مِنْ أُولي العزم، فضلاً عَنْ غيرهم، فَهُوَ’ مهيمن عَلَى نبوّة ورسالة وعصمة كُلّ الأنبياء والرُّسل، وكذلك القُرآن هُوَ كتاب مُهيمن عَلَى الكُتب السماويّة، ولا تُقاس به التوراة والإنجيل، أو صحف إبراهيم وموسى.
5. إنَّه كَمَا يجب حفظ العلاقة - والمراتب بين هذهِ الأُمور- عَلَى مُستوى العلم والاعتقاد يجب أيضاً حفظ العلاقة عَلَى مُستوى العمل والتعاطي مِنْ خلال تطبيق قوانين الدِّين.
فمثلاً: لا يمكن أنْ تتمسَّك بعيسى لوحده مَعَ وجود سَيِّد الأنبياء، أو مَعَ وجود الإمام المهدي # الذي يصلِّي عيسى× خلفه، وَهَذا ما يصوِّره لنا الإمام الرضا× في جواب مسألة الجاثليق: «ما تقول في نبوّة عيسى وكتابه؟ هَلْ تُنكر منهما شيئاً؟ قَالَ×: أنا مُقرٌّ بنبوّة عيسى وكتابه وما بشَّر به أُمّته وأقرَّت به الحواريون، وكافر بنبوّة كُلّ عيسى لمْ يقرّ بنبوّة مُحمَّد’ وبكتابه ولم يبشّر به أُمّته»[296].
وكذلك لا يمكن أنْ نترك القُرآن ونذهب إلى التوراة، رغم أنَّ فيها حكم الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ الله ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين﴾[297]، فينبغي التمسُّك بالمهيمن عَلَى التوراة وَهُوَ القرآن، قَالَ تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله...﴾[298].
كذلك التشريع مراتب، فتشريع الله أعلى وأوْلى بالرعاية مِنْ تشريع النَّبي’ رغم أنَّهما واحد لا اختلاف بينهما، كذلك تشريع النَّبي مُقدّم عَلَى تشريع أيّ واحد مِنْ الأئمّة^؛ ولذلك نهر سيّد الأنبياء’ عمرَ عَنْ الحُكم بحكم التوراة، وليسَ المقصود مِنْ ذلك مِنْ جهة أنَّها مُحرّفة أو خطأ أو باطلة ولا يمكن النَّظر فيها؛ لأنَّ ذلك مُخالف لنصّ القُرآن، بأنَّ فيها حكم الله، بلْ إشارة للمراتبيّة الَّتِي قُلنا بها، وهي أنَّه لا يجوز لك أنْ تجعل المدار في الحُكم عَلَى التوراة مَعَ وجود القُرآن، مِنْ دون أنْ يكون القُرآن مُهيمناً.
6. مِنْ الأُمور الأساسيّة والمهمة أنَّ القُرآن طبقات ومراتب، وأنَّ فيه المُحكم والمُتشابه، وأنَّ المُتشابه طبقات، كَمَا أنَّ المُحكم طبقات فوق بعضها البعض، وتهيمن عَلَى بعضها البعض، وهذهِ الطبقيّة والهيمنة لَيسَ فيها اختلاف، ففي نفس الوقت الذي فيه الاختلاف فيه الاتّفاق، في عين الفرقة وحدة وفي عين الوحدة اختلاف مِنْ زوايا عديدة، كذلك الدِّين طبقات أهم ومُهم، مُحكم وأشدّ إحكاماً، كذلك الأنبياء والأئمّة، مراتب في الحُجيّة فوق بعضها البعض.
7. الأئمّة مِنْ أهل البيت^ مَعَ النَّبي والسيّدة الزهراء‘ هكذا مِنْ حَيْثُ ذواتهم الشريفة، مِنْ حَيْثُ سيرتهم وأعمالهم، رغم اختلاف المسير والمسار بينهم مَعَ ذلك كلّهم حُجج ونور واحد، وَهَذا واضح مِنْ سير ومسير الأئمّة في فترات إمامتهم، وفهم هَذا الأمر لعلّه يسهل فهمه باعتبار اختلاف الزمان والمكان والظروف المُحيطة.
لكن أنْ تكون هُناك حجتان - عَليّ وفاطمة÷ مثلاً- وأحد الحُجّتين يتصرّف عكس الآخر ظاهراً فهَذا يصعب فهمه عَلَى الكثير، ولعلَّ البعض يحاول أنْ يُشكّك في وجود هكذا اختلاف بحسب الواقع الخارجي والنقل التاريخي مَعَ أنَّ الاختلاف موجود وواضح، ففي حين سلكت الزهراء‘ مسلك الجهاد والتحريض عَلَى الثورة واستنهاض الأنصار، تبنّى أمير المؤمنين عَليّ× نمطاً آخر وَهُوَ نمط الحرب الباردة.
8. في حين مسير ومسار الحسن× في سلوكه وصُلحه مَعَ معاوية نرى الإمام الحسن× يشترط أنَّ الحسين× لا يُبايع، وَهَذا يعني أنَّ المسير والمسار الصحيح في التعاطي مَعَ الحقيقة مُتعددة الزوايا.
9. في قول رسول الله’ لعلي×: «أنا أُقاتل عَلَى التنزيل وعليٌّ× يُقاتل عَلَى التأويل...»[299]، إشارة إلى أنَّ قتال رسول الله’ لأجل تثبيت الدِّين ولأجل مرتبة القُرآن النازل، أمَّا قتال عَليّ×؛ فَهُوَ لأجل مرتبة القُرآن الصاعد (مرتبة التأويل) ، وكذلك كانت الفتنة أكبر والامتحان أصعب، ولذلك حينما رُفعت المصاحف في معركة صفّين فُتن أصحاب الإمام× وفشل الكثير منهم، وعلي× يُبيِّن لهم أنَّها فتنة بقوله: «أنا القُرآن الناطق»[300].
كذلك في معركة الجمل، حينما كَانَ كُلّ أصحابه يرى تحقّق النصر لأمير المؤمنين× عَلَى أصحاب الجمل، يعود أمير المؤمنين عَليّ× ليشير إلى فتح أعظم مِنْ النصر الظاهري بقوله: «أنا فقأت عين الفتنة، لم يكن ليفقأها أحد غيري، ولو لم أكُ فيكم ما قوتل أهل الجمل ولا أهل الشام ولا أهل النهروان، وأيمُ الله، لولا أن تتكلّموا فتدعوا العمل لأخبرتكم بما سبق على لسان نبيكم|...»[301]، فإنَّ البصيرة المعرفيّة مِنْ متشابه المفاهيم الدينيّة، كموقعيّة أزواج النَّبي’، وموقعيّة صحابته، وموقعيّة المصحف، وموقعيّة الراية والشعار بكلمة حقّ توظّف لغاية باطلة أعظم مِنْ النصر العسكري، فقتال أمير المؤمنين عَليّ× كَانَ لرفع الفتنة، والفتنة كَمَا يصفها القُرآن: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾[302].
وَهُوَ× يُقَاتل لما هُوَ أعظم مِنْ القتال، فأمير المؤمنين عَليّ× لا يقاتل لأجل وجود المُحكم والمُتشابه في القُرآن، بلْ لأجل إرجاع المُتشابَه إلى المُحكَم، وهذهِ مُهمّة أعظم وأكبر مِنْ إقرار وتثبيت وجود نفس المُحكَم والمُتشابَه، وهي المُهمّة الَّتِي جاءت في التنزيل عَلَى يد رسول الله’.
جدليّة العلاقة بين البراغماتيّة والمبدأيّة
جدليّة الثابت والمتغيِّر
تغيير الواقع بين الإفراط والتفريط
جدليّة حفظ النظام الثابت والإصلاح المتغيِّر
المناورة بين الواقعيّة الراهنة والقيم الشعاريّة
البراغماتية مِنْ المذاهب السياسيّة الَّتِي بُنيت عَلَى أساس النفعيّة والمصلحة، وبشكل إجمالي: البراغماتي هُوَ الفرد الذي يعيش الحاضر بلا نظر إلى الماضي ولا اهتمام بالمستقبل، لَيسَ لأنَّه عديم التنظيم (البرمجة) ؛ بلْ لأنَّه يعيش الحاضر عَلَى أساس فلسفة (محاكاة معطيات الواقع الخارجي الحاضر وما يجلب له مِنْ منافع) .
فالإنسان البراغماتي يعيش ليومه ويتفاعل مَعَ معطيات أحداثه، أمَّا التخطيط للمستقبل بواسطة قراءة الماضي، فَهُوَ شيء لا يأخذ مساحةً تُذكر في قاموسه الفكريّ؛ لذلك يُعبَّر عَنْ هَذا الأُنموذج أنَّه (لا يغرد خارج السّرب) ، أي: لا ينفرد بقرار يؤدِّي إلى إسقاط ما في يديه مِنْ مكاسب مادّية (سياسيّة أو غيرها) .
مقابل البراغماتي هُناك المبدأي، يُقَال: إنَّ أمير المؤمنين عَليّاً× كان مبدأياً، أي: أنَّه يتحرّك عَلَى أساس المبدأ، وليسَ عَلَى أساس مُعطيات الواقع الخارجي، (يُمنهج الواقع عَلَى أساس المبدأ) لا العكس؛ لأنَّ (الغاية لا تُبرر الوسيلة) ، بلْ الغاية تُمنهج الوسيلة، والوسيلة تنضبط بالغاية الحقّة والمبدأ الحقّ.
البعض لعلَّه ينظر إلى الإمام الحسن× بأنَّه تحرّك في صلحه مَعَ معاوية عَلَى أساس البراغماتيّة، وكَانَ في مُنتهى الواقعيّة (البراغماتية) ولم يكن مثاليّاً، تطبيقاً - بحسب زعمهم- لأُسس أساس مبادئ السياسة: (لا توُجد عداوة دائمة، ولا صداقة دائمة، وإنَّما توُجد مصلحة دائمة) .
الثابت النظامي والمتغيِّر الإصلاحي
ولكن هَذا الكلام غَير صحيح؛ لأنَّ الإمام (مبدأي) كأبيه أمير المؤمنين عَليّ×؛ لأنَّ الأئمّة كلّهم نور واحد بلا اختلاف بينهم في المنهج.
نَعَمْ، الحسن× تحرّك عَلَى أساس (المبدأيّة والواقعيّة) ، مزجاً بين الواقعيّة الَّتِي تتحرّك عَلَى أساس النفع، والمبدأية الَّتِي تسير وفق ثوابت الدِّين، بابتكار سلوكي لمْ يسبقه أحد مِنْ الأنبياء والأولياء، نستطيع أنْ نُسميه - كاصطلاح بين المبدأية والنفعيّة- (المبدأيّة النفعيّة) ، وهي علاقة متوازنة بين النفع التفويضي والجبريّة المبدأيّة (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين) ؛ وبالتالي يكون الإمام الحسن× قدْ وفّق بين النزعتين، أي: إنَّه لمْ يخسر أيّ ورقة إيجابية في هَذا الطرف مَعَ تفادي الطعون عَلَى الطرف المُقابل.
فالبراغماتي يطالب بالانعطاف مَعَ الواقع - مرونة التعاطي- لكن منهج الإمام الحسن× يقول: نَعَمْ، أنعطفُ مَعَ الواقع مَعَ عدم التفريط بأيّ مبدأ مِنْ المبادئ، وعدم خسران أيّ ورقة مِنْ الأوراق، حَيْثُ يمكن استثمار بدائل آلية للحفاظ عَلَى المبدأ.
والسنّة الَّتِي سنّها الإمام الحسن× لمْ يُبصرها حتّى حواريي الإمام الحسن× فضلاً عَنْ باقي المؤمنين، وهذهِ في الواقع مِحْنة مِنْ أشدّ المِحَن الَّتِي لمْ يواجهها أحد قبله ولا بعده مِنْ المعصومين^، أو واجهوها ولكن بنسبة أقل، فالإمام أمير المؤمنين× كانت مِحْنته مَعَ أهل الجمل وأهل النهروان وأهل صفِّين، وكلّهم يُعتَبَرون مِنْ الأعداء.
أمَّا محنة الإمام الحسن×، فكانت مَعَ المحبّين والموالين، بلْ والحواريين، وهذهِ السنّة كانت مِنْ رسول الله’ حَيْثُ تمرّد بعض الصحابة، كالثاني وغيره الذين سبّبوا تمرّد الصحابة في صلح الحديبية، ولكن لمْ تتبلور ولم تّتضح سنّة رسول الله’ بشكل كامل، إلّا عَلَى يد الإمام الحسن×.
وَهُوَ× كَانَ ليِّناً سهلاً سمحاً مَعَ الأطراف المُختلفة استوعب الجميع دون الاستجابة لهم، بلْ استوعب حتّى الأعداء، وهذهِ الآليّة صعبة عَلَى مُستوى التنظير فضلاً عَنْ التطبيق، فكيف يكون للإنسان حزم ويكون له في نفس الوقت لين «حزماً في لين»[303]، وَهُوَ خلط وقع فيه الكثير مِنْ المُتديِّنين بين ما هُوَ ثابت وبين آليّة الثابت، فثبات المبدأ لا يعني (ثبات الآليّة) للمبدأ.
للبيت ربٌّ يحميه
وَمِنْ الأُمور الَّتِي لمْ تتبلور إلى الآن ولم يستطع هضمها الكثير مِنْ المُتديِّنين، هي قصّة عبد المطلب مَعَ إبرهة، وبالأخصّ حينما قَالَ عبد المطلب×: «لست بربِّ البيت الذي قصدتَ لهدمه، وأنا ربّ سرحي الذي أخذه أصحابك، فجئتُ أسألُك فيما أنا ربُّه، وللبيت ربٌّ هُوَ أمنع له مِنْ الخلق كلّهم وأوْلى به منهم، فَقَالَ الملك: ردّوا عليه سرحه. وانصرف عبد المطلب إلى مكَّة»[304].
والرواية طويلة يرويها الإمام الصادق× ويُبيِّن فيها بعض الصور الَّتِي تُشير إلى شجاعة عبد المطلب× وبقائه في ميدان المعركة يدعو الله، وقدْ أرسل عبد الله ليصعد جبل أبي قُبيس، وحينما بشّره عبد الله بالطير (الأبابيل) ، قَالَ عبد المطلب لقريش - قبل هجوم الطُّيور-: اذهبوا فخذوا غنائمكم. إشارة منه إلى يقينة بنصر الله لبيته المحرّم، وَهُوَ حينما قَالَ: «للبيت ربٌّ هُوَ أمنع له مِنْ الخلق كلّهم وأوْلى به منهم»[305]، هي كلمة تحدٍّ وتهديد، وقوة وقُدْرة في مناورة العدو للحصول عَلَى مكاسب أُخرى مِنْ خلال المُناورة في المسير والمسار، وفعلاً حصل عَلَى الإبل.
هَذا فضلاً عَنْ تدبيره الخفي الذي أحكمه؛ حَيْثُ كلّم عبد المطلب فيل إبرهة ليثنيه عَنْ الهجوم عَلَى الكعبة واستجاب له حَيْثُ أوتى عبد المطلب - وَهُوَ وصي الأنبياء- منطق المخلوقات.
دروس فِي مناورة عبد المطلب×
والمناورة الَّتِي حصلت إنَّ إبرهة كَانَ يتوقّع أنْ يتكلّم سيد قريش - الفاضل الكريم- عَنْ بيت الله، وإذا به يتحدّث عَنْ شيء آخر ألا وَهُوَ الإبل، وَهَذِهِ مناورة؛ لِأنَّ العدو لَمْ يكن يتوقّعها، وكأنّه يقول لإبرهة: (إنَّ خسرانك محتوم لا ريب فيه؛ لأنّك تقاتل ملك الملوك وربّ الأرباب الواحد القهّار، وبالقطع واليقين أَنْتَ خاسر، فأنا أُريد أنْ أتكلّم فِي شيء آخر وَهُوَ الإبل) . والأمر بعينه فِي صلح الإمام الحسن× مَعَ معاوية، فإنَّ صياغة بنود الصلح كانت بشكلٍ الذي يبقي عَلَى مفاصل القوّة والقُدرة للإمام× وأهمّها: أنَّ الحسين× لا يُصالح، أي: يبقى كخط ساخن.
والدرس المُهِم الذي نبع مِنْ صلح الإمام الحسن× ومناورة جدّه عبد المطلب×، أنَّ الإنسان إذا كَانَ في معركة ويتوقّع الخسران مِنْ جهة فلا ينبغي أنْ يفرط في كُلّ شيء، بلْ يتوخّى مِنْ خلال محاورته ومناورته الإبقاء عَلَى بقية القدرات.
فإنَّ خسران شيء لا يعني خسران كُلّ شيء، وإنَّ في باطن كُلّ هزيمة نصر وإنَّ مَعَ العسر يسراً، فينبغي أنَّ يتحسّس ويتحرّى ويطّلع الإنسان عَلَى كُلّ الجوانب والجهات الظاهرة والخفيّة، للحصول عَلَى أكثر وأكبر قدر مِنْ النتائج والمكاسب وأنَّ غلبة الخصم لا تعني إعطاء مفاتح النصر ومصادر القوّة إلى العدو؛ لأنَّ يأسك مِنْ الحلول الغَيبيّة يعني يأس مِنْ روح الله، ولا ييأس مِنْ روح الله إلّا القوم الكافرون.
مناورة حُسينيّة في قوالب زينبيّة
مناورة ومران الخيارات والأساليب في النهضة الحسينيّة في موكب السَّبي...
تسالم أهل البحث والتحقيق أنّ رحلة السَّبي بعد معركة الطفّ دور تكميلي لتلك الملحمة العظيمة، بل إنّ الواقع يشهد بذلك، وأحد تفاسير قول الحسين×: «إنّ الله قد شاء أن يراهن سبايا»[306]، هو ذلك، أي: شاء الله أن يجعل لزينب والسبايا دوراً تكميليّاً، أمّا عنصر المناورة فنبيِّنه في نقاط:
1. ذكرنا سابقاً مناورة الإمام الحسن× في صلحه مع معاوية، وذكرنا أنّ أحد أهم بنود الصلح - المناورة الحَسنيّة- أنّ الحسين× لا يبايع، أي: أن يبقى كخط ساخن، كذلك السبايا تبقى - مناورةً- كخطٍّ إعلاميّ ساخن يقضّ مضاجع الظالمين.
2. أول بنود المناورة الإعلامية الساخنة كانت مع أهل الكوفة، والأمر واضح في خطبة زين العابدين×، وخطبتها‘، وكذلك خطبة أم كلثوم‘، فراجع[307].
3. البند الثاني في مجلس عبيد الله بن زياد؛ حيث كان دور السجّاد× واضحاً في مواجهة التضليل العقائدي والإعلامي الأُموي، الذي كان يروج للعقيدة الجبريّة، حيث قال ابن زياد للسجاد×: أليس قد قتل الله عليّاً؟ إشارة إلى العقيدة الجبريّة، فَقَالَ×: «كان ليَّ أخ يُسمّى عليّاً قتله الناس»[308]، فأراد اللعين قتل السجّاد×، فتعلَّقت به العقيلة وأنقذته×.
3. زينب‘ بدأت بالهجوم على ابن زياد بشجاعة لا متناهيّة أرعبت وأربكت الطاغوت المتجبِّر، لكنها تُبدي استعطافاً فدوياً - مناورةً- فتلقي بنفسها على زين العبّاد فتخلصه من القتل، ولولا ذلك لقُتل×، فمَن رأى هجومها - الحسينيّ- الكلاميّ والإعلاميّ لا يتوقّع تلك المناورة - الحَسنيّة- بإلقاء نفسها على الإمام× لإنقاذه.
4. كانت بين الإمام السجّاد× وعمّته× تناغم وانسجام واضح في الأدوار، فبينما هي تلقي بنفسها وتعتنق الإمام× - بمناورة استشهادية حُسينيّة- قائلة: حسبك من دمائنا... فإن قتلته فاقتلني معه، يبدي الإمام× شجاعة مطلقة برفض الانكسار والاستعطاف والاسترحام التي ارتسمت في محيا ابن زياد ومجلسه، بقوله×: أفبالقتل تُهددني[309].
5. عندما بدأ الطاغية - ابن زياد- بالتهجّم على أهل البيت^ وردته‘ ثمَّ تصاعد غضبه، قالت‘: لعمري، لقد قتلت كهلي... فإن كان هذا شفاك فلقد اشتفيت... كذلك مع يزيد - حين تصاعد غضبه- حيث قالت له: يا يزيد، أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك. فكأنّه استحيى[310]، وهذا أصل وقاعدة عظيمة في أُسلوب المناورة تُعلِّمه لنا زينب، وهي الشدُّ والإرخاء في منازلة العدو، فأمّا الشدّ فلإضعافه، وأمّا الإرخاء فلإطفاء شعلة نيرانه، كما هو حال المعارك الميدانيّة كرّ وفرّ، بل إنّ ما فعلته‘ - هنا- هو صورة وأُنموذج مصغّر من حقيقة مناورة صلح الإمام الحسن×.
6. في الشام - في مجلس الطاغية يزيد- نشاهد زينب الكبرى تبدأ الهجوم كما فعلت في الكوفة، حيث قالت: «...ثمّ كد كيدك، واجهد جهدك، فو الله الذي شرَّفنا بالوحي والكتاب والنبوّة والانتخاب، لا تُدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا ولا تمحو ذكرنا...»[311].
وهي بذلك تُذكِّرُنا بمناورة جدِّها - الوصي- عبد المطلب×، حين خاطب طاغية زمانه - إبرهة- بقوله: «للبيت ربٌّ هو أمنع له من الخلق كلّهم وأوْلى به منهم...»[312]، فكلا القولين تحدٍّ - بل وتهديد- مبطَّن مفاده: أيُّها الطاغية، اصنع ما شئت فنتيجتك في العاجل أو الآجل إلى خسران وزوال.
7. حينما أراد ذلك الشامي أن يأخذ فاطمة بنت الحسين×، كجارية قالت له العقيلة: كذبت ولؤمت، والله، ما ذاك لك ولا له. فغضب يزيد، ثمَّ قال: إنّ ذلك لي، ولو شئت أن أفعل لفعلت. قالت زينب‘: كلا، والله، ما جعل الله ذلك لك إلّا أن تخرج من ملّتنا وتدين بغير ديننا.
فهل يتصور عاقل أنّه اعتراف بتديُّن يزيد - من قِبَلها‘- الذي أخرجته قبل قليل منه؟! بل هو إحراج له بأن الانفلات من يزيد فاضح له وكاشف عن خروجه من الدين! كلا، بل هي مناورة عجيبة وصعبة.
8. حين يتّخذ الإمام الأُسلوب الساخن نرى زينب الكبرى‘ تتّخذ الأُسلوب الجدلي البارد بتناغم ونسق عجيب، فحين تتكلَّم يسكت الإمام، وحينما كانت تخفض يرفع - وهو نوع إقرار وحجية لها‘- والعكس أيضاً، وهذا يظهر بوضوح التقدير الإلهيّ وبصمة السماء بتدبير الحسين×، بإبقاء السجاد وزينب÷ كخطوط ساخنة باردة.
همزة الوصل
هُناك همزة وصل ثابتة ومُتحرِّكة بين المنهج البراغماتي والمنهج المثالي، مِنْ دون أنْ تكون هُناك ازدواجيّة في البين.
الوسطيّة في المسير والمسار بواسطة المناورات الَّتِي تحافظ عَلَى الثابت التوليفي، الذي يوازن بين النهج التقليدي والنهج الحديث العصري، وبعبارة أُخرى: هُوَ استخراج للبّ الثابت في النهج التقليدي عَنْ القشور القديمة وتلبيه آليات عصريّة.
هَلْ الوسيلة ثابتة أم مُتغيِّرة
مِنْ الأُمور الَّتِي ظلّت معشعشة في الأذهان فترات طويلة، ولم تكن في سياسات الدول القديمة والحديثة، ولم يمارسها المصلحون وحتّى الأنبياء والمُرسلون، هُوَ كيفيّة الموازنة بين الثابت والمُتحرِّك - بين الآلية المُتغيّرة (المُتحرِّكة) وبين اللبّ الثابت- فكَانَ النَّاس بين الإفراط في التغيّر بإيصاله للبّ الثابت وبين التفريط وتضييع الأُمور بحجّة الثبات، فيصاعدون بالثبات إلى الآلية؛ فيسبّب عدم مرونة في الآليّة، ويسبّب خسائر كبرى ويضيِّع مكاسب عظيمة عَلَى الأُمّة، فمثلاً - عَلَى المستوى السِّياسي- نجد بعض السياسيين في جلسة تفاوضية يُخسِر الأُمّة مكاسب مُمكنة سهلة التحصيل مِنْ خلال عدم استخدامه للعبارات الصحيحة المُناسبة الَّتِي تجلب أكبر المكاسب، أو مِنْ خلال عدم موازنته بين الأهم والمُهم - فمثلاً- لو جلس مَعَ خصمه للتفاوض عَلَى أمرين لأجل الحصول عَلَى أمر واحد، فالواجب أنْ ينظر بدقّة أيّهما أهم حتّى يقدّمه، بَلْ قدْ يكون هَذا الأمر لأهمّيته يستدعي التنازل عَنْ مكسبين دونه في الأهمّية، فيجب أنْ يتنازل مِنْ أجل الهدف الأكبر، وَهَذا ما فعله الخضر× في رحلته مَعَ موسى×.
وحتّى أنَّ موسى× لمْ يتبيَّن غاية مقصده البعيد؛ لذلك انتقد فعله الظاهري وانتقد الغاية البَدْوية، حَيْثُ قَالَ: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾[313].
والخضر في تعليله بَعْدَ ذلك لمْ ينكر أنَّه خرقها؛ لأنَّه خرقها لهدف أكبر ومصلحة كبرى بالموازنة بين الأهمّ المُهِمّ، وهذهِ سياسة أعمق مِنْ السياسة الظاهريّة المقطعيّة، وَهِيَ (سياسية الموازنة بين الأهمّ والمُهمّ وتقديم الأهمّ) ، ولعلَّه اشتبه الحال لدى كثيرين بين هذهِ القاعدة وقاعدة سياسة (دفع الأفسد بالفاسد) ، باعتبار أنَّ الأفسد أشدّ ضرراً مِنْ الفاسد، ولكن قدْ أوضحنا تباين وتغاير القاعدتين وصحة الأُولى وتخطئة الثَّانية[314]، بلْ إنَّه في جوابه لموسى× بيَّن جلياً تلك المصلحة الأكبر: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾[315].
فالخضر× حتّى مِنْ خلال الجواب قَالَ: (أردتُ أنْ أعيبها) . ولمْ يقل: (خرقتها) . بلْ استخدم عبارة أرفق، ولا تجعله في معرض التُّهمة، وهذهِ سياسة أُخرى غَير سياسة دفع (الأفسد بالفاسد) .
تصريف الكلام
تصريف الكلام فنٌّ وسياسة أُخرى وقاعدة أُخرى ضمن سياسة المناورة في المسير والمسار.
وينتصر عَليٌّ×
وَمِنْ ثمَّ انبثق في العُلوم المعاصرة استراتيجية المناورة، علم (التفاوض والمفاوضات) ، وقدْ ذُكر للتفاوض عناصر ودعائم عِنْدَ أمير المؤمنين× رغم أنَّه مشهور بالمبدأية، إلّا أنَّ الكثير لمْ يكتشف جانب المرونة والبُعد المروني في شخصية وأساليب أمير المؤمنين×، إلّا أنَّ بعض الباحثين تحرّى اكتشاف ذلك - في منهاج المولى أمير المؤمنين×- وقارنه بمنهاج وعناصر التفاوض المطروحة في النظريات الغربية، فأجرى دراسة مُقارنة بين السلوك التفاوضي الغربي والسلوك التفاوضي العَلوي الإسلامي، فهُناك عناصر مُشتركة للتفاوض مِنْ المصلحة والعلاقات والبدائل والاتّصال والخيارات والشَّرعيّة والالتزام، ورأى ذلك الباحث أنَّ هُنَاك عناصر أُخرى لَمْ يكشفها علم التفاوض الحديث رغم أنَّ الإمام× مارسها قبل أربعة عشر قرناً، وَهِيَ: العلم والمعرفة، والقيادة والمسؤولية، والمُتغيرات والصبر والثبات والعدل.
وَمِنْ الموارد (المناورية) الَّتِي اكتشفها هَذا الباحث عِنْدَ رسول الله’ هي في صلح الحُديبية وعند فتح مكَّة، ورسائل الرسول’ إلى الملوك والأطراف الأُخرى، وموقف أمير المؤمنين× مِنْ قتلة عثمان، وموقفه في واقعة الجمل، وموقفه مِنْ التحكيم ونتائجه، وموقفه التفاوضي قبل واقعة الجمل.
متانة الدِّين وسماحة الشَّريعة
في حين يقول رسول الله’: «إنَّ هَذا الدِّين متين فأوغلوا فيه برفق»[316]، ويقول أيضاً: «بُعِثتُ بالحنفيّة السمحة السهلة البيضاء»[317].
فالدِّين وسيع ومتين، والشَّريعة سمحة سهلة ليّنة، وهي مِنْ الدِّين، وَهَذا مِنْ أصعب الصعاب الذي حارت فيه الألباب؛ فإنَّ التوفيق بين ما هُوَ ثابت ومتين وبين ما هُوَ سهل ليّن هيّن غَير ممكن في نظر المتديِّنين، ولكن المعصوم× لديه القُدرة في الجمع بين الأمرين، وهاتين الكلمتان - الحديثان- مِنْ رسول الله’ مِنْ جوامع الكلم، وَمِنْ القواعد الأساسية الَّتِي بنى عليها أهلُ العلم الكثير مِنْ المسائل، وإنْ كَانَ تطبيقها صعباً عليهم.
وَهَذا منطبق عَلَى ما نُريده، فإنَّ الآليّة يجب أنْ تكون سهلة سمحة فالمؤمن ينبغي أنْ ينتقي الآلية النافعة السهلة ما دامت الآليات المُباحة كثيرة، وهذهِ الاستراتيجية في الآليّة يوضحها النَّبي’ في حديث آخر حَيْثُ يقول’: «إنَّ الرفق لَمْ يوضع عَلَى شيء إلّا زانه وما نُزع من شيء إلّا شانه»[318].
فالليونة والسهولة في الآلية تعني التغيّر، وتغيُّر الآليّة لا يعني تغيُّر الدِّين الثابت، ولكن آليّة الوصول إليه مُتغيِّرة في رحاب الأُفق الوسيع مِنْ طبيعة البيئات المخلوقة له تعالى.
الصُلح خَير
قَالَ تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾[319].
هُناك قاعدة يبني عليها الفُقهاء، وهي أنَّ (الصلح أعظم مِنْ القضاء) - أي: الصلح بحق وليسَ بباطل- باعتبار أنَّ القضاء يكون فيه طرف خاسر وطرف رابح، وطرف آمر وطرف مأمور، وكأنَّ هُناك نوع مِنْ القهر والإلجاء للطرف الآخر، كذلك الحال بالنسبة للحرب، فإنَّ الصلح أفضل مِنْ الحرب؛ لأنَّ الغاية مِنْ الحرب - حسب الفرض- هُوَ تحقيق العدالة، فإذا تحقّقت العدالة بلا حرب فَهُوَ تحقيق للغاية بوسيلة أُخرى تُقلّل فيها الخسائر بطريق آخر سلمي وأمني.
وَهَذا واضح في نهج رسول الله’ وأهل بيته^ في كُلّ حروبهم وَهُوَ قولهم: «أكره أنْ أبدأهم بقتال»[320]، أي: إنَّ النَّبي’ وأئمّة أهل البيت يفضّلون الوصول إلى النتائج بالتفاوض عَلَى أُسلوب الحرب.
وبالتالي؛ هُوَ جذب الطرف المُقابل للحقِّ، فأنت تُخادع غدره وتُغالب نزعة القدر عنده؛ ولذلك كَانَ قوله’: «الحرب خُدعة»[321]، إشارة إلى أنَّ طرف الحقّ يُصارع ويُنازع نزعة الباطل عِنْدَ الطرف المُقابل ويجذب نزعة الحقّ، ويُحرّك نزعة الحقّ عنده، فَهُوَ يُخادع خداعه وباطله، فالحرب خُدعة بهذا اللحاظ، كَمَا فِي الحديث عَنْ عليٍّ×: «الوفاء لأهل الغدر غدر عِنْدَ الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عِنْدَ الله»[322].
فالآلية النظيفة غَير نافعة إذا لمْ توضع في محلها الصحيح، فمثلاً: عندما تُريد أنْ تبني بيتاً فلا بدَّ مِنْ الشخص النزيه النظيف الناصح الذي لا يغشّك في البناء، كذلك لا بدَّ أنْ تتوخّى المُهندس الخبير الذي يضع كُلّ شيء في موضعه ويزن كُلّ شيء بميزانه الخاص.
تعدد الخيارات
تعدد السيناريو
تبيَّن مِنْ خلال ما رسمه لنا أهل البيت^ وخصوصاً الإمام الحسن× - وَكُلّ شيء مِنْ الحَسن حَسن- أنَّه ينبغي بالفرد في سلوكه الاجتماعي أنْ يتوخّى الطُّرق والمسارات المُختلفة للوصول إلى أهدافه الحقّة، وأنْ لا يُحصَر ولا يُحبَس بطريقة وأُسلوب واحد دون غيره - بشرط المحافظة عَلَى صحّة المسير والمسار- فإنَّ الطُّرق والمسارات المباحة للوصول للغاية الحقّة عديدة، في أُفق لا مُتناهي فلا تحبسه طريقةٌ دون أُخرى.
تصريف الكلام
تصريف الكلام فنٌّ وسياسة أُخرى وقاعدة أُخرى ضمن سياسة المناورة فِي المسير والمسار.
تغيُّر اللفظ لا يعني تبدُّل المعنى
وهذهِ القاعدة يُبيِّنها الإمام الصادق×، فَعَنْ إبراهيم الكرخي عَنْ أبي عبد الله× أنَّه قَالَ: «حديث تدريه خير مِنْ ألف حديث ترويه، ولا يكون الرَّجُل منكم فقيهاً حتّى يعرف معاريض كلامنا، وأنَّ الكلمة مِنْ كلامنا لتنصرف عَلَى سبعين وجهاً لنا مِنْ جميعها المخرج»[323].
بلْ إنَّ الإمام× يوسِّع القاعدة، فَعَنْ داود بن فرقد قَالَ سمعت أبا عبد الله× يقول: «أنتم أفقه النَّاس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنَّ الكلمة لتنصرف عَلَى وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب»[324]، فهُنا إشارة مِنْ قِبَل الإمام الصادق× إلى أنَّ قاعدة (تصريف الكلام) قاعدة واسعة، يمكن للإنسان استخدامها في حياته، وإدارة شؤونه الحياتيّة دون كذب أو غشٍّ أو جدل، ويمكن لهذه القاعدة أنْ تُغيِّر مجاري الأُمور.
ولعلَّ هَذِهِ القاعدة نستشعرها مِنْ جواب الخضر× الذي استخدم ذلك، ليُغيِّر ما تصوره موسى×، حَيْثُ قَالَ: «فأردتُ أنْ أعيبها». أي: إنِّي لمْ أخرقها لأغُرِقَ أهلها، بلْ مُجرَّد إعابة؛ حتّى لا يأخذها الملك. وهذهِ القاعدة باب واسع للإنسان يفتح له طريقاً في كُلّ حياته وتعاملاته في أُسرته، ولعلَّه ينقدح في ذهن الإنسان: ما هُوَ فرق هَذا عَنْ الكذب؟ وما هُوَ فرق ذلك عمّا كَانَ يمارسه اليهود مِنْ التحريف الذي أبطله الله في كتابه الكريم؟ قَالَ تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾[325].
والجواب: إنَّ هذهِ الآية - وآيات أُخرى قريبة المضمون منها- تُشير إلى أنَّ التحريف كَانَ عَنْ المواضع بَعْدَ المواضع، وهذهِ ما توضّحه الآية الأُخرى، قَالَ تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾[326]، حَيْثُ لا تصدق تلك الكلمة إلّا في الموضع المُنَاسِب، وَهُوَ التحريف الباطل الذي لا يستند إلى ميزان إرجاع المُتشَابه إلى المُحكَم، بلْ بميزان اتّباع المُتشَابه ابتغاء الفتنة، ونفس الضابطة والميزان يكون الحال في التورية، وليسَ هَذا محل تفصيله.
فإذاً؛ تصريف الكلام بموازين وضوابط هُوَ مُراد الإمام×، وليسَ الأمر انفلاتياً، وَهَذا الأمر واضح ومعمول به في كثير مِنْ العُلوم الأدبية، بلْ إنَّ العُلوم تعتبر قاعدة تصريف الكلام مِنْ القفزات النوعيّة في العُلوم الأدبية والقانونيّة[327].
وَهَذا مِنْ الموازين الصحيحة الَّتِي استخدمها الأئمّة وبالأخصّ الإمام الحسن× في صُلحه مَعَ معاوية، واستشهد لِـمَنْ اعترض عليه لذلك بفعل الخضر مَعَ موسى×، قَالَ×: «أمَا علمتم أنَّ الخضر لمّا خرق السفينة، وأقام الجدار، وقتل الغلام كَانَ ذلك سخطاً لموسى بن عمران×؛ إذْ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكَانَ ذلك عِنْدَ الله تعالى ذكره حكمة وصواباً»[328].
وكأنَّ الإمام× يُشير إلى أنَّه بالنَّظر الأوَّلي والرؤية الساذجة هُنَاك خرق مِنْ قِبل الإمام الحسن× لسفينة الشيعة في البحر الهائج المتلاطم الأمواج بواسطة الصُلح، ولكن بالنَّظر العميق أنَّ هَذا الخرق حتّى لا تُستأصل الشيعة وتؤخذ سفينتهم غصباً، بلْ إنَّ الصُلح بناء لجدار عازل لأهل الحقّ عَنْ أهل الباطل، وَهُوَ في نفس الوقت قتل للفتنة في مهدها ومرحلتها الغلامية، فأنتم في ضجر وسخط لخفاء وجه الحكمة، ولكن عمّا قريب ستُنَبّأون بوجه الحكمة.
الغاية لا تُبرِّر الوسيلة
مِنْ القواعد السِّياسيّة - القديمة والحديثة- قاعدة: (الغاية تُبرر الوسيلة) ومفادها:
(إنَّه إذا كانت لك غاية - كتحصيل بعض المكاسب السِّياسيّة- فينبغي أنْ تسخِّر كُلّ الوسائل المشروعة وغير المشروعة؛ لأجل الحصول عَلَى تلك الغاية وذلك المكسب) ، فيمكن للإنسان أنْ يُبرّر وسيلته فيقتل ويفجر ويظلم ويطعن، أو حتّى يقتل سيّد شباب أهل الجنّة، بحجّة أنَّه شقّ عصا المُسْلمين أو بحجّة حفظ النظام وغيرها. هكذا فُسِّرت، ولكن هَذَا لا يمكن قبوله لأنّها غايات بَدْواً صحيحة، ولكن مَعَ ذلك لا تُبرر وسائلها.
وفي مقابل هَذا المسلك أطلق أمير المؤمنين× كلمته: «ما معاوية بأدهى مني، ولكنَّه يقتل ويفجر»[329].
أي: أنَّ معاوية لا يفوقني في السياسة، ولكنَّه يفتك ويفجر، أي: لا حرمة للمبادئ عِنْدَ معاوية في توخّي متغيِّرات الآليات.
الوسيلة لا تُصحِّح الغاية
بلْ نستطيع أنْ نُؤسس قاعدة مُعاكسة للقاعدة المشهورة، وهي أيضاً باطلة وهي: (الوسيلة تُبرِّر الغاية) .
أي: إنَّ الوسائل بلا أهداف وغايات مشروعة لا نفع فيها؛ لأنَّها (دجل) إذا لمْ توصلك لغاية صحيحة، كَمَا هُوَ في بعض الممارسات الَّتِي يتّبعها أصحاب الرياضات الروحيّة، رغم أنَّها كوسائل لا إشكال فيها، ولعلَّه تكون أُموراً مُباحة لا حرمة فيها، أو أنَّها أُمور تقوّي النفس، فنقول: إنَّها وسائل لا يمكنها أنْ تبرِّر نتائجها وتصحّح غاياتها.
ولذلك قَالَ الإمام أمير المؤمنين×: «قدْ يرى الحُوّل القُلّب وجه الحيلة ودونها مانع - مِنْ أمر الله ونهيه- فيدعها رأي العين بَعْدَ القُدرة عليها، وينتهز فرصتها مِنْ لا حريجة له في الدين»[330]، أي: هُناك وسائل وطُرق عديدة للوصول للنتيجة والاحتيال للوصول للهدف ولكنَّها وسائل وطرق غَير مشروعة لا يمكن ارتكابها.
أي: لا بدَّ مِنْ مراعاة الثوابت في حين توخّي متغيِّرات الوسائل ومرونة الآليات.
وقول الإمام×: (فيدعها رأي العين) . لا يعني ذلك ترك كُلّ الوسائل، وترك الحبل عَلَى الغارب، كَمَا لعلَّه يتصوّر البعض، بلْ يعني توخّي آليات وطرق ووسائل - غَير محظورة في أُفق المباح الرحب- أسهل وأسمح، وَهُوَ معنى قول النَّبي’: «بُعِثتُ بالحنفيّة السمحة السهلة البيضاء»[331].
وهُناك أبحاث كثيرة تتفرّع مِنْ هَذا البحث، وهُناك أبحاث تفرّع منها هَذا البحث نذكر منها بنحو الاختصار:
المحجّة الصحيحة مراتب
تقدَّم أنَّ الغاية لا تُبرِّر الوسيلة، وأنَّ الوسيلة لا تصحّح غايتها، وَهَذا الكلام يختلف عَنْ كون الحقيقة الواحدة ذات مراتب، وإنَّ الوسائل إليها عديدة، فالمحجّة لها مراتب ودرجات، وللحقِّ والحقيقة مراتب، والوسائل والطُّرق للمراتب مُتعدّدة، فالصراط واحد، ولكن لَهُ - مثلاً- خمسين ألف موقف، فالسُّبل متعدّدة للصراط الواحد، ولكن هَذا لا يعني (أنَّ الطُّرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق) ، و (أنَّ هُناك صراطات مستقيمة) ، كَمَا لعلَّه يصوّر لنا الحداثويون أو الصوفيّة أو بعض العُرفاء، بلْ هُوَ صراط مُستقيم واحد، نصل إليه عبر قنوات مُتعدّدة، فَهُوَ حبل ممدود: طرف منه عِنْدَ النَّاس، وطرف منه عِنْدَ الله، وَهَذا ما يصفه لنا الحديث النبويّ المُتواتر، عَنْ أبي سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رسول الله’: «إنِّي تاركٌ فيكم الثقلين - أحدهما أكبر مِنْ الآخر-: كتاب الله حبل ممدود مِنْ السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لَنْ يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»[332].
للوفاء مَوَاطن
قال أمير المؤمنين×: «الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله»[333].
وهذا البيان العلوي المُحكَم إشارة إلى أنّ الالتزام مع الفاتك والهاتك للحرمات شراكة معه في إفساده في الأرض، بل اللازم المناورة للتخلُّص من خداعه ودجله وألاعيبه، وهذه الوصية أصل كبير في التعاطي مع تحايل العدو ومراوغته.
1. هذه القاعدة العظيمة هي قاعدة في خصوص التعامل مع العدو، وهي قاعدة مهمّة وضرورية ومكمِّلة لمسيرة إعداد القوّة والرعاية اللتين تقدمتا.
2. كما يجب أن يكون المؤمنون في إعداد للقوّة واستعداد كامل لصدّ أيّ عدوان، ومواجهة أيّ قوّة عسكريّة متوقعة أو غير متوقعة للعدو.
3. كما يجب أن يكونوا في رعاية كاملة لبعضهم البعض وفي تحمّل المسؤولية، يجب أيضاً أن لا يُخدَعوا وأن ينتبهوا تحسبّاً لأيِّ غدر طارئ من العدو، وأنّ الصلح مع العدو - إن وجد- فهو لا يعني ترك المسؤوليّات وترك الترقّب والحذر، وأنّ شعارات السِّلم التي يطلقها العدو يجب أن تواجه بحذر وحيطة؛ لأنّ الحرب خدعة.
4. إنّ التخلّص من خداع العدو إذا لم يكن بقوّة رادعة، فينبغي أن يكون بقوّة المناورة والخداع لخداعهم، فيجب أن لا نلتزم بما يسهِّل ويمهِّد الظرف لغدرهم، ونخطّط لتفويت الفرصة عن تمكّنه لتمرير خداعه ودجله، أو نُبطل تحايله وحيله بكشف القناع عنها وبمبادرات مباغتة له.
5. إنّ غدر العدو أذا قوبل بسلميّة وبوداعة وحُسن ظنّ فهو غدر عند الله، فيصبح المؤمن - المغدور- غادراً عند الله؛ لأنّه أحسن الظنّ بأهل الغدر.
نعم، نحن لا نبدأ العدو بالغدر، لكن نُخطط لمواجهة غدره من حيث هو غادر وقد ظهرت منه بوادر الغدر، فتكون هذه الوصية أصلاً عظيماً في التعاطي مع تحايل العدو وخدعه ومراوغته.
هَلْ الحقيقة مُطلقة أم نسبيّة؟
مِنْ الأبحاث الَّتِي كانت مثار جدل بين أرباب العُلوم المختلفة كالفلاسفة والمناطقة وغيرهما قديماً وحديثاً، هُوَ (هَلْ أنَّ الحقيقة مطلقة أم نسبيّة) ، وهذهِ الجدليّة أخذت أشكالاً وأزياءً مُخْتلِفة في المدارس الفلسفيّة والسفسطيّة القديمة والحديثة، ومنها ما يُعرف اليوم بالحداثة، فأين النسبيّة؟ وأين يكون الإطلاق؟ فنقول:
إنَّ الحقيقة نسبيّة وليست بنحو النسبيّة التشكيكيّة، وَهَذا مذكور في لسان الوحي، قَالَ تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم﴾[334]، كَذَلِكَ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً﴾[335].
فإذاً؛ هُناك عليم وهُناك مَنْ هُوَ أعلم مِنْ العليم، وهُناك قول صادق وقول أصدق، وهُناك حقّ وأحقّ، فإنَّ الحقيقة لا مُتناهية، قَالَ تعالى: ﴿لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾[336].
والقُرآن يأمر الإنسان أنْ يطلب زيادة العلم، قَالَ تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾[337] أي: أطلب زيادة العلم والكمال؛ لأنَّ درجاتها لا متناهية، لأنَّ الحقيقة لا متناهية.
فإذاً؛ الحقيقة نسبيّة، بمعنى ذات مراتب لا متناهية، وليست نسبية سفسطيّة، أي: يختلط السراب مَعَ الحقيقية، ولكن هذهِ النسبية في نفس الحقيقة وليسَت في الحقّ المختلط بالباطل والوهم والسراب؛ لأنَّ هَذا يؤدِّي إلى أنَّ أيّ شيء يساوي أيّ شيء آخر، ولا يصبح فرق بين علمي وعلم أعلم العُلماء، بلْ لا يبقى فرق بين علمي وعلم المعصوم؛ وبالتالي يصبح خلط للأوراق.
القاعدة السابعة
ضرورة توازن القِوى مع العدو
في وسط مواجهة سيِّد الشهداء× مع المارد الأُموي في الطفّ، أراد أحد الأنصار وعظ العدو فأجابه× - بما مضمونه-:
إنّ المرحلة التي وصل لها العدو في عتّوه وطغيانه ليست ممّا يعالج بوعظ ونصح، بل بتجاذب القوّة معه ومناورة الشدّة، وهذا أصل هامّ في تشخيص لغة المرحلة ونمط المكافحة مع العدو، وتوضيح ذلك:
1. بعد مراحل إعداد القوّة، ومراحل الرعاية، وتحمُّل المسؤوليّة، ومراحل التعامل مع العدو في غدره بالمناورة للتخلّص من ألاعيبه وخدعه وعدم الانخداع بخدعه، وعدم التصديق بكلامه المزيَّف، وعدم الوفاء له.
2. نصل لمرحلة لا ينفع فيها الاقتصار على الخداع أو المحاورة والمناورة حينما يصل إلى قمّة العتّو والطغيان، فإنّ هذه المرحلة لا تُعالج بوعظ أو نُصح بعد تخطّي مرحلة «أكرهُ أن أبدأهم بقتال»، والتي هي مرحلة نُصح ووعظ وإيجاد الحلول السلميّة، يأتي دور تجاذب القوّة بالقوّة وآلية العسكرة.
بعد لغة الحوار تأتي لغة السيوف، كما يقول الشاعر أبو تمام:
السيف أصدق إنباءً من الكُتبِ في حدّه الحدّ بين الجدِّ واللعبِ
3. من المهمّ أن يعي المؤمنون لغة المرحلة الراهنة المعاشة، وما هي اللغة التي يتخاطب فيها مع عدوه، فليس دائماً تُستخدم لغة الصُلح الحَسَني، وليس دائماً نستخدم المسير والمسار الحُسَيني أو النهج العلوي، فمع أنّ كلّهم نور واحد مع ذلك اختلفت آلياتهم وأدوارهم في التعامل مع الأعداء؛ تبعاً لمتطلبات ظروف عصرهم.
خاتمة نفيسة في تخادم العلوم
نظرية ترابط وتعاون وتخادّم العلوم
هذا العنوان له عدّة أسماء كثيرة - فقد يُعبَّر عنها بالنظرية أو القاعدة- منها:
- نظريّة أو قاعدة ترابط وتعاون وتخادُم العلوم.
- نظريّة أو قاعدة ترابط وتعاطف العلوم.
- قاعدة تزاوج وتوالد العلوم.
- قاعدة تلاقح العلوم.
- قاعدة تعاون القواعد.
- قاعدة تعاطف القواعد.
- قاعدة تلاقح القواعد.
- قاعدة تزاوج القواعد.
- قاعدة تخادُم القواعد.
من المعلوم أنّ علماء المنطق عبَّروا عن المنطق أنّه خادم العلوم، وكذلك عُبِّر عن علم الأُصول أنّه منطق علم الفقه، أي: إنّه خادم لعلم الفقه، وعبَّرنا عنه - بحسب منهجنا- (منطق العلوم الدينيّة) ؛ وبالتالي يكون خادم العلوم الدينيّة والآلة القانونيّة والميزان الذي توزن بهِ كلّ العلوم الدينيّة، وكما أمكن القول: إنّ علم المنطق خادم العلوم، وإنّ علم الأصول خادم العلوم الدينيّة، فأنّه يمكن أن يُقال: إنّ بين العلوم تخادُماً، فإنّ بعضها يُعطف على بعض، كما أنّ بعضها يوزن ببعض، وبعضها يخدم بعضاً - وهذا ما تمت الإشارة إليه في كتابنا الإمامة الإلهيّة[338]- ويتجلّى هذا الأمر أكثر في العلوم الدينيّة خاصّة.
والأسماء العديدة لهذه النظريّة لا تحكي كلّ زوايا النظريّة - القاعدة- بل إنّ كلَّ عنوان يحكي زاوية معيّنة، وفي العنوان الرئيس عبّرنا بـ: (الترابط) ؛ باعتبار أنّ بين العلوم ارتباطاً وترابطاً، وعبَّرنا بـ: (التخادُم) ؛ باعتبار أنّ أحدها يخدم الآخر ويكون آلة للآخر، وعبَّرنا بـ: (التعاون) ؛ باعتبار أنّ أحدها يُعين الآخر، وقد يعبَّر بـ: (التوالد) ؛ باعتبار أنّ أحدها يولِّد الآخر بعد التزاوج.
وقاعدة أو نظريّة ترابط وتعاطف - أو تعاون أو تخادُم- العلوم أو القواعد لها إشارات في الكتاب والسنّة:
ففي الكتاب، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾[339].
وقوله تعالى: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾[340].
وأمّا في السنّة، فقوله’: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تظلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي»[341]، كذلك يظهر من نفس الحديث - ومن غيره- أنّ السنّة (يَعضد بعضها بعضاً ويُعطف بعضها على بعض) .
وهذا يُنتج تخادم العلوم والقواعد الشريفة الصادرة عنهم^، ومنها القواعد التي قدمناها، فمثلاً: قاعدة (الإعداد) التي منها، قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ﴾[342]، مع قاعدة (الرعاية) التي هي من قول النبي’: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته»[343]، فبين القاعدتين تخادُم، رغم أنّ إحداهما من آية قرآنية والأُخرى من حديث نبويّ؛ باعتبار أنّهما وحي من الله، فهما قاعدتان وحيانيتان، بل من مُحكّمات القواعد.
وكما أنّ القرآن يُعطف بعضه على بعض، وأيضاً السنّة يُعطف بعضها على بعض، كذلك متشابهات العقل والوجدان تُعطف على مُحكَماتهما، بل إنّ محكّمات - الأربعة- القرآن والسنّة والوجدان والعقل يُعطف عليها متشابهات الأربعة.
فينتج بذلك تخادُم جميع القواعد الدينيّة، بترابط منظومي نظامي متّصل ومتواصل بين القواعد كحلقات في سلسلة وسلاسل وطبقات - بالنظم والنظام الذي قدَّمناه- والقاعدتان المتقدمتان - اللتان سقناهما كمثال- إحداهما أكبر من الأُخرى من جهة، فقاعدة الرعاية تُمَنهِج وتُمَنطِق قاعدة الإعداد من جهة أنّ الإعداد يحتاج إلى رعاية، فليس الإعداد كيفما اتّفق، وليس هو بشكل عشوائي ينفرط وينفلت فيه الأمر.
وكذلك (قاعدة) الإعداد تُمَنهِج الرعاية وتنضبط بها الرعاية؛ لأنّ الإعداد بقدر الاستطاعة، والرعاية تطالب المُعِدّ والمُستَعِدّ أن يكون استعداده بحسب منظومة الرعاية، فالكلّ راعٍ للكلّ - بحسب استطاعته لا بحسب راحته- قال’: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته».
كذلك قاعدة التعريض مع قاعدة التقيّة الأمينّة؛ حيث بينهما عموم من وجه، فلعل تعريضاً ليس فيه تقيّة، ولعل تقيّةً ليست بتعريض، وقد يكون التعريض بسبب التقيّة؛ فتُسَخَّر قاعدة التعريض لتُمَنهِج نظام التقيّة من زاويتها ويُمَنْهَج التعريض تقيّة لتقنين مساراته، فإحداهما تخدم الأُخرى وتُعِين الأُخرى.
وهذه النظرية - نظرية ترابط وتخادُم القواعد في نظام منظومي- التي انبثقت وتولَّدت من نظرية تخادُم العلوم يمكن أن نطبقها في كلّ القواعد التي قدمناها، بل يمكن لكلِّ باحث أن يطبِّقها في كلِّ قواعد العلوم الدينيّة، ويستنتج منها قواعد أُخرى، يزاوج أو يلاقح قاعدة مع قاعدة أُخرى فينتج قاعدة ثالثة، وهكذا.. تتوالد القواعد وتتوسع العلوم[344].
الفصل الثاني
خارطة المسؤوليّات في النشاط الوظيفيّ الدينيّ
للمؤمنين تجاه حركات الانحراف الدينيّ
مقدِّمَةٌ
السفياني بين الحَتم والبَداء
هذهِ تتمّة مُهمّة وذات فوائد خطيرة وكبيرة للبحث المتقدِّم، ولا بدَّ قَبل الولوج في هَذا البحث الحسّاس مِنْ مُقدّمة:
السُّفياني حدث معاصر أو مستقبلي، وَهَذا الحدث هُوَ الآخر قدْ ينظر إليه البعض أنَّ وقوعه محتوم ومُلْجَئين إلى الاستسلام أمامه، بينما الذي تعلّمناه مِنْ عِبَر عاشوراء - وَهُوَ ما تقدَّم بحثه مفصَّلاً في القسم الأوّل- أنَّ حَتمية الشيء لا تستلزم الإلجاء في أصل الحدث أو عدم الإلجاء في تفاصيله، أو الإلجاء في تداعياته وما يترامى عَنْه مِنْ أمواج وأحداث.
ويجب أنْ ننبِّه أنَّ بحثنا لمْ يكن عَلَى التفاصيل الدقيقة لمسرح الظهور - سواء الأمنيّة أو العسكريّة أو السِّياسيّة أو الجغرافيّة أو غيرها- بقدر ما نحنُ في صدد بيان أنَّ الخيارات في الأُفق متعدِّدة لمجال القيام بالمسؤوليّة، وأنَّ الروايات رغم بيانها للمقادير وما حَتم منها إلّا إنَّها تُنبِّه عَلَى إمكانية التغيير وحصول البُداء ولزوم تحمّل المسؤوليّة، فها هُنا أُمور لا بدَّ مِنْ التنبّه لها، منها:
1. إنَّ أصل هذهِ الأحداث أو الغايات الَّتِي هي عبارة عَنْ موازين القوى في الشرق الأوسط وإنْ كانت مِنْ المحتوم - أو بعض منعطفات تفاصيل الأحداث- إلّا أنَّ بقيّة التفاصيل ليست مِنْ المحتوم، مَعَ أنَّه قدْ مرَّ أنَّ المحتوم يتطرَّق إليه البَداء الأعظم وإمكانية التغيير، فكيف بغير المحتوم؟!
2. إنَّه قدْ وقع الالتباس لدى الثقافة العامَّة حول علامات الظهور، أنَّ ما دام رايات سنة الظهور وقتالها مِنْ المحتوم فلا محال أنَّ كُلّ ما جاء في الروايات حول تفاصيل رايات سنة الظهور - أيضاً تلك التفاصيل- هُيَ الأُخرى مِنْ المحتوم، وَهَذا كما تقدَّم مِنْ الغفلات الخطيرة في الثقافة العلميَّة لعلامات الظهور.
أهمية الموضوع
يُعتبر هَذا البحث أحد الثمار لبحثنا - التوحيد في المشهد الحُسينيّ- بلْ وَمِنْ أهمّها، وَهَذا البحث - كما هُوَ واضح لدى الجميع- محل سِجال ولغط علميّ كبير في الأوساط العلميَّة، ومحل سؤال واستفسار لدى الناس، بكُلِّ طبقاتهم الثقافيّة، وستتّضح مِنْ خلال البحث الصِّلة بين هَذا البحث وبحثنا المُتقدِّم، وستتبَّين أيضاً الثَّمرة المُهمّة - بلْ الثمرات- بَعْدَ أنْ ندخل في طيّات البحث.
ولا نُجانب الصواب لو قُلْنا: إنَّ مَنْ لمْ يقف عَلَى معنى البَداء في مفهوم النهضة الحَسنيّة، وحقيقة البَداء في حركة الحسين× وتحرّكات المعصومين^، ومَنْ لمْ يُدقِّق في البحث المتقدِّم - التوحيد في المشهد الحُسينيّ- لَنْ يخرُج بالنتيجة المرجوّة مِنْ هَذا البحث (السُّفياني بين الحتم والبداء) ، والمعصومون^ قدوة لنا عَلَى مختلف الأصعدة - العلميَّة والعمليّة- وما قالوه في الأخبار الموسومة بـ (أخبار آخر الزمان) لَيسَ إخباراً بالغيب وبياناً تعبديّاً مِنْ قِبلهم^ يجب علينا التسليم به، وَهَذا عظيم في نفسه، لكن ما هُوَ أعلى وأعظم منه، وهو التعبّد العلميّ والتربويّ، والسلوك العلميّ بالاقتداء بكلامهم وأفعالهم.
ومَنْ لمْ يفهم حركة المعصوم× عَلَى أساس (الحُجيّة المجموعيّة النظميّة المنظوميّة الترابطيّة) [345]، لمْ ولَنْ يستطيعَ أنْ يَفُكّ الرموز والشفرات في الأخبار الواردة حوله، ومَنْ لمْ ينتظم فهمه بالحُجِّية المجموعيّة بشكلها المنظوميّ لمْ ولَنْ يكونَ نِعْمَ المقتدي بسيرتهم.
وَهَذا بالضبط ما ترسمه لنا سورة البقرة في أوَّل آياتها؛ حيث تقول: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ...﴾[346]، فالآيتان في سورة البقرة تبيِّنان علوّ الحُجيّة المجموعيّة (صفات القدوة) بقولها: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾، وكذلك تُبيِّن (صفات المُقتدي) بقولها: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِين * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، فالمُقتدي لَيسَ فقط يؤمن بالغيب وبإخبار الغيب، إنَّما هُوَ مُهتدٍ لأنَّه ساعٍ ومُتحرِّك وعامل بوعي الرؤية الصائبة للحدث.
وَمِنْ الجدير بملاحظة القارئ، أمران:
1. إنَّنا لا ندرس السُّفياني دراسة شاملة ومُتكاملة بكُلِّ زوايا وأبعاد حركته، بلْ مِنْ جهة موضع الفائدة الَّتِي ترتبط بما نُريدُ، وإلّا البحث مِنْ جميع الجهات يخرُج بنا عَنْ المقصد الأساس الذي جُعل مِنْ أجله البحث؛ فلذا نرجو مِنْ القارئ الالتفات، لأنَّه قدْ يرى أنَّ هُناك نقصاً في البحث عَنْ شخصيّة السُّفياني؛ وذلك للاقتصار عَلَى الروايات النافعة ذات الصِّلة بالمقام.
2. مِنْ الضروري أنْ نعرف أنَّ فتن وأحداث آخر الزمان لَيسَ مِنْ مشاهد الرُّعب، ولا هي قصّة مُرعبة يقصّها لنا المعصوم× وأنَّ أبطالها الخراساني واليماني وغيرهم في طرف الإيمان، والسُّفياني والأصهب والأبقع في طرف الكُفْر والنِّفاق؛ وبالتالي تكون مسؤوليتنا التفرُّج مَنْ المنتصر والرابح في تلك المُباراة، كما لعلَّه يصوِّر البعض أنَّ جهاد العدو لَيسَ عَلَى كُلّ مُكلَّف، بلْ هُوَ مسؤوليّة البعض الذي له قدرات خاصَّة وله اختصاص في الجهاد، وَهَذا مُخالف لسيرة النَّبي’ والمعصومين^ ومُخالف لأقوالهم، وإنَّما أحداث آخر الزمان يبيِّنها المعصوم ليجعل المسؤولية في عاتق الجميع، نَعَمْ، مِنْ كُلّ أحد حسب طاقته وقدرته.
قبل البَدء: قاعدة عَلوية بصياغة رَضويّة
قاعدة منهجيّة في المنهج
وهذه القاعدة يجب أن تكون هي المنهج المتّبع لنا، بل ينبغي أن تكون لكلِّ باحث في العلوم الدينيّة، ونحن نعتقد أنّ المعرفة عن طريق دراسة المنهج هي منهج أهل البيت^، فعن أمير المؤمنين× قال: «اعرف الحقَّ تعرف أهله»[347]، وكذلك قوله×: «لا تنظر إلى مَن قال، واُنظر إلى ما قال»[348].
وهذا الكلام من أمير البيان× هو أصل وقاعدة تجعل الميزان في معرفة الحقائق، هو النظر إلى ما قال وليس إلى مَن قال، وهذا منهج موضوعيّ - تجرّدي- وضابطة مهمّة لكلّ منصف يريد معرفة الحقيقة، وقوله×: «اعرف الحقَّ تعرف أهله»، أي: قَبل الجري وراء الأشخاص ينبغي معرفة مناهجهم، وهذا المنهج عظيم وخطير وهو ميزان علميّ وضابطة علميّة في مختلف العلوم، كعلم الرجال والحديث والفقه وغيرها، وصالح لأن يكون قاعدة مهيمنة في كلّ العلوم الدينيّة.
وهو مسلك يُشير إلى أهمّية المنهج في البحث العلميّ، وهذا ما يؤكِّده الإمام علي بن موسى الرضا× في محاورته مع الجاثليق، حيث يقول×: «أنا مُقرٌّ بنبوّة عيسى وكتابه... وكافر بنبوّة كُلّ عيسى لمْ يقرّ بنبوّة مُحمَّد’ وكتابه»[349]، وهذا الضابطة المعرفيّة العظيمة من الإمام الرضا×، هي نفس ما رسمه الإمام أمير المؤمنين× من عدم الجري وراء العناوين والأسماء والأشخاص، وأنّ الأوْلى هو معرفة أقوالهم، أي: مناهجهم ومشاربهم المعرفيّة، والإمام الرضا× يبلور ويوسِّع الضابطة المنهجيّة العَلويّة بجرأة وحياديّة معصومية، ولم تكن هذه الأُمور لتتّضح لولا سعة بيانات أهل بيت العصمة والطهارة× من جهة، وجرأتهم وصراحتهم في الحقِّ من جهة أُخرى.
والحجج مراتب فوق بعضها البعض، فحجّة إلهية تهدي إلى حجّة معرفة الربّ تعالى، ومن بعد ذلك تلزم العباد طاعة الرُّسل وذَروتهم سيّدهم، المأخوذة طاعته على جميعهم، وهذه هي الحّجة الثالثة، ثّم من بعد ذلك تلزم العباد حجّية الأوصياء، إلى غير ذلك من مراتب الحجج، وكلّ حجّة تفوق الأُخرى وتهيمن عليها، وتحدّد أمدها وحدودها؛ ولذلك أشارت الآيات إلى الاستدلال بصفات الله من أنّه مالك للسموات والأرض وما فيهنّ، وأنّه وليّ كلّ الأولياء لبيان أنّ هناك مراتب في الحُجيّة والدلائل، وتفاوت في درجاتها، واللازم مراعاة سلسلة تلك المراتب، وما هو أكبر وأبلغ، كاستدلال لدحض ما يزعمه اليهود والنصارى من لزوم اتّباع ما يزعمونه من يهوديّة ونصرانيّة النبي إبراهيم والأنبياء السابقين؛ حيث إنّ ولاية الله فوق ولاية الأنبياء وصلاحيّاته في الحكم والتشريع، فكيف يترك أهل الكتاب الدلائل على المشيئة الإلهيّة في مقابل ما يزعمونه من حجّيّة يتبعونها؟ بل يكون هو الميزان الذي يُعرف به الحقّ، كما في قوله’: «عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ معه، لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض»[350]، أي: إنّ المعصوم× يكون هو الميزان والمنهج الذي به يُعرف الحقّ.
والنتيجة: إنّه لو ادّعى مدعٍ أنّه عيسى× - أو ادّعى أنّه سفير الإمام # أو نائب خاص للإمام # ، أو ابن الأمام # ، أو وصي الإمام # ، أو أنّه اليماني أو الحسني أو الخراساني أو النفس الزكيّة، أو أيّ عنوان آخر- فإنّنا قبل أن نطالبه ببرهان أو معجزة على صدق ادّعائه، ينبغي أن نرى منهجه العقائدي والفكري والسلوكي هل يطابق الثوابت العُليا في الدين؟ لأنّه أقوى برهان ومعجزة من كلّ معجزة، فإنّ معاجز الأنبياء صلوات الله عليهم لا تتطاول فوق التوحيد، ثمّ بعد ذلك نطلب المعجزة.
مسالك الانتظار
هناك مسلكان في كيفيّة التعامل مع روايات ما قَبل الظهور، أو ما تُعرف بروايات علامات الظهور - كما يعبَّر عنها- وبالتالي سوف تتحدّد مشارب ومسالك المُنتظِرين بحسب ما ينعكس من فهم للروايات.
المسلك الأول: يجعل العلامة بمثابة العلّة إذا حدثت فسوف يحدث الظهور، وإذا لم تحدث سوف لا يحدث الظهور، وهذا الفهم وهذه الرؤية والنظرة الجموديّة لروايات ما قَبل أو قُبيل الظهور التي هي من سُنخ علامات الظهور، نستطيع تسميتها بالمسلك الجموديّ الأُحادي الجبري.
وكأنّه يعلِّق ظهور الإمام المهدي # على ظهور هذه العلامات، فهو في الحقيقة مُنتظِر للعلامات برؤية جبرية للظهور، لا رؤية مسؤولة كـ (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين) ، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[351]، وليس مُنتظِراً انتظار نصرة وعون للمهدي # - وسيكون من الفاشلين في الامتحان كما فشل المُنتظِرون في زمن نوح×؛ حيث علّقوا انتظارهم على العلامات، وهي حصول ثمر النوى، فلمّا بَدا لله في زمن الطوفان فشلوا- يأول به الحال إلى كونه مُنتظِراً لليماني وللسُّفياني وللخراساني وغير ذلك، وليس مُنتظِراً للمهدي # !
فإذا بدا لله في هذه العلامات - وهذا أمر ذكرته الروايات- أو تختلط على المُنتظِر الأُمور بحسب ظهور الروايات بين السُّفياني الأوّل والثاني والثالث فلا يُميِّز، فسوف يباغته تغيُّرات الأحداث، وهو في سكرة الارتقاب للعلامات.
وهذا المسلك الجبري كأنّه يقول: ما دامت العلامة يمكن فيها البَداء ولا يرتبط بها الظهور فلماذا أنظر إليها؟ وبما أنّ الله ناصر وليّه ومُظهر دينه على الدين كلِّه، فما الداعي للبحث وراء العلامات ومتابعة الأحداث تسارعت أم تباطأت؟
وبين هذا وذاك هناك نظر واقعي لأحداث مسرح الظهور ولعلامات الظهور ولشخصيات الظهور، وهذا النظر (أمرٌ بين أمرين) ، فلا تفويضيّة بجعل المحور هو العلامات أو بيد شخصيات مسرح الظهور، ولا جبريّة مطلقة لا ترى أهمّية لأيّ دور وشخصية في مسرح الظهور، بل إنّما أمر بين أمرين.
فالصحيح هو الالتفات إلى المناهج الذي يتّبعها هؤلاء الثلاثة - اليماني والخراساني والسُّفياني- وغيرهم.
وبعبارة أُخرى: إنّ معرفة منهاج هؤلاء الثلاثة في سنة الظهور أهمّ من معرفة أشخاصهم؛ لأنّ الميزان هو على المنهج لا على الشخص، والبصيرة هي على الحقِّ لا على الرجال؛ ومن ثَمَّ فمِن أخطاء ثقافة التعليم لعلامات الظهور شخصنة البصيرة بأشخاص، بينما البصيرة مرهونة بالمنهج والميزان، كما أنّ هناك ضابطة ثانية خطيرة أيضاً في قراءة علامات الظهور، وهي أنّ الثقافة والمعرفة بالمشروع المهدويّ مبتوراً عن الثقافة والمعرفة بأصحاب الكساء، بدءاً بالمعرفة النبويّة، ومعرفة المنهاج العَلوي والفاطمي والحَسني والحُسيني، فضلاً عن التوحيد، وثمرة ذلك هيمنة ثوابت الدين العُليا في قراءة المشروع المهدويّ.
وضابطة ثالثة: أنّ روايات علامات الظهور هي في الحقيقة رسم خارطة سياسيّة وعسكريّة أمنيّة واجتماعيّة لسنين أو لسنة الظهور وأنّها تقرير يرسم الوظيفة للمؤمنين فيما ينبغي عليهم القيام به والحذر منه واليقظة تجاهه، وبهذه الضوابط في قراءة روايات علائم الظهور والرايات المتجاذبة لمسرح الحدث - سواء في طرف الحقّ أو الباطل- وبذلك يقطع الطريق على الأدعياء؛ ويكون المؤمن على بصيرة ثاقبة في قراءة الأحداث، وفي انتظارٍ صحيح للإمام المهدي # .
ومن جهة أُخرى - وهي جهة أساسيّة ومهمّة- فإنّ التمحوّر حول المنهجيّات يكون تمحوّراً حول الإمام #؛ لأنّ تلك المحاور مسارات وخطوط رسمها لنا أهلُ البيت^.
الشجرة الملعونة
قبل أنْ نلج في بحث السُّفياني لا بدَّ أنْ نلتفت إلى أنَّ منهجه وطريقه شجرة مُمتدّة عِبْرَ الزمن، بلْ هي تتصل بالآخرة (بشجرة الزقّوم) ، وما تلك الشجرة الخبيثة الَّتِي اجتُثّت مِنْ فوق الأرض - كما عبَّر القُرآن: ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَار﴾[352]- إلَّا واقع وحقيقة هذهِ الشجرة، وَهَذا المنهج الذي في الدُّنيا نهج بني أُميَّة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً﴾[353].
وقدْ أجمع المُفسّرون سنّة وشيعة عَلَى أنَّ المُراد مِنْ الشجرة الملعونة في القُرآن الكريم هُم بنو أُميَّة، ففي تفسير العيّاشي: عَنْ الباقر× أنَّه سُئل عَنْ قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ فقال: «إنَّ رسول الله’ أُري أنَّ رجالاً مِنْ بني تيم وعدي عَلَى المنابر يردون الناس عَنْ الصراط، القهقرى. قِيلَ: والشجرة الملعونة؟ قال: هُم بنو أُميَّة»[354]. وعن الصادق× مثله.
كذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَار﴾[355]، قال الباقر×: «إنَّ هَذا مَثُل بني أُميّة»[356]، روى القمّي، عَنْ أبي الجارود، عَنْ الباقر×: «كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السماء، وبنو أُميَّة لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد، ولا تصعد أعمالهم إلى السماء إلّا قليل منهم»[357]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّوم * طَعَامُ الأَثِيم * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُون * كَغَلْيِ الْحَمِيم﴾[358]، فُسِّر أيضاً ببني أُميَّة.
وفي رواية عَنْ أبي مُحمَّد العسكري× في تفسير قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى﴾[359]: «ثمَّ قال رسول الله’: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّوم﴾[360]، المعدّة لمُخالفة أخي ووصيي عليّ بن أبي طالب×»[361]، وأيضاً عَنْ ابن عباس والحسن وأبو مالك وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحّاك وابن زيد: «إنَّها - الشجرة الملعونة- شجرة الزقوم التي ذكرها الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّوم * طَعَامُ الأَثِيم﴾»[362].
وكذلك وفي مضامين أُخرى عديدة فُسِّرت - شجرة الزقّوم- بالشجرة الملعونة، وَهَذا متطابق مَعَ كون الشجرة الخبيثة والملعونة والزقّوم واحدة مَعَ اختلاف النشآت.
خطورة المنهج
ممّا ينبغي لنا فهمه أنَّ الأهمّية والخطورة تكمُن في المنهج، فإنَّ الشعارات كثيرة برّاقة وذات ألوان عديدة، ولكن حقائقها مُخالفة لشعاراتها، والجري وراء الشعارات بحسب بيان الشَّارع لا ينفع؛ لأنَّ المُهِم هُوَ الوصول إلى حقيقة ما يكمُن خلف تلك الشعارات، وَهَذا ما نحاول بيانه في نقاط:
النقطة الأُولى: (الشجرة الخبيثة)
إنَّ القُرآن حينما يقول الشجرة الملعونة فهو لا يصف أشخاصاً بعينهم، بلْ يصف شجرة، والشجرة لها فروع وأغصان، وحينما يصف الكلمة بالخبث يصفها بشجرة.
النقطة الثَّانية: (لا يذكرون الله)
إنَّ الشجرة الملعونة أي: المُبعدة والمطرودة عَنْ رحمة الله، وفُسِّرت الشجرة الملعونة ببني أُميّة، وقدْ مرَّ وصفهم مِنْ قِبل الإمام الباقر×: «... وبنو أُميَّة لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد، ولا تصعد أعمالهم إلى السماء...»[363]، وإذا كانوا كذلك فكيف لا يُطرَدون مِنْ الرحمة الإلهيّة؟!
النقطة الثَّالثة: (بنو أُميّة نهج وسلوك)
بناءً عَلَى هَذا الأساس؛ يمكن أنْ نُفَسِّر روايات آخر الزمان الَّتِي ذكرت بني أُمَيَّة، بأنَّها لا تقصد بني أُمَيَّة أشخاصاً فقط، بلْ الأقرب الأهم لنظر الروايات هُوَ النهج والسلوك (نهج وسلوك بني أُمَيَّة) .
النقطة الرَّابعة: (سعد الخير)
إنَّ القتل والتخريب والدمار والفساد والإفساد الذي خصّته الرواية بالسُّفياني ما هُوَ إلّا رسم للسلوك العدواني والنهج الأُموي. وليست القضية منوطة بشخص وأشخاص ولذلك كُلّ الروايات - إلَّا قليلاً- ذكرته بلقبه (السُّفياني) ولم تذكر اسمه، وبعضها ترفض التشبّث بالاسم؛ ففي الرواية عَنْ عبد الله بن أبي منَصور البجلي، قال: «سألت أبا عبد الله× عَنْ اسم السُّفياني، فقال: وما تصنع باسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن، وقنسرين، فتوقعوا عِنْدَ ذلك الفرج. فقلت: يملك تسعة أشهُر؟ قال: لا، ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوماً»[364].
فهُنا نرى الإمام يحاول عدم ذكر اسم السُّفياني؛ إشارة منه إلى أنَّ خطورة المنهج أهم مِنْ خطورة الشخص، وهي أوْلى بالبحث والاهتمام مِنْ الأشخاص، كما أنّ مركز الاهتمام في أغلب روايات المعصومين^ ليست عَلَى الانتساب مِنْ جهة الآباء أو العشيرة، بلْ عَلَى الانتساب للمنهج.
كما في رواية أبي حمزة قال: «دخل سعد بن عبد الملك فقال أبو جعفر×: ما يبكيك يا سعد؟ فقال: وكيف لا أبكي وأنا مِنْ الشجرة الملعونة في القُرآن. فقال له: لست منهم، أنت أُموي منّا أهل البيت؛ أما سمعت قول الله (عَزَّ وَجَلَّ) يحكي عَنْ إبراهيم× فَمَنْ تبعني فإنَّه منّي»[365].
النقطة الخامسة: (اللَّعن للمؤسسين أشدّ)
وَرَدَ في الزيارة المعروفة بزيارة عاشوراء «لعن الله أُمَّة أسّست أساس الظلم والجور عليكم... ولعن الله المُمهدين...»[366].
بحسب هَذا النصّ هُناك تأسيس، وكذلك هُناك تمهيد للفساد والإفساد ولقتل المُصلحين (مُحمَّد وأهل بيته’) ، في حين كانت الشجرة الطيّبة (مُحمَّد وآله’) تُؤسِّس وتُمهِّد لكلِّ خير وصلاح وسنّة وملّة حسنة، كانت أُمَيَّة تُؤسِّس للفساد والإفساد وسنّ سنن الغدر والغيلة ونقض العهد، كما فعلت هند مَعَ سيد شُهداء زمانه حمزة×، وكما فعل معاوية بنقض العهد مَعَ الإمام الحسن×، وكما أسَّس يزيد وسنَّ سنن تخريب المُدن وخرّب مدينة رسول الله’، وانتهك المُدن المُقدّسة والأماكن المُقدّسة وهدم الكعبة.
وما يفعله السُّفياني عين ذلك، فَهُوَ يغدر وينقض العهود ويخرّب المدن وينتهك الحُرمات ويخرِّب المُقدَّسات ويهدم الكعبة... وهكذا تستمرّ هذهِ الشجرة الملعونة بسنّ السنن وإحداث البِدع إلى يومنا هَذا، في مقابل هذهِ الشجرة الملعونة شجرة طيبة مُباركة وهي شجرة أهل البيت^ (كما وصفها القُرآن) ، فهي تسنّ السنن الطيّبة، كالتضحية والفداء والإيثار وزرع البرِّ والخير والمحبّة والسلام في ربوع الدُّنيا، وَهَذا ما تُشير إليه رواية عمّار بن أبي الأحوص، قال: قلتُ لأبي عبد الله×: «... أما علمت أنَّ إمارة بني أُمَيَّة كانت بالسيف والعسف والجور، وأنَّ إمامتنا (إمارتنا) بالرفق والتآلف، والوقار والتقيّة وحُسن الخلطة، والورع والاجتهاد، فرغبوا الناس في دينكم وفي ما أنتم فيه»[367].
النقطة السَّادسة: (أخطر المناهج)
إنَّ وصف الشجرة الملعونة في القُرآن ببني أُمَيَّة يُشير إلى أنَّ أخطر المناهج هُوَ منهج بني أُمَيَّة، وأضلّ الرايات، بَعْدَ الفتنة المُشار إليها في الآية، وهي راية بني أُمَيَّة؛ فتكون كُلّ رايات الضلالة أقل خطورة وضلالاً مِنْ تلك الرايات الملعونة.
النقطة السَّابعة: (إسلام وأصنام)
مِنْ الموارد المفرِّقة الَّتِي تبيّن لنا شدّة ضلال النهج الأُموي وتفوّقه في الفساد والضلال أنَّه يرفع الشعارات المُتضادة، ففي حين يُنادي بالإسلام هُوَ يهدم الإسّلام، وفي حين خليفته يُنادي بالقُرآن وأنَّه خليفة المُسْلمين يجعل القُرآن غرضاً لسهامه ويتطاول جهاراً عَلَى تمزيقه، ويصلّي خليفته الآخر وَهُوَ سكران، يرفع شعار الإسّلام لكنَّهُ يدعو للأصنام.
النقطة الثامنة: (بنو العباس)
مقابل النهج الأُموي السُّفياني هُناك حركات ضلال كثيرة، والروايات تُبيِّن أنَّها سابقة عَلَى حركة الضلال الَّتِي يتزعمها السُّفياني الأُموي، وتُؤكِّد الروايات مِنْ خلال مفاداتها أنَّ حركة السُّفياني هي الأخطر، وأنَّ تلك الرايات بمثابة المُمهِّدة لحركة السُّفياني، وأنَّ رايات الضلال يستحقّها المُجْتَمع بسوء تصرّفه وتقاعسه عَنْ نصرة الحقّ.
وبنو العباس أيضاً وصف لنهج وسلوك معيّن عدائي للإسلام ولأهل البيت^، ولكنّ الأُسلوب مُختلف والنهج مُختلف، ويمكن أنْ نلحظ عَلَى النهج العباسي أُموراً تُفرِّقه عَنْ المنهج الأُموي:
1. إنَّ النهج العباسي يتوسَّل إلى كرسي الرئاسة عِبَر رفع شعار (الرضا مِنْ آل مُحمَّد) مِنْ أجل ذلك، أمَّا بنو أُمَيَّة لمْ ترفع ذلك الشعار، بلْ عَلَى العكس مِنْ ذلك رفعت شعار العداء لآل البيت^.
2. إنَّ نهج بني العباس يحارب أهل البيت^ كنهج إيمان بَعْدَ وصوله إلى سدّة كرسي الحُكم، أمَّا بنو أُمَيَّة فهم يُحاربون نفس النهج الإسلامي وتتعارض كُلّ شعاراتهم مَعَ شعارات الإسلام.
3. عداءُ بني أُمَيَّة عداء مُباشر وواضح للإسلام، وعداء بني العباس غَير مباشر للإسلام ولنهج الإيمان، ولكنَّه مُجاهر العداء لنهج آل البيت^، وحتّى أنَّ المنصور الدوانيقي كَانَ يقوم بالدعوة لفضائل عليٍّ أمير المؤمنين×، وذِكْر آل البيت^، وفي إحدى المرّات كاد يُقتل جرّاء إقامته لمجلس عزاء لهم في بلاد الشام.
فالنهج العبّاسي - إذنْ- أُسِّس عَلَى أساس الفداء لآل البيت^، ولكن نهج أهل البيت^الذي يحاسب كراسي الحُكم الدنيويّة يصعب عَلَى مَنْ يُريد التربُّع عَلَى العروش الدنيويّة أنْ يتّخذه كنهج وسلوك؛ لأنَّ ذلك النهج يحاسبه هُوَ نفسه أشدّ الحساب بشكل يصعب تحمّله، فإما أنْ يسير معه أو ينقلب ضدّه، وَهَذا ما حصل فعلاً مِنْ المنصور وباقي بني العباس ومَنْ تبع نهجهم إلى هَذا اليوم، حيث ساروا عَلَى المعاداة لآل البيت^ ولنهجهم وسلوكهم.
مَن هو السُّفياني؟
في هَذا البحث نحنُ لا نُريدُ أنْ نعرف اسم السُّفياني ونسبه ونذكر الروايات في ذلك الخصوص؛ لئلّا يطول بنا المقام مِنْ جهة، وَمِنْ جهة أُخرى لَيسَ هُوَ بحث ذو ثمرة تُذكر - هُنا بالخصوص- وَهَذا مُتطابق مَعَ الرواية الَّتِي رواها الصدوق بإسناده عَنْ عبد الله بن أبي منصور البجلي، قال: «سألتُ أبا عبد الله× عَنْ اسم السُّفياني، فقال: وما تصنع باسمه إذا مَلَك كور الشام الخمس: دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن وقنسرين، فتوقعوا عِنْدَ ذلك الفرج. قلتُ: يملك تسعة أشهُر؟ قال: لا، ولكن يملك ثمانية أشهُر لا يزيد يوماً»[368].
إذن؛ ما نريده هُوَ التعرُّف عَلَى هويته العقائديّة والسياسيّة والعسكريّة مِنْ خلال حركته، وهذهِ الهوية تبيِّنها مجموع روايات روت أفعاله ومُعتقداته، والروايات الَّتِي تصف شخصية السُّفياني كثيرة منها:
عَنْ أبي عبد الله× قال: «إنَّكَ لو رأيت السُّفياني رأيت أخبث الناس، أشقر أحمر أزرق يقول: يا ربّ، يا ربّ، يا ربّ، ثمَّ للنار. ولَقَدْ بلغ مِنْ خُبثه أنَّه يدفن أُمّ وَلَد وهي حيّة مخافة أنْ تَدلُّ عليه»[369]. وأيضاً: «... يَقبِل السُّفياني مِنْ بلاد الروم متنصراً في عنقه صليب وَهُوَ صاحب القوم»[370].
وعن مُحمَّد بن مُسْلِم، عَنْ أبي جعفر× قال: «السُّفياني أحمر، أشقر، أزرق، لمْ يعبد الله قطّ، ولم يرَ مكة ولا المدينة قطّ، يقول: يا ربّ، ثأري والنار، يا ربّ، ثأري والنار»[371].
وفي إلزام الناصب: «ولا يزال السُّفياني يقتل كُلّ مَنْ اسمه مُحمَّد، وعليّ، وحسن، وحسين، وفاطمة، وجعفر، وموسى، وزينب، وخديجة، ورقية؛ بُغضاً وحنقاً لآل مُحمَّد’»[372]، هذهِ الرواية وروايات أُخرى بنفس المضمون تبيِّن العقيدة الَّتِي يحملها السُّفياني:
أوَّلاً: مِنْ حيث عقيدته، فَهُوَ: لمْ يعبد الله قطّ، وكذلك لمْ يؤمن بالنبي، ولا بالعقائد الحقّة، ولا بالمقدّسات، ولا بعقيدة التوسُّل، ولا بالشفاعة وغيرها، لذلك قالت الرواية: «لمْ يرَ مكّة ولا المدينة قطّ»، وَمِنْ جهة أُخرى فَهُوَ لا يؤمن بفروع الدِّين وليسَ فقط بأُصوله؛ لأنَّه لو آمن بالفروع لرأى مكّة في حجّ أو عمرة، وَمَنْ لا يؤمن بمكة كمشهد ومَعْلَم وكبيت لله لا يؤمن بباقي المشاهد المُشرَّفة؛ وبالتالي لا يؤمن بأيّ شعيرة مِنْ الشعائر، ولا يعظِّم شعائر الله، لأنَّ (الصفا والمروة) مِنْ الشعائر، وهُما في بيت الله الحرام الذي لمْ يؤمن بقدسيته ولم يعظِّم حرمته، وستأتيك لمحة نافعة عَنْ حادثة في فهم هذهِ النقطة فانتظر.
ثانياً: قوله×: «لو رأيته رأيت أخبث الناس»، وَهَذا كلام عَنْ صفاته الباطنيّة ومكونات شخصيته الداخلية، والتعبير بالخبث تعبير عَنْ نجاسة باطنية - بطبعها- تضادد وتُعاكس وتتقاطع ذاتاً وصفة مَعَ معدن الطُّهر والطيب، وهم مُحمَّد وآله’.
وقوله: «أشقر، أحمر، أزرق». إشارة إلى التذبذب والتلوّن الباطني باعتبار أنَّها جاءت في سياق ذكر الخباثة الباطنيّة، وكذلك لعلَّه إشارة إلى التلوّن في عقيدته - ولا يُنافي ذلك إرادة الأوصاف الحسيّة أيضاً- وَهَذا التلوّن مَعَ خبث السَّريرة كاشف عَنْ أنَّ نجاسته الباطنيّة إلى ما شاء الله مِنْ أنواع الخبائث والنجاسات.
ورؤية الخباثة عادة إشارة إلى الباطن الخبيث، وإشارة إلى الرؤية للباطن بالرؤية التفرُّسية.
والرؤية الظاهرية للخباثة تقود للرؤية الباطنيّة، بلْ هي أشدّ في حقيقة الأمر؛ وذلك لأنَّه - السُّفياني- مِنْ الخباثة الشديدة بحيث طفحت وبرزت عَلَى قسمات وجهه وفي لحن كلامه وقوله، مِنْ حيث نصبه وعدائه لأهل البيت^وأتباعهم، وفي هَذا المجال وردت عِدَّة نصوص في ذلك - ونحنُ نذكر واحدة منها اختصاراً- ومضامين هذهِ النصوص الروائية تصبّ في العداء لأهل البيت^وأتباعهم، ومنها ما ذكرنا، وهي أنَّه يقتل كُلّ مَنْ يتسمّى بأهل البيت^ وأسماء ذرّيتهم، وكذلك ما يفعل بالحوامل وبالنساء مِنْ الفجور والتعدّي، فعن أمير المؤمنين× قال: «يخرُج السُّفياني وبيده حربة ويأمر بالمرأة ويدفعها إلى بعض أصحابه فيقول له: افجر بها في وسط الطريق. فيفعل بها، ثمَّ يأمر ببقر بطنها ويسقط الجنين مِنْ بطن أُمّه، فلا يقدر أحد أنْ يُنكر عليه...»[373]، والرواية طويلة وَهَذا موضع الشاهد منها.
والمُهم هُوَ توجّهاته السِّياسيّة والثقافيّة والدينيّة:
حَيْثُ وَرَدَت إشارات عديدة إلى عمالته لليهود والنصارى، وعَلَى نصبه وعدائه السِّياسي لكلِّ المُؤسَّسات والدول والسياسات الَّتِي تدعو إلى أهل البيت^ وإلى الإسّلام الحقيقي الذي يمثّله أهل البيت^؛ ولذلك فإنَّ الرواية حينما تقول «يُقبل السُّفياني مِنْ بلاد الروم متنصِّراً»[374]؛ إشارة إلى عقيدته، وكذلك إشارة إلى التنصّر السِّياسي، أي: التحالفات الَّتِي تصبّ في صالح الصهيونيّة الصليبيّة المُعادية للإسلام الصحيح الذي يرفض الذوبان في الأطراف الَّتِي تجانب الحقّ ودين الحقّ. وهذهِ الإشارة يؤكِّدها ذيل الرواية حيث فيها: «في عنقه الصليب، وَهُوَ صاحب القوم»[375]، كُلّها إشارات إلى الاتّفاقات السِّياسيّة الدينيّة العقائديّة[376]، الَّتِي تصبّ في خدمة المشروع الصليبي الغربي السلفي الوهابي، وحينما تقول الرواية: «في عنقه الصليب»[377]، إشارة إلى بيعة صليبيّة صهيونيّة تُعادي المسيحيّة الحقّة وَكُلّ دين حقّ وَهُوَ الإسّلام الحقّ، المُتمثِّل بأهل البيت^؛ لأنَّ العنق - أو الرقبة- إشارة إلى تبعيته الكاملة للغرب؛ ولذا يوصف عتق العبد بـ (عتق الرقبة) ، وقدْ وَرَدَ: «يقوم القائم× وليسَ في عنقه بيعة»[378].
والرواية حينما تقول: «يا ربّ، ثأري والنار، يا ربّ، ثأري والنار». تُذكِّرنا بإبليس الذي يعتقد بالله، ولكنَّه لا يؤمن بخليفته ولا يسجد لخليفته، وَهُوَ قدْ فضّل النار عَلَى السجود للخليفة، وليسَ ذلك إلّا للتكبُّر والأنا والحقد والحسد والثأر الذي هُوَ عقيدة الانتقام مِنْ الطرف الآخر مهما كَانَ عظيماً أو بسيطاً، ومهمّا كانت العداوة بسيطة أو كبيرة، فَهُوَ ينتقم مهما كَانَ الثمن ولو كَانَ النار، فقول: «يا ربّ، ثأري والنار». دعاء لربِّه أنْ يمكِّنه مِنْ الثأر مِنْ عدوّه ولا يهمّه بَعْدَ ذلك حتّى لو كَانَ ثمن ذلك جهنّم خالداً فيها، كما هُوَ حال إبليس الذي طلب مِنْ الله البقاء ليثأر مِنْ آدم× ووُلده، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾[379]، وكما أنَّ إبليس يطلب ثأره مِنْ الخليفة كذلك السُّفياني - وكما هُوَ واضح- يطلب ثأره مِنْ مُحمَّد وآل مُحمَّد وَمِنْ شيعتهم، وَمِنْ كُلّ مَنْ يهتدي بهديهم، وفي الأحداث الأخيرة والروايات كفاية لمعرفة ماهيّة الثأر ومِمَّنْ يطلبه.
حادثة مُثيرة
وفي هَذا السِّياق يمكن أنْ نذكر محاورة تُشير إلى توجُّه الفكر السلفيّ الوهابي - السُّفياني- للقضاء عَلَى الإسّلام بشكل عام، وليسَ فقط الإسّلام الحقيقي الذي هُوَ إسلام أهل البيت^ وأتباعهم، وَهَذا هُوَ المشروع الصهيونيّ الصليبيّ الغربيّ، والحادثة هي حوار جرى بين أحد أتباع أهل البيت^ وبين أحد أفراد ما يُسمّى بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عَنْ المنكر عِنْدَ قبر حمزة× - ومضمونه-:
- الشيعي: لماذا تحوطون قبر الحمزة× بسياج إسمنتي؟
- الوهابي: لكي لا يأخذ منه بعض الجهلة الأحجار والتراب للتبرُّك.
- الشيعي: لو تركتموها مدروسة وغير معلّمة لنجوتم مِنْ المحذور.
- الوهابي: لو كَانَ الأمر بيدنا لمحونا كُلّ القبور.
- الشيعي: حتّى قبر النَّبي’؟
- الوهابي: نَعَمْ، وَهَذا ممّا يرضي النَّبي، وَهَذا هُوَ التوجّه الذي يريده النَّبي’ فَهُوَ أراد أنْ يمحو كُلّ قبر.
- الشيعي: إذاً، لماذا لمْ يفعل النَّبي’ ذلك؟
- الوهابي: لولا خوف الفتنة، لمحاها النَّبي’، ألم يقل لعائشة: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت البيت»[380]؛ لأنَّها - الأحجار- إذا بقيت سيعود النَّاس إلى عبادة الحجارة والأصنام، فالأفضل أنْ تسوّى بالأرض، ولكنّ هَذا الأمر أضمره النَّبي ولم يعلنه خوف الفتنة، فإنَّه أظهر شيئاً وأخفى شيئاً؛ لأنَّ الناس لا تتحمّل ذلك.
- الشيعي: هَذا خلاف تتمّة الحديث؛ لأنَّه قَالَ في تتمّته: «لنقضتُ البيتَ فبَنَيتُه عَلَى أساس إبراهيم»[381]، وخلاف سلوك إبراهيم×، بلْ خلاف القُرآن حيث يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾[382]، بلْ إنَّ الله جعل حجرين وهُما جبل الصفا وجبل المروة مِنْ شعائر الله وأمر بتعظيمهما، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيم﴾[383].
كُلّ هذهِ الحجارة الَّتِي تُريد محوها تمثِّل الدِّين والشعائر والمقدّسات، فإذا محوتها محوت الدِّين. فسكت الوهابي ولم يحِرْ جواباً.
وهذهِ الحادثة ليست بالحدث الطارئ والحالة الجزئيّة أو رأي شخصي لفرد مِنْ أفراد الوهابية السُّفيانيّة، بلْ هُوَ كاشف عَنْ مبانٍ وأُسسٍ أُسِّسَ عليها المذهب الوهابيّ واعتقادات قديمة وحديثة كَمَا في مذكرات مستر همفر[384]، وَهُوَ مُطابق لما في الروايات أنَّ السُّفياني يقصد المدينة لهدم قبر النَّبي’ ونبش قبره’ وقبر فاطمة‘ والتوجّه بَعْدَ ذلك لهدم الكعبة المُشرَّفة، وَهَذا الكلام لَيسَ مِنْ تأويل الأحاديث، بلْ صريح الأخبار وواقع الأمر شاهد عَلَى ما نقول، ويكفيك مُتابعة بسيطة لكتبهم - خصوصاً التنظيرات والبحوث الحديثة- حتّى تجد صواب كلامنا، ومَنْ يترصّد مواقعهم في الإنترنت يجد ذلك جليّاً واضحاً؛ حيث أعلنوا قبل وقت قريب عَنْ عقد البيعة للمهدي السُّفياني وَعَنْ التحالف مَعَ اليهود والنصارى ضد الرَّافضة.
وما دامت شرعنة القتل وسفك الدماء أسهل مِنْ السهل، فَمِنْ الممكن شرعنة أيّ قانون آخر، كالزنا بعنوان جهاد النِّكاح، والاغتصاب، وسبي النساء والولدان بحجّة الفتح والفتوحات، فهم وأسيادهم مِنْ عُشّاق الفتح، لكن أيّ فتح؟!!
وقديماً كَانَ سيّدهم وقدوتهم أبو سفيان ومعاوية ويزيد - الذي هدّم الكعبة- مِنْ عُشّاق فتح الفجور والفُسُوق.
فهي عقيدة غربيّة يهوديّة صهيونيّة أُمويَّة يزيديّة سلفيّة وهابيّة سُفيانيّة، فما أعجبها مِنْ عجينة وما أخبثها مِنْ طينة؟!!
معالم مشروع السُّفياني
كتتميم لما تقدَّم نذكر بعض النُّقاط الَّتِي توضِّح مشروع السُّفياني ومراماته:
أوَّلاً: هدم الكعبة[385] ففي حديث طويل[386] رواه الخصيبي، عَنْ المفضّل بن عمر، عَنْ الصادق×، قال: «... كنت وأخي في جيش السُّفياني وخربنا الدُّنيا مِنْ دمشق إلى الزوراء وتركناها جمّاء، وخربنا المدينة وكسّرنا المنبر، وراثت بغالنا في مسجد رسول الله’ وخرجنا منها وعددنا ثلاثمائة ألف رجل نُريدُ إخراب البيت، وقتل أهله، فلمّا صرنا في البيداء عرسنا فيها فصاح بنا صائح: يا بيداء، أبيدي القوم. فانفجرت الأرض وابتلعت كُلّ الجيش...»[387].
ثانياً: نبش قبر النَّبي’ وقبر فاطمة‘ وهدم المسجد النبويّ، هَذا فضلاً عَنْ بقية قبور الأولياء والصالحين، ففي رواية في البدء والتاريخ: «... ويبعث جيشاً إلى المدينة فيقتلون ويأسرون ويحرقون، ثمَّ ينبشون عَنْ قبر النَّبي’ وقبر فاطمة÷، ثمَّ يقتلون كُلّ مَنْ اسمه مُحمَّد وفاطمة ويصلبونهم عَلَى باب المسجد، فعند ذلك يشتدّ غضب الله عليهم فيخسف بهم الأرض، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيب﴾[388]»[389].
ثالثاً: تخريب المدن، وَهَذا واضح في الرواية الَّتِي أوردناها في النقطة الأُولى: «وخربنا الدُّنيا...». وكذلك عَنْ أمير المؤمنين×: «ألا وإنَّ السُّفياني يدخُل البصرة ثلاث دخلات يذلّ العزيز ويسبي فيها الحريم، ألا يا ويل المنتفكة وما يحلّ بها، مِنْ سيف مسلول، وقتيل مجدول، وحرمة مهتوكة...»[390]، وليسَ ببعيد منأً ما يجري في سوريا مِنْ قتل وتخريب وهتك حرمات واستباحة العرض والدم الحرام، وكذلك ما يجري في العراق.
وَهَذا لهُ بُعد مدنى، وهو إبادة البُعد المدني في المدن والبُلدان، وليسَ فقط التخريب للمعالم الدينيّة والعقائديّة، وَهُوَ مُطابق لمشروع ضرب البُنى التحتيّة لكلِّ دول الشرق الأوسط الذي يستهدفه المشروع الغربي الجديد، لتكون بُلدان المنطقة في حالة انفلات وخراب، بغضّ النَّظر عَنْ لون وطبيعة ومُصداقيّة الأنظمة فيها.
رابعاً: قتل كُلّ مَنْ سُمّي بأسماء أهل البيت^، كما عَنْ أمير المؤمنين×: «ويصلب عَلَى بابها [أي: الكوفة] كُلّ مَنْ اسمه حسن وحسين، ثمَّ يسير إلى المدينة فينهبها في ثلاثة أيّام، ويُقتل فيها خلق كثير، ويصلب عَلَى مسجدها كُلّ مَنْ اسمه حسن وحسين؛ فعند ذلك يغلي دماؤهم كما غلى دم يحيى بن زكريا...»[391].
كذلك عَنْ أمير المؤمنين×: «... ويقتل مَنْ كَانَ اسمه محمّداً وأحمد وعليّاً وجعفر وحمزة وحسناً وحُسيناً وفاطمة ورُقيّة وأُم كلثوم وخديجة وعاتكة؛ حَنَقاً وبُغضاً لبيت آل رسول الله’، ثمَّ يبعث فيجمع الأطفال، ويُغلي الزيت لهم، فيقولون: إنْ كَانَ أباؤنا عصوك فنحنُ ما ذنبنا؟ فيأخذ منهم اثنين اسمهما حسناً وحُسيناً فيصلبهما...»[392].
السُّفياني ويأجوج ومأجوج
ينبغي بيان هَذا العنوان في نقاط:
1. إنَّ خراب العمران والطابع المدني والإفساد وسفك الدماء والهرج والمرج هي صفة يأجوج ومأجوج الَّتِي ذكرها القُرآن الكريم، وقدْ ذُكر في جملة مِنْ الروايات الواردة في ملاحم آخر الزمان نبوءةً عَنْ خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان، والظاهر أنَّ المُراد به عنوان وصفي، لا أنَّه عنوان واسم علم لجنس مخلوق وإنْ كَانَ المعنى الوصفي يُؤوّل للمعنى الثّانِي مِنْ الحقيقة النوعيّة؛ وذلك بناءً عَلَى تجسّم الأعمال وتجوهر الذات بسنخ الأعمال، أي: إنَّ الذات والروح والنفس وما لها مِنْ أبدان تنمسخ ويتكوّن بها جوهر مسانخ لطبيعة العمل، فالصورة صورة إنسان، وأمَّا الروح فقدْ تبدّلت إلى جنس يأجوج ومأجوج.
2. إنَّ هَذا الوصف لهم في القُرآن (يأجوج ومأجوج) مادّةً مشتق مِنْ أجج، والأجيج تَلهُّب النار وصوت النار، أو صوت لهبها وصوت ضرامها والتوقّد والاشتعال، وأجَّ بينهم شرّاً أوقده، وأجيج القوم اختلاط كلامهم مَعَ حفيف مشيهم، والقوم في أجّة في اختلاط، وأجّ يؤجّ أجّاً أسرع، والأجيج شدّة الحرّ، والأجّة شدّة الحرّ، وتوهُّجه كأجّة الصيف، وماءٌ أُجاج، أي: ملح مرَّ شديد المرارة، وَقِيْلَ: شديد الحرارة أو شديد الملوحة والمرارة والمُحرِق مِنْ ملوحته، ويأجوج يفعول أو فاعول، ومأجوج مفعول[393].
كُلّ هذهِ المعاني مُتقاربة لأصل ومعنى واحد، وَهُوَ اشتعال صفة شيء في جهة الشرّ الشديدة المريرة وتوقّده في ذلك، وَهُوَ مطابق للأوصاف المذكورة في القُرآن ليأجوج ومأجوج.
ولعلَّ الوصف بيأجوج (اسم فاعل) ومأجوج (اسم مفعول) هو أنَّ إحدى النمطين أو القبيلتين هُوَ أساس وفاعل الفساد، والنمط الثّانِي مسخَّر وتابع للأوَّل.
وكذلك قول الراغب الأصفهاني: «قال تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾[394]، شديد الملوحة والحرارة مِنْ قولهم: أجيج النار وأجّتها وقدْ أجّت. وائتجّ النَّهار، ويأجوج ومأجوج منه شُبِّهوا بالنار المضطرمة والمياه المتموّجة لكثرة اضطرابهم، وأجّ الظلم إذا عدا أجيجاً؛ تشبيهاً بأجيج النار»[395].
3. اليأجوج والمأجوج كما ذكرهما القُرآن في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾[396]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾[397]، فهاتان الآيتان - مِنْ سورة الكهف- تشيران إلى أن يأجوج ومأجوج طبيعة لا يمكن معايشتهم لما هُم عليه مِنْ الفساد والإفساد في الأرض، والذين شكوا لذي القرنين مِنْ يأجوج ومأجوج نفس أولئك القوم الشاكين هُم قوم متخلّفون، كما يصفهم القُرآن الكريم: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾[398]. فرغم أنَّهم لا يكادون يفقهون قولاً لجهلهم وأُمّيتهم وتخلّفهم، فإنّهم لا يطيقون التعايش مَعَ قوم يأجوج ومأجوج، فلا يمكن معايشتهم بحال مِنْ الأحوال.
وَمِنْ ثمَّ؛ ما أنْ يزول السدّ يصف القرآن هرجهم ومرجهم بتموّج بعضهم في بعض تبياناً لعدم انضباطهم بمبدأ ولا ناموس ولا قاموس يُتعاطى معه في المعيشة، وإذا كان اليهود بنو قريظة وبنو النضير نتيجة غدرهم في ذمّة التعايش المدني مَعَ مجتمع المُسْلمين أجلاهم وأبعدهم النَّبي’ عَنْ أرض الحجاز، نتيجة خفرهم لذمّة الالتزام والتعهّد في التعايش المدني أجلاهم الْنَّبِيّ’، فكيف بمَن يفسدون في الأرض مِنْ كُلّ حَدَب وصوب؟ فهؤلاء لا يكفي فيهم الإجلاء والإبعاد عَنْ النسيج المدني، كما في اليهود، بلْ لا بدَّ مِنْ إقامة سدّ عازل يحول بينهم وبين انطلاق أمواج فسادهم تجاه المُجْتَمع المدني الإنساني الآمن، فضلاً عَنْ المُجْتَمع المؤمن المُسالم.
وَهَذا ما وصفه القُرآن: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُون﴾[399]. وَهُوَ تصوير وإشارة إلى تموّجهم في الإفساد بنحو متداعٍ مترامٍ لا يقف ولا يتوقّف.
كما أنَّ تعدُّدَ وجهات الإفساد يعطيه عنوان كُلّ حَدَب، وأيضاً يُعطي محاولة سيطرتهم عَلَى المكان المستشرف، أي: مواقع السيطرة في المُجْتَمع والحياة الأرضيّة، كما مرَّ في سورة البقرة وسورة مُحمَّد والجمع بين الصفتين - كُلّ حدب ينسلون- يعطي أنَّ أمواجهم في الإفساد وإحداثهم الإفساد ينطلق مِنْ بَعْدِ وصولهم إلى مواقع السيطرة في المُجْتَمع.
4. ولا يبتعد مفاد الروايات في وصفهم عَنْ هَذا المُتحصّل مِنْ مفاد الآيات والمعنى اللغوي، فعن حذيفة اليمان عَنْ النَّبي’، قال: «أوَّل الآيات: الدجّال، ونزول عيسى، ونار تخرج مِنْ قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان، والدابة، ثمَّ ويأجوج ومأجوج. قال حذيفة: قلتُ: يا رسول الله، ما يأجوج ومأجوج؟ قال: يأجوج ومأجوج أُمم كُلّ أُمَّة أربعمائة ألف لا يموت الرَّجُل منهم حتّى يرى ألف عين تطرف بين يديه مِنْ صلبه وهم وُلد آدم، فيسيرون إلى خراب الدُّنيا ويكون مقدمتهم بالشام وساقتهم بالعراق، فيمرّون بأنهار الدُّنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية حتّى يأتوا بيت المقدس، فيقولون: قدْ قتلنا أهل الدُّنيا فقاتلوا مَنْ في السماء. فيرمون بالنشاب إلى السماء فترجع نشابتهم مخضبة بالدم، فيقولون: قدْ قتلنا مَنْ في السماء»[400].
حدّثنا زيد بن أسلم، عَنْ أبيه، عَنْ النَّبي’ قال: «يفتح يأجوج ومأجوج، يخرجون عَلَى الناس كما قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُون﴾فيغشون الأرض وينحاز المُسْلِمُون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمّون إليهم مواشيهم ويشربون مياه الأرض حتّى إنَّ بعضهم ليمرّ بالنهر فيشربون ما فيه حتّى يتركوه يبساً، حتّى إنَّ مَنْ بعدهم ليمرّ بذلك النهر فيقول: قدْ كَانَ ههُنا ماء مرّة، حتّى إذا لمْ يبقَ مِنْ الناس أحد إلّا في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قدْ فرغنا منهم، بقي أهل السماء. قال: ثمَّ يهزّ أحدهم حربته، ثمَّ يرمي بها إلى السماء فترجع متخضبة دماً للبلاء والفتنة فبينما هُم عَلَى ذلك إذْ بعث الله دوداً في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرُج في أعناقهم فيصبحون موتى...»[401].
5. إنَّ مناهج وسلوك ومسار يأجوج ومأجوج هُوَ بعدم التقيّد وعدم الالتزام بأيّ ثابت، ونسف الثوابت الدينيّة والفطريّة المنتشرة بصورة ارتكازات عُقلائيّة، وَمِنْ ثمََّ يستلزم ذلك الهرج والمرج والانقلاب.
6. وَهَذا ما نلحظه في الطابع والنهج الأُموي مِنْ أنَّه نهج ينسف كُلّ الثوابت الدينيّة وباسم الدِّين، فَمِنْ جهة واقع مناهجه هي اليأجوجيّة والمأجوجيّة، وظاهر شعاره (وا إسلاماه) نظير سير الخلفاء الأُمويين سابقاً، فإنَّ الوليد بن عبد الملك كَانَ يستهدف القُرآن بالسهم - كغرض- زندقةً، ومَعَ ذلك يتشدّق أنَّه خليفة المُسْلمين والراعي الأوَّل للإسلام، وَهَذا النهج الازدواجي طابع واضح في النهج الأُمويّ.
ففي الرواية عَنْ عمّار بن أبي الأحوص، وفي ذيلها قوله×: «أما علمت أنَّ إمارة بني أُمَيَّة كانت بالسيف والعسف والجور، وإنَّ إمامتنا [إمارتنا] بالرفق والتآلف، والوقار والتقيّة، وحُسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغّبوا الناس في دينكم وفيما أنتم فيه»[402].
7. هَذا ما نلاحظه حالياً طابعاً مُتميِّزاً في القاعدة المشكَّلة مِنْ السلفيّة والوهابيّة، فإنَّ سفك الدماء الذي يُمارسونه وقتل الأبرياء وخراب المُدن بلا أيّ رادع ولا وازع، وبلا التزام بثابت مِنْ الثوابت ولا تقيُّد بناموس مُقدّس إلّا عَلَى مُستوى الشعار كدجل إعلامي وخداع إعلاني، كقناع يلبسونه لتغطية صفة اليأجوجيّة والمأجوجيّة لديهم.
8. ولا يخفى أنّ البلدان الَّتِي ينطلق منها السُّفياني الطابع الغالب عليها - قديماً في التاريخ وحديثاً في الزمن المعاصر- متّصفة بصفات النهج الأُموي اليأجوجي والمأجوجي، فهي بيئة خصبة لترعرع المشروع السُّفياني.
9. مِنْ خصائص صفات النهج الأُموي وطبيعة اليأجوج والمأجوج ما أشار إليه القُرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله لاَ يُحِبُّ الفَسَاد * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد﴾[403].
فالآية تذكر عِدَّة صفات:
منها: إنَّ هَذا البعض مِنْ الناس لسانه وشعاره وإعلانه معسول، وفي الباطن هُوَ مِنْ النواصب اللدودين في الخصومة والعداء مَعَ مَنْ أمر الله بمودّتهم.
ومنها: قصد هَذا البعض الاستيلاء وتقلّد الأُمور العامَّة عَلَى الناس.
ومنها: إفساده في الأرض، أي: تخريب العمران والطابع المدني والتمدُّني سواء، في الجانب المادّي والعمراني أو طابع التمدُّن في الأخلاق والإسفاف بها إلى الحالة الوحشيّة والأوباشيّة الَّتِي هي طبيعة يأجوج ومأجوج المنطبق عَلَى طبيعة النهج الأُموي.
ومنها: التعصُّب الشديد الأعمى في التمسُّك بهذهِ الوحشيّة الأوباشيّة مِنْ إهلاك الحرث والنسل، وبنحو يتعزّز ويفتخر بها، وَهَذا ما وَرَدَ في روايات الفريقين مِنْ صفة يأجوج ومأجوج أنَّهم يتباهون بسفك الدماء وتخريب تمدّن الأرض ومدنيّتها وطابعها المدني.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُم﴾[404].
وهي وصف للذين في قلوبهم مرض والذين قال عنهم القُرآن أيضاً: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ الله أَضْغَانَهُم﴾[405]، أي: إنَّهم يحملون الضغينة تّجاه مَنْ أمر الله بمودّتهم وَهُوَ الضغينة لقربى النَّبي الذي أمر الله بمودّتهم، وَهَذا ما يتّصف به النهج الأُموي مِنْ البغض والضغينة لأهل البيت^ بجانب الإفساد في الأرض ومحاولة المسك بزمام مقاليد الحُكم، والمُراد بتقطيع الأرحام؛ لأنَّها أعظم رحم أوصى القُرآن بصلتها، حتّى جعل أجر كُلّ الرسالة مودّة ذوي القربى وصلتهم وبرّهم، وهي - تقطيع الأرحام- بعينها صفات اليأجوج والمأجوج والسُّفياني.
الرجعة قُبَيل الظهور
هي محور أدوار مسرح أحداث الظهور
إنَّه قدْ كُتب في ظهور الإمام الثّانِي عشر المهدي الحجّة بن الحسن # كتبٌ ودراسات وبحوث كثيرة، وتمَّ فيها تنقيح كثير مِنْ الأُمور وتوضيح الرؤية وصقلها لجملة مِنْ الأحداث، إلّا أنَّه يجدر تسجيل المُلاحظة عليها بجملة مِنْ المؤاخذات والنقود البُنيويّة الرئيسة:
1. إنَّ معرفة حقيقة الظهور وحقيقة دولة العدل للإمام الثّانِي عشر # لا تتمُّ بدون معرفة الغاية مِنْ الظهور والغاية مِنْ الدولة؛ لأنَّ غاية كُلّ شيء هُوَ أبين أمر في تعريف الشيء، حتّى إنَّه قِيلَ في علم المنطق: إنَّ الأجزاء الركنيّة القواميّة الَّتِي يتكوَّن منها الشيء ليست بمثابة مِنْ الأهمّية في تعريف الشيء بقدر تعريفه بغايته.
وقدْ دلَّت الروايات المُسْتفيضة والمتواترة على أنَّ الغاية مِنْ ظهوره # وإقامة دولته هُوَ التمهيد لرجعة آبائه^، وأنَّ ظهوره ودولته فاتحة لظهور آبائه برجعتهم إلى دار الدُّنيا مرَّة أُخرى، وإقامة دولتهم ذات الشأن العظيم.
فإذا تقرّر ذلك؛ فيتبيَّن أنَّ بحوث الظهور والدراسات حول ظهور ودولة الإمام الثّانِي عشر غُيِّب فيها ما هُوَ لب لباب معرفتها، وما هُوَ محور كنه حقيقتها، وهذهِ النقطة بيّناها في مباحث كتاب (الرجعة بين الظهور والقيامة) ؛ وبسبب هَذا التغييب لحقيقة الظهور ودولة الإمام الثّانِي عشر # سهل عَلَى كثير مِنْ الحركات والتيارات المُنحرفة للأدعياء والدجالين مسخ ماهية الظهور وماهية دولة العدل للإمام الثّانِي عشر، فأخذوا يرسمون لها ماهيات ممسوخة عَنْ أصل حقائق ثوابت الدِّين بتلاوين مارقة عَنْ صبغة الدِّين الحنيف.
2. إنَّ هذهِ الدراسات والبحوث جعلت نجوم ومحاور مسرح أحداث سنة الظهور عبارة عَنْ الخراساني واليماني والسُّفياني، بينما الظاهر مِنْ روايات مُسْتفيضة أنَّ محور محاور أحداث سنة الظهور هُوَ حصول الرجعة في أوائل رجب، أي: ستة أشهُر قبل الظهور، وأنَّ الذي يرجع عدد غفير مِنْ الموتى مِنْ المؤمنين، يكون لهم دور بالغ الخطورة في توازن معادلات الأحداث في سنة الظهور، لا سيّما السبعة والعشرين نفراً وفرداً مِنْ أفراد الحُكومة المركزيّة لدولة الإمام الثّانِي عشر، وهم الخليّة المركزيّة في أصحابه الثلاثمائة وثلاثة عشر، ويقومون بدور تمهيدي عظيم رئيسي في العراق، ثمَّ في مكَّة، وَمِنْ عظم هَذا الدور لهم وَردت المقولة المُسْتفيضة عَنْ المعصومين^: «العجب كُلّ العجب ما بين جمادي ورجب»[406]، حتّى أنَّ أمير المؤمنين× كَانَ يردّدها باستفاضة عَلَى منبر الكوفة، وكَانَ الكثير مِنْ الجُلساء تَحْتَ منبره يستحفونه السُّؤال عن سبب هَذا التعجّب، فيخبرهم بحصول رجعة للمؤمنين في ذلك التوقيت، وأنّه يكون لهم دور خطير في سنة الظهور في العراق ثمَّ في مكَّة، بلْ لمْ يأتِ في كلام أمير المؤمنين× ذكر للحسني ولليماني وللسُّفياني بقدر ما كَانَ يذكر العجب في رجب أو ما بين جمادي ورجب؛ ممّا يؤثر عَلَى مزيد اهتمامه× بما لهذه المجموعة الراجعة مِنْ دور خطير في مسرح الأحداث لسنة الظهور، ثمَّ روايات العجب روايات صحيحة، منها ما عن الأصبغ بن نباتة قال: خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× بالكوفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «... فيا لهفاه على ما أعلم! رجب شهر ذِكْر، رمضان تمام السنين، شوال يُشال فيه من القوم، ذو القعدة يقعدون فيه، ذو الحجّة الفتح من أول العشر، ألّا إنّ العجب كلّ العجب بعد جمادي ورجب، جمع أشتان وبعث أموات وحديثات هونات هونات بينهن موتات، رافعة ذيلها داعية عولها معلنة قولها، بدجلة أو حولها، ألّا إنّ منّا قائماً عفيفة أحسابه، سادة أصحابه، تنادوا عند اصطلام أعداء الله باسمه واسم أبيه في شهر رمضان ثلاثاً، بعد هرج وقتال، وضنك وخبال، وقيام من البلاء على ساق، وإنّي لأعلم إلى مَن تخرج الأرض ودائعها، ويُسلَّم إليه خزائنها، ولو شئت أن أضرب برجلي فأقول: أخرجوا من ها هنا بيضاً ودروعاً»[407].
وكذلك خطب عليّ× بعد انقضاء النهروان، فقال: «ذلك أمر الله وهو كائن وقتاً مريحاً، فيا بن خيرة الإماء متى ننتظر، أبشر بنصر قريب من ربٍّ رحيم، فبأبي وأُمّي من عدّة قليلة، أسماؤهم في الأرض مجهولة، قد دان حينئذٍ ظهورهم، يا عجباً كلّ العجب بين جمادي ورجب! من جمع شتات، وحصد نبات، ومن أصوات بعد أصوات. ثمَّ قال: سبق القضاء سبق»[408].
3. إنَّ هذهِ الدراسات والبحوث تُركِّز عَلَى شخوص الحسني واليماني والسُّفياني، والتدقيق في أشخاصهم وشخصيتهم وخصوصياتهم الشخصية، مَعَ أنَّ الأهم بحسب الروايات في الأحداث لَيسَ أشخاص الثلاثة وغيرهم ممَّن ذُكرت أسماؤهم في أحداث سنة الظهور، بلْ الأهمّ هُوَ بيان طبيعة المناهج الثلاثة، وطبيعة المسار والمنطلق العقائديّ والفكريّ والفقهيّ لكلٍّ مِنْ التيارات البشرية الثلاثة، وبيان المنهج لهذه التيارات أعظم فِي ميزان البصيرة وقواعد صحّة الرؤية مِنْ شخوص الأشخاص.
فبوصلة البحث في دراسات الظهور أخذت منحىً صوري، بدل أنْ تدخل في عمق الأسباب المؤثِّرة في الأحداث وحقيقة القوى الفاعلة في التيارات؛ وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ في الروايات أنَّ الحسني واليماني والسُّفياني وإنْ كَانَ مِنْ المحتوم، إلّا أنَّ إمكانية وقوع البَداء في الثلاثة، وإمكانية البَداء فيها له عِدَّة تفسيرات وتأويلات قدْ تقدَّم بعض منها، إلّا أنّنا نُضيف في المقام تأويلاً آخر، وَهُوَ الإشارة إلى ما نحنُ فيه مِنْ أهمّية المنهج وخطورته للتيارات الثلاثة بدرجة تفوق شخوص الأشخاص الثلاثة، وأنَّ أشخاص الثلاثة لا ينحصر بهم وقوع مسرح الأحداث، بلْ المناهج الثلاثة في التيارات البشريّة هي العُمدة في التأثير في أحداث سنة الظهور، فالبحث في المنهج والمسلك وشعارات كُلّ راية مِنْ الرايات الثلاث هي أعظم وأخطر بدرجة بالغة عَنْ الحديث عَنْ الأشخاص، فكم حصل تغييب للُباب الأحداث؟ ويتركّز ذلك عَلَى سطح الأُمور، واللُباب هُوَ التفسير المنطقيّ العقائديّ الفقهيّ لكلِّ تيار كي يكون المؤمن عَلَى بصيرة قواعد الموازين، ولا تُلبس عليه اللوابس في كيفيّة تحمّل المسؤولية والوظيفة؛ وَمِنْ ثَمَّ وقع التركيز عَلَى سطح الأُمور في تلك الدراسات والبحوث ممّا مهّد الأرضيّة لخداع جملة مِنْ الأدعياء والدجّالين لتقمُّص صورة هؤلاء الثلاثة، فغُيِّب الوعي بالمنهج الذي هُوَ قوام البصيرة، واستُبدل واختُزل في أسماء لأشخاص وشخوص.
4. إنَّ بلورة العقيدة المهدويّة بالإمام الثّانِي عشر وظهوره ودولته تمَّ صياغتها وقولبتها بعيداً عَنْ ماهية منهاج آبائه، كالمنهاج العلويّ والفاطميّ والحسنيّ والحُسينيّ وبقية الأئمّة، فصار البيان لماهية الظهور - ومشروع الدولة للإمام الثّانِي عشر- مبتوراً عَنْ لُبّه الحقيقي ومجتثّاً عَنْ جذوره الأصليّة، وكأنَّما منهج الحسين× مُغيَّب لونه في منهج الظهور وإقامة دولة الظهور، وكذلك منهج أصحاب الكساء، بلْ الأعظم منهج سَيِّد الأنبياء الذي هُوَ السيّد الأكبر وإمام الأئمّة’؛ وَمِنْ ثَمَّ سهل عَلَى الأدعياء والدجّالين المُدّعين للمهدويّة إبداء منهج مهدويٍّ مُناقض للمنهج الحُسينيّ، ومُغيَّب فيه منهج أصحاب الكساء وثوابت ومُحكمات القُرآن العظيم؛ كُلّ ذلك بسبب البلورة المبتورة لحقيقة العقيدة بالإمام الثّانِي عشر ومشروعه العظيم.
السُّفياني بين المحتوم والموقوف
وردت روايات كثيرة أكّدت أنَّ السُّفياني مِنْ المحتوم، وبعضها حدّد وقت خروجه، فعَنْ معلى بن خنيس، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «مِنْ الأمر محتوم، ومنه ما لَيسَ بمحتوم، وَمِنْ المحتوم خروج السُّفياني في رجب»[409]، وكذلك عَنْ عبد الملك بن أعين، قال: «كنت عِنْدَ أبي جعفر× فجرى ذكر القائم× فقلتُ له: أرجو أنْ يكون عاجلاً ولا يكون سفياني، فقال: لا والله، إنَّه مِنْ المحتوم الذي لا بدَّ منه»[410]، وكذلك رواية حمران بن أعين، عَنْ أبي جعفر مُحمَّد بن علي÷ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾[411]، فقال: «إنَّهما أجلان، أجل محتوم، وأجل موقوف، فقال له حمران: ما المحتوم؟ قال: الذي لله فيه المشيئة، قال حمران: إنِّي لا أرجو أنْ يكون أجل السُّفياني مِنْ الموقوف. فقال أبو جعفر×: لا والله، إنَّه لِمَنْ المحتوم»[412].
وكذلك وردت روايات كثيرة في شأن حركة السُّفياني وأنّها مِنْ المحتوم، كما أنَّها فصّلت في الفترة الَّتِي يتحرّك فيها وفي وقتها، وما هي مساحة سلطانه، وَهَذا التفصيل إشارة إلى إمكان البَداء في تفاصيل حركته - كما سَنُبيِّن- فقدْ وَرَدَ عَنْ عيسى بن أعين، عَنْ أبي عبد الله× أنَّه قال: «السُّفياني مِنْ المحتوم، وخروجه في رجب، وَمِنْ أوَّل خروجه إلى آخره خمسة عشر شهراً ستّة أشهُر يقاتل فيها، فإذا ملك الكور الخمس ملك تسعة أشهُر ولم يزد عليها يوماً»[413].
وفي تفسير القمّي: سُئل الإمام أبو جعفر× قال: سألته عَنْ قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّوم * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون﴾[414]، قال: أبو عبيدة: قال×: «إنَّ لهذا تأويلاً لا يعلمه إلّا الله والراسخون في العلم مِنْ الأئمّة، إنَّ رسول الله’ لمّا هاجر إلى المدينة وقدْ ظهر الإسّلام كتب إلى ملك الروم كتاباً وبعث إليه رسولاً يدعوه إلى الإسلام، وكتب إلى ملك فارس كتاباً وبعث إليه رسولاً يدعوه إلى الإسلام، فأمَّا ملك الروم فإنَّه عظم كتاب رسول الله’ وأكرم رسوله، وأمَّا ملك فارس فإنَّه مزّق كتابه واستخفّ برسول الله’ وكَانَ ملك فارس يقاتل يومئذٍ ملك الروم وكَانَ المُسْلِمُون يهوون أنْ يغلب ملك الروم ملك فارس، وكانوا لناحية ملك الروم أرجى منهم لملك فارس، فلمّا غلب ملك فارس ملك الروم بكى لذلك المُسْلِمُون واغتمّوا، فأنزل الله: ﴿غُلِبَتِ الرُّوم * فِي أَدْنَى...﴾. يعني غلبها فارس في أدنى الأرض، وهي الشامات وما حولها، ثمَّ قال، وفارس مِنْ بَعْدَ غلبهم الروم سيُغلبون في بضع سنين.
وقوله:﴿لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾، أنْ يقضي بما يشاء، قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون * بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاء﴾. قلتُ: أليس الله يقول: ﴿في بضع سنين﴾، وقدْ مضى للمُسْلمين سنون كثيرة مَعَ رسول الله’ وفي إمارة أبي بكر وإنَّما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر؟
فقال: ألم أقل لك: إنَّ لهذا تأويلاً وتفسيراً والقُرآن - يا أبا عبيدة- ناسخ ومنسوخ، أما تسمع قوله: ﴿لِله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾؟ يعني المشيئة في القول أنْ يؤخِّر ما قدّم ويقدم ما أخَّر إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه عَلَى المؤمنين، وذلك قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون * بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاء﴾»[415].
والرواية المُتقدِّمة تُشير إلى أنَّ الانتصارات تكون بمشيئة الله وإرادته (عَزَّ وَجَلَّ)، وحتّى غلبة الروم في كُلّ معاركهم، ومنها معركتهم مَعَ أتباع أهل البيت^ - بواسطة السُّفياني- لله فيها الأمر مِنْ قَبل وَمِنْ بَعْد، أي: له فيها البَداء.
في مقابل هذهِ الروايات هُناك بعض الروايات تُصرِّح بإمكان البَداء في حركة السُّفياني، حدَّثنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: «كُنّا عِنْدَ أبي جعفر بن مُحمَّد بن علي الرضا^ فجرى ذِكْر السُّفياني وما جاء في الرواية مِنْ أمره مِنْ المحتوم، فقلت لأبي جعفر× هَلْ يبدو لله في المحتوم؟ قال: نَعَمْ، قُلْنا له: فنخاف أنْ يبدو لله في القائم. فقال: إنَّ القائم مِنْ الميعاد، والله لا يخلف الميعاد»[416].
ومعنى كونه محتوم لا يعني عدم تطرّق البَداء فيه؛ لأنّ المحتوم ليس الذي وقع ووُجِد، إنّما قُدّر تقديراً باتّاً ولمّا يقع، وقد اكتملت أسباب وقوعه، أي: شارفت أسباب وقوعه على الاكتمال ولمّا يقع، وعلى ضوء ذلك فإمكان هيمنة تقدير آخر حاكم ووارد.
وإنّما سُمّي محتوماً لأنّ أسباب وقوعه قد تكاملت وشارفت على الاكتمال، بخلاف التقدير الذي لمّا تجمع أسباب وقوعه، لا يسمّى تقديراً محتوماً وكذلك الحال بالنسبة للقضاء المُبرَم؛ ومن ثَمَّ ورد عنهم: «فإنّ الدعاء... يردّ البلاء وقد قُدر وقُضي ولم يبقَ إلّا إمضاؤُه»[417]، وأنّ: «الدعاء يردّ القضاء بعدما أُبرم إبراماً»[418]، كما هو الحال في قوم يونس× عندما تحقق جملة من أسباب وقوع العذاب في المحيط والبيئة خارجاً، حتى أنّ العذاب أظلهم، أي: قرُب من أكنافهم إلّا أنّهم لمّا دعوا وتضرّعوا وتابوا واستكانوا كُشف عنهم العذاب.
نعم، البَداء بكل مراتبه حتى الأعظم منه لا يتطرّق احتماله وإمكانه فيما وعد الله؛ لأنّ الله تعالى لا يخلف الميعاد، كذلك الحال فيما أخبر الله (عزَّ وجلَّ) عنه من أُمور مستقبليّة تقع لاحقاً، فإنّه لا يتخلّف ما أخبر عنه تعالى، وقد تقدّم سابقاً شطر من الكلام في ذلك فراجع.
دروس تربويّة في البَداء
مِنْ جهة أُخرى المعصوم× يُربِّي المؤمنين علميّاً وعمليّاً عَلَى كيفيّة التعاطي مَعَ البَداء، فعن الإمام أبي جعفر×، قال: قلتُ: لهذا الأمر وقت؟
فَقَالَ×: «كَذَب الوقّاتون، كَذَب الوقّاتون، إنَّ موسى× لمّا خرج وافداً إلى ربّه، واعدهم ثلاثين يوماً، فلمّا زاده الله عَلَى الثلاثين عشراً، قال قومه: قدْ أخلفنا موسى. فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدّثناكم الحديث فجاء عَلَى ما حدّثناكم به، فقولوا: صدق الله، وإذا حدّثناكم الحديثَ فجاء عَلَى خلاف ما حدّثناكم به، فقولوا: صدق الله. تؤجروا مرّتين»[419].
وفي مُناظرة الإمام الرضا× مَعَ سليمان المروزي: «لَقَدْ أخبرني أبي، عَنْ آبائه أنَّ رسول الله’ قال: إنَّ الله (عَزَّ وَجَلَّ) أوحى إلى نبيٍّ مِنْ أنبيائه أنْ أخبر فلان المَلِك: أنِّي متوفيه إلى كذا وكذا. فأتاه ذلك النبيّ فأخبره، فدعا الله الملك وَهُوَ عَلَى سريره حتّى سقط مِنْ السرير، وقال: يا ربّ، أجّلني حتّى يشبّ طفلي وأقضي أمري. فأوحى الله (عَزَّ وَجَلَّ) إلى ذلك النبيّ أنْ ائت فلان فأعلمه أنِّي قدْ أنسيت أجله وزدت في عمره إلى خمس عشرة سنة. فقال ذلك النبي: يا ربّ، إنَّكَ لتعلم أنِّي لمْ أكذب قط. فأوحى الله (عَزَّ وَجَلَّ) إليه: إنَّما أنت عبد مأمور فأبلغه ذلك، والله لا يُسئل عمّا يفعل»[420].
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن﴾[421] عَنْ الإمام أبي عبد الله×: عَنْ آبائه عَنْ أمير المؤمنين× إنَّه قال: «إنَّ النَّبي’ قال: قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن﴾ فإنَّ مِنْ شأنه أنْ يغفر ذنباً ويفرِّج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين»[422].
وعن سليمان الطلحي قال: «قلتُ للإمام أبي جعفر× أخبرني عمّا أخبرتْ به الرُّسُل عَنْ ربّها وأنهت ذلك إلى قومها أيكون لله البَداء فيه؟ قال: أمَّا إنِّي لا أقول لك: إنَّه يفعل، ولكن إنْ شاء الله فعل»[423].
وكذلك عَنْ أبي بصير عَنْ أحدهما: «إنَّ رأس المهدي العباسي يُهدى إلى موسى بن عيسى عَلَى طبق. قلتُ: فقدْ مات هَذا وَهَذا؟ قال: فقدْ قال الله:﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ﴾، فلم يدخلوها ودخلها الأبناء - أو قال أبناء الأبناء- فكان ذلك دخولهم. فقلت: أوَ ترى أنّ الذي قال في المهدي وفي ابن عيسى يكون مثل هذا؟ فقال : نعم يكون في أولادهم»[424].
وأيضاً عَنْ ضريس الكناسي قال: كنت عِنْدَ الإمام أبي عبد الله× وعنده أبو بصير، فقال أبو عبد الله×: «إنَّ داود ورث عِلْم الأنبياء، وإنَّ سليمان ورث داود، وإنَّ محمّداً’ ورث سليمان، وإنّا ورثنا محمّداً’ وإنَّ عندنا صُحف إبراهيم وألواح موسى. فقال أبو بصير: إنَّ هَذا لهو العِلم، فقال: يا أبا مُحمَّد، لَيسَ هَذا هُوَ العلم، إنَّما العلم ما يحدث بالليل والنَّهار يوماً بيوم وساعة بساعة»[425].
وعن الإمام أبي جعفر× قال: «إنَّ الله لمْ يدع شيئاً كَانَ أو يكون إلّا كتبه في كتاب، فَهُوَ موضوع بين يديه ينظر إليه فما شاء منه قدّم، وما شاء منه أخّر، وما شاء منه محا، وما شاء منه كَانَ، وما لمْ يشأ لمْ يكن»[426].
البَداء وإخفاق مشروع السُّفياني
روايات البداء بلسان البشارة
هُنا يحسن بنا تطبيق قواعد البحث السابق عَلَى مشروع السُّفياني المستقبليّ؛ بياناً لآفاق الاختيار والمسؤوليّة في ظلّ كونه مِنْ المحتوم، إلّا أنَّ حتميته لا تفلت مِنْ البَداء، ولم يكن تقريراً ضمن المباحث السابقة.
هُناك روايات عديدة بيَّنت أنَّ نفس ظهور حركة السُّفياني فيها بشارة؛ حيث إنَّها علامة مِنْ علامات الفرج بظهور صاحب الأمر # ، ونفس معنى أو عنوان (البشارة) فيه إشارة إلى إمكان البَداء في حركة السُّفياني تعجيلاً بالفرج. فَعَنْ هشام بن سالم، عَنْ أبي عبد الله جعفر بن مُحمَّد÷ إنَّه قال: «إذا استولى السُّفياني عَلَى الكور الخمس فعدّوا له تسعة أشهُر. وزعم هشام أنَّ الكور الخمس: دمشق، وفلسطين، والأردن، وحمص، وحلب»[427] ، وَمِنْ الواضح هُنا أنَّ السُّفياني يملك الكور الخمس فتكون منها فلسطين، وهُنا إشارة إلى أنَّ إسرائيل قدْ تكون زائلة، وإلّا فكيف يحكمها أو يسيطر عليها، وَمِنْ غَير المُحتمل أنْ يكون هُوَ الذي أسقطها.
وَمِنْ جهة أُخرى تُبيّن أنَّ لبنان خارجة عَنْ سيطرة السُّفياني، منه ما رواه الصدوق، بإسناده عَنْ عبد الله بن أبي منصور البجلي، قال: «سألت أبا عبد الله× عَنْ اسم السُّفياني، فقال: وما تصنع باسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن، وقنسرين فتوقعوا عِنْدَ ذلك الفرج. قلتُ: يملك تسعة أشهُر؟ قال: لا، ولكن يملك ثمانية أشهُر لا يزيد يوماً»[428].
إذاً؛ في هذهِ الروايات إشارات كثيرة لنصر المؤمنين، رغم أنَّها تصوّر لنا شدّة البأس الذي يلقاه المؤمنون مِنْ السُّفياني، فإنَّ زوال إسرائيل بحدّ ذاته نصر عظيم وفرج كبير وفرح عظيم وبشارة كبرى، وحتّى قول الإمام×: «إنَّ السُّفياني يملك ثمانية أشهُر». هَذا نصر آخر؛ باعتبار أنَّ قُصر فترة حُكمه كاشفة عَنْ شدّة مقاومة المؤمنين لمشروعه، ولذلك الإمام× يجعل الاستيلاء والسيطرة عَلَى الكور الخمس بحدّ ذاته علامة ومؤشّر لحصول النصر للمؤمنين؛ حيث يقول: «فتوقّعوا الفرج».
نَعَمْ، هُناك روايات ذكرت أنَّ مُدّة ملكه تسعة أشهُر، وبعضها (حمل جمل) [429]. فقدْ جاء عَنْ عيسى بن أعين، عَنْ أبي عبد الله×: «السُّفياني مِنْ المحتوم وخروجه في رجب، وَمِنْ أوَّل خروجه إلى آخره خمس عشر شهراً، ستة أشهُر يقاتل فيها، فإذا ملك الكور الخمس ملك تسعة أشهُر ولم يزد عليها يوماً»[430]. ولعلَّ هَذا التفاوت - الذي ذكرته الروايات- في مُدّة ملكه إشارة لجهة البَداء الذي مِنْ أسبابه همّة المؤمنين الأبطال الغيارى في مواجهته.
رجفة الشام
عن المغيرة بن سعيد، عَنْ أبي جعفر الباقر× أنَّه قال: «قال أمير المؤمنين×: إذا اختلف الرمحان بالشام لمْ تنجلِ إلّا عَنْ آية مِنْ آيات الله. قِيلَ: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: رجفة تكون بالشام، يهلك فيها أكثر مِنْ مائة ألف، يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذاباً عَلَى الكافرين، فإذا كَانَ ذلك فاُنظروا إلى أصحاب البراذين الشُّهب المحذوفة، والرايات الصفر تُقبل مِنْ المغرب حتّى تحل الشام، وذلك عِنْدَ الجزع الأكبر والموت الأحمر، فإذا كَانَ ذلك فاُنظروا خسف قرية مِنْ دمشق يُقَال لها: حرستا، فإذا كَانَ ذلك خرج ابن آكلة الأكباد مِنْ الوادي اليابس حتّى يستوي عَلَى منبر دمشق، فإذا كَانَ ذلك فانتظروا خروج المهدي #»[431].
وَمِنْ هذه الرواية يمكن استفادة عدّة أُمور:
1. في هذه الرواية يُبيِّن أمير المؤمنين× أنَّ الاختلاف والصراع في الشام هُوَ رحمة للمؤمنين وعذاب للكافرين، أي: إنَّ النصر للمؤمنين إنْ شاء الله.
2. إنَّ الرايات الصُفر الظاهر أنَّها كناية عَنْ الغرب، حيث يتدخّلون بجيوشهم تدخّلاً مُباشراً بَعْدَ أنْ فشلت مُخططاتهم في الشام مِنْ خلال إحداث الفتن بين أبناء الإسلام، وبعد أنْ تفشل مخططاتهم في استئصال أهل الحقّ.
3. وقدْ يستظهر مِنْ الرواية أنَّ السُّفياني هُوَ الخيار الأخير للغرب الكافر، وَهُوَ يأتي بَعْدَ (فشلين) في مرحلتين: مرحلة الاقتتال في الشام، ومرحلة التدخّل الغربي المُباشر، وليسَ كما يتصوّر أنَّه هُوَ الذي يخوض المعارك في الشام، بلْ هُوَ يسيطر عليها بدعم مباشر مِنْ الغرب الكافر، بَعْدَ حروب طويلة فيسيِّطر عَلَى فلسطين، فَمِنْ البعيد أنَّه هُوَ الذي يزيل الكيان الصهيوني عنها؛ لأنَّه حليف لهم، ولعلَّ في ذلك إشارة - وبشارة- بسقوط إسرائيل قبل خروج السُّفياني وزوال دولتها، فإذا ظهر سيطر عليها بَعْدَ سقوطها. فحينها تقول الرواية، عَنْ عبد الله بن جعفر بن منصور البجلي، قال: «سألت أبا عبد الله عَنْ اسم السُّفياني، فقال: وما تصنع باسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن، وقنسرين فتوقّعوا عِنْدَ ذلك الفرج»[432]. فكونه يسيطر عَلَى فلسطين يعني أنَّها خارجة عَنْ سيطرة إسرائيل؛ وبالتالي هُوَ نبوءة بسقوط إسرائيل وفشل المشروع الإسرائيلي الغربي في المنطقة بجهود المؤمنين مِنْ أهل الحقّ، وكما قُلْنا هُما فشلان: فشل في جعل المُسْلمين يأكل بعضهم بعضاً، وفشل آخر بالتدخّل العسكري المُباشر مِنْ قَبل الغرب الكافر، حينها يخرجون صنيعتهم وورقتهم الرابحة - كما يتصورون- السُّفياني.
روايات (البَداء) بلسان أنَّ السُّفياني نقمة للمؤمنين
عَنْ مُحمَّد بن مُسْلِم، قال: سمعت أبا جعفر الباقر× يقول: «اتّقوا الله واستعينوا عَلَى ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد في طاعة الله، فأشدّ ما يكون أحدكم اغتباطاً بما هُوَ فيه مِنْ الدِّين لو قدْ صار في حدّ الآخرة وانقطعت الدُّنيا عَنْه، فإذا صار في ذلك الحدّ عرف أنَّه قدْ استقبل النعيم والكرامة مِنْ الله والبشرى بالجنّة، وأمن ممّا كَانَ يخاف، وأيقن أنَّ الذي كَانَ عليه هُوَ الحقّ، وأنَّ مَنْ خالف دينه عَلَى باطل، وأنّه هالك فابشروا، ثمَّ ابشروا بالذي تريدون، ألستم تريدون أعداءكم يقتتلون في معاصي الله ويقتل بعضهم بعضاً عَلَى الدُّنيا دونكم وأنتم في بيوتكم آمنون في عزلة عنهم؟ وكفى بالسُّفياني نقمة لكم مِنْ عدوكم وَهُوَ مِنْ العلامات لكم، مَعَ إنَّ الفاسق لو قدْ خرج لمكثتم شهراً أو شهرين بَعْدَ خروجه لمْ يكن عليكم بأس حتّى يقتل خلقاً كثيراً دونكم.
فقال له بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كَانَ ذلك؟ قال: يتغيّب الرجال منكم عَنْه فإنَّ حنقه وشرهه (حرصه) إنَّما هي عَلَى شيعتنا، وأمَّا النساء فليس عليهن بأس إنْ شاء الله. قِيلَ: فإذنْ، أين مخرج الرجال ويهربون منه؟ فقال: مَنْ أراد منهم أنْ يخرُج إلى المدينة أو إلى مكّة أو إلى بعض البلدان. ثمَّ قال: ما تصنعون بالمدينة وإنَّما يقصد جيش الفاسق إليها، ولكن عليكم بمكّة فإنَّها مجمعكم، وإنَّما فتنته حمل امرأة تسعة أشهُر لا يجوزها إنْ شاء الله»[433].
وهذهِ الرواية أيضاً يمكن جعلها مِنْ روايات (البَداء بلسان البشارة) حَيْثُ يُبيِّن فيها الإمام الباقر× أنَّ في فتن آخر الزمان رحمة للمؤمنين وبشارة لهم، إنَّهم آمنون في بيوتهم وأعدائهم يقتل بعضهم بعضاً، بلْ هُوَ× يجعل نفس السُّفياني الذي فيه ما فيه وعليه ما عليه بشارة؛ لأنَّه نقمة مِنْ الأعداء، ومَعَ ذلك الإمام لمْ ينكر أنَّه يقتل منهم خلقاً كثيراً، بسبب تخاذلهم، أي: إنّهم لو لَمْ يتخاذلوا لكفكفوا نشاطه.
الإعلام المزيَّف للسُّفياني
الرواية المُتقدِّمة تبيَّن أنَّ حرصه عَلَى قتل رجالات الشيعة، وليسَ عَلَى النساء والأطفال مِنْ بأس، وقدْ قرأنا أنَّه يبقر بطون الحوامل ويزني بالمرأة في وسط الطريق، فهل هُناك مُنافاة أم هُوَ بيان لشيء آخر؟
فنقول: هذه الرواية هي بيان ما يعلنه مِنْ شعار وما يحاول أنْ يمارسه مِنْ أعمال، يحاول مِنْ خلالها إظهار مدى التزامه بالإسلام وتعاليم النَّبي’ حينما يكون أمام الملأ وأمام الرأي العام، أمَّا الروايات الأُخرى فهي تُبيِّن واقعه وما يمارسه بشكل عام مِنْ قتل كُلّ مَنْ تبع أهل البيت ^، بلْ كُلّ مَنْ يقف في طريقه، وأنّه لا نُبل عنده ولا خُلق ولا إنسانيّة، وكذلك تُبيِّن بعض ممارساته الَّتِي لا يُريد إظهارها للإعلام والَّتِي تكشف حقيقته وواقعه وتُبيِّن زيف شعاراته.
فإذاً؛ بعض الروايات يشير إلى واقع وحقيقة السُّفياني، وبعضها يشير إلى الإعلام الذي ينشره السُّفياني بين الناس؛ وبالتالي هي ترسم كلا الأمرين حتّى يتمكّن المؤمن أنْ يحتمي مِنْ عدوّه، حيث يفهم أنَّ عدوّه لو كان بعيداً عن الإعلام كيف يكون؟ فيتصرّف بحسب مُقْتضى الحال، وإذا كَانَ عدوّه في العلن كيف يكون فيتصرَّف بما يُناسِب.
ثمَّ إنَّ الرواية تُبيِّن أين يكون همُّ السُّفياني حتّى يلتفت المؤمن كيف وأين تكون نجاته منه.
وفي أمالي الطوسي عَنْ هشام بن سالم، قال: قال أبو عبد الله× وذكر السُّفياني، فقال: «أمَّا الرجال، فتواري وجوهها عَنْه، وأمَّا النساء فليس عليهن بأس»[434][435].
هذهِ الرواية وروايات أُخرى كثيرة هي في صدد المعالجة والإنقاذ والنجاة في البُعد الفردي، مَعَ لسان روايات أُخرى تتعرَّض لمُقتضى القاعدة الأولية مِنْ تحمّل المسؤولية في البُعد الجماعي مِنْ تشكيل مقاومات ومجاميع مواجهة مَعَ مشروع السُّفياني، وأنَّ التخاذل عَنْ هذهِ المسؤوليات عصيان كبير، وَهَذا ما يظهر مِنْ الرواية في عقد الدرر: «ثمَّ يدخُل الكوفة فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تلحق به وهم أشرّ خلق الله، وفرقة تقاتله وهم عِنْدَ الله شُهداء، وفرقة تلحق بالأعراب وهم العُصاة... فيبلغ الخبر أهل البصرة فيركبون إليهم في البرّ والبحر فيستنقذون أُولئك النساء مِنْ أيديهم»[436]. وهذهِ الرواية حاكم ومحكم عَلَى الرواية المتقدِّمة وبقية المتشابهات.
الخسف عنوان للبَداء في حركة السُّفياني
نُقل في عقد الدرر عن النقاش المقري - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾[437]- روايةً وهي: «ثمَّ يدخُل الكوفة فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تلحق به وهم أشرّ خلق الله تعالى، وفرقة تقاتله وهم عِنْدَ الله شُهداء، وفرقة تلحق الأعراب وَهُم العصاة، ثمَّ يغلب عَلَى الكوفة فيفتض أصحابه ثلاثين ألف عذراء، فإذا أصبحوا كشفوا شعورهنّ، وأقاموهن في السوق يبيعوهنّ فعند ذلك كم مِنْ لاطمة خدّها كاشفة شعرها بدجلة أو عَلَى شاطئ الفرات، فيبلغ الخبر أهل البصرة، فيركبون إليهم في البرّ والبحر، فيستنقذون أُولئك النساء مِنْ أيديهم، فيصير أصحاب السُّفياني ثلاث فرق: فرقة تسير نحو الري، وفرقة تبقى في الكوفة، وفرقة تأتي المدينة وعليهم رجل مِنْ بني زهرة، فيحاصرون فيقبلون جميعاً، فيقتل بالمدينة مقتلة عظيمة حتّى يبلغ الدم الرأس المقطوع ويقتل رجل مِنْ أهل بيت النَّبي’ وامرأة، واسم الرَّجُل مُحمَّد، ويُقَال: اسمه عليّ، والمرأة فاطمة فيصلبونهما عراة؛ فعند ذلك يشتدّ غضب الله تعالى عليهم، ويبلغ الخبر إلى ولي الله تعالى، فيخرج مِنْ قرية مِنْ قرى جرش في ثلاثين رجلاً فيبلغ المؤمنين خروجه، فيأتونه مِنْ كُلّ أرض يحنّون إليه كما تحنّ الناقة إلى فصيلها، فيجيء فيدخُل مكة فتقام الصَّلاة فيقولون: تقدَّم يا ولي الله. فيقول: لا أفعل أنتم الذين نكثتم وغدرتم. فيصلي بهم رجل، ثمَّ يتداعون عليه بالبيعة تداعي الإبل الهيم يوم ورودها حياضها، فيبايعونه، فإذا أفرغ مِنْ البيعة تبعه الناس ثمَّ يبعث خيلاً إلى المدينة عليهم رجل مِنْ أهل بيته ليقاتل الزهري، فيُقتل مِنْ كلا الفريقين مقتلة عظيمة، ثمَّ يرزق الله تعالى وليَّه الظفر فيقتل الزهري ويقتل أصحابه، فالخائب يومئذٍ مَنْ خاب مِنْ غنيمة كلب ولو بعقال، فإذا بلغ الخبر السُّفياني خرج مِنْ الكوفة في سبعين ألفاً حتّى بلغ البيداء وعسكّر بها، وَهُوَ يُريد قتال وليّ الله، وخراب بيت الله، فبينما هُم كذلك بالبيداء إذْ نفر فرس لرجل مِنْ العسكر، فيخرج الرَّجُل في طلبه وبعث الله إليه جبرائيل فضرب الأرض برجله ضربة، فيخسف الله تعالى بالسُّفياني وأصحابه، ويرجع الرَّجُل ليقود فرسه، فيستقبله جبرائيل× فيقول: ما هذهِ الضجّة في العسكر؟ فيضربه جبرائيل× بجناحه فيحول وجهه مكان القفا. ثمَّ يمشي القهقري فهذهِ الآية نزلت فيهم ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ﴾[438]»[439].
هذهِ رواية بيَّنت جوانب عديدة مِنْ حركة السُّفياني يمكن الإشارة إلى بعضها:
1. يجب تحمّل المسؤولية أمام حركة السُّفياني؛ لأنَّ الرواية وصفت الفرقة الَّتِي تواجه حركة السُّفياني بأنَّ أصحابها شُهداء وفي طريق الحقّ الصحيح، ووصفت الفرقة الَّتِي تهرب للأعراب بأنْ تكون عصاة ووصفت الفرقة الَّتِي تلحق الأعراب بأنَّها أشرّ الخلق، وَهَذا بحدّ ذاته لَيسَ وصفاً لما يحدث، وليسَ إخباراً بحوادث تاريخيّة؛ فإنَّه لَيسَ مِنْ دأب المعصوم× أنْ يكون قصّاصاً، بلْ هُوَ إشارة إلى مسؤوليّة المؤمن في عصر الغيبة وضرورة القيام بالمسؤولية الدينيّة؛ ولذلك الرواية صنّفت المواقف تجاه السُّفياني مِنْ حيث القيام بالمسؤوليّة إلى أصناف عديدة.
إذاً؛ الرواية تحذِّر المؤمن وتقول له: إياك أنْ تكون مِنْ الفرقة الأُولى الَّتِي تلحق به؛ لأنّها شرّ الخلق وكذلك تحذِّر مَنْ يترك المسؤوليّة - لَيسَ مَنْ ينحرف فقط- ويلحق بالأعراب، وتمدح الفرقة الَّتِي تواجهه وتقول: إنَّ أصحابها شُهداء.
2. إنَّ هذهِ الرواية تشير إلى مسألة البَداء، ولكن لَيسَ بالصراحة وبصورة مُبَاشرة، بلْ بالإشارة إلى أنَّ نفس القيام بالمسؤوليّة سوف يقلِّل مِنْ النشاط المتزايد للسُّفياني ويكفكف مِنْ توسعاته، فمثلاً حينما تقول: «فرقة تقاتله، وهم عِنْدَ الله شهداء». إشارة إلى صدّ المؤمنين لتحرّكاته، كذلك حينما تقول الرواية: «فيبلغ الخبر أهل البصرة، فيركبون إليهم في البرّ والبحر، فيستنقذون أولئك النسوة مِنْ أيديهم»، فليس معنى الحتميّة في حركة السُّفياني هُوَ الحتم الجبري أو القسري الذي يؤدِّي إلى ترك المسؤوليّات وترك المواجهة، كَمَا بيَّنا ذلك.
الوظيفة الأوليّة للمؤمنين هي المقاومة
هُناك روايات عديدة أشارت إلى أنَّ الوظيفة الأوليّة للمؤمنين هي المقاومة:
الرواية الأُولى: في عقد الدرر، عن النقاش المقري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾[440]:
«ثمَّ يدخُل الكوفة، فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تلتحق به وهم أشرّ خلق الله، وفرقة تقاتله وهم عِنْدَ الله شُهداء، وفرقة تلحق الأعراب وَهُم العصاة، ثمَّ يغلب عَلَى الكوفة فيفتضّ أصحابه ثلاثين ألف عذراء، فإذا أصبحوا كشفوا شعورهنّ، وأقاموهنّ في السوق يبيعوهن، فعند ذلك كم مِنْ لاطمة خدّها كاشفة شعرها بدجلة أو عَلَى شاطئ الفرات، فيبلغ الخبر أهل البصرة؛ فيركبون إليهم في البرّ والبحر، فيستنقذون أُولئك النساء مِنْ أيديهم، فيصير أصحاب السُّفياني ثلاث فرق: فرقة تسير نحو الري، وفرقة تبقى في الكوفة، وفرقة تأتي المدينة وعليهم رجل مِنْ بني زهرة...»[441].
وفي الرواية مواضع دالّة عَلَى أنَّ الوظيفة الأوليّة والمسؤوليّة هي المقاومة والمواجهة لمشروع السُّفياني؛ وذلك عِنْدَ قوله: «فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تلحق به وهي أشرّ خلق الله»، وَهُوَ يشير إلى حرمة الانقياد والذوبان مَعَ مشروعه؛ لأنَّه يوجب الخسران الأبدي ومقتضاه لزوم مقاومته.
ثمَّ قوله×: «وفرقة تقاتله وَهُم عِنْدَ الله شهداء»: في هَذا البيان منه× دلالة عَلَى أنَّ القاعدة الأوليّة والوظيفة والمسؤوليّة هي مقاومة مشروعة ومواجهته بلغ ما بلغ، ولا ريب أنَّ هذهِ الوظيفة ليست مقرّرة قبل دخوله الكوفة أيضاً مِنْ كُلّ البلدان حتّى في الشام؛ لأنَّ مشروعه - كما مرَّ- إبادة للدين باسم الدِّين، كما هي شاكلة النهج الأُموي.
وقوله×: «وفرقة تلحق الأعراب وهم العصاة»، وَهَذا أيضاً بيان منه× إلى أنَّ ترك مقاومة السُّفياني والتخاذُل عَنْ هذهِ المسؤوليّة والاهتمام بنجاة النفس معصية كبيرة جدّاً.
ووجه الدلالة عَلَى أنَّها كبيرة أنَّ هَذا العنوان - العصاة- والتوصيف قدْ وَرَدَ نظيره في الذين خالفوا رسول الله’ في مواطن عدّة، نظير ما وَرَدَ في الصوم في السفر مِنْ جماعة كانوا مَعَ رسول الله’ وبقوا صياماً سمّاهم النَّبي’ العُصاة، وبقي ذلك الوصف عليهم.
وقوله×: «ثمَّ يغلب عَلَى الكوفة». أيضاً دالّ عَلَى أنَّه ستكون مقاومة قوّية من المؤمنين، ولا يسيطر بسهولة مِنْ دون تلك المعارك. وكما لا يخفى أنَّ الكوفة لَيسَ المقصود منها خصوص مدينة الكوفة، بلْ الفرات الأوسط كُلّه إلى قرب بغدد[442]، وفيها دلالة عَلَى أنَّ الوظيفة هي مقاومته ومواجهته العسكريّة، وإذا كانت الوظيفة هي ذلك فاللازم عَلَى المؤمن إعداد العِدّة في كُلّ العراق، بلْ الشام وليسَ في الكوفة فقط؛ لأنَّ الفتنة إنَّما تخمد وتوأد في مهدها أصلح وأنجع، وَهَذا دليل عَلَى أنَّ ما قدّمناه[443] مِنْ تفسير: «كُنْ حِلْساً مِنْ أحلاس بيتك»[444]، إنَّما هُوَ التزام منهاج أهل البيت^ والبقاء والثبات عليه، لا الهروب مِنْ المسؤوليّة العامَّة.
وقوله×: «فيبلغ الخبر أهل البصرة؛ فيركبون إليهم في البرّ والبحر، فيستنقذون أُولئك النساء مِنْ أيديهم». دالّ - هُوَ الآخر- عَلَى أنَّ المسؤوليّة هي التعبئة والمُقاومة في مجاميع ضد عسكر السُّفياني، ودالّ أيضاً على أنَّه يلقى مقاومة مِنْ المؤمنين وتصيبه إخفاقات عديدة، وهذهِ الظاهرة مُتكررة في الروايات، وَهِيَ: أنَّ سيطرة جيش السُّفياني - عَلَى كُلّ منطقة يسيطر عليها- لا تبقى ثابتة، بلْ دوماً بين كرٍّ وفرٍّ، بلْ في كثير مِنْ المدن يكون الفرار لأصحابه وانحسارهم مِنْ دون كرّ أشبه ما يُرى حالياً في اقتتال سوريا أو البُلدان الَّتِي سيطرت عليها القاعدة كالصومال وأفغانستان. ولا يخفى أنَّ المُراد مِنْ البصرة لَيسَ خصوص البصرة، بلْ مُدن الجنوب كما هُوَ الإطلاق التاريخي في ذلك الأوان.
وقوله×: «فيصير أصحاب السُّفياني ثلاث فرق»، يدلُّ عَلَى أنَّ جيوب المُقاومة مِنْ المؤمنين تُضعف عمق السيطرة بجيش السُّفياني وتبدد قواه.
الرواية الثَّانية: «وتهرُب خيل السفياني»
عَنْ علي×: «إذا خرجت خيل السُّفياني إلى الكوفة بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيلتقي هُوَ والهاشمي برايات سود، عَلَى مُقدمته شعيب بن صالح، فيلتقي هُوَ والسُّفياني بباب إصطخر فتكون ملحمة عظيمة، فتظهر الرايات السود وتهرب خيل السُّفياني، فعند ذلك يتمنّى الناس المهدي ويطلبونه»[445].
وموضع الشاهد مِنْ الرواية هو:
قوله×: «إذا خرجت خيل السُّفياني إلى الكوفة، بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيلتقي هُوَ والهاشمي برايات سود... فيلتقي هُوَ والسُّفياني بباب إصطخر، فتكون ملحمة عظيمة».
وَهَذا المقطع يشير إلى شدّة مقاومة جيش السُّفياني بباب إصطخر، وهي نقطة التقاء جيش السُّفياني مَعَ الحسني أو الهاشمي، وهي نقطة التقاء محافظة خوزستان ومحافظة أصفهان؛ فتكون نهاوند ثانية، إلّا أنَّ هذه المرّة تكون الهزيمة لجيش السُّفياني، وهذه الرواية تُظْهِر أنَّ انكسار جيش السُّفياني في هذهِ الملحمة تكسر شوكة السُّفياني؛ لقوله×: «فعند ذلك يتمنّى الناس المهدي ويطلبونه».
وَهَذا ما تُشير إليه الرواية الأُخرى الَّتِي منها هَذا المقطع: «بقتل كُلّ مَنْ اسمه مُحمَّد، وعليّ، وحسن، وحسين، وفاطمة، وجعفر، وموسى، وزينب، وخديجة، ورُقيّة بُغضاً وحنقاً لآل مُحمَّد’، وذلك لما يصنع الهاشمي الذي يخرُج عَلَى أصحابه مِنْ المشرق، يقول [السُّفياني]: ما هَذا البلاء كُلّه وقتل أصحابي إلّا مِنْ قبلهم [بني هاشم]».
الرواية الثَّالثة: السُّفياني يفشل في البصرة
في إلزام الناصب (في ذيل خطبة البيان) : «... فيأتي البصرة، فيقتل ساداتها ويسبي حريمها، فإني لأعرف كم وقعة تحدث بها وبغيرها، وتكون بها وقعات بين تلول وآكام، فيقتل بها اسم ويُتعبّد بها صنم... ألا وإنَّ السُّفياني يدخُل البصرة ثلاث دخلات، يذل العزيز، ويسبي فيها الحريم»[446]. وكذلك في نفس المصدر عَنْ عليّ×: «ألا وإنَّ السُّفياني يدخُل البصرة ثلاث دخلات، يذلُّ العزيز ويسبي فيها الحريم، ألا يا ويل المنتفكة وما يحلّ بها مِنْ سيف مسلول وقتيل مجذول وحرمة مهتوكة...».
وتدلُّ هاتان الروايتان عَلَى أنَّ السُّفياني يُلاقي مُقاومة مجاميع مؤمنة، فلا تستتبّ له السيطرة على المناطق الَّتِي دخلها، بلْ يكون هُناك كَرٌّ وفَرٌّ، وَهَذا يعطي استراتيجية ثانية، وهي الرفع بَعْدَ الاستراتيجية الأُولى الَّتِي هي الدفع، أي: دفع سيطرته قبل السيطرة. فكلا الاستراتيجيتين دالّتان عَلَى لزوم شدَّة المقاومة وصلابتها حدوثاً وبقاءً، وفي كُلّ الظروف، وأنْ لا تهدأ مجاميع المؤمنين عَنْ المُقاومة، حتّى لو تحقّق لجيش السُّفياني سيطرة نسبية في بعض المناطق؛ فإنَّ ذلك لا يعني بقاء تلك السيطرة والقدرة له عَلَى تلك المناطق عَلَى درجة ووتيرة واحدة، بلْ بالإمكان إضعافها وإزالتها، وهذه الدلالة نجدها في روايات كثيرة دالّة عَلَى هشاشة بقاء سيطرة السُّفياني فيما يسيطر عليه مِنْ مناطق، وَهَذا مفتاح أمل لبقاء ومسؤوليّة المقاومة والمواجهة لمشروعه.
الرواية الرَّابعة: السُّفياني ضعيف في عاصمته
عَنْه×: «إذا بعث السُّفياني إلى المهدي جيشاً فخُسف بهم البيداء، وبلغ ذلك أهل الشام قالوا لخليفته: قدْ خرج المهدي فبايعه وادخل في طاعته وإلّا قتلناك. فيرسل إليه بالبيعة ويسير المهدي حتّى ينزل بيت المقدس...»[447].
وهذهِ الروايات تشير إلى هشاشة سيطرة السُّفياني وقاعدته حتّى في عاصمة دولته، فضلاً عَنْ بقية المناطق الَّتِي يحاول السيطرة عليها، فإنَّ تَزَلزُل سيطرته ونفوذه فيها أضعف بكثير حتّى بَعْدَ سيطرته، وَهَذا ما أكّدنا عليه مِنْ وجود دلالة - في كثير مِنْ الروايات- على أنَّ مشروعه وإنْ كَانَ في بدو الصخب العسكري له مرعب إلّا أنَّه هشّ ثباتاً، ويتزلزل بسرعة ومسارعة؛ لأنَّ طبيعة تمددّه وتوسّعه مِنْ قبيل فورة، سُرعان ما تتبدد فقاعتها.
الرواية الخامسة: أهلُ مكَّة يقومون بواجبهم
عَنْ كعب الأحبار: «... وإذا خرج السُّفياني... ويكثر القتل في الدُّنيا، فعند ذلك يجتمعون أهل مكة إلى السُّفياني يخوِّفونه عقوبة الله (عَزَّ وَجَلَّ) فيأمر بقتلهم وقتل العُلماء والزُّهاد في جميع الآفاق، فعند ذلك يجتمعون إلى رجل مِنْ قريش له اتّصال برسول الله’ لهلاك السُّفياني ويتّصل بمكّة، ويكونون عَلَى عدد أهل بدر - ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً- ثمَّ تجتمع إليه المؤمنون عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ثمَّ تجتمع إليه المؤمنون وينكسف القمر ثلاث ليالي متواليات، ثمَّ يظهر المهدي بمكّة...»[448].
وفي هذه الرواية إشارة إلى أنَّ أهل مكّة ضدّ السُّفياني، وأنَّ أغلب أهلها يقومون بمسؤولية التصدّي لحركة السُّفياني؛ حيث إنَّهم يأتونه ويتكلّمون بكلمة الحقّ عِنْدَ السُّفياني (الجائر) وينذرونه مِنْ عقوبة الله، بلْ إنَّ الهاشميين في مكَّة والمدينة يقاتلون جيش السُّفياني ويهزمونه شرَّ هزيمة، فَعَنْ حنش بن عبد الله سمع ابن عباس (رض) يقول: «يبعث صاحب المدينة إلى الهاشميين بمكّة جيشاً فيهزموهم، فيسمع بذلك الخليفة بالشام؛ فيقطع إليهم بعثاً فيهم ستمائة عريف، فإذا أتوا البيداء فنزلوها في ليلة مُقمرة أقبل راعي ينظر إليهم ويعجب... فينصرف إلى غنمه، ثمَّ يرجع فلا يرى أحداً فإذا هُم قدْ خُسف بهم...»[449].
عَنْ أبي هريرة، عَنْ رسول الله’: «يخرُج رجل يُقَال له: السُّفياني في عمق دمشق، وعامَّة مَنْ يتبعه مِنْ كلب، فيقتل حتّى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها حتّى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل مِنْ أهل بيتي في الحرّة فيبلغ السُّفياني، فيبعث إليه جنداً مِنْ جُنده فيهزمهم، فيسير إليه السُّفياني بمَنْ معه حتّى إذا صار ببيداء مِنْ الأرض خُسف بهم، فلا ينجو منهم إلّا المُخبر عنهم»[450].
والعبارة المُهمّة في هَذا المجال هي: «ويخرج رجل مِنْ أهل بيتي في الحرّة فيبلغ السُّفياني، فيبعث إليه جُنداً مِنْ جُنده فيهزمهم»، وهي دالّة عَلَى أنَّ المسؤوليّة والفريضة لا تسقط عَنْ بلد مِنْ البُلدان، فالكُلّ مسؤول ومُكلَّف بالدِّفاع عَنْ حرمات الدِّين؛ حيث يستهدفها مشروع السُّفياني، لا أنَّه يُرفض بالتخاذل والتخلّي والهروب عَنْ المسؤوليّة.
الرواية السَّادسة: بطولة أهل الكوفة
في تفسير الطبري: حدّثنا عصام بن روَّد بن الجرّاح، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سفيان بن سعيد، قال: حدَّثني منصور بن المعتمِر، عَنْ ربعي بن حِراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان، يقول: قال رسول الله’ - وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب- قال: «فبينما هُم كذلك إذْ خرج عليهم السُّفياني مِنْ الوادي اليابس... ثمَّ ينحدرون إلى الكوفة فيُخرِّبون ما حولها، ثمَّ يخرجون مُتوجهين إلى الشام، فتخرج راية هُدى مِنْ الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها عَلَى الفئتين، فيقتلونهم فلا يفلت منهم مُخبر، ويستنفذون ما في أيديهم مِنْ السبي والغنائم... ويحلّ جيشه الثاني بالمدينة... يخسف الله بهم، فذلك قوله في سورة سبأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ﴾ الآية...»[451].
وهذهِ الرواية بهذا المضمون وَرَدَتْ مِنْ طُرقٍ عديدة مَعَ تغيّر في بعض عباراتها، وكلّها مَعَ ذلك التغيّر أُوردت - في تفاسير العامَّة- لتفسير الآية الكريمة المُتقدِّمة، وهذهِ الرواية أيضاً أوردها الطبرسي في مجمع البيان[452] مُرسلاً عَنْ حذيفة بن اليمان، وبنفس هَذا المضمون وردت روايات كثيرة عَنْ الباقر والصادق÷، والذي يهمّنا مِنْ الرواية عبارتان:
الأُولى: «فينحدرون إلى الكوفة فيُخرِّبون ما حولها، ثمَّ يخرجون متوجهين إلى الشام».
الثّانِية: «فتخرج راية هُدى مِنْ الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها عَلَى الفئتين، فيقتلونهم فلا يفلت منهم مُخبر».
والعبارة الأُولى تَدلُّ بظاهرها عَلَى انكسار جيش السُّفياني في العراق قَبل دخوله الكوفة، بلْ ظاهر الرواية أنَّه ينكفئ راجعاً إلى الشام، فضلاً عَنْ أنْ يتوجّه إلى المدينة، ولا تنافي بين مفاد هذهِ الرواية وكثير مِنْ الروايات الأُخرى الدالّة عَلَى دخول جيش السُّفياني الكوفة وتوجّهه بَعْدَ ذلك إلى المدينة والبصرة وغيرهما، كخراسان.
ووجه عدم المُنافاة: أنَّه تُحمل هذه الروايات عَلَى اختلاف المقادير والقدر تّجاه مصير جيش ومشروع السُّفياني بحسب تحمّل وقيام المؤمنين بمسؤولياتهم، فبقدر ما يقومون به مِنْ أداء المسؤوليّة والواجب يحصل إخفاق في مشروع السُّفياني، وإنَّ الإخفاق في مشروعه مُقدّر عَلَى تقادير مُخْتلِفة، ففي بعضها أنَّه لا يظفر بَعْدَ الشام إلّا بشمال العراق ثمَّ ينكفئ، وفي بعضها بالكوفة فينكفئ، ويتّجه للمدينة بمقاومة أهل البصرة وجنوب العراق، وفي بعضها إلى باب إصطخر - أي: أصفهان- فينكفئ ويُكسر جيشه وفي بعضها إلى شيراز، وهذهِ كُلّها لا تضارب بينها، وإنَّما تُبيِّن مقادير مُخْتلِفة لما يبرم الوقوع عَلَى أحدها، وتنبّه عَلَى ضرورة القيام بالمسؤوليّة وتحمّلها وحسن تدبير أدائها بفطنة، وأنَّ المجال والباب للمقاومة وصدّ مشروع السُّفياني مفتوح عَلَى مصراعيه أمام خيارات مُتعدّدة.
مِنْ جهة أُخرى تنصيص وفيه (البَداء) يأخذ مساحات مُتحرِّكة وليست جامدة، ولفظ (البَداء) مفاده أنَّ التقدير مُتحرِّك غَير جامد عَلَى حدّ ومدى واحد؛ وبالتالي فروايتان مِنْ روايات البداء في السُّفياني حاكمة عَلَى طوائف الروايات ومُفسِّرة لوجه الاختلاف، كما هُوَ الحال في قضية قوم يونس× أخبره الله بعذابهم، ثمَّ بعدما تضرّعوا بَدا فيهم، وكذلك قوم نوح×، حَيْثُ حصل فيهم البَداء مرّات كثيرة قبل زمن حصول الطوفان.
وأمَّا العبارة الثَّانية: «فتخرج راية هُدى مِنْ الكوفة...»، فهي صريحة في أنَّ أهل الكوفة - أو أهل الفرات الأوسط عموماً- إذا قاوموا جيش السُّفياني قبل وصوله إلى المدينة أو مناطق أُخرى فلا تقوم له قائمة، كما تُبيِّن هذهِ الروايات أنَّ الدِّفاع عَنْ القباب المُقدَّسة لا يتمُّ عِنْدَ حدود مُدنها، بلْ الدِّفاع الضامن لأمنها هُوَ بالتقدُّم لمواجهة السُّفياني في عقر داره، بلْ إنَّ الدِّفاع عَنْ الحرمين الشريفين بيت الله الحرام ومسجد وقبر النَّبي’، وقبر فاطمة الزهراء‘ وقبور أئمّة البقيع^ إنَّما يتمُّ بمقاومة وكسر جيشه في العراق والشام لا بفتح المجال له لينفلت ويتقدّم باتّجاه الحجاز ليهتك الحُرمات وليهدم المُقدَّسات.
البَداء في خاتمة السُّفياني
وحتّى إنَّ خاتمة السُّفياني قابلة للبَداء ويمكن هُنا أنْ نُورد عِدَّة مقاطع مِنْ عِدَّة روايات، تُشير إلى أنَّ خاتمة السُّفياني بالقتل مُردّدة بين عِدَّة أماكن؛ ممّا يدلُّ عَلَى أنَّ إمكان البَداء حتّى في مكان قتله، وبالتالي هُوَ يُشير إلى ضيق أو سعة حركته، فيبقى أمر السُّفياني في تفاصيل حركته قابل للبَداء، فتتضيّق حركته وتُقهر في عقر دارها إذا قام المؤمنون بمسؤوليّاتهم، ففي الرواية عَنْ النَّبي’ قال: «لتتركنّ المدينة أحسن ما كانت حتّى يجيء الكلب فيشغر عَلَى سارية المسجد... ثمَّ تسير خيل السُّفياني تُريد مكّة... فيُخسف بهم... ويأتي البشير المهدي وَهُوَ بمكّة، فيخرج معه اثنا عشر ألفاً، فهم الأبدال والأعلام حتّى يأتي المباء (المياه) فيأسر السُّفياني ويغير عَلَى كلب...»[453].
وعَنْ مُحمَّد بن عليّ÷، قال: «إذا سمع العائذ الذي بمكّة بالخسف خرج مَعَ اثني عشر ألفاً فيهم الأبدال حتّى ينزلوا إيليا... ويؤدّي إليه السُّفياني الطاعة ثمَّ يخرُج... فيأتيه إلى إيليا، فيقول: أقلني. فيقول: إنِّي غَير فاعل... فيأمر به عِنْدَ ذلك فيُذبح عَلَى بلاطة إيليا...»[454].
وكذلك عَنْ جرّاح، عَنْ أرطأة، قال: «يدخُل الصخري[455] الكوفة... فإذا تشافت الخيلان ولّت كلب أدبارها وأُخذ الصخري فيُذبح عَلَى الصفا المُعترضة عَلَى وجه الأرض عِنْدَ الكنيسة الَّتِي في بطن الوادي...»[456].
وأيضاً عَنْ أبي هريرة، عَنْ النَّبي’: «إنَّ المهدي والسُّفياني وكلباً يقتتلون في بيت المقدس حين يستقبله البيعة، فيؤتى بالسُّفياني أسيراً فيُأمر به، فيُذبح عَلَى باب الرحبة، ثمَّ تُباع نساؤهم وغنائمهم عَلَى درج دمشق»[457].
وهذهِ الروايات الأربع - الَّتِي ذكرنا منها موضع الشاهد- يتّضح منها الاختلاف في كيفيّة خاتمة السُّفياني، وَهُوَ إشارة لإمكان البَداء فيها.
أمرهم^ بالوجوب العيني والتعيُّني
لتصدي شيعة العراق بالخصوص للسُّفياني بقوّة وحزم
إنَّ الأئمّة^ بالنسبة للانخراط في بعض الرايات الشيعيّة الحقّة يوجبون الانخراط فيها ومناصرتها وغير ذلك، وحينما تذكر مناصرة الحركات المهدويّة في مناطق كثيرة لا تركّز عَلَى ضرورة مناصرة راية الحقّ فيها ولم تصف المُتخاذل بأنَّه عاصٍ، فعَنْ أبي جعفر×: «كأنِّي بقومٍ قدْ خرجوا بالمشرق يطلبون الحقّ فلا يُعطونه... قتلاهم شُهداء، أما إنِّي لو أدركت ذلك لأبقيتُ نفسي لصاحب هَذا الأمر»[458].
أمَّا في العراق، فالأمر عيني تعيُّني، وواجب وفريضة كُبرى، بحيث يكون التخلُّف عنها يوسم المتخاذل بوصف العصاة إلى يوم القيامة، ولم يكن التعبير بهذهِ الشهادة والتأكيد في الروايات الَّتِي ذكرت البلدان الأُخرى، ففي رواية عقد الدرر المُتقدِّمة: «ثمَّ يدخُل الكوفة فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تلتحق به وَهُم أشرّ خلق الله، وفرقة تقاتله وهم عِنْدَ الله شُهداء، وفرقة تلحق الأعراب وَهُم العصاة»[459].
والروايات الَّتِي ذكرت أنَّ المؤمن يخفي نفسه إنَّما يتوسَّل الهروب أو الاختفاء إذا وصلت المرحلة إلى دخول جماعات السُّفياني وغلبتهم؛ حيث يكون التصدّي لهم يعرض المُؤمن للهلاك بلا أدنى فائدة تُذكر، فينبغي التوسُّل بالهروب لأجل جمع القوى والاصطفاف مَعَ الحركات المُحقّة، لأجل مواجهة جيش السُّفياني، أمَّا في غَير هَذا الفرض فالوظيفة الأصليّة هي المُقاومة والدِّفاع.
الشُّعوب كُلّها ضدّ السُّفياني
في الرواية عَنْ حذيفة، عَنْ النَّبي’ أنَّه قال: «إذا دخل السُّفياني أرض مصر أقام فيها أربعة أشهُر يقتل ويسبي أهلها، فيومئذٍ تقوم النائحات، فباكية تبكي عَلَى استحلال فرجها، وباكية تبكي على ذلهّا بعد عزّها، وباكية تبكي على قتل أولادها، وباكية تبكي على قتل رجالها، وباكية تبكي شوقاً إلى قبورها»[460]، وكذلك عَنْ عليّ×، قال: «إذا خرجت خيل السُّفياني إلى الكوفة بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي فيلتقي هُوَ والهاشمي برايات سود، عَلَى مقدمته شعيب بن صالح، فيلتقي هُوَ والسُّفياني بباب إصطخر، فتكون ملحمة عظيمة، فتظهر الرايات السود، وتهرب خيل السُّفياني، فعند ذلك يتمنّى الناس المهدي ويطلبونه»[461].
وقال المتقي الهندي في كنز العمّال: «إذا بعث السُّفياني إلى المهدي جيشاً فخُسف بهم بالبَيداء وبلغ ذلك أهل الشام قالوا لخليفتهم: قدْ خرج المهدي فبايعه واُدخل في طاعته وإلّا قتلناك. فيرسل إليه بالبيعة ويسير المهدي حتّى ينزل بيت المقدس وتُنقل إليه الخزائن...»[462].
وهذهِ الروايات وأمثالها روايات أُخرى كثيرة تشير إلى أُمور أهمّها:
أوَّلاً: إنَّ المُدن العربية بجملتها ضد السُّفياني إلّا قلّة مِنْ المؤيدين لحركته؛ لذلك هُوَ يخرِّب المدن ويقتل الناس، ولو كَانَ الناس معه فلماذا يقتلهم؟ ولماذا يبقى في مصر أربعة أشهُر يقتل أهلها ويسبي نساءها، كذلك المدينة المنوَّرة الَّتِي يتصوّر الناس أنَّها أُموية أو وهابيّة، حيثُ ظهرَ مِنْ الرواية المُتقدِّمة أنَّها ضدّه؛ لأنَّه يقتل أهلها، بلْ حتّى أهل الشام ضدّه، لأنَّهم يتظاهرون ضدّه: أنْ ادخلْ في بيعة المهدي # . فيبايع مُكرهاً، بلْ يصل الأمر أنْ يُهدد بالقتل مِنْ قِبَلهم، وَهَذا دليل عَلَى عدم سيطرته وضعفه وقلّة تأييده مِنْ قِبَل الشعوب في المنطقة.
ثانياً: مِنْ جهة أُخرى بيَّنت عِدَّة روايات هزائمه المُتكرّرة، ومنها هزيمته أمام رايات أهل خراسان والبصرة، وهي مسؤوليّة كُبرى عَلَى عاتق المؤمنين أمام هذهِ الحركات الضالّة المُضِلّة، الفاسدة المُفسِدة، القويّة ظاهراً، الضعيفة واقعاً، بلْ إنَّها مسؤوليّة تتحمّلها حتّى ملائكة السماء، كما في الرواية عَنْ أمير المؤمنين×: «ويخرج السُّفياني وبيده حربة ويأمر بالمرأة فيدفعها إلى بعض أصحابه فيقول له: افجر بها في وسط الطريق. فيفعل بها، ثمَّ يأمر ببقر بطنها ويُسقط الجنين مِنْ بطن أُمّه، فلا يقدر أحد ينكر عليه ذلك، قال: فعندها تضطرب الملائكة في السماوات، ويأذن الله بخروج القائم مِنْ ذرّيتي، وَهُوَ صاحب الزمان، ثمَّ يشيع خبره في كُلّ مكان، فينزل حينئذٍ جبرائيل عَلَى صخرة بيت المقدس، فيصيح في أهل الدُّنيا: قدْ جاء الحقّ وزهق الباطل، إنَّ الباطل كَانَ زهوقاً...»[463].
فيظهر مِنْ ذلك أنَّ القضية تتدخل فيها الملائكة وتضجّ إلى الله، أو تقف إلى جانب مَنْ يُحارب السُّفياني، وتكون تلك الفتن - والإفساد الذي يحدثه اللعين ويهتزّ له عرش الرحمن- تعجيلاً في خروج مولانا المهدي صاحب العصر والزمان # .
الرايات المُناهضة لمشروع السُّفياني
القيام بالمسؤولية
عَنْ أبي عبد الله×، قال: «خروج الثلاثة - الخراساني والسُّفياني واليماني- في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، وليس فيها راية بأهدى مِنْ راية اليماني يهدي إلى الحق»[464].
عَنْ أبي بصير، عَنْ أبي جعفر مُحمَّد بن علي^ أنَّه قال: «خروج السُّفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، وشهر واحد، وفي يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس مِنْ كُلّ وجه، ويل لِمَنْ ناوأهم»[465].
عَنْ عبيد بن زُرَارة، ذُكر عِنْدَ أبي عبد الله× السُّفياني، قال: «أنّى يخرُج ذلك ولم يخرُج كاسر عينه بصنعاء»[466].
وهذه الروايات بمجموعها تُشير إلى أنَّ هُناك مَنْ يتحمّل المسؤولية، نَعَمْ هي تُبيِّن أنَّ اليماني رايته أهدى، وبذلك هي تدفع المؤمنين للقيام بواجباتهم ومسؤولياتهم تّجاه الأخطار وحركات الضلال؛ فإنَّ اليماني ليس هو مِنْ الملائكة المُقرّبين ولا الأنبياء والمُرسلين، بل هو مؤمن قام بواجبه وتحمّل مسؤوليته، وبالتالي هو قدوة للآخرين - مِنْ هذه الجهة- حيث لا ينبغي لهم القعود وترك المسؤوليات، ومِنْ جهة أُخرى هي تؤكِّد أنَّ حركة السُّفياني رغم قسوتها وشدّتها يمكن للمؤمنين أنْ يقهروها، أو يُقلَلّوا مِنْ توسّعها، فيكفون شرّها بالجملة أو في الجملة، مُضافاً إلى سلامة التوجّه الذي يدعو إليه، مِنْ مركزية إمامة الأئمة الاثني عشر^، وإمامة الإمام الثاني عشر # .
الرايات المُمهِّدة للسُّفياني
عَنْ جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر عَنْ السُّفياني، فقال: «وأنّى لكم بالسُّفياني حتّى يخرُج قبله الشيصباني، يخرُج مِنْ أرض كوفان، ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم، فتوقّعوا بَعْدَ ذلك السُّفياني وخروج القائم # »[467].
وعن علي بن أبي حمزة، قال: رافقت أبا الحسن موسى بن جعفر× بين مكّة والمدينة، فقال لي يوماً: «يا علي، لو أنَّ أهل السماوات والأرض خرجوا على بني العباس، لسقيت دماؤهم الأرض حتّى يخرُج السُّفياني. قلت له: يا سيّدي، أمره مِنْ المحتوم؟ قال: نَعَمْ. ثمَّ أطرق هُنيئة، ثمَّ رفع رأسه، وقال: مُلك بني العباس مكر وخداع، يذهب حتّى يُقَال: لمْ يبقَ منه شيء. ثمَّ يتجدّد حتّى يُقَال: ما مرَّ به شيء»[468].
فهذه الروايات وغيرها تُؤكِّد أنَّ قبل حركة السُّفياني هُناك حركات ضالّة ومضلّة وباطلة تَفتِن المؤمنين، وكأنَّها تُشير إلى أنَّ السُّفياني نتيجة سلبية متولِّدة مِنْ سلبية أُخرى؛ وهي عدم قيام المؤمنين بمسؤولياتهم تّجاه أنفسهم وتّجاه المُجْتَمع، بالتصدي لتلك الحركات ووأدها في مهدها، ولعدم توعية المُجْتَمع للقيام بمسؤوليته بالتحرُّك الصحيح والتصرُّف المُتقن.
الشيصباني
الأوصاف للحركات التي قبل السُّفياني (المعروف) عديدة، بعض الحركات يصفها المعصوم× بحركة السُّفياني، ومِنْ الواضح أنَّه ليس اسماً للسُّفياني الذي قُبيل ظهور الإمام# ، وهُناك حركة الأصهب والأبقع وغيرهما.
وأيضاً حركة الشيصباني، وهذا الوصف لعلَّه - والله العالم- وصف مُركّب مِنْ كلمتين دُمجتا في كلمة واحدة، والكلمتان هُما (شيطان، صبي) ؛ فتصير (شيصبان) ، كما هو موجود في كثير مِنْ المُصطلحات، فمثلاً: يدمجون الزمان مع المكان فتصير (زمكان) . فالنتيجة أنَّ حكومة شيصبان حكومة شيطانية صبيانية، لا تُحسن التصرُّف كالصبي، وتنحدر في مهاوي الفسق والفجور والرذيلة كالشيطان، وبطابع مُراهق انفلاتي نحو الوجوم، وهذه الحُكومة مُقدّمة وأرضية لفجور وفسق ودمار وتقاعس أكبر بواسطة تسلُّط السُّفياني.
حكومة بني العباس
كذلك حكومة بني العباس، فالإمام موسى بن جعفر× يقول في الرواية المُتقدّمة: «إنَّ ملكهم لقائم»، ومِنْ الواضح أنَّه لا يقصد أشخاصهم ولا أولادهم؛ لأنَّه يقول ملكهم، أي: حكمهم وسياستهم، فحكمهم وسياستهم قدْ بُنيت وأُسست على (الرضا مِنْ آل مُحمَّد) ، ولكنَّه مُجرَّد شعار ليس فيه إلّا الخُداع والتضليل الإعلامي، وكأنَّ كُلّ حكومة تُؤسّس بنيانها على ذلك الشعار انتهازاً لغرض الوصول للحكم؛ لأنَّ الأرضية العامّة للمُسْلمين تهتف بأهل البيت^؛ لأجل ذلك كلّه يُسمّيها المعصوم× حكومة بني العباس.
فالمُستشعر مِنْ لسان الروايات أنَّ المؤمنين وجماعتهم إذا لمْ يقوموا بالمسؤولية المُلقاة على عاتقهم، ولم يُدركوا بوعي - وهمّة عالية وبُعد في النظر- عُمقَ الخطر المُحدق بهم فسوف تستمر حكومات المكر والخداع والتضليل الإعلامي، وكذلك الحكومات الشيطانية التي لا تُحسن التصرُّف بالتسلُّط عليها، وسيذوقون الذلّ والهوان، ثمَّ يدخلون فيما هو أتعس، وهو تسلُّط السُّفياني، فهذا لا يكون حتماً عليهم إلّا بتلك المُقدّمات المُهيأة لأشرِّ وأقسى حكومة عرفها تاريخ البشرية، فالمعصوم× حينما يُفصّل في تعاقُب الحكومات الباطلة (شيصباني، بني العباس، سفياني) ، ليس ذلك نبوءة فلكية، بل هو ما قدّمناه سلفاً، من أنَّه قراءة هدفها التوصية، وإيجاد الوعي في كيفية تحمّل المسؤولية، قال تعالى:﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[469].
شخصيّات في مسرح الظهور
نفاق الإيمان (البترية)
البترية: هي ظاهرة تلفيقية مزجية مخلِّطة؛ لأنَّهم يخلطون مع ولاية أهل البيت^ولاية الشيخين، وأوَّل مَنْ سمّاهم هذا الاسم هو زيد بن علي بن الحسين× في محضر أخيه الباقر×.
فعَنْ سدير، قال: «دخلتُ على أبي جعفر×، ومعي سلمة بن كهيل، وأبو المُقدام ثابت الحدّاد، وسالم بن أبي حفصة، وكثير النواء، وجماعة معهم، وعند أبي جعفر× أخوه زيد بن علي×، فقالوا لأبي جعفر×: نتولّى علياً وحسناً وحُسيناً، ونتبرأ مِنْ أعدائهم؟ قال: نعم. قالوا: نتولى أبا بكر وعمر، ونتبرأ من أعدائهم! فالتفت إليهم زيد بن علي، قال لهم: أتتبرؤون مِنْ فاطمة؟! بترتم أمرنا بتركم الله! فيومئذٍ سُمّوا البترية»[470].
وهُناك مِلَلٌ ونِحَلٌ كثيرة شبيهة بمسلك البترية كالسليمانية وغيرهم، ولكن ذكرنا البترية؛ لأهميّة هذا العنوان ووضوحه من جهة، وسلوك بعض المحسوبين على الشيعة اليوم هذا المسلك مِنْ جهة أُخرى، ومِنْ جهة ثالثة إنَّ روايات آخر الزمان تذكر فرقة البترية ضمن المحاربين للإمام # ، كما سَنُبيِّن.
أمَّا أسباب انحراف البترية فكثيرة منها:
أ) إنَّهم فرقة مِنْ فرق الزيديّة والمعروف أنَّ فرق الزيديّة ترى أنَّ الإمامة لِمَنْ يقوم بالسيف، وهم حريصون على إنهاض جميع الأُمّة؛ ومِنْ هُنا تُحاول السُّلطة تفكيكهم بالمكر والحيلة، بواسطة إحراجهم حول موقفهم مِنْ الشيخين، فإذا قالوا: نحنُ براء مِنْ الشيخين ونهج السقيفة، فسوف تضعف شعبيتهم وتصطف جماهير سنة الخلافة مع السُّلطة القائمة؛ فلذا تركوا البراءة مِنْ الشيخين. بلْ هُم روّجوا المنهج التلفيقي بين الأُمّة، وهو منهج جامع يجمع بين منهاج أهل البيت^ وولاية منهاج السقيفة؛ غرضه الحصول على الحضوة الجماهيرية عِنْدَ الجميع (شيعة وسنة).
ب) إنَّ البراءة مِنْ أعداء آل البيت^ والتخطئة لمنهج الجُمهور عبء ثقيل لا يمكن لكلِّ أحد تحمله، لارتفاع ضريبته؛ فإنَّ سواد الناس الأعظم يميل إلى الدِّعة والراحة والقعود عَنْ تحمُّل المسؤولية، وبالتالي تصعب وتثقُل البراءة والتبري، وتتولَّد الانهزاميّة والتقهقر النفسي والفكري، وبالتالي التخلِّي عَنْ إنكار المُنكر وتخطئة الباطل، ويكتفون في تعذير ذمّتهم بالتمسك بولاية أهل البيت^ ومحبتهم ومودّتهم؛ إرضاءً لمحاسبة الضمير واكتفاءً منهم بعدم التنكّر لمقامات أهل البيت^ في القُرآن والسنة.
على طرفي نقيض
إنَّ ظاهرة التلفيق بين منهاج أهل البيت^ والمناهج الأُخرى - وعدم التبري والبراءة مِنْ تلك المناهج والمدارس المناوئة لأهل البيت^- هي ظاهرة تتكرّر كظاهرة المُقصّرة والمارقة، وهي في كُلّ عصر تأخذ ألواناً وأشكالاً ومُسمّيات مُخْتلِفة تحت أُطر الوحدة والتقريب بين المذاهب، وتحت أُطر وذرائع مُخْتلِفة أُخرى.
في مقابل هذا التيار المُخلِّط نرى هُناك تياراً مصادماً يُشدّد على الفصل والتمييز بين مدرسة أهل البيت^ والمدارس الأُخرى، ويحصر التبعيّة والمرجعيّة الشرعيّة الإلهية بأهل البيت^ (وهوما يُعرف بالتولّي) وسلبها، ونفي الصلاحية عَنْ بقية المدارس، وتخطئة المسارات المباينة للعترة (وهو ما يُعرف بالتبرّي) ، وقدْ طُعن على هذا التيار الثاني بالتشدّد والغلو في أهل البيت^. وهذا التجاذُب بين الظاهرتين جدلية تتكرّر في الأزمنة المُختلفة، وهي قائمة في الزمان الحاضر أيضاً، ورُبَّما يُبرِّر التيار الأوَّل بمنهجه المزجي والتلفيقي بجملة مِنْ الذرائع، كما أنَّه قدْ تُسجّل على التيار الثاني جملة مِنْ المؤاخذات؛ بسبب صراحته الصارخة وعدم مداراته، وعدم اتّخاذه أُسلوب الرُّفق واللّين في تبيين الحقائق، ومفاجأة الوسط العام بخطاب لمْ تتهيأ له الذهنية العامّة في الوسط الخاص فضلاً عَنْ الوسط العام.
وهُناك أسباب عديدة لتجدّد ظاهرة البترية في كُلّ جيل:
1) السطحيّة وعدم العمق والغور في حقيقة أهل البيت^.
2) روح الانهزام أمام سيطرة وتسلُّط المذاهب الإسلاميّة الأُخرى.
3) التأثُّر أمام السيل الإعلامي السلطوي المُتكرّس عبر التأريخ في بطون الكتب، وأعماق الأذهان في الأجيال المُزيّفة للحقائق.
ويظهر مِنْ جملة مِنْ النصوص أنَّ هذه الظاهرة - البترية- تستمر حتّى ظهور الإمام المهدي# في الوسط الشيعي كحالة نفاقية في الإيمان.
فقدْ روى الطبرسي في دلائل الإمامة - في باب وجوب معرفة القائم- بإسناده عَنْ الحميري ... «عَنْ أبي الجارود، عَنْ أبي جعفر×، قال: سألته: متى يقوم قائمكم؟ قال: يا أبا الجارود، لا تدركون ... ويسير إلى الكوفة، فيخرج منها ستة عشر ألفاً مِنْ البترية شاكّين في السلاح قُرّاء القُرآن، فُقهاء في الدين، قدْ قرحوا جباههم، وشمروا ثيابهم، وعمهم النفاق، وكلّهم يقولون: يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك. فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الإثنين مِنْ العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع مِنْ جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يُصاب مِنْ أصحابه أحد، دماؤهم قربان إلى الله»[471].
وروى المُفيد في الإرشاد بهذا اللفظ، قال: روى أبو الجارود، عَنْ أبي جعفر× - في حديث طويل- «إنَّه إذا قام القائم # سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس - يُدعون البترية- عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع مِنْ حيث جئت؛ فلا حاجة لنا في بني فاطمة. فيضع فيهم السيف حتّى يأتي على آخرهم، ويدخُل الكوفة فيقتل بها كُلّ مُنافق مُرتاب»[472].
وهذا الخبر يُشير إلى تكرُّر هذه الظاهرة واستمرارها في الوسط الشيعي إلى عام الظهور، وأنَّ أصحاب هذا التيار البتري التوفيقي التلفيقي يعتمدون المسحة العلميّة، ويتضرّعون بالمبررات الفقهية لهذا المنهج، ونداؤهم وخطابهم القائم # ببني فاطمة إشارة إلى نهج فاطمة‘ في الإنكار على مسار السقيفة، والبراءة مِنْ الانحراف، فكأنَّ الميزان المائز لهم رفض التبرّي مِنْ أعداء فاطمة‘، كما أنَّهم في بداية أمرهم أنكروا البراءة مِنْ الشيخين، وأظهروا البراءة مِنْ أعدائهما، فالتفت إليهم زيد بن علي في محضر أخيه الباقر×، وقال لهم: أتتبرؤون مِنْ فاطمة؟! بترتم أمرنا يبتركم الله. فيومئذٍ سُمّوا البترية[473] فعدم المعاداة مع الشيخين يأول إلى مُعاداة فاطمة؛ ولذلك يُخاطبون الحجّة # «ارجع يا بن فاطمة، لا حاجة لنا فيك. أي: لا حاجة لنا في النهج الفاطمي الذي ينطلِق مِنْ البراءة لأعداء آل مُحمَّد’».
الغاية مِنْ استعراض روايات سنة الظهور
سؤال يُطرح بإلحاح: إنَّه ما هي الغاية والهدف مِنْ بيان الأئمة لتفاصيل مشروع السُّفياني ورايته، ثمَّ للرايات المُناهضة - الشيعة- له المُناصرة لمشروع الإمام المهدي # بروايات مُسْتفيضة جداً.
فهل يُظن مِنْ ذلك أنَّ هذه الروايات لأجل السمر في تاريخ المُستقبل، والتفرُّج الجذّاب للحديث المُثير للمشاهدين لمشهد تصويري، أو أنَّ هُناك حكمة وغاية مِنْ هذا التأكيد والإصرار في البيان مِنْ أئمة أهل البيت^ بهذه الأحداث الخطيرة، الجواب في نقاط:
1) ليس هي مُجرَّد تكهنات يتنبّأ بها الكُهّان والعياذ بالله؛ ليحوزوا ويكسبوا موقع في قلوب المستمعين والقُرّاء، أو كما يفعله القصّاصون أو كتنبؤات المُنجّمين والفلكيين؛ لأجل كسب مودّة ومساحة من جمهور، بلْ إنَّ أئمة أهل البيت^ أئمة دين، ووظيفتهم ومنصبهم الإلهي مِنْ الله تعالى هي تعليم الناس وإرشادهم إلى المسؤولية، والوظيفية المُلقاة على عاتقهم، فغاية كُلّ هذه الروايات هي بيان وتقرير المسؤولية والوظيفة الشرعيّة، ولزوم الالتزام بموقف وجدوى المنهاج الذي رسموه في ميدان العمل.
2) وبعبارة أُخرى: إنَّ سِرّ استعراض هذه الروايات المُستفيضة المُتكاثرة لتفاصيل عسكريّة وأمنيّة، وإحداثيات جغرافيّة، وملفات سياسيّة، وملفات ومعلومات أمنية، عَنْ طبيعة حركة السُّفياني، ونقاط الضعف والقوة فيها، وكذلك في الرايات الشيعيّة المُناهضة لها، فهل يا ترى هذه معلومات قمر صناعي عَنْ المُستقبل؟ كلا، بلْ هو دعوة للمؤمنين للاطلاع على هذه المعلومات ليرسموا لأنفسهم استراتيجية وبرنامج مقاومة ومواجهة، وهذه القراءة لنصوص علامات الظهور تختلف عَنْ القراءة السائدة لها كتنبؤات فلكية أو تكهنات كهان أو أبراج فلكية للمنجمين.
3) إنَّ فحوى مفاد هذه الروايات - التي رُبَّما تكون متواترة حول ملامح آخر الزمان وعلامات الظهور- هي كتنبؤات القُرآن عَنْ المعاد والقبر والقيامة؛ لغاية تحشيد الهِمم والإرادات والعزائم للقيام بالمسؤولية، وتخطيط برنامج يقوم بعبء ضخامة الحدث: «ونصرتي لكم مُعدّة»[474] - وهذا النص ورد مُستفيضاً في زياراتهم- سواء في جانب الملف الأمني، أو العسكري، أو التعبوي للنفوس، ولحماس الهمم، أو في الملف السياسي، أو في الملف العقدي والفكري والإيديولوجي في الملفات الأُخرى مِنْ الرعايات الحزمية التي يلزم على المؤمنين النهوض بها.
4) سيأتي في الروايات الدعوة الأكيدة لجيوش المقاومة في كُلّ المناطق وتشكيل مجاميع المواجهة، سواء قبل مجيء عساكر السُّفياني أو بَعْدَ مجيئها، لا سيّما أنَّ الروايات تُشير إلى إمكانية تغيير القضاء والقدر والبداء في أصل مشروع السُّفياني، أو في درجة نجاحه، أو في درجة توسعه، أو درجات إخفاقه، وأنَّ كُلّ هذه الخيارات مفتوحة للتغيير بقدر ما يقوم المؤمنون به مِنْ مسؤولية المقاومة والمواجهة، أو إجهاض لمشروعه وهو أعلاها همّة وأوفاها تعهداً، ولا سيّما إذا كان في مهد أراضي الشام.
5) إنَّ الروايات تؤكِّد ظاهرة مُهمّة في مشروع السُّفياني، وهو عدم ثبات سيطرته في المناطق التي يتمدَّد ويتوسَّع فيها حتّى في مهد عاصمته، وهي الشام فضلاً عَنْ المناطق الأُخرى؛ وذلك نظراً للفساد والإفساد في البلاد والعباد الذي يُحدثه مشروع السُّفياني.
6) هُنَاك محاور مُهمّة يجب استخراجها واستنباطها مِنْ الروايات المُسْتفيضة عَنْ أهل البيت^ حول ذلك، واللازم قيام دراسات تخصّصية دقيقة في هذه الملفات والمجالات التي تستعرضها الروايات لتخرج المجاميع المؤمنة برؤى وخيارات عديدة، في كيفية المواجهة لمشروع السُّفياني الذي هو مشروع غربي في الأصل بتحالف أُموي ناصبي.
7) وهذه القراءة لهذه الروايات المُسْتفيضة والمتواترة، حاكمة بياناً ومخطئة للقراءة المعهودة مِنْ لسان الروايات المُتقدّمة المُتضمّنة لـ« كُنْ حلساً مِنْ أحلاس بيتك»[475]، بمعنى التفرّج والاستكانة والإحجام والنكول والوهن والاستضعاف بالضراعة.
8) بلْ يُؤكِّد ما سبق استظهاره مِنْ هذا اللسان بمعنى الثبات على منهاج أهل البيت^ بقوة الحذر وشدّة الكتمان، والإخفاء لآليات النشاط والتحصين عَنْ التأثر بالتيارات المنحرفة عَنْ الولاء لأهل البيت^، اعتقاداً أو اصطفافاً سياسياً، أي: المنحرفة في الموقف الاعتقادي أو السِّياسي عَنْ أهل البيت^، بأنَّ لا يصبّ مشروع تلك الجماعات في صالح الموالين لآل البيت^ ، «وليٌّ لِمَنْ والاكم وعدو لِمَنْ عاداكم»[476]، وهو بمعنى الولاء السياسي فضلاً عَنْ الولاء القلبي.
دور المؤمن في عصر الفتن وخصوصاً فتنة السُّفياني
قدْ تقدَّمت رواية خلّاد (الصفّار) عَنْ أبي عبد الله×، أنَّه قال: «السُّفياني لا بدَّ منه، ولا يخرُج إلّا في رجب. فقال له رجل: يا أبا عبد الله، إذا خرج فما حالنا؟ قال: إذا كَانَ ذلك فإلينا»[477].
وكذلك عَنْ يونس بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «إذا خرج السُّفياني يبعث جيشاً إلينا، وجيشاً إليكم فإذا كَانَ كذلك، فأتونا عَلَى كُلّ صعب وذلول»[478].
وهاتان الروايتان وغيرهما بنفس المضمون، إشارة إلى أُمور عديدة.
والظاهر ظهوراً مِنْ مفاد هذه الروايات هو الأمر بالمشاركة في المجاميع التي تنطلق مِنْ مكَّة في ركب ظهور الإمام، وهذا المثال يقرِّر مسؤولية المؤمنين أنْ لا يتخاذلوا عَنْ الإعداد والتعبئة لتشكيل جيش لنصرة الإمام المهدي#. في مكَّة المكرَّمة، وهذا المفاد يُكرِّس المسؤولية ويلزم بها، ولا يرخِّص في التخاذل والسكون وترك الأُمور على غاربها، بلْ يلزم المؤمن بأنْ يكون له موقف مِنْ نصرة الحقّ والمشاركة في حمل العبء والمسؤولية، فليس الأمر بـ (إلينا) لأجل الهروب مِنْ السُّفياني؛ لكي ينجو كُلّ فرد بجلدته، بلْ خروج السُّفياني صفّارة إنذار لبدء التعبئة وتشكيل جيش لنصرة الإمام في مكَّة، فهذه الطائفة مِنْ الروايات مع الطائفة السابقة الآمرة بمقاومة السُّفياني كلتاهما تصبّ في مقاومة السُّفياني وتحمّل المسؤولية، إلّا أنَّ أحدهما هي في المقاومة والتصدّي المباشر للسفياني، والثانية لتشكيل جيش؛ فيكون هو القوة الضاربة القادرة على استئصال جيشه.
وما يظهر في بعض الروايات مِنْ حثّ المؤمن على السكون وعدم الحركة، فإنَّ لها تفسيرات مُتعدّدة، منها أنَّها ليس السكون المُطلق وترك المسؤوليات التي منها الأمر بالمعروف والنهي عَنْ المنكر، بلْ إنَّ ذلك لوقت مُعيّن وفي وقت مُعيّن. عَنْ جابر قال: قال أبو جعفر×: «يا جابر، الزم الأرض ولا تحرِّك يداً ولا رجلاً حتّى ترى علامات أذكرها لك إنْ أدركتها ...»[479].
والواضح مِنْ الرواية أنَّ لزوم الأرض وعدم الحركة ليس مُطلقاً، بلْ اللزوم هو لوقت مُعيَّن إلى حين رؤية بعض العلامات، فإنَّ الحركة قبل ظهور هذه العلامات غير صحيحة؛ لأنَّها تؤدي إلى إزهاق النفس دون الحصول على النتيجة المرجوّة.
وكذلك عَنْ أبي خالد الكابلي، عَنْ أبي جعفر× أنَّه قال: «كأنِّي بقوم قدْ خرجوا بالمشرق، ولا يدفعونها إلّا إلى صاحبكم، قتلاهم شُهداء، أمَّا إنِّي لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»[480].
وهُنا الإمام الباقر× رغم أنَّه يقول: إنَّ تلك الحركة على حقّ وإنَّ قتلاهم شُهداء، إلّا أنَّه يقول: لو أدركتها لأبقيت نفسي للقائم، فهو بذلك يدفع المؤمن للبحث عَنْ نصر أكبر وشهادة أعظم؛ لأنَّ القتال بين يديّ القائم # والاستشهاد بين يديه أعلى مرتبة مِنْ تلك الشهادة رغم أنَّ كلتيهما شهادة.
ونفس الكلام في رواية هشام بن سالم التي تقدّمت سابقاً، قال: أبو عبد الله×: «- وذكر السُّفياني- فقال: أمَّا الرجال، فتواري وجوهها عَنْه، وأمَّا النساء فليس عليهنّ بأس»[481][482]. والتواري عَنْ السُّفياني ليس هو الهروب، بلْ هو لجمع القوى لأجل الحصول على نصر أكبر؛ لأنَّ كلام الإمام× لا يُنافي الثوابت والعموميات التي تأمر المؤمن بمواجهة الباطل وأهله، فيكون الكلام في خصوص آليات المواجهة وكيفية المواجهة؛ لأنَّ السُّفياني جهة باطل يجب على المؤمن مواجهتها، لكن آليات المواجهة مختلفة.
مقاطع مختارة
نذكر مقاطع مُهمّة مِنْ روايات - ذكرناها سابقاً- التصدّي للسُّفياني وتحمّل المسؤولية نضعها بين يدي القارئ؛ لتكون نبراساً مُهمّاً وواضحاً يدفع المؤمن لشحذ الهمم:
* «ثمَّ يدخُل الكوفة [السُّفياني] فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تلتحق به وهم أشرّ خلق الله، وفرقة تقاتله وهم عِنْدَ الله شُهداء، وفرقة تلحق بالأعراب وهم العصاة».
* «فيبلغ الخبر أهل البصرة، فيركبون إليهم في البرِّ والبحر، فيستنقذون أُولئك النساء مِنْ أيديهم، فيصير أصحاب السُّفياني ثلاث فرق».
* «فيلتقي هو والهاشمي برايات سود... فيلتقي هو والسُّفياني بباب إصطخر؛ فتكون ملحمةً عظيمةً».
* «إذا بعث السُّفياني إلى المهدي جيشاً، فخسف بهم البيداء ....».
* «... وبلغ ذلك أهل الشام، قالوا لخليفته: قدْ خرج المهدي فبايعه وادخل في طاعته وإلّا قتلناك».
* «... وإذا خرج السُّفياني... ويكثر القتل في الدُّنيا، فعند ذلك يجتمعون (كذا) أهل مكَّة إلى السُّفياني، يخوّفونه عقوبة الله (عَزَّ وَجَلَّ ) ...».
* «... ويخرج رجل مِنْ أهل بيتي في الحرّة، فيبلغ السُّفياني، فيبعث إليه جنداً مِنْ جنده فيهزمهم ...».
* «يبعث صاحب المدينة إلى الهاشميين بمكَّة جيشاً فيهزمونهم...».
* «يدخُل الصخري الكوفة... فإذا تصافّت الخيلان ولّت كلب أدبارها، وأُخذ الصخري فيُذبح على الصفا المعترضة على وجه الأرض...».
خلاصة الفصل الثاني
ممّا تقدَّم نخرُج بنقاط عديدة مُهمّة:
أوَّلاً: إنَّ السُّفياني ثمرة مِنْ تلك الشجرة الخبيثة الملعونة.
ثانياً: إنَّ الروايات تؤكِّد حتمية ظهور حركة السُّفياني.
ثالثاً: إنَّ الروايات في حين تؤكِّد فيه الحتمية تؤكِّد أنَّ فيه البداء.
رابعاً: إنَّ الروايات تُشير إلى صعوبة الظروف والتباسها، بلْ وشدّتها في جملة مِنْ الموارد، وأنَّها تحتاج إلى مزيد مِنْ اليقظة والتدبير وزيادة في تحمّل المسؤولية، وأنَّ هذه الأوضاع العصيبة تتطلب المزيد مِنْ التخطيط والمُراقبة المُستمرة، وتحمّل العبء وأنَّها شبيهة بالإرهاصات التي سبقت ثورة الحسين، وهي بعينها التي تسبب قيام المهدي # بالخروج.
خامساً: إنَّ الحركات الضالّة والمُضلّة - والحركات المُعادية للإسلام، والمُعادية لأتباع أهل البيت^بالخصوص- تُعلن شيئاً وتُخفي شيئاً، تُعلن أنَّها إسلاميّة وتُريد تطبيق الإسلام، وتُخفي واقعها اللاإنساني واللاديني.
سادساً: إنَّ الشعوب وأهالي البُلدان ليست مُنقادة لحكم السُّفياني الأُموي، بلْ مناوئة له لما ينطوي عليه مِنْ الفساد، بلْ تقدَّم بحسب الرواية أنَّ الشام - مهد قاعدته وأرضيتها- تهتف وتميل إلى الإمام المهدي#، كما في الرواية عَنْ عليّ×: «وبلغ ذلك أهل الشام، قالوا لخليفتهم: قدْ خرج المهدي، فبايعه وادخل في طاعته، وإلّا قتلناك. فيُرسل إليه بالبيعة»[483].
سابعاً: إنَّ الروايات التي تُحذِّر المؤمنين مِنْ الفتن، وفتنة السُّفياني بالخصوص، وتُبشِّر برحمة للمؤمنين، وهلاك لأعداء أهل البيت^ وأتباعهم على يد السُّفياني، وأنّه سيتم القضاء في حركة السُّفياني على كثير مِنْ الفاسدين والمفسدين الضُلّال، ولكن ذلك لا يقتضي القعود وترك المسؤوليات؛ لأنَّ ترك المسؤوليات يُؤدِّي لاستبدالها بحركة باطلة أشدُّ غيّاً.
ثامناً: الرواية التي تقدّمت عَنْ عليّ× تُشير إلى أُمور عديدة، منها: وعي الشعوب وإيمانها بمودّة أهل البيت^ وطهارتهم وأحقيتهم بالأمر، وإذا كان الأمر هكذا في الشام، فكيف بك ببقية البُلدان وشعوبها؟! باعتبار أنَّ الشام أقرب للسُّفياني نهجاً وسلوكاً، لكن مع ذلك يثورون ضدّه، ويطالبونه بالبيعة للمهدي#، وهذه بشارة عظيمة للمؤمنين: أنَّ شعوب المنطقة كُلّها - إلَّا ما ندر- تميل إلى الحقّ المُتمثِّل بالحجة #، وأنَّ أرضية المؤمنين كافّة تهتف وتتطلّع إلى المهدي مِنْ آل مُحمَّد’.
تاسعاً: خروج الخراساني واليماني، إشارة إلى أنَّ هُناك مَنْ يتصدّى للقيام بالمسؤولية، وهُناك جهة حقّ، بلْ رايات أُخرى وجهات وجماعات عديدة ذُكرت في تفاصيل الروايات، وكُلّ ذلك يصبّ في تحمّل المسؤولية، كُلّ حسب موقعه وقدرته.
عاشراً: تقدَّم أنَّ تحمّل المسؤولية يُكفكف مِنْ نشاط السُّفياني، وبعكسه تماماً التخلّي عَنْ المسؤولية والقعود وترك الحبل على الغارب؛ لأنَّه يؤدِّي إلى تفاقم واشتداد الفتن، فإنَّ تسلّط الظالم لمْ يكن حتماً جبرياً مِنْ قِبل الله، بلْ إنَّ حتميته جاءت نتيجة ترك الناس مقاومة مَنْ هو أقلّ منه فتنةً وشدّةً، وهو الشيصباني أو غيره مِنْ أهل الضلالة والفتنة كبني العباس.
الحادي عشر: في رواية ذكرت الخسف بجيش السُّفياني، في عقد الدرر، عَنْ عبد الله بن الزبير أنَّ عائشة قالت: «عبث [أي: اضطرب] رسول الله’ في منامه، فقلنا: يا رسول الله: صنعت شيئاً في منامك لمْ تكن تفعله؟
فقال: العجب أنَّ ناساً مِنْ أُمَّتي يؤمّون بالبيت برجل مِنْ قريش، قدْ لجأ بالبيت، حتّى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم، قُلْنا: يا رسول الله، إنَّ الطريق قدْ تجمع الناس.
فقال: نعم، فيهم المُستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتّى يبعثهم الله تعالى على نياتهم»[484].
وكذلك في عقد الدرر: عَنْ عبد الله بن القبطية، قال: «دخل الحارث بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان، وأنا معهما على أُمِّ سلمة أُمّ المؤمنين، فسألاها عَنْ الجيش الذي يُخسف به، وكان ذلك في أيّام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله’: يعوذ عائذٌ فيبعث الله إليه بعثاً، فإذا كانوا بالبيداء مِنْ الأرض خُسف بهم.
فقلت: يا رسول الله، كيف بمَنْ كان كارهاً؟
قال: يُخسف به معهم، ولكنَّه يُبعث يوم القيامة على نيّته»[485].
وفي رواية أُخرى في تتمتها قال أبو جعفر: «هي بيداء المدينة»[486]، هاتان الروايتان وروايات أُخرى بنفس المضمون.
وقدْ أوردنا سابقاً هذا المضمون في رواية الخسف إلّا أنَّ هُنا زيادة، وهي قوله’: «منهم المستبصر والمجبور وابن السبيل»، وكذلك في الرواية الأُخرى حين سُئِل’: «كيف بمَنْ كان كارهاً؟ قال: يُخسف به معهم، ولكنّه يُبعث يوم القيامة على نيته»[487].
وفي هذا إشارات عديدة:
1) ليس كلُّ مَنْ في جيش السُّفياني فاسق أو ظالم، وبالتالي ليس مصير كُلّ الجيش إلى النار، بلْ يُحشرون على نياتهم؛ وذلك لأنَّ في جيش السُّفياني مَنْ هو مُعادي له، وإنَّما أُلجئو كما أخرجت قريش عقيلاً والعباس بن عبد المطلب، حَيْثُ أمر رسول الله’ بعدم التعرُّض لبني هاشم؛ لأنَّهم أُخرجوا مُكرهين، كذلك في حرب الجمل هُناك مَنْ أُكره على الخروج مِنْ قريش حَيْثُ تأسَّف أمير المؤمنين× على قتلهم.
2) إنَّ في جيش السُّفياني مَنْ يكون مجبوراً أو ابن سبيل ولعلَّه يجمعهم عنوان الكاره؛ وبالتالي كُلّ كاره بما لديه مِنْ درجة الكراهة يُحشر على نيته.
3) إنَّ في هذا إشارة أمنيّة مِنْ المعصوم×، وهي إشارة عمليَّة مُهمّة، تُشير إلى إمكان اختراق جيش السُّفياني مِنْ قِبل المؤمنين، وبالتالي تصديعه مِنْ داخله، وإيجاد خروقات أمنيّة، فمكوناته خليط مِنْ النَّاس، ممّا يدلُّ على ضعف وهشاشة هذا الجيش؛ بسبب الضعف الأمني والاستخباري الذي يؤدِّي إلى سهولة تفكيك هذا الجيش وهزيمته، وهو ليس على نسيج وشاكلة واحدة.
الفصل الثالث
خارطة المسؤوليات في النشاط الوظيفي الديني العسكري
للمؤمنين ووظيفة تقديس وحماية المُقدّسات
قواعد أساسية في مراتب الجهاد الدفاعي
وظيفة تقديس المُقدّسات
القسم الأوَّل: الدفاع الوقائي الرادع عَنْ عدوان المعتدي.
القسم الثانِي: الدفاع العلاجي.
القسم الثالث: الدفاع الاقتصاصي.
القسم الرابع: الجهاد الدفاعي الاستباقي.
القسم الخامس: الجهاد الاقتصاصي في الدفاع عَنْ المُقدّسات.
القسم السادس: الجهاد الدفاعي الاستباقي عَنْ المُقدّسات.
القسم السابع: الجهاد الاقتصاصي تعصباً لأهل البيت^ .
القسم
الثامن: الجهاد المواساتي.
مُقدّمة
قدْ ورد في نهج البلاغة: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِباسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللهِ الحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلبَسَهُ الله ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ البَلاَءُ، وَدِيثَ الصَّغَارِ وَالقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بالأسداد، وَأُدِيلَ الحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الجِهَادِ، وَسِيمَ الخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ. أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هؤُلاَءِ القَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَسِرّاً وَإِعْلاَناً، وَقُلْتُ لَكُمُ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ. فَوَ اللهِ، مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ في عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُمْ وَتَخَاذَلتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الغَارَاتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الاَْوْطَانُ .وَهذَا أَخُو غَامِد قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الاَْنْبَارَ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ البَكْرِيَّ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، وَالاُْخْرَى المُعَاهَدَةِ، فيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلاَئِدَهَا وَرِعَاثَهَا، ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاسْتِرْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ، مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً.فَيَا عَجَباً! عَجَباً - وَاللهِ- يُمِيتُ القَلْبَ وَيَجْلِبُ الهَمَّ مِن اجْتِمَاعِ هؤُلاَءِ القَوْمِ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً! حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرمَى: يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْرُونَ، وَيُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْن!»[488].
الجهاد الدفاعي
قواعد أساسية في مراتب الجهاد الدفاعي
ينقسم الجهاد الدفاعي فقهيّاً بحسب الأدلّة على أقسام أربعة:
القسم الأوَّل: الدفاع الوقائي الرادع عَنْ عدوان المعتدي
وهو مضمون القاعدة في الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾[489]، وهذا النوع مِنْ الجهاد باب مفتوح على مصراعيه؛ لإعداد المُجْتَمع للقوة أمام عدوان المُعتدي، وليس هُناك سقف مُعيَّن يقف عنده ذلك الإعداد، وهو نحو مِنْ القوة الناعمة - في الاصطلاح الاستراتيجي الحديث- لأنَّه لا تُراق فيه محجمة دم، ولا تنشب فيه نار تشتعل، بلْ قُوّة ردع واقية عَنْ العدوان، ومِنْ خصائص هذا القسم أنَّه لا يُعطّل في حال مِنْ الأحوال، كما أنَّه عيني على الجميع استغراقاً، كُلّ بحسب قدرته وطاقته، فضلاً عَنْ كفايته بحسب مراتب الإعداد.
القسم الثاني: الدفاع العلاجي
وهذا القسم يُقرِّر أنَّ الدفاع بَعْدَ وقوع الاعتداء؛ لرفع العدوان والغزو وطرده مِنْ بقاع الإيمان، مكانيّةً كانت أو جغرافيّةً أو غيرهما، وهو المعهود في الأذهان والثقافة الفقهيّة.
القسم الثالث: الدفاع الاقتصاصي
وهذا القسم غايته الردع عَنْ تكرّر العدوان، وهو مفاد قاعدة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾[490]. وَمِنْ الواضح أنَّ عِدَّة مضامين قرآنيّة تصبُّ في هذا المفاد، وهي:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ من رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾[491].
وكذلك قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحرَامِ وَالْحرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِين﴾[492].
وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُون * وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم من سَبِيل * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيم * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾[493].
في خطبة المخزون لأمير المؤمنين×: «... فابشروا بنصر مِنْ الله عاجل وفتح يسير، يُقرُّ الله به أعينكم، ويُذهب بحزنكم، كُفّوا ما تناهى الناس عنكم، فإنَّ ذلك لا يخفى عليكم، إنَّ لكم عِنْدَ كُلّ طلعة عوناً مِنْ الله، يقول على الألسن ويثبت على الأفئدة، وذلك عون الله لأوليائه يظهر في خفي نعمته لطيفاً، وقدْ أثمرت لأهل التقوى أغصان شجرة الحياة، وإنَّ فرقاناً مِنْ الله بين أوليائه وأعدائه، فيه شفاء للصدور، وظهور للنور، يعزّ الله به أهل طاعته، ويُذلُّ به أهل معصيته، فليعد امرؤ لذلك عدّته، ولا عُدَّة له إلّا بسبب بصيرة وصدق نية ...»[494].
فقوله×: «كُفّوا ما تناهى الناس عنكم». مفاده ولسانه لسان الروايات المُسْتفيضة في الهدنة مع المخالفين، ولفظ الناس مُستعمل في الروايات كناية عنهم، وهو مُطابق للسان: «الزَم بيتَك وَكُنْ حلساً مِنْ أحلاسه...»[495].
ورغم ذلك، فقدْ قيّد أمير المؤمنين هذا الكفّ «الأمر بالهدنة». بالكف ما لمْ يكن هُناك عدوان منهم علينا، وإلّا فالدفاع لا يُعطّل في حال مِنْ الأحوال، وهذا ما عليه إجماع وتسالُم عُلماء الإماميِّة مِنْ وجوب الجهاد الدفاعي، وإن بنو على تعليق بقية أبواب الجهاد؛ ومِنْ ثَمَّ هذه الرواية وأمثالها كالمفسّر الحاكم لمستفيض روايات الهدنة والروايات الآمرة بالكون حِلساً مِنْ أحلاس البيت، وإذا تقرَّر وجوب الجهاد الدفاعي، فهذا يُقرِّر ما أسلفناه مِنْ قاعدة وجوب إعداد القوة والعُدَّة والعدد على الدوام وبالاستمرار مِنْ دون توقُّف، ومدح الانتصار بَعْدَ الظلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل﴾[496] - كما هو مفاد الآيات التي أوردناها في القسم الثالث- حكمته وغايته في الاقتصاص الرادع عَنْ تكرار العدوان، فيدخُل الاقتصاص في الدفاع الوقائي بنمط آخر كما أنَّ ذلك مفاد الحفاظ على الحياة كفلسفة وحكمة للقصاص، كما أنَّ الآية الثانية مِنْ سورة البقرة: ﴿ولكم في القصاص﴾. تُبيّن أنَّ حكمة وغاية القصاص أيضاً هي الوقاية، وأنَّ القصاص هو مُقْتضى التقوى، ولا يخفى أنَّ أعظم أقسام الجهاد الدفاعي هو القسم الأوَّل الوقائي؛ لأنَّ الوقاية خير مِنْ العلاج؛ ومِنْ ثَمَّ أكَّدت الآية على وجوب الاستعداد والتعبئة، وتنامي القوة على نحو الدوام والاستمرار، وأنْ يكون بقدر الاستطاعة لا بقدر العادة ولا بقدر الراحة، بلْ بتمام وكمال الاستطاعة، أي: استفراغ الوسع، ثمَّ تُبيِّن الآية أنَّ فلسفة هذا النمط مِنْ الإعداد هو الدفاع والوقاية والردع؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون﴾[497].
كما أنَّ القسم الثاني في جملةٍ مِنْ الموارد وإنْ كان هو المعروف المعهود مِنْ الجهاد الدفاعي، إلّا أنَّ مِنْ الواضح بحسب الأدلّة المُتقدِّمة أنَّه لا يختصّ به، بلْ يشمل الأوَّل والثالث، بلْ في جملة مِنْ الموارد، ولو اقتُصر عليه - الثاني- فإنَّه لا تحصل غاية الدفع وهي تحصيل الأمن، إلَّا مِنْ القسم الثالث، نظير ما يفصل في قتال البُغاة بين مَنْ لهم فئة يرجعون إليها، فيجوز الإجهاز على جريحهم وإتباع مُدبِرهم وقتل أسيرهم، وبين مَنْ ليس لهم فئة فلا يُتبع لهم مُدبر، ولا يُجهز على جريحهم، ولا يُقتل لهم مأسور، فإنَّ حكمة التفصيل هو تكرُّر البغي، أو فيمَنْ لهم فئة؛ فيكون الإجهاز على الجريح وقتل الأسير والمُدبر قطعاً عَنْ استمرار البغي وتكرره.
القسم الرابع: الجهاد الدفاعي الاستباقي
وهو يُقام به في المورد الذي يعلم بأنَّ العدو مُتربِّص لشنّ عدوان قريب، قدْ أخذ أُهبته في ذلك وبدت علامات ولوائح ذلك شاهرة ظاهرة، والقدر المُتيقّن مِنْ مشروعية هذا القسم، ما إذا كان عدم الاستباق بالحرب والتواني عَنْ المُبادرة، يستلزم عدم القُدرة على الجهاد الدفاعي مِنْ القسم الثانِي وهو العلاجي، أو أنَّه سيُكبّد المؤمنين والمسلمين خسائر كبيرة في الأرواح والثروات، ويُشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين﴾[498].
والإشارة في الآيات والروايات كثيرة منها: دُعاء لأمير المؤمنين× كان يدعو به، وهو مِنْ أدعية الصحيفة السجادية أيضاً ، قال: «والحمد لله الذي مَنَّ علينا بمحمَّد نبيه’ دون الأُمم الماضية... كما نصب لأمرك نفسه، وعرض فيك للمكروه بدنه، وكاشف في الدعاء إليك حامّته، وحارب في رضاك أُسرته، وقطع في إحياء دينك رحمه، وأقصى الأدنين على جحودهم، وقرّب الأقصين على استجابتهم لك، ووالى فيك الأبعدين، وعادى فيك الأقربين، وهاجر إلى بلاد الغربة ومحلّ النأي عَنْ موطن رحله، وموضع رجله، ومسقط رأسه، ومأنس نفسه، إرادة منه لإعزاز دينك، واستنصاراً على أهل الكُفْر بك، حتّى استتب له ما حاول في أعدائك، واستتم له ما دبّر في أوليائك، فنهد إليهم مستفتحاً بعونك، ومتقوياً على ضعفه بنصرك، فغزاهم فِي عُقر ديارهم، وهجم عليهم في بُحبوحة قرارهم، حتّى ظهر أمرك، وعلت كلمتك، ولو كره المشركون...»[499].
وموضع الشاهد المُنَاسِب للقسم الرابع مِنْ أقسام الجهاد الدفاعي هو قوله×: «فنهد إليهم مستفتحاً بعونك، ومتقوياً على ضعفه بنصرك، فغزاهم فِي عُقر ديارهم، وهجم عليهم في بُحبوحة قرارهم، حتّى ظهر أمرك، وعلت كلمتك، ولو كره المشركون». أي: إنَّ رسول الله’ نهض إلى المشركين الذين كانوا يعدّون العُدّة ويتربصون الدوائر بالنبي’ وبالمسلمين، بصورة سريعة ومباغتة بلا توانٍ أو كسلٍ، رغم أنَّ العدو أقوى وأكثر عُدَّة وعدد منه، لكنَّه مع ذلك بادرهم حتّى لا تكون الخسارة أكبر... معتمداً على الله وحده ومتقوياً به لنصره، فغزاهم في عُقر ديارهم وهجم عليهم في بحبوحة قرارهم حتّى ظهر أمره، وعلت كلمته، ولو كره المشركون.
قواعد لا محيص عنها في الدفاع عَنْ المُقدّسات
ثمَّ إنَّ ها هُنا أقساماً أُخرى مِنْ أقسام الدفاع، وهي كالأقسام السابقة إلّا أنَّها أعظم منها؛ لأنَّ هذه الأقسام للدفاع عَنْ الأراضي المُقدَّسة، أي: البلاد التي فيها مراقد المعصومين^، وفيها المساجد المشرَّفة، فالحرم المكّي أرض مُقدّسة والحرم المدني كذلك، بلْ يشمل ما هو أوسع مِنْ الحرم المكّي والمدني، فيشمل أرض الحجاز كُلّها، فهذه الأرض ينبغي تطهيرها مِنْ دنس المنتهكين لقُدسيتها وحرمتها، كذلك النجف وكربلاء، والكاظمية وسامراء، وخراسان، مدنٌ يجب الدفاع عنها وحمايتها وقطع أيدي الباطل عنها إنْ كانت في أيديهم، بلْ حماية المُقدّسات تُوجب حماية كُلّ أرض العراق، وهذا حال وحكم كُلّ البلدان التي فيها المُقدّسات.
فهُناك واجبان: واجب للدفاع عَنْ عموم كُلّ بلاد المُسْلمين، وواجب آخر هو لخصوص الأراضي المُقدَّسة، وهو أعظم مِنْ الواجب الأوَّل، ونفس الضوابط التي ذُكرت في الأقسام السابقة مِنْ الجهاد الدفاعي، تُذكر هُنا.
نظام تعدد مراتب الدفاع طولياً متعاكساً مع قاعدة الرفق المرن
إنَّ مراتب الدفاع عَنْ الأراضي المُقدَّسة - وباقي الأقسام السابقة كمراتب الأمر بالمعروف والنهي عَنْ المنكر- لا تجوز المرتبة اللاحقة إلّا بَعْدَ العجز عَنْ السابقة، فكما أنَّ مراتب الأمر بالمعروف والنهي عَنْ المنكر تبدأ مِنْ اليد وتنتهي بالقلب، فكذلك في مراتب الجهاد الدفاعي، كما في الحديث عَنْ أبي سعيد الخدري أنَّه سمع رسول الله’ يقول: «مَنْ رأى منكم مُنكراً فاستطاع أنْ يغيّره بيده فليفعل، فإنْ لمْ يستطع فبلسانه، فإنْ لمْ يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[500].
وهذا عين ما رسمه سيّد الشهداء×؛ لأنَّه وصف جهاده لأهل الباطل بأنَّه أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عَنْ المنكر، حيث يقول: «ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، إنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جدّي رسول الله’، أُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عَنْ المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أوْلى بالحق، ومَنْ ردّ عليَّ أصبر حتّى يحكم الله وَهُوَ خير الحاكمين»[501]، فالشارع المُقدّس لا يسمح لِلمُكلَّف مع توفّر ظروف الردع باليد أنْ يردع بلسانه، بلْ قيّد مرتبة ردع المنكر باللسان بعدم الاستطاعة لمرتبة اليد.
أمَّا قاعدة الرفق المرن، فهِي قاعدة إعدادية تبدأ مِنْ الدرجة البسيطة، ثمَّ تتصاعد إلى الدرجات العُليا.
القسم الخامس: الجهاد الاقتصاصي في الدفاع عَنْ المقدّسات
سبق أنْ تكلّمنا عَنْ الجهاد الدفاعي الاقتصاصي، وكان الكلام فيه بشكل عام شامل لكلِّ حُمى ومعاقل وأراضي المُسْلمين، سواء كان فيها المُقدّسات أو ليس فيها، بينما الكلام في هذه القاعدة في خصوص الجهاد الدفاعي الاقتصاصي، وفي الدفاع عَنْ المُقدّسات، أو البُلدان التي فيها المُقدّسات.
ونفس الآيات التي ذُكرت في الجهاد الدفاعي الاقتصاصي تذكر هُنا، فإنَّ الاقتصاص عام وهو أنْ يشمل غَير المُقدّسات، فإنَّه يشمل المُقدّسات بطريق آكد وأشدّ مُضافاً إلى الآيات الخاصَّة بأراضي المُقدّسات، فراجع ما ذكرنا هُناك.
القسم السادس: الجهاد الدفاعي الاستباقي عَنْ المُقدّسات
ثمَّ إنَّ ها هُنا قسماً سادساً وهو متولِّد مِنْ القسم الرابع ومتفرِّع عليه، ولكنَّه أعظم منه ونفس الترتيب الذي ذكرناه هُناك يأتي هُنا، أي: إنَّ وجوب الجهاد الدفاعي الاستباقي عَنْ المُقدّسات الذي هو القسم السادس ينضبط بالمراتب، فكما لا يَصِحّ القسم الثانِي وهو الجهاد العلاجي إلّا بَعْدَ العجز عَنْ القسم الرابع مع توفَّر شروط القسم الرابع (الاستباقي) ، والقسم الأوَّل لا يَصِحّ إلّا بَعْدَ العجز عَنْ القسم الثاني والرابع.
والقسم الأوَّل لا يمكن بحال مِنْ الأحوال التنازل عَنْه؛ لأنَّه لا سقف له، وفتح فيه الباب على مصراعيه؛ لإعداد المُجْتَمع للقوة أمام عدوان المعتدي، وليس هُناك سقف يقف عنده ذلك الإعداد، كما هو مفاد الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم...﴾.
فتحصّل ممّا تقدَّم أنَّ الدفاع عَنْ المُقدّسات هو مِنْ أُمهات الواجبات، ولا محيص من الدفاع عَنْ تلك المُقدّسات، ولكن آليات الدفاع مُخْتلِفة مِنْ حيث الزمان والمكان والأفراد... إلخ.
القسم السابع: الجهاد الاقتصاصي تعصباً لأهل البيت×
هُناك أدلّة عديدة تُشير إلى أنَّ مشروع أهل البيت^ كان بَعْدَ شهادة الحسين× هو الانتقام له مِنْ أعدائه، وهذه القاعدة مِنْ أقسام الجهاد الدفاعي تختلف عَنْ القاعدة السابقة (الجهاد الاقتصاصي في الدفاع عَنْ المُقدّسات) ، وإنْ كان كلاهما اقتصاصاً؛ لأنَّ الاقتصاص هُنا لأجل ذات المعصوم، وليس لأجل الأراضي المُقدَّسة أو المُقدّسات الأُخرى.
أهميّة ذات المعصوم كركن مِنْ أركان الدين
وهذه القاعدة لها أدلّة وشواهد كثيرة في روايات أهل البيت^ وزياراتهم وأدعيتهم، وهُنا ابتداءً نُبيّن أهميّة ذات المعصوم× كركن مِنْ أركان الدين:
1) (فاجعل أفئدة مِنْ النَّاس تهوي إليهم) :
هُناك آيات كثيرة تُشير إلى أهميّة ذات المعصوم وأنَّ ذاته تُمثِّل الدين، قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى الله﴾[502].
القُرآن هُنا يجعل الهجرة إلى الله مقرونة بالهجرة إلى النَّبي’، وكأنَّ مَنْ لمْ يقرن مع هجرته لله الهجرة للرسول’، فهجرته باطلة كمَن لا يتشهّد الشهادة الثانية مُبيّناً أهميّة ذات المعصوم كأساس في الدين؛ لذلك فإنَّ القُرآن يقول حكايةً عَنْ إبراهيم×: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾[503].
فإنَّ أهميّة ذات المعصوم يُبيّنها الوحي في القُرآن على لسان إبراهيم، بأنْ تهوي القلوب إليهم ولا تهوي إلى بيت الله، أي: ذات المعصوم أكثر قُدسيّة مِنْ نفس الأرض المُقدَّسة، بلْ إنَّ قُدسيّة الأرض كانت مِنْ قُدسيتهم، ولعلَّ في سورة يُوسف إشارات كثيرة منها: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن روْحِ الله إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن روْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون﴾[504]، وهُنا قَرن اليأس مِنْ المعصوم باليأس مِنْ روح الله وهو الكُفْر، وهُنا مِنْ المُحتمل جداً أنَّه ليس البحث عَنْ جسد المعصوم بما هو، بلْ بما هو زعيم الدين؛ ولذا فإنَّه ليس هُناك يأس مِنْ أخي يوسف مِنْ حَيْثُ جسده، لأنَّ مكانه معروف في مصر وليس هو خفياً حتّى يحصل اليأس منه؛ فيكون المقصود مِنْ التحسّس هو التحسّس في البحث عَنْ المعصوم× الذي يمثل الدين؛ لذلك قال: ﴿مِنْ يوسف وأخيه﴾؛ لأنَّ البحث أوَّلاً وبالذات عَنْ يوسف× وثانياً وبالعرض عَنْ أخيه.
2) في رواية مرّت في قواعد دفاعية سابقة، نرى فيها التخاذل عَنْ دخول الأرض المُقدَّسة يُفَسِّره الإمام× بالتخاذل عَنْ عليّ× باعتبار تكرّر السنن الإلهية، فَعَنْ حريز عَنْ بعض أصحابه، عَنْ أبي جعفر× قال: «قال رسول الله’: والذي نفسي بيده، لتركبُنّ سنن مَنْ قبلكم حذوا النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، حتّى لا تُخطئون طريقهم، ولا يخطئكم سنّة بني إسرائيل»، ثمَّ قال أبو جعفر×: «قال موسى لقومه: ﴿يا قومِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ﴾، فردوا عليه... فتاهوا أربعين سنة؛ لأنَّهم عصوا فكان حذوا بالنعل بالنعل. إنَّ رسول الله’ لمّا قُبض لمْ يكن على أمر الله إلّا عليّ والحسن والحسين، وسلمان والمقداد وأبو ذر، فمكثوا أربعين سنة حتّى قام عليّ× فقاتل مِنْ خالفه»[505].
نُلاحظ هُنا أنَّ الدفاع عَنْ الأراضي المُقدَّسة متولّد أساساً مِنْ نصرة المعصوم×، فبالأساس النصرة كانت للمعصوم×، والدفاع المذكور متفرّع عليها، فيظهر هُنا سوء عاقبة مَنْ يتخاذل عَنْ نصرة المعصوم×، وبالمقابل نعرف حُسن عاقبة مَنْ ينصر المعصوم×.
فإنَّ سبب قُدسيّة الأرض المُقدَّسة هو الأنبياء؛ فإنَّ تقديسها بسبب الإشعاع الذي لدى الأنبياء، فكيف بنفس الأنبياء؟! فالأصل هو المعصوم وهدايته، والتيه عَنْ الأرض المُقدَّسة هو بلحاظ التيه عَنْ المعصوم وهدايته، لذلك ورد: «إنَّما أُمروا أنْ يطوفوا بها، ثمَّ ينفروا إلينا، فيعلمون ولايتهم»[506].
بلْ إنَّ القُرآن يُؤكِّد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾[507]؛ فتكون الغاية مِنْ الأراضي المُقدَّسة والوفود عليها هو الوفود على المعصوم، فالوفود على بيت الله الحرام والحج غايته هوى القلوب إليهم؛ لأنَّهم الباب الأقصد، وقوله تعالى - كما في الرواية المُتقدمة-: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِين * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِين * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾[508].
فالآيات تُشير إلى وجوب الدفاع وتحرير الأراضي المُقدَّسة الذي هو مِنْ الجهاد الدفاعي، وهو نوع مِنْ الاقتصاص واسترداد الأرض، وأنْ لا تكون تَحْتَ هيمنة وسلطة الجبارين، بلْ تَحْتَ ولاية الأولياء المصطفين، كُلّ هذا الحِمى والدفاع عَنْ الأرض المُقدَّسة إنَّما هو بلحاظ الصفوة المعصومة مِنْ الأنبياء والأوصياء والحجج.
والروايات التي تُشير إلى أنَّ ذات المعصوم× هي الأصل الذي يتفرّع عليه قُدسيّة الأراضي المُقدَّسة، وبالتالي يكون وجوب الدفاع عَنْ الأراضي المُقدَّسة مُتفرِّعاً على وجوب الدفاع عَنْ ذات المعصوم×.
ومِنْ هذهِ الروايات ما ورد عَنْ أبي عبد الله الصنابحي، عَنْ عليّ× قال: قال رسول الله’: «يا عليّ، أَنْتَ بمنزلة الكعبة، يؤتى إليها ولا تأتي»[509].
كذلك عَنْ أبي ذر قال: قال رسول الله’: «مَثلُ عليّ فيكم كمثل الكعبة المستورة - أو المشهورة- النَّظر إليها عبادة، والحج إليها فريضة»[510].
3) عَنْ عليّ بن الحسين× قال: «لمْ يدخل الجنة حمية غَير حمية حمزة بن عبد المطلب؛ وذلك حين أسلم غضباً للنبي’، في حديث السَّلَى الذي أُلقي على النَّبي’»[511]، وَمِنْ الواضح أنَّ الحميّة تبقى حميّة ومع ذلك تدخل الجنة؛ والسبب في ذلك، أنَّها أُضيفت لذات المعصوم× - تعصباً لذات المعصوم- بلْ إنَّ الكثير مِنْ الماهيّات السيئة ظاهراً تتبدل هكذا إلى حَسن وحسنة بإضافتها إلى المعصوم×.
وهذا المضمون له إشارات قرآنيّة وروائيّة عديدة، تُشير إلى أنَّ هُنا ماهيّات سيئة تتبدل إلى حسنة بإضافتها إلى المعصوم، كما في قول يعقوب× مُعلّلاً شدّة جزعه على يوسف× وذهاب عينيه مِنْ الحزن فهو كظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُون﴾[512]، كذلك قول أمير المؤمنين× - ساعة دفن النَّبي’-: «إنَّ الصبر لجميل إلّا عنك، وإنَّ الجزع لقبيح إلّا عليك»[513]؛ فإنَّ الجزع رغم أنَّه قبيح، لكنّه على المعصوم× يكون جميلاً.
بيت المقدس قُدِّس لوجود الأنبياء فيه
بيت المقدس إنَّما صار قبلةً وقُدِّس؛ لعبادة الأنبياء فيه ولقُدسيتهم، كما في الرواية عَنْ ابن عباس (رض) : «فسار بهم موسى فانطلقوا يؤمون الأرض المُقدَّسة وهي فلسطين، وإنَّما قدّسها؛ لأنَّ يعقوب× وُلِدَ بها، وكانت مسكن أبيه إسحاق×، ويوسف× وُلِد بها، ونقلوا كلّهم بَعْدَ الموت إلى أرض فلسطين»[514].
ومِنْ هُنا؛ يظهر وجه كون الكعبة مُقدّسة، وأنَّها كانت قِبلة لآدم حسب الروايات، وقدْ ورد أنَّ جميع الأنبياء قدْ حجّوا بيت الله في مكَّة المُكرّمة، ولعلَّ تحوّل القبلة إلى بيت المقدس في شريعة النَّبي موسى وشريعة النَّبي عيسى؛ نظراً لتحوّل مكَّة إلى عبادة الأوثان مِنْ جهة، وانقطاعها عَنْ تولّي وولاية الأنبياء والأوصياء، بينما بيت المقدس صار مركزاً وقطب رحى لتواجد الأنبياء والأوصياء؛ فصارت القبلة إليه فلمّا بُعث سيِّد الأنبياء استعادت مكَّة المكرّمة استحقاق اتّجاه الاستقبال لها، بعدما بُعث سيِّد الأنبياء فيها وأهل بيته^ وشارف الأمر على تولّي النَّبي’ وأهل بيته^ على المسجد الحرام بفتح مكَّة، وإنْ كان تغيير القبلة في السنة الثانية للهجرة.
ومِنْ ذلك يظهر أنَّ القبلة في الأرض والبقعة المُقدَّسة، إنَّما هو بلحاظ الاتّجاه إلى هداية المعصوم× مِنْ الأنبياء والأوصياء.
ومِنْ هُنا؛ قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾[515]، فغاية القبلة وحقيقتها اتّباع الرسول’.
كذلك ما أوحى الله لموسى وهارون× قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين﴾[516].
لا ترفعوا أصواتكم ....
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيم * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ الله قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم﴾[517].
في هذه الآيات أحكام عديدة كُلّها تُشير إلى أهميّة تعظيم وقدسية ذات النبي’، وأنَّه يحرم هتك هذه القُدسية، وفي قِبال ذلك تعتبر الآيات الكريمات مَنْ يُقدس النَّبي ويراعي حرمته أنَّه ممتحن للتقوى:
1. ﴿لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ﴾، قال المفسرون: إنَّ أحد تفاسير هذه الآية هو «عدم تقديم شيء ما مِنْ الحُكم، قبال حكم الله ورسوله»[518]، فكان حكم الرسول’ له مِنْ الهيبة والاحترام والقُدسية والطاعة ما يؤدِّي للمنع مِنْ إبداء المُقترحات أو الرغبات الشخصيّة أو الفئويّة، بلْ مُطلقاً؛ لأنَّ إحاطته’ أكبر وأوسع مِنْ إحاطة كُلّ المخلوقات، فإذا كانت القُدسية لحكم النَّبي’ فقُدسية ذاته أعلى وأوْلى بالاحترام والتقديس.
2. الآية الثانية جعلت رفع الصوت (مُجرَّد رفعه) فوق صوت النَّبي’ يؤدِّي إلى حبط الأعمال، دون أنْ يشعر المؤمن بذلك، بلْ حتّى الجهر له بالقول، فيكون مُجرَّد إساءة الأدب في التعامل مع النَّبي’ يؤدِّي إلى ذلك، فكيف بك بقدسية واحترام ذات النَّبي’ أو المعصومين^ مِنْ أهل بيته الذين هُم امتداد لنوره وقدسيته.
3. في قبال ذلك؛ فإنَّ مَنْ يُعظِّم النَّبي’ ويُقدّس ذاته يكون ناجحاً في الامتحان الإلهي، بلْ هو مِنْ المُتقين وله مغفرة وأجر عظيم، وهذا المعنى عظيم. فإذاً؛ مَنْ ينتهك القدسية ويستهين بعمله ويعتبره بسيطاً يحبط عمله العظيم، وَمَنْ يُعظِّم النَّبي يأتيه عظيم الأجر، ولعلَّه لا يعلم، وتكون له المفاجأة يوم القيامة كما يُفاجئ الطرف الآخر بأنَّ لا عمل له.
المعصوم× مِنْ مُقدّسات الدِّين
وردت روايات كثيرة تُشير إلى أنَّ مَنْ سبّ أحد المعصومين^ - النَّبي’ أو أحد أهل بيته^- قُتل، وهذه إشارة إلى أهميّة ذات المعصوم× وقُدسيتها، وأنَّها مِنْ أهمّ مُقدّسات الدين التي لا يجوز انتهاكها كما في صحيحة هشام بن سالم، قال: قلت: لأبي عبد الله× «ما تقول في رجل سبّابة لعلي×؟ قال: فقال لي: حلال الدم - والله- لولا أنَّ تعمّ به بريئاً...»[519].
كذلك عِنْدَ عبيد بن زُرَارة، عَنْ أبيه، عَنْ أبي جعفر×، قال: «مَنْ قعد في مجلس يُسبّ فيه إمام مِنْ الأئمة يقدر على الانتصاف منه فلم يفعل ألبسه الله (عَزَّ وَجَلَّ) الذل في الدنيا، وعذّبه في الآخرة، وسلبه صالح ما مَنَّ به عليه مِنْ معرفتنا»[520].
كذلك معتبرة عليّ بن هدير، قال سمعت مَنْ سأل أبا الحسن الأوَّل× فقال: إنِّي سمعت مُحمَّد بن بشير يقول: إنَّكَ لست موسى بن جعفر الذي أنت إمامنا وحجتنا فيما بيننا وبين الله. قال: فقال: «لعنه الله - ثلاثاً- أذاقه الله حرّ الحديد، قتله الله أخبث ما يكون مِنْ قتلة. فقلت له: إذا سمعت ذلك منه، أوَ ليس حلال لي دمه، مباح كما أُبيح دم السابّ لرسول الله’ والإمام؟ قال: نَعَمْ، حلّ واللهِ، حلّ واللهِ دمه، وأباحه لك ولمَن سمع ذلك منه. قلت: أوَ ليس ذلك بسبّاب لك؟ قال: هذا سبّاب لله، وسبّاب لرسول الله’، وسبّاب لآبائي وسبابي، وأيُّ سبٍّ ليس يقصر عَنْ هذا ولا يفوقه هذا القول. فقلت أرأيت إذا أنا لمْ أخفْ أنْ أغمر بذلك بريئاً، ثمَّ لمْ أفعل ولم أقتله، ما عليّ مِنْ الوزر؟ فقال: يكون عليك وزره أضعاف مضاعفة مِنْ غَير أنَّ ينقص مِنْ وزره شيء، أَما علمت أنَّ أفضل الشُّهَداء درجةً يوم القيامة مَنْ نصر الله ورسوله بظهر الغيب، وَرَدّ عَنْ الله وَعَنْ رسوله’»[521].
يظهر مِنْ هذه الروايات المُتّفق عليها فتوى عِنْدَ الأصحاب وروايات كثيرة - لمْ نوردها اختصاراً- عقوبة مَنْ يسبّ المعصوم، وشدّة عقوبة مَنْ يسكت عمَّن يسب المعصوم×، وهو قادر على ردّه، وفي الرواية - المُتقدّمة- أحكام عديدة بيّنها الإمام موسى بن جعفر×:
1. إنَّه× لعن ثلاثاً مَنْ أنكر حُجّيته وعصمته.
2. دعا× عليه بأنْ يموت قتلاً وبأخبث ما يكون مِنْ القتل.
3. إنَّه× أباح دمه وألحقه بمَنْ يُباح دمه؛ لأجل سبّ رسول الله’ أو أحد المعصومين^، بلْ جعل سبّه× سبّاً لله ولرسوله’ ولآبائه.
4. إنَّه× جعل مَنْ يستطيع قتل السابّ ولا يقتله أنَّه يلحقه مِنْ الوزر أضعافاً مُضاعفة مِنْ غَير أنْ ينقص مِنْ وزره شيء.
5. جعل× الناصر لله ولرسوله’ بظهر الغيب مِنْ أفضل الشُّهَداء درجةً عِنْدَ الله، بلْ في الرواية المُتقدّمة، نرى أنَّ مَنْ يتخاذل عَنْ المعصوم× له عقوبة دنيوية ويسلبه الله صالح معرفتهم.
سب المعصوم× ارتداد عَنْ الدين كما عَنْ جماعة مِنْ الأصحاب
أقوال العُلماء في ذلك:
1. الجواهري، قال: بالإجماع على قتل مَنْ سبّ النَّبي’ أو أحد الأئمة^، بلْ هو ينقل عبارة المسالك «في إلحاق باقي الأنبياء بذلك قُوّة؛ لأنَّ كمالهم وتعظيمهم مِنْ دين الإسلام ضرورة، فسبّهم ارتداد، وتبعه عليه غير واحد»[522].
2. في الرياض مِنْ المغنية الإجماع عليه.
3. الشهيد الثاني في المسالك يقول: مَنْ سبّ النَّبي’ جاز لسامعه قتله، ما لمْ يخف الضَّرر على نفسه أو ماله أو غيره مِنْ أهل الإيمان، وكذا مَنْ سبّ أحد الأئمة^ [523].
4. قال السيِّد الخوئي في مسألة (214): يجب قتل مَنْ سبّ النَّبي’ على سامعه ما لمْ يخف الضَّرر على نفسه أو عرضه أو ماله الخطير، ويُلحق به سبّ الأئمة ^، وسبّ فاطمة الزهراء‘، ولا يحتاج إلى الإذن مِنْ الحاكم الشرعي[524][525].
يظهر مِنْ الروايات المُتقدّمة التي تُشير إلى أنَّ سبّ المعصوم× هو سبّ لله ولرسوله’، وهتك لحرمة الإسلام، بلْ حَكَم بعض الفُقهاء على مَنْ يفعل ذلك بالارتداد عَنْ الدين، وبالقتل، باعتباره هتك لأعلى وأعظم المُقدّسات.
وإذا كان الشارع يحتاط في الدماء والفروج والأموال، ويجعل لها حرمة وكرامة لكرامة المؤمن، فإنَّ كرامة وحرمة المعصوم× أعلى؛ لأنّها حرمة للدين وصيانتها صيانة للدين والمُقدّسات، وإذا كانت الدماء والفروج والأموال لها حرمة وكرامة على المستوى الفردي، فإنَّ هتك حرمة المعصوم× هتك لحرمة مِنْ الحرمات والحقوق العامَّة، فهو انتهاك لحرمة كُلّ المؤمنين، بلْ ولكلِّ حرمات الله والدين.
تعطيل الحدود يُؤثر في التكوين والتشريع
1. ما ورد مِنْ أنَّ تعطيل حدٍّ مِنْ حدود الله هو عنادٌ لله، وكذلك إقامة الحدّ أفضل مِنْ مطر أربعين صباحاً، قال أبو جعفر×: «حدّ يُقام في الأرض أزكى فيها مِنْ مطر أربعين ليلةً وأيامها»[526].
2. فإذا كان حدّ يسير لمخالفة جنائية - يسيرة لفرد اعتيادي- غرض الشارع فيه قائم بهذا المستوى، وتأثيره في التكوين هكذا، فكيف بأمر وحدّ مرتبط بأعظم مُقدّسات الدين، وهو المعصوم مِنْ أهل البيت^، والذي عظّم القُرآن مِنْ شأنهم.
3. ومِنْ ثَمَّ ورد في سابّ المعصوم حدّ القتل، فإذا كان ذلك فِي سابّ المعصوم، فكيف بقاتل المعصوم، وكيف إذا كان القاتل فئة مِنْ الناس وجماعة كثيرة.
4. فكيف بسبِّ عرض رسول الله’، وقدْ اشتركت في ذلك فرقة مِنْ الأُمّة، أي: الحزب الأُموي ومَنْ تبعهم.
5. وممّا يُبيّن مدى خطورة هذا الأمر في الدين وعند الشارع ما جرى مِنْ ظواهر كونية وبروز الدم تَحْتَ كُلّ حجر ومدر بَعْدَ قتل أمير المؤمنين×، وقتل الحسين×.
6. ما ورد في الفقيه عَنْ أبي عبد الله×: «لو أنَّ رجلاً دخل الكعبة فبال فيها مُعانداً أُخرج منها وَمِنْ الحرم، وضُربت عنقه»[527].
ومِنْ الواضح أنَّ قول الإمام×: (ضربت عنقه) ، أي: لأنَّه انتهك قدسية الكعبة، فما بالك بمَنْ هتك ما هو أعظم حرمة وقدسية مِنْ الكعبة، وهو المعصوم×؟! بلْ ما بالك بمَن قتل المعصوم×؟!
7. كذلك ما ورد عَنْ سداد بن أوس - بَعْدَ أنْ شارك فِي معركة الجمل إلى جنب أمير المؤمنين×- قال: لما كان يوم الجمل... فدخلت على أُمُّ سلمة... قالت: نِعْمَ ما عملت، لَقَدْ سمعت رسول الله’ يقول: «مَنْ حارب علياً فقدْ حاربني، ومَنْ حاربني فقدْ حارب الله»[528].
فيظهر مِنْ هذه الرواية أنَّ الحرب لأحد المعصومين^ هي حرب لرسول الله’ ولله تعالى؛ فيكون الطلب بثأر المعصوم× والدفاع عَنْ المعصوم× دفاعاً عَنْ الله وعَنْ دين الله ورسوله، ويكون التخاذل عَنْ ذلك تخاذلاً عَنْ الله ورسوله’. كما ورد ذلك في مستفيض الزيارات (ثار الله) و (وتر الله الموتور).
8. عَنْ عليّ بن الحسين×: «خرجنا مع الحسين× فما نزل منزلاً ولا ارتحل عَنْه إلّا وذكر يحيى بن زكريا...». ثمَّ ذكر قصة قتل يحيى×، وكيف خسف الله الأرض بتلك المرأة التي حرّضت الملك على قتل يحيى×، «وسلّط الله عليهم بُخت نصر، فجعل يرمي عليهم بالمجانيق ولا يعمل شيئاً، فخرجت عليه عجوز مِنْ المدينة فقالت: إنَّ هذه مدينة الأنبياء - أي: إنَّها مُقدّسة قُدّست لوجود الأنبياء فيها- لا تُفتح إلّا بما أدُلّك عليه. قال: لكِ ما سألتِ. قالت: ارمها بالخبث والعَذَرة. ففعل فتقطّعت، فدخلها، فقال: عليّ بالعجوز. فقال لها: ما حاجتك؟ قالت: في المدينة دم يغلي فاقتل عليه حتّى يسكن. فقتل عليه سبعين ألفاً حتّى سكن.
يا ولدي يا عليّ، والله، لا يسكن دمي حتّى يبعث الله المهدي # ، فيقتل على دمي مِنْ المنافقين الكفرة الفسقة سبعين ألفاً» [529].
9. في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً * سُنَّة مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾[530].
جاء في تفسير الآيتين أنَّ الاستفزاز لرسول الله’ ليخرجوه مِنْ مكّة، أنَّهم لو أخرجوه مِنْ مكّة لما لبثوا - أقاموا- فيها إلّا قليلاً، وقال عباس والضحّاك: المُدّة التي لبثوا بعده، هي ما بين خروج النَّبي مِنْ مكَّة، وقتلهم يوم بدر.
وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا...﴾. أي: إنَّ عدم لبثهم خلاف خروج النَّبي’ وهلاكهم بَعْدَ خروجه هو سنّةٌ في كُلّ الأنبياء الذين كانوا قبله[531].
وَمِنْ هُنا؛ تظهر قُدسية ذات المعصوم×، وحرمة ذاته المُقدَّسة، مِنْ الأهميّة بمكان؛ حَيْثُ تُعجّل لِمَنْ ينتهكها العقوبات الدنيوية قبل العقوبات الأُخروية.
موقف زينب العقيلة‘ مِنْ وجوب أخذ الثأر
ما ورد في الأخبار، عَنْ زينب‘ أنَّها كانت كأُمِّها الزهراء‘ في اتخاذ أُسلوب الحرب الساخنة، فكانت تُحرّض الناس في المدينة على الثأر مِنْ قتلة الحسين×.
فقدْ رُوي في الخبر مسنداً عَنْ مصعب بن عبد الله، قال: كانت زينب بنت عليّ وهي بالمدينة، تؤلّب الناس على القيام بأخذ ثأر الحسين×[532].
وهذا بعينه موقف الزهراء‘ حين كان أمير المؤمنين× في حرب باردة، وعدم المواجهة مع الطرف الآخر، كانت الزهراء‘ تحرّض الأنصار على القتال، وكذلك زين العابدين× يختار الحرب الباردة، في حين تختار زينب وهي العالمة غير المعلّمة والفهِمة غير المفهّمة - كما وصفها الإمام زين العابدين×- لمْ تكن لتتصرف إلّا فيما يأمر به الشرع وتَحْتَ نظر الإمام×.
فهُنا نهجان يسيران في عرض بعضهما - وكلاهما تَحْتَ نظر ورعاية الإمام السجّاد×- بلا اختلاف وبلا تقاطع، بلْ كمال الوئام والتوافق، وبسبب ذلك السلوك الزينبي - أُسلوب الحرب الساخنة- اُضطر الوالي إلى إخراج زينب إلى مصر، كما في تتمة الخبر الذي أوردناه، وهو: «فخطبت فيهم زينب÷ وصارت تؤلّبهم على القيام للأخذ بالثأر، فبلغ ذلك عمر بن سعيد، فكتب إلى يزيد يُعلمه الخبر، فكتب إليه: أنْ فرّق بينها وبينهم. فأمر أنْ يُنادى عليها بالخروج مِنْ المدينة والإقامة حَيْثُ تشاء، فقالت: قدْ علم الله ما صار إلينا، قتل خيّرنا، وسقنا كما تُساق الأنعام، وحُملنا على الأقتاب، فو الله، لا خرجنا وأنْ أُهريقت دماؤنا...»[533].
وهذا يُشير إشارة قوية إلى الثورة والثأر، وضرورة المطالبة بثأر الحسين× مِنْ أعدائه مهما كانت الظروف ومهما كلّف الأمر، كما قدْ كلّف زينب الخروج مِنْ المدينة.
نَعَمْ، قدْ تختلف الآليات فمرّة تكون الآلية باردة، ومرّة تكون ساخنة، بلْ إنَّه حسب ما تذكر القصة نفسها أنَّها رفضت الخروج لولا إلحاح الهاشميات، قال: «فأبت الخروج، ثمَّ اجتمع عليها نساء بني هاشم وتلطفن معها في الكلام، فاختارت مصر»[534].
وفي هذا إشارة إلى أنَّ زينب‘ كانت مُصرّة على الاستمرار فِي الثورة لولا إلحاح الهاشميات، وكذلك يُشير إلى أنَّ حكومة بني أُميَّة لَمْ تستطع مواجهة الثورة الزينبية، إلَّا بالأساليب القذرة فِي الضغط على بني هاشم، وهذا أمر بالغ الأهميّة أغفله الكثير.
استمرار برنامج الثأر والثورة
قوله في الزيارة: «السلام عليك يا ثار الله وابن ثأره والوتر الموتور»[535].
الثورة والثأر للإمام الحسين× مُستمر إلى يومنا هذا وإلى يوم الظهور وما بعده، بلْ حتّى في الرجعة التي هي بَعْدَ الظهور، كما في الدعاء: «فأخرجني مِنْ قبري، مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرّداً قناتي، مُلبياً دعوة الداعي»[536].
وهذا يُشير إلى أنَّ برنامج الثأر والثورة مُستمر.
وهو فرع التعصب لذات المعصوم×، فليس التعصب مختصاً بحياة المعصوم×، بلْ لما بَعْدَ حياة الإمام المعصوم، كما يظهر مِنْ قوله×: «لو أنَّ عبداً زنجياً تعصّب لنا...»، فيكون التعصب غير مقيّد بزمان أو مكان ما دام يصبّ في نصرتهم ويضاف نسبته إليهم، وإذا كنّا نقول في زيارة أبي الفضل×: «اُنتهكت بقتلك حرمة الإسلام»[537]، فكيف بك بمَنْ هو أعظم حرمةً وقدسيّةً مِنْ المعصومين؟! كالنّبي’ وأهل البيت^.
ما ورد في الإذن والحثّ على الأخذ بثأر الحسين×
قال جعفر بن نما: ... فقدْ رويت عَنْ والدي& أنَّه قال لهم مُحمَّد بن الحنفية: قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم عليّ بن الحسين×، فلمّا دخل ودخلوا عليه، خبّره بخبرهم الذي جاءوا لأجله، قال×: «يا عم، لو أنَّ عبداً زنجياً تعصّب لنا أهل البيت، لوجب على الناس مؤازرته، وقدْ ولّيتُك هذا الأمر، فاصنع ما شئت»[538]. فخرجوا، وقدْ سمعوا كلامه وهم يقولون: أَذِنَ لنا زين العابدين× ومُحمَّد بن الحنفية[539].
وهذه الرواية وردتْ فِي جماعة كان لهم ارتياب في حركة المختار، وكانوا قدْ سألوا مُحمَّد بن الحنفية، فأجابهم، ثمَّ جاء بهم إلى الإمام زين العابدين× يسألونه، فالإمام× يُعطيهم ضابطة عامّة مُهمّة، وهي أنَّ التعصب لذات المعصوم×، مِنْ أعظم مواطن النصرة التي لا تحتاج إلى ضمّ قرائن أُخرى للثأر، وهذه الرواية مِنْ أهمِّ المستندات لقاعدتنا.
كذلك ما ورد عَنْ الإمام أبي عبد الله×: «ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت، حتّى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين×»[540].
كذلك ما ورد عَنْ الإمام الباقر×: «لا تسبّوا المختار؛ فإنَّه قتل قَتَلتَنا، وطلب بثأرنا، وزوّج أراملنا، وقسّم فينا المال على العُسرة»[541].
كذلك قول السجّاد×: «الحمد لله الذي أدرك ثأري مِنْ أعدائي، وجزى الله المختار»[542].
نلاحظ مِنْ الروايات أُموراً:
أوَّلاً: إنَّ الدعاء للمختار إشارة إلى أهميّة وعظمة ما فعله المختار، مِنْ الثأر لأهل البيت^.
ثانياً: إنَّ دعاء الإمام× للمختار إشارة إلى ضرورة تحمّل المؤمنين مسؤولية الدفاع عَنْ ذات المعصوم× والتعصّب له، وليس هو مُجرَّد وصف لحالة تأريخية وقعت، بلْ هو رسم لمنهاج عمل، ودعوة للمؤمنين للسير في ذلك الطريق؛ لأنَّ لازم الدعاء هو كون ما أتى به المختار على السنن الشرعيّة والمنهاج الديني اللازم الأخذ به، ويُشير إلى أهميّة ما فعله المختار بالتعصب لأهل البيت^، وهو بالتالي دعوة للسير في مسيرة طلب الثأر للحسين× مِنْ أعدائه.
ثالثاً: إنَّه قدْ استُفيض في الزيارات للحسين×، ولعموم أهل البيت^ الحثّ على توطين النفس، والعزم على الأخذ بثأرهم، وطلب وترهم كتعاليم مكررة لترسيخها لدى المؤمن الزائر لمراقدهم.
طلب الثأر لآل مُحمَّد’
ورد في دعاء النُّدبة: «أين الطالب بدم المقتول بكربلاء؟»[543]، مِنْ شعارات مشروع الحجّة هو (طلب الثأر لآل مُحمَّد’) .
عَنْ عبد الله بن القاسم البطل، عَنْ أبي عبد الله× في تفسير قوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيد فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَار﴾[544]، قال: «قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم# ، لا يدعون وتراً لآل مُحمَّد إلّا قتلوه، وكان وعداً مفعولاً»[545]، وتقريب دلالة الرواية: أنَّ ما تقوم به تلك الجماعة المؤمنة هو مِنْ الأغراض الدينيّة والشرعيّة البالغة الأهميّة؛ ومِنْ ثمََّ كان لسان الرواية المدح لهم، وقدْ ذكر في صدر الرواية قَتْلَ أمير المؤمنين×، وطعن الحسن والحسين÷.
وهُناك روايات أُخرى تُشير إلى نفس المضمون الذي أوردناه أعلاه: «ونزول أربعة آلاف ملك لنصرته فوجدوه قدْ قُتل، فهم عِنْدَ قبره شعث غبر، إلى أنْ يقوم القائم فيكونون مِنْ أنصاره وشعارهم: يا لثارات الحسين»[546]، وكذلك عَنْ الصادق× في وصف أصحاب الحجّة# : «ويتمنّون أنْ يُقتلوا في سبيل الله، شعارهم: يا لثارات الحسين×. إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر، يمشون إلى المولى إرسالاً، بهم ينصر الله إمام الحق»[547]، وكذلك ما رواه المشهدي في أحد زيارات الإمام# «السلام على الإمام العالم الغائب عن الأبصار، والحاضر في الأمصار، الغائب عن العيون، الحاضر في الأفكار، بقية الأخبار، الوارث ذا الفقار، الذي يظهر في بيت الله ذي الأستار، الذي ينادي بشعار يا لثارات الحسين، أين الطالب بالأوتار؟»[548].
القسم الثامن: الجهاد المواساتي
من أقسام الجهاد (الجهاد للمواساة) وهو يغاير الجهاد؛ لأجل الدفاع أو الدعوة، حيث إنَّ غايته ليس حصول الدفاع والنجاة، ولا الدعوة واستجابة الطرف والخصم، بل مواساة المعصوم× في القتل والقتال، فهو وإنْ تحقق منه التحامي والذبّ والدفع، لكنّه لا يصل إلى نتيجة إنقاذ حياة المعصوم×، كما هو الحال في مشهد كربلاء، سواء بلحاظ ليلة العاشر عندما أعطاهم الرخصة وأَذِن لهم الحسين× في الذهاب، عندما بانَ انقطاع المدد للنصر، أو بلحاظ وسط المعركة نهار العاشر، فإن قتال الأصحاب وأهل البيت^ عنه لم يكن إلّا مواساةً له في القتل كما ورد ذلك، لاسيّما في أبي الفضل العباس×.
وهذا القسم - الثامن- متفرّع عن القسم السابع من أقسام الجهاد، وهو قسم آخر؛ لأنَّه وإن كان يتفق من حيث الموضوع مع القسم السابع، إلّا أنّه قسم مستقل برأسه، وهو عبارة عن الجهاد الذي يكون من أجل ذات المعصوم× في حياته، بلا رجاء إنقاذ حياته، بل للمواساة فقط.
والجهاد الذي مرّ سابقاً بغضّ النظر عن حياة المعصوم×، بل هو يدافع عن مقام الذات المُقدّسة وعن كلّ ما يتصل بها من شؤونات وحيثيات، وبعبارة أُخرى: إنَّ الدفاع من أجل ِ ذات المعصوم× في حياة المعصوم× يكون لأجل إنقاذ حياة المعصوم×. أمّا مع اليقين بالمصير المحتوم للمعصوم× - بقطع النظر عن فكرة الإيمان بالبداء- يكون القتال لأجل جهة أُخرى غير الجهة التي ينزع إليها فكر الأفراد العاديين، وهي جهة المواساة. فكما يكون الجود بالمال كذلك يكون بالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، وكذلك المواساة قد تكون بالمال، أو بالجاه، أو بالنفس، وهي أعلى وأنبل أنواع المواساة.
وقد يستغرب بعضٌ من هذا العنوان؛ لعدم وجوده في البحوث الفقهيّة، أو في الثقافة الفقهيّة لدى المتشرّعة، بل إنَّ بعضٌ يرفض وجود هكذا قسم، وعلى أحسن الأحوال يرجعه للقسم السابق - الجهاد تعصباً لذات المعصوم×- وكيف كان، فنحن سنحاول أن نُشير إلى وجود هذا العنوان في جملة التراث الحديثي والروائي، وفي ارتكاز المتشرّعة، وفي الثقافة الفقهيّة الجهاديّة العامّة التي كانت في زمن المعصوم×، والتي أصبحت نسياً منسيّاً - هذا اليوم- كما أنَّا سنحاول إيجاد الفرق بين هذا القسم والقسم السابق، وأنَّ هناك تغايراً بين القسمين:
أوَّلاً: التغاير الثبوتي (الماهوي)
يمكن القول: إنَّ عنوان الجهاد المواساتي مغاير لعنوان الجهاد الذي من أجل ذات المعصوم×، من جهة أنّه خاص بحياة المعصوم×، وليس دفاعاً عن مطلق مقام ذات المعصوم× كالقسم السابق.
ومن جهة أُخرى، هو لا يبتغي من حيث الغاية الحفاظ على حياة المعصوم×، بعد يقينه بشهادة المعصوم× وشهادته، ولكنّه يقاتل ويُقتل مواساة مع المعصوم×.
ثانياً: التغاير الإثباتي
هناك شواهد عديدة في معركة الطفّ تُشير إلى أنَّ جهاد المواساة مرتكز من حيث الثقافة العامّة، وكان مقرراً، لكنّه من حيث الظهور الجلي - بَلوَرة- لم يظهر بصورته الواضحة إلاّ في ساحة الطفّ، حيث كان أصحاب الحسين× يتسابقون للشهادة بين يديه مع يقينهم بشهادته× وشهادتهم.
فهذا حبيب بن مظاهر الأسدي يقول لمسلم بن عوسجة - حين صُرع-: «عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة». فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: «بشّرك الله بخير». فقال له حبيب: «لولا أعلم أنَّي في الأثر، لأحببت أن توصيني بكلِّ ما أهمّك».
فقال مسلم: «فإنّي أُوصيك بهذا وأشار بيده نحو الحسين×، فقاتل دونه حتى تموت»[549].
والحسين× مشى إلى مسلم قبل حبيب، وهو يؤكد هذا المعنى بقوله×: «رحمك ربّك يا مسلم بن عوسجة، فمنهم مَن قضى نحبه ومنهم مَن ينتظر وما بدلوا تبديلاً»[550].
وقد كان من قبلُ يقول لحبيب (رض) : «حسبك يا أخا أسد، فقد قضي القضاء وجفَّ القلم، والله بالغ أمره، والله، إنِّي لأشوق إلى جدّي وأبي وأخي وأسلافي من يعقوب إلى يوسف وأخيه، ولي مصرع أنا لاقيه»[551].
وحبيب يُبيّن معنى جهاد المواساة بشكل واضح وجلي حين يخاطب الإمام× قائلاً: «يا أبا عبد الله، نفسي لك الفداء، إنِّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله، لا تُقتل حتى أُقتل دونك إن شاء الله، وأحبُّ أنْ ألقى ربي وقد صلّيت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها»[552].
بل إنَّ ارتكاز باب ومنهاج المواساة - العظيمة- كانت حتى عند أُمِّ وهب النصراني، حيث جاء في الإرشاد: «فأخذت أُمُّ وهب امرأته عموداً، ثمَّ أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأُمّي، قاتل دون الطيبين ذرية محمَّد، فأقبل إليها يردها نحو النساء، فأخذت تجاذب ثوبه، ثمَّ قالت: إنّي لن أدعك دون أن أموت معك»[553] ، فهنا نرى أُمَّ وهب تحثّ أبا وهب على مواساة الحسين× بنفسه، وتوطّن نفسها على مواساة زوجها؛ لأنَّه يواسي ذرية محمّد’.
والأُخرى التي أخذت عمود الخيمة وهي تقول:
|
أنا عجوز في النسا ضعيفة |
|
بالية خاوية نحيفة |
وفي رجز الحجاج الجعفي (رض) حين برز يتضح المعنى أكثر من جواب الحسين× له، قال الحجاج الجعفي (رض) :
|
فدتك نفسي هادياً مهدياً |
|
اليوم ألقى جدّك النبيا |
فقال له الحسين×: «نَعم، وأنا ألقاهما على أثرك»[555] . فرجع يُقاتل حتّى قُتل (رض) .
كذلك الطبري حينما يروي قصة الغفارييَن لم يغفل عن مفهوم المواساة حيث قال: «فلمَّا رأى أصحاب الحسين أنَّهم قد كُثروا، وأنَّهم لا يقدرون على أنْ يمنعوا حسيناً ولا أنفسهم تنافسوا أن يُقتلوا بين يديه»[556].
وأوضح الشواهد رثاء الإمام الحجة # في الزيارة المعروفة بزيارة الناحية المُقدّسة؛ حيث رثى أصحاب الحسين× واحداً بعد واحد، مشيراً إلى مفهوم (الجهاد المواساتي) .
قال # : «السلام على مسلم بن عوسجة الأسدي، القائل للحسين - وقد أَذِن له في الانصراف-: أنحن نُخلي عنك؟! وبمَ نعتذر عند الله من أداء حقك؟! لا والله، حتّى أكسر في صدورهم رمحي هذا، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا أُفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولم أُفارقك حتى أموت معك، وكنتُ أوَّل مَن شرى نفسه، وأوَّل شهيد شهد الله، وقضى نحبه، ففزت وربِّ الكعبة. شكر الله استقدامك، ومواساتك إمامك؛ إذ مشى إليك وأنت صريع، فقال: يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة، وقرأ: فمنهم مَن قضى نحبه ومنهم مَن ينتظر وما بدلو تبديلاً»[557].
كذلك في سلامه على سعد الحنفي (رض) : «السلام على سعد بن عبد الله الحنفي، القائل للحسين - وقد أَذِن له في الانصراف-: لا والله، لا نخليك حتى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله’، والله، لو أعلم أنّي أُقتل، ثمَّ أُحيا، ثمَّ أُحرق، ثمَّ أُذرى، ويُفعل ذلك بي سبعين مرّةً، ما فارقتك حتى ألقى حِمامي دونك، وكيف أفعل ذلك؟ وإنّما هي موتة أو قتلة واحدة. ثمَّ هي بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً. فقد لقيت حِمامك، وواسيت إمامك، ولقيت من الله الكرامة في المقامة، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى علّيين»[558].
أعظم المواساة مواساة أبي الفضل×
وبما تقدّم تتضح عظمة الشهادة بجهاد المواساة التي شهدها المعصوم× لأبي الفضل×؛ فقد ورد معنى المواساة في زيارة أبي الفضل× التي رواها - بسند معتبر- أبو حمزة الثمالي عن الإمام الصادق×، قال: «...أشهد لك بالتسليم والتصديق، والوفاء والنصيحة لخلف النّبي’... أشهد لقد نصحت لله ولرسوله، فنِعم الأخ المواسي»[559].
فما معنى المواساة التي كانت عند أبي الفضل× التي يشهد بها المعصوم×؟! كما أنَّه يشهد له بالتسليم والتصديق، والوفاء والنصيحة، فالإمام الصادق يشهد بأن أحد أوصاف أبي الفضل هو بذله لنفسه مواساةً لأخيه الحسين، فما هو هذا المعنى العظيم الذي يُسجل المعصوم شهادة له عند الله وهو عنوان وباب المواساة.
المُقدّسات ركن الدين
جهاد بلا دم
إنَّ الآلية التي اتّفق عليها جميع الفُقهاء - ولم يُشكك فيها أحد منهم- هي قاعدة (إعداد القوة) . واستُدلَّ لهذه القاعدة بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون﴾[560]. فهُنا نرى الآية الكريمة تُبيِّن لنا أنَّ قاعدة الإعداد مُطلقة عَنْ الزمان وعن المكان، ولم تخصّص بفرد أو مجتمع، أو رئيس أو مرؤوس، أو شاب أو شيخ، رجل أو امرأة، كُلّ بحسبه تَحْتَ ضابطة: «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عَنْ رعيته»[561]. وهي ضابطة نفيسة مِنْ جوامع الكلم، حيث تُبيِّن أنَّ الجميع راعٍ، والآية الكريمة أيضاً لمْ تخصّص القوة بنوع معين مِنْ السلاح، بلْ إعداد مُطلق القوة، والمساعدة على ذلك الإعداد العالي بالجهد والمال، وبكلِّ أنواع الطاقات والقُدرات، ففي ذلك سعادة وعزَّة، وأمن وأمان للمؤمنين، كما أنَّ الآية الكريمة تُبيِّن أنَّ ذلك يجعل عدو الله وعدوكم في خوف ورعب منكم، بلْ حتّى بعض الأعداء الذين أنتم في غفلةٍ عنهم - ولعلَّهم يعيشون بينكم أيضاً- تدخلهم الرهبة وتحققون الانتصارات الداخلية والخارجية بمُجرَّد إعداد القوة والاستعداد واليقظة؛ لأنَّ العدو الداخلي لا يواجَه بالسلاح، وإنَّما باليقظة والحسّ الاستخباري العالي والحيطة والحذر وعدم التهاون والضعف.
ونفس هذا المنطق (منطق أعدّوا) موجود في كثير مِنْ مضامين الآيات والروايات، بلْ هو عرف عقلائي ومنطق إنساني موجود في كُلّ الدول والمجتمعات، ويقرُّ به جميع العُقلاء، وهي آلية أمنيّة نظيفة توفِّر الحماية والدفاع بلا دم.
سلاح السلام لا الاستسلام
وهذا المُقدار المُتّفق عليه دينيّاً وشرعيّاً وعقلائيّاً، العدو يرفضه ويتهموننا بالأوباشية، ويحاولون قصّ أظافرنا وأجنحتنا بحجّة أنَّها مخالب عدوانيّة، نقول لهم: إنَّها ليست للعدوان؛ بلْ للدفاع عَنْ أنفسنا، نُريد حماية أنفسنا، لمْ ولَنْ نبدأ الآخرين بعدوان، هذا هو منطق ديننا ومنطق قادتنا المعصومين^ ولكن أنتم الذين بدأتم الحرب وأججتم نار الفتنة في مجتمعنا.
مَنْ الذي أجج الحرب العالمية الأُولى والثانية وغيرهما. بلْ كذلك هم يكرهون حتّى تديننا لأئمتنا ومواساتنا لهم، كذلك هُم يُعبّرون عَنْ شعائرنا بأنَّها صراخ وضجيج وإرهاب، ولسان حالهم لسان حال أسلافهم، قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾[562]. شعاراتنا هي إرخاص النفوس واسترخاص الموت لأجل ديننا ومذهبنا وقادتنا المعصومين^، وليس الخلود للدنيا وحربهم مفتوحة ضدّ ديننا وضدّ شعائرنا بالإعلام والشعارات، بَلْ يتّهمنا بَعْض المحسوبين علينا بأنَّ بعض الشعائر توهن المذهب. نَعَمْ، هي توهِن مذهب الدنيويين الوادعين الفاكهين، والمُهم في هذا الكلام أنَّنا إذا تركنا هذه المرتبة والنوع مِنْ الدفاع مِنْ إعداد القوة والقُدرة، فَلَنْ تقوم لنا قائمة ولَنْ نُتارك.
الدفاع عَنْ المقدّسات واجب مِنْ أُصول الاعتقاد
وليس مِنْ مستحبات الشَّريعة
الدين مِنْ الأُمور ذات المراتب، فهُناك مرتبة العقائد وهي أعلى مراتب الدين، ثمَّ تأتي مرتبة الأخلاق، ثمَّ مرتبة فروع الدين، كما بيَّنها الحديث النَّبوي الذي هو مِنْ جوامع الكلم، فعن النَّبي’: «العلم ثلاثة: آية مُحكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة...»[563]. ومِنْ الواضح أنَّ هذه المراتب رُتّبت مِنْ حيث الأهميّة؛ وبالتالي يكون الواجب في كُلّ مرتبة أوجب مِنْ الواجب في المرتبة الأُخرى، فمثلاً: الصلاة ركن مِنْ أهمِّ أركان فروع الدين، لكن لا تقاس بواجب رُكني اعتقادي رغم ركنيتها، فضلاً عَنْ أنْ تُقاس بأصل مِنْ أُصول الاعتقاد كالولاية.
وهذا ما تُبيّنه الآيات والأحاديث الشريفة في مواطن عديدة، منها:
1. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون﴾[564]. فالصلاة رغم عظمتها حالها بدون ولاية الله ورسوله وأُولي الأمر حركات ضوضائية كالتصفيق والصفير، وهذه الصلاة مُكاء وتصدية حتّى لو كانت بزعم ولاية الله وحده دون نبيّه وأهل بيته^؛ ولذلك رغم أنَّهم يؤمنون بالله، أي: يقرّون بالشهادة الأُولى ولا يقرّون بالشهادة الثانية للرسول، يَعِد ويعتبر الله سُبْحَانَهُ وتعالى طوافهم وحجّهم وعبادتهم وتقربّهم إليه بُعداً عنه ونجاسة، ينبغي إزالتها وإبعادها عَنْ المسجد الحرام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾[565].
فتحصّل: إنَّ الولاية ركنٌ، والأُصول والصلاة ركنٌ الفروع، والركن الفرعي متقوّم بالركن الأُصولي (الاعتقادي) ، ولا ينفع الفرع بلا أصل يقوّمه.
2. والولاية التي لمْ يُنادَ بشيء كما نُودي بها... لها وجه وعنوان آخر وهو المودّة (مودّة الله ورسوله وأهل بيته’) . (وقدْ عظّم الله سُبْحَانَهُ وتعالى في القُرآن المودّة، حيث قال تعالى: ﴿قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[566]. فجعل أجر الرسالة - بل الرسالة كُلّها- في هذه المودّة، كما في آية أُخرى أيضاً؛ حَيْثُ ربطت الولاية بالرسالة، حَيْثُ كانت هي الرسالة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[567]. فإذا كانت المودّة أجر الرسالة، وإذا كانت المودّة وكُلّ المودّة تجعل في ذي القربى، أي: لا مودّة إلّا مودّتهم، فلا آباء ولا أبناء، ولا زوجة ولا بيت ولا أيّ عنوان دنيوي إلّا عنوان مودّتهم؛ لذلك ننادي المعصوم×: «بأبي أنت وأُمِّي يا بن رسول الله»[568]، بلْ ولا حتّى مودّة الصلاة تعدل مودتهم، وإذا كنت تودّ الصلاة وتحبّ الصلاة دون مودّتهم، عملك باطل وحبّك عاطل.
3. والمودّة لها أشكال مُخْتلِفة وممارسات منها: تعظيم شعائرهم والتي عظّمها الله في القُرآن ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب﴾[569]. ومنها: تعاهد قبورهم بالزيارة والفرح لفرحهم والحزن لحزنهم؛ ولذلك قضية مودّتهم وولايتهم والبراءة مِنْ أعدائهم قضية لا تقبل المزايدة، وكذلك تعميق تلك المودّة بالأشكال المختلفة أيضاً، وهو أمر لا يقبل المزايدة.
ومِنْ العجيب أنَّ بعضاً مِنْ أوساطنا الشيعيّة مَنْ يقول: إنَّ أيّ شيء يمسّ حجاب المرأة ولو مِنْ بعيد مرفوض ولا تُقاس به الزيارة؛ لأنَّها مستحبة، وهذا خلط وخبط وعدم تمييز ومعرفة بمراتب الدين، فأيُّهما هو المُستحبّ وأيُّهما هو الواجب؟! بلْ الزيارة تتضمن عِدَّة واجبات كفائية، وأُخرى واجبات عينيّة مِنْها: ترويج الدين وإرشاد وتعاهد المؤمن لولاية أهل البيت^، وعمارة المُقدّسات، وغيرها مِنْ العناوين الواجبة المُنطبقة.
نَعمْ، الزيارة على المستوى الفردي كعمل فردي مستحبة، ولكن إذا كان عنوان الزيارة عنواناً لتعاهد الدين وعنواناً لتعظيم الشعائر، وعنواناً للمودّة التي جُعلت أجراً للرسالة، فلا يُقاس بها مِنْ هذه الناحية فرع مِنْ فرع الدين لا حجاب ولا صلاة.
4. لا بُدَّ مِنْ ضابطة لِـمَنْ يُريد أنْ يتكلّم حول نقد الشعائر حتّى لا يصبح خلطاً وخبطاً، وتخبّطاً يولّد اشتباهات لدى عامّة المُكلَّفين، والضابطة هي كما بيّناها مُلخصها: (إنَّ مودّة أهل البيت وولايتهم^ والبراءة مِنْ أعدائهم مِنْ أُصول الدين، ويجب حفظها وتعاهدها؛ لأنَّ حفظها هو حفظ لإيمان المؤمن، وبدونها لا تنفع صلاة ولا صوم، ولا أيّ فرع مِنْ فروع الدين مِنْ الأركان أو الواجبات فضلاً عَنْ المُستحبات) .
5. تُبيِّن أنَّ موقعية مودّة أهل البيت^ مِنْ حيث كونها أجراً لكلِّ الرسالة، ومَنْ لمْ يُعطِ أجيراً أُجرته فهو ملعون عِنْدَ الله ورسوله، كما في حديث النَّبي’: «أَلا مَنْ عقّ والديه فلعنة الله عليه، أَلا مَنْ أبقَ مِنْ مواليه فلعنة الله عليه، أَلا مَنْ ظلم أجيراً أُجرته فلعنة الله عليه ...»[570]، فينبغي أنْ يكون الدفاع عَنْ هذه المودّة بمُقْدار وحجم تلك المودّة في الدين وفي الحديث: «مَنْ مات دون ماله فهو شهيد»[571]. وبما أنَّ المودّة فيها حفظ الدين فيكون في الدفاع عَنْ المُقدّسات حفظ الدين والشهادة في سبيله أعظم شهادة.
بِشَارَةٌ وَنذارةٌ
ورد في الرواية عَنْ يعقوب بن السرّاج، قال: «قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ الله×: مَتَى فَرَجُ شِيعَتِكُمْ؟ قَالَ: فَقَالَ: إِذَا اخْتَلَفَ وُلْدُ الْعَبَّاسِ، ووَهَىَ سُلْطَانُهُمْ، وطَمِعَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَطْمَعُ فِيهِمْ، وخَلَعَتِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا، ورَفَعَ كُلُّ ذِي صِيصِيَةٍ صِيصِيَتَه، وظَهَرَ الشَّامِيُّ، وأَقْبَلَ الْيَمَانِيُّ، وتَحَرَّكَ الْحَسَنِيُّ...»[572]. والرواية هُنا تُشير إلى بشارة؛ لأنَّها تُبشّر الشيعة عِنْدَ اختلاف بني العباس وضعف سلطانهم، وتُبيِّن أنَّ الناس تتّجه نحو الإسلام وبالخصوص نحو نهج أهل البيت^ كما في روايات أُخرى، ولكن هي تُعطي نذارة مِنْ جهة أُخرى؛ لأنَّ أبواب الشرّ ستُفتح على مصراعيها، وينبغي مِنْ هذه الناحية على الجميع تحمّل كامل المسؤولية في مواجهتها، بعدم ترك الاستعداد، ولا قطع استمراره والمواجهة بمختلف الطُّرق وبكُلّ الإمكانات، بجهود مُتضافرة ومُتعاضده. وتؤكِّد مِنْ جديد أهميّة الوقاية، فالوقاية خير مِنْ العلاج؛ لأنَّها دائماً أسهل وأقلّ مؤنة، ولا بدَّ أنْ يكون زمام المُبادرة بَيْدَ المؤمنين الواعين الحركيين، وعلى الجميع التضافر لأجل جعل القيادة بأيديهم، لا بأيادي غَير المؤمنين.
ركنيّة الأراضي المُقدَّسة
الأرض المُقدَّسة
قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِين * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾[573].
فهُنا دعوة مِنْ القُرآن على لسان موسى بدخول الأرض المُقدَّسة التي كتب الله لهم دخلوها، فعن أبي بصير عَنْ أحدهما: «إنَّ رأس المهدي - العباسي- يُهدى إلى موسى بن عيسى على طبق. قلت: فقدْ مات هذا وهذا؟ قال: فقدْ قال الله: ﴿اُدخلوا الأرض المُقدَّسة الَّتِي كتب الله لكم﴾، فلم يدخلوها، ودخلها الأبناء. أو قال: أبناء الأبناء»[574].
وكذلك عَنْ حريز، عَنْ بعض أصحابه، عَنْ أبي جعفر×، قال: قال رسول الله’: «والذي نفسي بيده، لتركبُنّ سُنن مَنْ كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، حتّى لا تُخطئون طريقهم، ولا يُخطئكم سُنّة بني إسرائيل. ثمَّ قال أبو جعفر×: قال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ﴾. فردّوا عليه، وكانوا ستمائة ألف، فـ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون* قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا﴾ (أحدهما يوشع بن نون والآخر كالب بن يافنا) . قال: وهُما ابنا عمّه، فقال: ﴿ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ﴾... إلى قوله: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾.قال: فعصى أربعون ألفاً، وسلم هارون وابناه، ويوشع بن نون، وكالب بن يافنا. فسمّاهم الله فاسقين، فقال:﴿لاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾. فتاهوا أربعين سنة؛ لأنَّهم عصوا، فكان حذوا النعل بالنعل.
إنَّ رسول الله’ لمّا قُبض لمْ يكن على أمر الله إلّا عليّ والحسن والحسين، وسلمان والمقداد وأبو ذر، فمكثوا أربعين سنة[575] حتّى قام علي× فقاتل مِنْ خالفه»[576].
عَنْ مسعدة بن صدقة، عَنْ أبي عبد الله×: «إنَّه سُئل عَنْ قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ﴾، قال: كتبها لهم ثمَّ محاها، ثمَّ كتبها لأبنائهم فدخلوها، والله يمحو ما يشاء ويُثبت وعنده أُمُّ الكتاب»[577].
والإشارات القُرآنية واضحة بضرورة دخول المؤمنين الأرض المُقدَّسة، وبالتالي ضرورة إخراج الكفّار والفُسّاق والمنحرفين منها، وإلّا سيكون المؤمن الذي كتب الله له أنْ يدخُل الأرض، هو الفاسق وسيشمله عنوان الفسق، فهو تعالى يمحو ما يشاء ويُثبت: ﴿يَمْحُو الله ما يشاء ويُثْبِتُ وعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾[578]، وهو تعالى لا يغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم: ﴿إنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[579]، فإنَّ الأرض المُقدَّسة - كما يقول الإمام في الرواية الأخيرة عَنْ مسعدة بن صدقة- كتبها الله لهم، ثمَّ محاها عنهم، ثمَّ كتبها للأبناء فدخلوها، والرواية التي قبل الأخير تُخبر أنَّ الأُمّة ابتُليت بَعْدَ رسول الله’ بنصرة البيوت المُقدَّسة، فلم يستجيبوا، فتاهوا أربعين سنة.
وسنُبتلى بمثلها إنْ تخاذلنا؛ لأنَّ دخول الأراضي المُقدَّسة فَرْضٌ عيني على كُلّ المؤمنين، وليست القضية مختصّة بزمن النَّبي موسى×، وهذا ما أراد الإمام الإشارة إليه، حيث أرود حديث النَّبي’: «لتركبُنّ سنن مَنْ كان قبلكم حذوا النعل بالنعل والقذّة بالقذّة». وطبّقه على قول القُرآن: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾. وأكّد أنَّ الأُمّة تتخاذل عَنْ عليّ× ولا تنصره، فيصيبها الله بالتيه أربعين سنة، وما دامت سنّة إلهية في كُلّ الأُمم السابقة، فينبغي بنا أنْ نعي خطورة ما يجري وعظم المسؤولية المُلقاة على عواتقنا، وإلّا فسوف نُبتلى بالتيه أربعين عاماً، ونكون مِنْ المؤخرين للظهور ولسنا المُعجلين.
نتائج مهمّة من الآيات المُتقدّمة
1. الآيات الكريمة تُبيِّن أنَّ جملة مِنْ الفروض المرتبطة بالأراضي المُقدَّسة والتي مِنْ أعظمها - بالإضافة إلى الحرمين الشريفين المكّي والمدني- مراقد أهل البيت^، أهل آية التطهير، وهي قبر عليّ وفاطمة وأئمة البقيع، والكاظمين والرضا، والعسكريين^، بنصوص عِدَّة مِنْ آيات القُرآن والأحاديث النبوية كما سيأتي، والفروض هي:
الفرض الأوَّل: تحرير هذه الأراضي المُقدَّسة مِنْ تسلُّط الظالمين والعُتاة الجبّارين.
الفرض الثاني: عمارة هذه الأراضي بالتواجد فيها والمجاورة لها، وبزيارتها وبقية أنحاء العِمارة.
وسيأتي أنَّ الجوار للمراقد المُقدَّسة مِنْ الجهاد كما ورد في الرواية.
الفرض الثالث: الاهتداء والاستبصار بهذه الأراضي المُقدَّسة، بالوفود عليها والاستغفار، وعبادة الله فيها؛ فإنَّها أبواب الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال﴾[580]، وورد في ذيلها الآية مِنْ طريق الفريقين أنَّها بيوت الأنبياء، بيوت النَّبي’، وأنَّ مِنْ أفاضلها بيت عليّ وفاطمة÷.
فلاحظ: تعليل الأمر في الآية ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ بـ ﴿الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ﴾، فكما كتب الصلاة والصيام والجهاد، فقدْ كتب دخول وإحياء وتعظيم وعمارة الأراضي المُقدَّسة والعبادة فيها.
2. إنَّ عدم القيام بهذه الفروض المُرتبطة بالأراضي المُقدَّسة ارتداد على الأدبار: ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، وإنَّه خُسران: ﴿فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِين﴾، فيتبدّل حالهم إلى الخُسران.
3. إنَّ هذه الفروض لو توقّفت على القتال، فاللازم القيام به ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾، ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾.
4. إنَّ عصيان هذه الفروض يندرج العاصي في عنوان الفاسقين ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾، ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾.
5. إنَّ الإعراض عَنْ الأراضي المُقدَّسة وعَنْ حمايتها وعَنْ التوافد إليها؛ يُسبب التيه والضلال، وإنَّ الهداية والاستقامة مُتقدّمة على الارتباط بها والتواجد فيها.
أوَّلاً: ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾، وهي أريحا مِنْ بلاد الشام، وادخلوا باب القرية سُجّداً لله؛ تعظيماً لمثال مُحمَّد وعلي، مثّل الله تعالى على الباب مثال مُحمَّد وعلي، وأمرهم أنْ يسجدوا تعظيماً لذلك المثال، وأنْ يجددوا على أنفسهم بيعتهما وذكر موالاتهما، وليذكروا العهد والميثاق المأخوذ عليهم: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾، أي: قولوا: إنَّ سجودنا لله تعظيماً لمثال مُحمَّد وعلي، واعتقادنا لولايتهما حطّة لذنوبنا ومحو لسيئاتنا: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. أي: لمْ يسجدوا كما أُمروا، ولا قالوا ما أُمروا، ولكن دخلوها مستقبليها بأستاههم، وقالوا: هنطا سمقانا - أي: حنطة حمراء نتقوتها أحبُّ إلينا مِنْ هذا الفعل- وهذا القول: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي: بدلوا ما قِيلَ لهم، ولم ينقادوا لولاية مُحمَّد وعليّ وآلهما الطيبين: ﴿رِجْزاً منَ السَّمَاء﴾، والرجز الذي أصابهم، أنَّه مات منهم بالطاعون في بعض يوم مائة وعشرون ألفاً، وهم مَنْ علم الله أنَّهم لا يؤمنون ولا يتوبون[581].
ثانياً: عَنْ ابن عباس (رض) ، قال: قال بنوا إسرائيل لموسى× حين جاز بهم البحر: خبّرنا يا موسى، بأيّ قوّةٍ وبأيّ عدّةٍ وعلى أيّ حمولة تبلغ الأرض المُقدَّسة، ومعك الذّرية والنّساء، والهرمي والزمني؟ فقال موسى×: «ما أعلم قوماً ورّثهم الله مِنْ عرض الدُّنيا ما ورّثكم... وسيجعل الله لكم مخرجاً. قالوا: فادعه يُطعمنا ويسقينا ويظلّنا... فأوحى الله تعالى إلى موسى: قدْ أمرت السّماء أنْ تمطر عليهم المنّ والسّلوى، وأمرت الرّيح أنْ تشوي لهم السّلوى، وأمرت الحجارة أنْ تنفجر، وأمرت الغمام أنْ تظلّهم، وسخّرت ثيابهم أنْ تثبت بقدر ما يثبتون. فلمّا قال لهم موسى ذلك سكنوا، فسار بهم موسى فانطلقوا يؤمون الأرض المُقدَّسة وهي فلسطين، وإنَّما قدّسها؛ لأنَّ يعقوب× وُلِد بها، وكانت مسكن أبيه إسحاق×، ويوسف× ونقلوا كلّهم بَعْدَ الموت إلى أرض فلسطين»[582].
الدفاع عَنْ المُقدّسات بتعظيم باب حطّة
يظهر مِنْ الروايتين المتقدّمتين أنَّ الأرض المُقدَّسة قُدّست لولادة يعقوب×، ولكونها مسكن أبيه إسحاق وولده يوسف×، وأنَّ سجود بني إسرائيل هو تعظيم لمحمَّد وعليّ÷، وإذا كان كذلك فإنَّ بيوت المعصومين (مراقدهم المُقدَّسة) أحرى بالسجود لله والتوجّه إليه فيها، والتوجّه فيها وبها إليه تعالى والخضوع والتقديس له جَلَّ جَلالَهُ.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً منَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُون﴾[583].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً منَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُون﴾[584].
وقدْ ورد مُستفيضاً لدى الفريقين أنَّ باب حطّة في هذه الأُمّة - كما قال النَّبي’- هُمْ أهل البيت^، بلْ إنَّ باب حطّة في بني إسرائيل كان؛ لأنَّ أسماء النَّبي وأهل بيته مكتوبة عليه استشفاعاً بهم كما ورد في الرواية المتقدِّمة، وتُفيد الآيتين حينئذٍ:
1. افتراض دخول باب حطّة افتراض سكنى القرية المُقدَّسة عمارةً وإحياءً لها.
2. افتراض التوسُّل والاستشفاع؛ لغفران الذُّنوب بباب حطّة في الأراضي المُقدَّسة، وهم أهل البيت^ .
3. لزوم الخضوع والسجود لله تعالى فيها، والعبادة له بالتوجّه بها إليه تعالى.
4. إنَّ الإعراض عَنْ التوجّه والتوسُّل بباب حطّة عقوبته دنيوية عاجلة قبل الأُخروية، وبنزول الرجز مِنْ السماء على العصاة لذلك.
منهجيّة تربوية يرسمها رسول الله’
في حديث الباقر× مع قتادة البصري، نقله أبو حمزة الثمالي: «... قال قتادة: والله، لقد جلست بين يدي الفُقهاء وقدام ابن عباس فما اضطراب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك. قال له أبو جعفر×: ويحك! أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي بيوت أذِنَ الله أنْ تُرفع ويُذكر فيها اسمه»[585].
ففي الراوية عَنْ ابن عباس، قال: قال رسول الله’: «مَنْ دان بديني وسلك منهاجي واتبع سنتي فليدن بتفضيل الأئمة مِنْ أهل بيتي على جميع أُمَّتي، فإنَّ مَثَلهم في هذه الأُمّة مثل باب حِطّة في بني إسرائيل»[586].
وهذه منهجيّة تربويّة في القُرآن الكريم والسنّة النبويّة؛ لبيان أنَّ مودَّة ومحبَّة والاعتقاد بأفضلية أهل البيت^ مِنْ الدين، مِنْ تفاصيل فروع الشريعة قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال*رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله...﴾[587].
يذكر السيوطي - وهو مِنْ أهل السنّة- في كتاب الدرّ المنثور: أخرج ابن مردويه، عَنْ أنس بن مالك وبريدة، قال: قرأ رسول الله’ هذه الآية: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. فقام إليه رجل، فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال’: «بيوت الأنبياء». فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله، هذا البيت منها - بيت عليّ وفاطمة÷- قال’ «نَعَمْ، مِنْ أفاضلها»[588].
فالنبي’ لمْ يقل: (نَعَمْ منها) ، بلْ قال: «مِنْ أفاضلها»، واللافت للانتباه أنَّ علياً وفاطمة لمْ يتوهّم مُتوهم أنَّهما مِنْ الأنبياء، فما الذي دعا أبا بكر أنْ يسأل هذا السُّؤال؟ وما العُلقة بين بيت عليّ وفاطمة، وبين بيت الأنبياء؟ وما ذلك إلّا كاشف ودالّ على أنَّ القُرآن الكريم والرسول’ لهم تربية خاصّة للمجتمع الإسلامي ولِوسط المُسْلمين، بأنَّ أهل البيت^حجج معصومون، فبالتالي هُناك مناسبة، من أنَّه إذا قِيلَ شيء في الأنبياء قِيلَ شيء أيضاً في الأوصياء.
فهذا الحديث دالّ على المُرتكز في عقلية المُسْلمين، من أنَّ بيت علي وفاطمة أفضل مِنْ بيوت الأنبياء؟
وعليه؛ فإنَّ بيوت أهل البيت^بيوت أَذِن الله أنْ تُرفع ويُذكر فيها اسمُه، فهي ليست مساجد فقط، بلْ مِنْ المشاعر التي شعّرها الله تعالى، فإنَّ مراقدهم^ مِنْ المشاعر بروايات أهل السنّة فضلاً عَنْ رواياتنا، والمشاعر أعظم مِنْ المساجد؛ إذْ المسجد رُبَّما تنتهي وقفيته أو يُزال لسبب ما، كضرورة إقامة طريق ونحوه، فإنَّ الضرورات تُقدّر بقدرها، أمَّا المشعر فلا، فإنَّه كالمزدلفة ومِنى وغيرهما مِنْ مناسك الحج.
يقول الشيخ كاشف الغطاء&: «هذه بيوت شعّرها الله، فهي أعظم مِنْ المساجد»[589].
فهذه المراقد الشريفة يجب أنْ تُعمّر وتُعظّم بنصّ كُلّ المُسْلمين، وكذا أفضليتهم على الأنبياء بنصّ الرواية عِنْدَ المُسْلمين وهذه مِنْ الدين.
فإذن؛ يظهر مِنْ ذلك أنَّ البيوت التي أمر الله أنْ تُرفع وتُعظّم، هي بيوت المعصومين ومراقدهم المُقدَّسة، وأنَّ الأرض التي فيها قبورهم، هي أراضي مُقدّسة أخذت قُدسيتها وشرفيتها مِنْ وجودهم الشريف.
كيف نُقدِّسهم
مع مُلاحظة تلك الآيات التي وردت في بني إسرائيل، وأَمرهم بدخول الأرض المُقدَّسة وتعظيمها، وأن يدخلوا الباب سُجّداً ويقولوا: (حطّة)؛ فإنّها خصائص خُصّ بها أهل البيت^، بَلْ بما يفوق ذلك بحسب الروايات، وتعظيم أهل البيت^ بما عظّمهم القُرآن به ليس لهم فقط، بلْ للمدن التي هُم فيها، فينبغي أنْ نحفظ قدسيتهم وقُدسيّة بيوتهم ومُدنهم وذلك بـ:
أوَّلاً: السكن فيها مع مراعاة الاحترام والحُرمة والتقديس.
ثانياً: الالتزام بالشريعة المُقدَّسة فيها أكثر مِنْ غيرها من الأماكن والمُدن الأُخرى، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾[590]. حَيْثُ اعتُبر الظلم البسيط عِنْدَ البيت الحرام إلحاداً.
ثالثاً: يجب طرد أهل الباطل وتطهيرها مِنْ أَسر واستحواذ أهل الشرّ.
رابعاً: حفظ الأمن فيها، وهذا له لوازم عديدة، مِنْ أهمّها وجوب الدفاع عَنْ تلك المدن مِنْ الاعتداء الخارجي، ومِنْ التخريب والفساد الداخلي.
خامساً: إنَّ موسى أمر قومه أنْ يدخلوا الأرض المُقدَّسة، ولو كان فيها الجبّارون، ولو استلزم ذلك التضحيات الكثيرة؛ فيجب أنْ ندخل (نَزور) البيوت المُقدَّسة - أضرحة المعصومين^ - ولو كان في ذلك تضحيات.
سادساً: إنَّ المُقدّسات تُمثِّل الإسلام وحفظها حفظ الإسلام، ولا يُشكَل هُنا من أنَّ حرمة المؤمن وحرمة دمه أعظم مِنْ حرمة الكعبة؛ فإنَّ تعظيم الأراضي المُقدَّسة هو فريضة في الآيات المُتقدِّمة كركن في الدين وتعظيم للإسلام، والتضحية في سبيل رفعتها تضحية في سبيل الإسلام، الذي ضحّى مِنْ أجله الحسين×.
سابعاً: عمارتها المعنوية بالإضافة إلى السكن فيها، وعمارتها المادية وتشييد بنائها، وتوسعة عمارتها المعنوية بكثرة الزيارة - سواء سكنها أو لمْ يسكنها- وشدّ الرحال إليها وعدم تركها لخوف الظالمين والجبّارين، لكن مع الأسف، الكثير في غفلة عَنْ هذه الفروض الإسلاميّة العظيمة، ولسان حال الناس كلسان حال قوم موسى، إنَّ فيها قوماً جبّارين، وإنّا لَنْ ندخلها ما داموا فيها، فالناس بالأمس القريب يقولون: إنَّ فيها قوماً جبّارين (صدام والبعث) ، وإنّا لَنْ ندخلها ما داموا فيها ومسلّطون عليها، أمَّا اليوم فيقولون: إنَّ فيها الوهابية الجبارين، فاذهب أنت وربك يا موسى؟!
ثامناً: كُلّ مراقد أهل البيت^ مشاعر إلهيّة، وكُلّ واحد منها حرم الله وحرم رسوله وأهل بيته’، فكربلاء حرم الله وحرم رسوله وحرم أهل بيته^، وهكذا النجف والكاظمية، وكذلك مشهد و سامراء وباقي مشاهد المعصومين^؛ فيكون مِنْ التعظيم والتكريم أن نتعهدها بالعمران بأسمى وأعظم ما يُمكن، ففي منهاج الرشاد للشيخ جعفر كاشف الغطاء+، ينقل رواية بعدم جواز أخذ زينة الكعبة، ففي الخبر: قِيلَ لعمر: لو أخذت حُليّ الكعبة فجهّزت به جيوش المُسْلمين كان أعظم الأجر، وما تصنع الكعبة بالحلي؟ فهمّ بذلك، فسأل علياً× فقال له: «إنَّ القُرآن أُنزل على النَّبي’ والأموال أربعة: أموال المُسْلمين فقسّمها بين الورثة في الفرائض، والفيء فقسّمه على مُستحقيه، والخُمس، فوضعه الله حيث وضعه، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها، وكانت حُليّ الكعبة فيها يومئذٍ فتركه الله على حاله، ولم يتركه نسياناً، ولم يخفَ عليه مكاناً، فأقرّه حيث أقرّه الله ورسوله. فقال له عمر: لولاك لافتضحنا. وتركه»[591]، فعمارتها كركن في الدين لا يُقدّم عليها فروض أُخرى ركنية.
كذلك ما رواه البناني واعظ أهل الحجاز، عَنْ جعفر بن مُحمَّد، عَنْ أبيه، عَنْ جدّه الحسين بن علي، عَنْ عليّ، أنَّ رسول الله’ قال له: «والله، لتُقتلَنّ في أرض العراق، فتُدفن بها. فقلتُ: يا رسول الله، ما لِمَنْ زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟ قال: يا أبا الحسن، إنَّ الله جعل قبرك وقبر ولديك بقاعاً مِنْ بقاع الجنّة، وإنَّ الله جعل قلوب نجباء مِنْ خلقه، وصفوة مِنْ عباده تحنّ إليكم، وتحتمل المذلة والأذى فيكم، فيُعمّرون قبوركم، ويكثرون زيارتها، تقرّباً إلى الله تعالى، ومودّة منهم لرسوله... يا علي، مَنْ عمّر قبوركم وتعاهدها، فكأنّما أعان سليمان بن داوُد× على بناء بيت المقدّس. ومَنْ زار قبوركم عدل ذلك ثواب سبعين حجّة بَعْدَ حجّة الإسلام، وخرج مِنْ ذنوبه حتّى يرجع مِنْ زيارتكم كيوم ولدته أُمَّه»[592].
تاسعاً: ذكر ملا أحمد النراقي في كتابه (المعاد) [593]، دليلاً نقلياً وعقلياً على أنَّ قبر أمير المؤمنين× وقبور أهل البيت^ أعظم مِنْ الجنان، فضلاً عن المساجد، والشيخ جعفر كاشف الغطاء يعتبرها مشاعر إلهية، وكثير مِنْ العُلماء يقولون: (هي أفضل مِنْ المساجد) [594].
عاشراً: تطاول الوهابيّة على الُمقدّسات.
طبعت الوهابية - إلى الآن- ثلاثة كتب لتشريع وجوب هدم قبّة النَّبي’ جهاراً نهاراً، بلْ هُم ينوون - كما أسلفنا- هدم كُلّ المراقد المُقدَّسة، بلْ وهدم البيت الحرام استناداً لبعض التأويلات والتحريفات، فيما ورد عَنْ النَّبي أنَّه’ سيهدم الكعبة، تاركين بذلك تتمّة الحديث: «لنقضت البيت فبنيته على أساس إبراهيم»[595]، وفي الحقيقة أنَّ هذه السياسة ليس هي لتخريب المراقد والمساجد فقط، بلْ لتخريب الدين والدُّنيا والسِّلم والأمن المدني كما أسلفنا.
الحادي عشر: عمارة قبورهم واجب عقائدي وليس مستحباً شرعياً.
إنَّ نظام تعظيم المُقدّسات كقبور المعصومين^ التي هي مشاعر مُقَدَّسَة إلهية، لا ينبغي أنْ يكون عملاً فردياً فقط، بلْ هو عمل جماعي اجتماعي وعلم مؤسساتي، بلْ هو عمل الدول، وهو نظام أعلى مِنْ الأنظمة التي تحكم الدول والمجتمعات، ولو جعلت الدول في مبادئها الدستورية صيانة وتعظيم وعمارة - المعنوية والمادّية- وحماية تلك المُقدّسات، لأكلت مِنْ فوقها ومِنْ تَحْتِها، ولتنعّمت بحياة فيها خير الدُّنيا والآخرة، فإنَّ نظام تعظيم المُقدّسات أعلى مِنْ كُلّ نظام، به تُحفظ كرامة الدول والمجتمعات والناس، وكُلّ البشر على وجه الأرض، وعلى أرض المعاد.
الثاني عشر: الملائكة تُدافع عَنْ الأراضي المُقدَّسة وتتدافع عليها.
ورد في كامل الزيارات، عَنْ ابن سنان، عَنْ أبي عبد الله×، قال: «سمعته يقول: قبر الحسين بن علي× عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً مكسّراً، روضة مِنْ رياض الجنّة، وفيه معراج الملائكة إلى السماء، وليس مِنْ مَلك مقرّب ولا نبيّ مُرسل إلّا وهو يسأل الله أنْ يزوره، ففوج يهبط وفوج يصعد»[596].
فإذاً؛ مراقد المعصومين عروش إلهية، وهي ليست نظام أعلى مِنْ أنظمة الدُّنيا يجب أنْ تنتظم به الدول والمجتمعات والأفراد فقط، بلْ هو نظام أُخروي تحتاجه الملائكة، وتنتظم به أفواجهم، وأرواح الأنبياء، فتكون زيارة المراقد مِنْ الدين؛ لذلك تزورها الملائكة وأرواح الأنبياء، وليست هي مِنْ الشريعة فحسب، بلْ إنَّ الدفاع عنها مِنْ الدين، ومكان تُقدّسه الملائكة وتدافع عَنْه وتنتظم به في تلك النشأة، وهي وأرواح الأنبياء ترفض أنْ يدنسه أو يهتك حرمته أحد مِنْ الناس؛ لأنَّ ذلك بمثابة قتل لنفس المعصوم× الذي ضجّت وبكت له ملائكة السماء، فعن سدير قال: قال أبو عبد الله×: «يا سدير، ما أجفاكم بالحسين×، أمَّا علمت أنَّ لله ألف ألف مَلك شُعثاً غُبراً يبكونه، ويَرْثونه لا يفترون، زواراً لقبر الحسين، وثوابهم لِمَنْ زاره...»[597].
وكونهم يبكونه ويَرْثونه يُشير إلى أنَّ نفس البكاء والرثاء علم وكمال لهم، وكونهم شُعثاً غُبراً يُشير كذلك لنفس المطلب.
الثالث عشر: سبق أنْ عرفنا أنَّ مركز القُدسيّة والأساس الذي كسبت منه هذه الأرض دون غيرها، هو وجود المعصوم سواء ولادته أو حياته أو مدفنه، وقدْ ذكرنا سابقاً أنَّ الأرض المُقدَّسة قُدست لولادة يعقوب فيها، ولكونها مسكن أبيه إسحاق وولده يوسف^، وهذه المركزية تُشير إليها آيات وروايات عديدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾[598]. في هذه الآية إشارة واضحة إلى أنَّ غاية الحج هو إبراهيم؛ لأنَّها قالت: «يأتوك». ولم تقل: يأتوني، أو يأتوا البيت. للدلالة على أهميّة الولاية، وأنَّها مفتاح قبول الأعمال.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصلّى﴾[599]،وقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾[600]، هذه الآية جعلت المركزية لمقام إبراهيم؛ حَيْثُ لا تُقبل صلاة الطائف إلّا بالصلاة خلف المقام، وجعلت المركزية لمقام إبراهيم أيضاً.
الرابع عشر: إنَّ الجهاد الدفاعي المُقدّس عَنْ الأرض المُقدَّسة وتخليصها مِنْ براثن الفساد والتجبر، فرع وجوب تعاهدها بالزيارة؛ لأنَّ التعاهد ينتج ضرورة عمرانها وتأمينها؛ وبالتالي ضرورة الدفاع عنها.
الخامس عشر: قال تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾[601].
فالآية تذمّ الذين يصدّون عَنْ سبيل الله عموماً، وعَنْ المسجد الحرام بالخصوص، وتجعل الظلم البسيط عظيماً بمنزلة الإلحاد، ففي صحيح الحلبي، قال: «سألت أبا عبد الله× عَنْ قول الله (عَزَّ وَجَلَّ) : ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ﴾. فقال×: كُلُّ الظلم فيه إلحاد، حتّى لو ضربت خادمك ظلماً خشيت أنْ يكون إلحاداً؛ فلذلك كان الفُقهاء يكرهون سكنى مكَّة»[602].
السادس عشر: استفاد جملة مِنْ الفُقهاء مِنْ الآية المُتقدّمة ﴿... الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ...﴾. حرمة تملك أراضي مكَّة وحرمة إجارتها؛ لاستواء استحقاق الناس لها بمقتضى الآية، وأنَّه لا ينبغي أنْ يُمنع الحاج شيئاً مِنْ دور مكَّة ومنازلها، وهذا ما تؤكّده الرواية، كما عَنْ الصادق×: «فكانت مكَّة ليس على شيء منها باب، وكان أوَّل مَنْ علّق على بابها المصراعين معاوية بن أبي سفيان، وليس ينبغي لأحد أنْ يمنع الحاج شيئاً مِنْ الدور ومنازلها»[603].
السابع عشر: حفظ الأمن في البقاع المُقدَّسة وتأمينها واجب، كذلك تأمين الطريق للوصول إليها؛ لأنَّ مقدّمة الواجب واجبة، كذلك ينبغي تسهيل أداء العبادة فيها وإقامة الصلاة ، والممارسات الدينية كافّة كالشعائر وغيرها.
الثامن عشر: بما أنَّ عمارة البيت الحرام متولّدة مِنْ وجوب زيارته، فإنَّ تعاهد المساجد المُكرَّمة والمشاهد المُشرّفة تتولد منه ضرورة عمارتها، بلْ إنَّ على الوالي إجبارهم إذا تركوا الحج، ففي صحيح الفضلاء، عَنْ أبي عبد الله×، قال: «لو أنَّ الناس تركوا لحج لكان على الوالي أن يُجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النَّبي، لكان على الوالي أنْ يُجبرهم على ذلك، وعلى المقام عنده، فإنْ لمْ يكن لهم أموال أنفق عليهم مِنْ بيت مال المُسْلمين»[604].
التاسع عشر: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال﴾[605].
إنَّ هذه البيوت رفعها الله وأوجب بذلك على المؤمنين رفعها، وأنْ يُذكر فيها اسمُه، فهذا تشعير لها لجعلها مشاعر مُقدّسة، ثمَّ قال بَعْدَ ذلك: (يسبّح له فيها) ، أي: التسبيح جاء بَعْدَ مفروغية رفعها (تشعيرها وتقديسها) ، وأنَّ لازم رفعها وتعظيمها القنوت والإخبات والضعة والتواضع فيها.
العشرون: كما في رواية عَنْ الحسن بن العباس بن الجريش، عَنْ أبي جعفر الثانِي×، في حديثٍ طويلٍ في شأن: «إنّا أنزلناه»، قال×: «ولا أعلم في هذا الزمان جهاداً إلّا الحج والعمرة والجوار»[606]، ومفادها تنزيل الجوار للمشاهد المُشرّفة منزل الجهاد.
ولكن بنظرة أُخرى وبفهم أعمق ولمِا قُرّر في العُلوم الروحيّة، وعلوم النفس، والاجتماع، مِنْ وجود الطاقات الغيبيّة التي تكون كأمواج روحيّة مرسلة، وهي بحسب مَنْ أُرسلت منه، فإنْ كان صالحاً كانت، وبالعكس إنْ كان طالحاً، كما أنَّ هُناك إشارة أُخرى تُشير إلى المُعاناة التي يعانيها المجاور لهم والزائر مِنْ قِبل الظالمين على مرَّ العصور، كما أنَّ الزائر حين الزيارة يستلهم معاني الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عَنْ المنكر، بلْ وكُلّ العقائد الحقّة.
الواحد والعشرون: قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾[607].
في الآية الكريمة إشارة إلى أنَّ عمارة بيت الله الحرام وسقاية (خدمة) زوّار بيت الله شيءٌ عظيمُ، كذلك سقاية (خدمة) زوّار البيوت التي أَذِن الله أنْ تُرفع ويُذكر فيها اسمُه وعمارتها شيءٌ عظيمٌ، ولكن الجهاد أعظم مِنْ سقاية وخدمة الحجّاج والزوّار، وكذلك أعظم مِنْ العمارة، فيكون الجهاد في الدفاع عَنْ المُقدّسات عظيماً وأعظم، لأنَّه يجمع بين عنوان الجهاد وعنوان العمارة والسقاية؛ لأنَّه مُقدّمة لبقائها وعمارتها وخدمة الزائرين بها.
الثاني والعشرون: قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لمنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَالله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُون*لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَالله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين﴾[608].
في قصة معروفة حاول فيها المنافقون احتواء الناس، واحتواء القيادة الدينية؛ وذلك ببناء مسجد (ضرار) الذي وصفه القُرآن الكريم بأنَّه كفر ورصد ضد المؤمنين، فالقرآن يأمر بعدم الصلاة فيه أبداً، ويطلب القيام في مسجد له صفتان: أنَّه أسس على التقوى. وأنَّ فيه رجال يحبّون أنْ يتطهروا.
فإذا كان القُرآن يُشيد بالتأسيس لذلك المسجد؛ لأنَّه أُسس على التقوى سواء أسّسه النَّبي أو أسّسه المُسْلِمُون بأمر النَّبي’، فكيف بك ببيوت هي أعظم مِنْ المساجد؛ لأنَّ المؤسس لها هو الله؛ لأنَّه رفعها وعظّمها؟! وإذا كان المسجد عظيماً؛ فلأنَّه أُسس على التقوى، فكيف بنفس التقوى ومعدن التقوى؟!
الثالث والعشرون: ذهب مشهور فُقهاء الإماميّة إلى أنَّ المسافر يُخير بين القصر والتمام في أربعة أماكن: في المسجد الحرام، ومسجد النَّبي’، والحائر الحسيني، ومسجد الكوفة، وذهب الكثير إلى أنَّ التخيير المذكور هو في مدن تلك المُقدّسات على سعتها، وبعضهم قال بالتخيير في كُلّ مراقد المعصومين^، وكأنَّ الشريعة حين شعّرت هذه الأماكن جعلتها بمثابة وطن عالمي لكلِّ الناس.
العناصر الكليّة لخارطة مسؤوليات العصر الراهن
هناك عناوين أُخرى لنفس هذا العنوان، تُمثل جوانب وزوايا في نفس العنوان:
- خارطة المسير والمسار الصحيح في العصر الراهن.
- خارطة وظائف المؤمنين في الظرف المعاصر.
- دور الرعاية للمؤمنين في العصر الحاضر.
- كيفية التعاطي مع لغة المرحلة الراهنة.
- الإصرار في تحمل المضي بإدارة المسؤولية.
- التخطيط الممنهج في تطبيق المسؤوليات.
- برمجة المسارات الصحيحة للوصول إلى الهدف المنشود.
- الصمود في تذليل العقبات لتحقيق الهدف المنشود.
فيما يلي قواعد تُمثل عناصر مشتركة، أو عمومات فوقانية لكلِّ القواعد التي ذكرنا والتي لم نذكر، من القواعد التي تُمثّل مناهجاً للنشاط الديني والسياسي، والاجتماعي والعسكري، فهي قواعد لتلك القواعد.
قاعدة: إعداد القوة
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم ما اسْتَطَعْتُم من قُوَّةٍ وَمِن ربَاطِ الْخَيْلِ...﴾[609]، وهذه الفريضة القرآنيّة العظيمة ليست مختصة بباب الجهاد، وحال مناجزة العدو، بل هي مطلقة على الدوام، وأن يبني المؤمنون أنفسهم وقوّتهم صرحاً يهابه العدو رادعاً له عن التطاول.
قاعدة: (كلّكم راعٍ) وعموم المسؤوليّة على الجميع
- عدم سقوطها حتى لو تقاعس الأغلب.
- عدم عذرية ترك المسؤولية حتى لو تخاذل الأكثر.
قال الْنَّبِيّ’: «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته»[610].
وهذه الوصية النبوية الخطيرة لم تقصر المسؤولية على بعضٍ دون بعض، ولا على النُّخب دون عامّة آحاد الأُمّة، بل كلٌّ من موقعه يتحمل الثقل والعبء، سواء قام الآخرون بمسؤولياتهم أم تخلّوا عنها.
فإذاً؛ أنت مسؤول عن إعداد القوة، وأنت مسؤول عن رعايتها، حتى لو تخاذل الأغلب، ولا عُذر لك حتى لو تخاذل الأكثر.
قاعدة: الصبر لا يعني الجمود
إنَّ الصبر والتصبّر لا يعني الجمود، بل الاندفاع في النشاط والفاعلية، والرعاية والتدابير المتعددة الواسعة، كما أنَّ للصبر مواضع ومواطن يُمدح فيها وأُخرى يُذم .
قاعدة: للوفاء مواطن
قال أمير المؤمنين×: «الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله»[611].
وهذا البيان العَلوي المحكم إشارة إلى أنَّ الالتزام مع الفاتك والهاتك للحرمات شراكة معه في إفساده في الأرض، بل اللازم المناورة للتخلّص من خداعه ودجله وألاعيبه، وهذه الوصية أصل كبير في التعاطي مع تحايل العدو ومراوغته.
قاعدة: ضرورة توازن القوى مع العدو
في وسط مواجهة سيّد الشهداء× مع المارد الأُموي في الطفِّ، أراد أحد الأنصار وعظ العدو، فأجابه× - بما مضمونه-: إنَّ المرحلة التي وصل لها العدو في عِتوه وطغيانه ليست تُعالج بوعظ ونصح، بل بتجاذب القوة معه ومناورة الشدّة، وهذا أصل مهم في تشخيص لغة المرحلة، ونمط المكافحة مع العدو.
المعصوم لنا قدوة
إنَّ
لنا قدوةً عظيمةً بإمام عصرنا صاحب والعصر والزمان المهدي # ؛ حَيثُ إنَّ تطاول الدهور
والعصور على الظهور بمشروعه الإلهي بإقامة دولة العدل والقسط في سائر أرجاء الأرض،
لم يُثنه عن الاستقامة والرباط والمرابطة على الطريق؛ لتحقيق الهدف، ولا زعزع طول المدّة
من أمله ورجاءه بالله تعالى في تقدير وتدبير الفتح والنصر، فكم هائل وعظيم هذا الإصرار
من التحمل لإدارة المضي بالمسؤولية والتخطيط عِبر عشرة قرون.
مقاطع مختارة
هذه مقاطع مختارة من البحوث المتقدمة بمثابة خلاصة في نقاط:
1. إنَّ نشاط الحسين× عبارة عَنْ رجاء، وتعطيل شيء مِنْ النشاط يعني تعطيلاً لعنوان الرجاء، فلا بُدَّ أنْ يبقى عنوان الرجاء مَعَ بقاء عنوان الخوف بموازاته كموازنة بين الخوف والرجاء كما نصّت الروايات.
2. أعطى الحسين× درساً مِنْ خلال عمله يُقتدى به، شعاره: أنا أتحرك في إرادة الله وليسَ تجاوزاً عَلَى إرادة الله، بلْ ضمن إرادته (مِنْ الإرادة وليسَ عَلَى الإرادة) .
3. الحسين× لمْ يتجاوز قانون الأسباب والمُسبَّبات مِنْ خلال نشاطه وحركته الدؤوبة في الطّف، بلْ كَانَ يرجو - بمكابدة التدبير والتوكّل- سبباً فوق الأسباب وسبباً مُسبَّباً مِنْ قِبل مُسبِّب الأسباب.
4. منهاج كربلاء يرفض المسلك الجبري الذي يُحدّد ويُقيِّد قدرة الله .
5. إنَّ مسألة الأمر بين الأمرين لَيسَت مُختصة بأفعال المخلوقين، بلْ هُوَ قاعدة ونظام وجودي في كُلّ علاقة بين الخالق والمخلوق، وفي كُلّ وجوده وشؤونات وجوده المُتّصلة بخالقه هي أمر بين أمرين، وَهَذا هُوَ دين التوحيد الخالص الذي رسمه لنا أهل البيت^.
6. الجزع الممدوح - في الروايات التي أوردناها- بمعنى الإلحاح في الرجاء والدعاء والطلب مِنْ الله تعالى، وَهَذا ميزان لموضع الحراك والفعاليّة والنشاط لإرادة التغيير قبل نزول أمر الله وقبل وقوع القضاء، أمَّا بَعْدَ وقوع أمر الله ووقوع القضاء، فهُنا موطن التسليم والرضا بما ثبت حصوله ولا يُرغب في غيره.
7. الحركة والحراك ليس اعتراضاً على قضاء الله وقدره، بل استمطاراً من سعة بحر المشيئة، ومن طمطامه الزخّار للعلم الإلهي.
8. إنّ يونس× كان مسلِّماً لأمر الله، راضياً متفائلاً بسعة رحمة الله، ولكن الفرق أنّه تحرّك إلى خارج الحدث والمواجهة ولم يتحرّك في الداخل - كما تحرّك الحسين×- تحرّك إلى خارج معركة الهداية؛ إذ ذهب مغاضباً. فالآية القرآنية تصف يونس أنّه ظنّ أن لن يضيِّق الله عليه في المسؤوليّة.
9. العذاب رُفع عَنْ قوم يونس وقدْ أُبرم إبراماً، حيث أظلّهم قريباً منهم؛ لأنَّهم تضرّعوا ودعوا ربَّهم دعاء المُضطر، والله يجيب المُضْطر إذا دعاه ويكشف السوء، وَهُوَ إيمان عظيم بعظمة تدابير الله؛ وبالتالي هُوَ إيمان بعظمة الله، والسبب أنَّ التعظيم خُلقٌ عظيم ينحدر عَنْ عقيدة صحيحة، وعظمة ذلك أنَّهم عندما نظروا مُقدّمات العذاب وقدْ تحقّقت أجزاء منها، وإنَّ المُخبِر بالعذاب صادق؛ لأنَّه نبي مِنْ الأنبياء، مَعَ ذلك ظنّوا أنَّ الله أعظم مِنْ ذلك وَمِنْ الأسباب الطبيعيّة.
10. إنَّ الحَسم والحَتم في أصل الحدث - الشهادة- والتقدير الكُلِّي والعنوان الكُلِّي لما يحدث لا يعني الحَسم والحَتم في العنوان الجزئي، أي: في التفاصيل الجزئية لملابسات الحدث والواقعة، فيمكن الحركة والحراك والنشاط في صياغة وقوع التفاصيل للحدث، بنحو تُقلِّل مِنْ نتائج الخسارة، وتصاعد أرقام الفتح والكيفيّات الإيجابية في الظروف المحيطة بالواقعة، وهذهِ معرفة عميقة وقراءة ثاقبة لمعنى التوكُّل على الله تعالى والرجاء لرحمته تفوق الإيمان بالقضاء والقدر.
11. هُناك حقيقة أُخرى ونظرة ثالثة بين الحَتمية الجبرية مِنْ جهة، والتفويضيّة مِنْ جهة أُخرى، وهي حتمية البَداء وبدائية الحَتم.
وهُنا نُكتة لطيفة ينبغي الالتفات إليها: فحتمية البَداء لا ترى حَتماً وحَسماً في شيء إلّا للبَداء، فيكون كُلّ شيء خاضعاً لحَتمية البَداء، فلا حَتمية إلّا له، أو قُلْ - بعبارة أُخرى-: إنَّ الحتميات الصغرى تنصهر في الحَتمية الكُبرى (حَتمية البداء) .
12. إنَّ الله تبَارَكَ وَتعَالى يعلم بسجود الملائكة وامتناع إبليس، ولكن (لا قصاص قَبل الجريمة) ، فالله لا - ولَنْ- يطرد إبليس مِنْ رحمته قَبل صدور العصيان، وإنْ كَانَ يعلم بصدور العصيان منه، وَهَذا أصل عظيم وقاعدة أساسية وَمِنْ مُحكمات المنظومة الخُلقيّة التأديبيّة الإلهيّة في تعامل البعض مَعَ البعض الآخر، مؤسَّسة على أساس عقيدة البَداء.
13. بَعْدَ أنْ أسَّس× شعار «هيهات مِنَّا الذُّلّة» طلب الموت الذي هُوَ حياة، حَيْثَ قال×: «إنِّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مَعَ الظالمين إلّا برماً»[612].
عقيدة البَداء أهم مقوّمات النشاط الدينيّ والسياسيّ والاجتماعيّ للأئمّة^
14. إنَّ الأساليب الَّتي اتّخذها أئمّة أهل البيت^ فِي مواجهة أعدائهم عديدة وأغلبها كانت عبارة عَنْ حرب باردة، وَهَذِهِ الحرب لا تنافي إيمانهم بسعة الرحمة وسعة البَداء وحَتمية القضاء، وَقَدْ خفي عَلَى كثير مِنْ السطحيين الأساليب المتنوّعة - العديدة والكثيرة- الَّتِي كَانَ يواجه بها الأئمّة^ أعداءهم.
15. كانت أكبر دولة إسلامية تتخوّف وتتحسس من الإمامين الباقر والصادق÷، كما تبيِّن مواقفهما÷ توازن مسيرهما السياسيّ، فلم يكونا في الانتماء المعلن موالين للسلطة، بحيث يغيب صراط الشرعيّة عن وعي الأُمّة.
16. رسم الإمام الصادق× للمؤمن منهاجاً حياتياً يقول لَهُ: إنَّكَ إنسان صغير والدِّين إنسان كبير، والمُهم هُوَ الحفاظ عَلَى الإنسان الكبير، وتكون المحافظة عَلَى الإنسان الصغير بالتبع، أي: بتبع محافظته عَلَى الإنسان الكبير.
17. إنَّ الإمام الصادق× لمْ يترك الخيارات الأُخرى مَعَ تمسّكه بخيارات معيّنة، ففي حين كانت الظروف مؤاتية لتأسيس الحوزات، لمْ يغفل× جوانب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عَنْ المُنكر بآليات مُتكثِّرة، فكَانَ يواجه أعداءه بحرب باردة مُبَاشرة أو غَير مُبَاشرة بواسطة أتباعه كُلّما سنحت الفرصة وتوفَّر الظرف.
18. مشهد الغيبة - غيبة الإمام# - مشهد عكس مشهد سيِّد الشُّهَداء×، ففي المشهد الحالي رغم حَتمية النصر فلا يدعوه# ذلك إلى السكون عَنْ النشاط، وَهَذا مِنْ بديع معرفة الأئمّة بالقضاء والقدر وعلمهم بالبَداء الإلهي الأعظم.
19. التلطّف هُوَ فِي الكلام بقدر السُّؤال مَعَ عدم الزيادة، والكلام بشكل إجمالي ومُقتضب، أو بشكل بسيط وسلس وغير مُعقّد؛ لأنَّ التعقيد يزيد السُّؤال، فالتلطّف وعدم إشعار الآخرين هُوَ إشارة للحسّ الأمنيّ العالي الذي مارسه أصحاب الكهف، كذلك الخضر× حينما جاء إليه موسى× يتعلّم منه.
20. تلاقي موسى والخضر÷ وإنْ كَانَ وعداً إلهيّاً وقدراً محتّماً وقضاءً مُبرماً، إلّا أنَّ ذلك لمْ يدع موسى والخضر÷ يتوانيان عَنْ تحمّل أعلى المسؤوليّة وإتيان قمّة النشاط، ومراعاة أشدّ الحذر وأدقّ الترقُّب، مَعَ أنَّ الخضر قدْ شرب مِنْ عين الحياة ومضمون البقاء إلى يوم الظهور المُقدّس للإمام# ، إلّا أنَّ حذره مُتصاعد حتّى مَعَ مثل موسى نبيٍ مِنْ أُولي العزم.
21. هذهِ التقيّة مِنْ الإمام# وأصحابه، والبرنامج الأمني المُكثّف لَيسَ تشكيكاً في وعد الله المحتوم بالنصر والعياذ بالله، ولا تشكيكاً في قُدْرة الله، بلْ هُوَ عَلَى العكس تماماً زيادة في الإيمان بمدى سعة القدرة والمشيئة الإلهيّة، وزيادة في المعرفة بمشيئة الله وسعة قدرته الَّتِي هي البَداء.
22. لذلك المخلِصون عَلَى خطر عظيم ووجل كبير لتهيُّبهم مِنْ سعة المشيئة والعلم والقُدرة والبَداء، فبقدر ما لديهم مِنْ رجاء ومعرفة بالجمال لديهم خوف ومعرفة بالجلال، وَهُوَ ما يشير إليه سيِّد الشُّهداء في دعاء عرفة: «إلهي، إنَّ اختلاف تدبيرك وسرعة طواء مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عَنْ السكون إلى عطاء واليأس منك في بلاء»[613].
23. قدْ جذّر ثقافة الأمل والنشاط ما وَرَدَ في زيارة الحسين× أنَّه كَانَ - أسير الكُرُبات[614]- أي: إنَّ تعقيد الظروف كَانَ يحيط به مِنْ كُلّ جانب، وبرغم كُلّ ذلك لمْ يكن× مستسلماً لتلك الظروف، بلْ كَانَ في قمّة الحيويّة والنشاط.
الإيمان بالبَداء في النتائج والتداعيات المُترتبة عَلَى الحدث
24. إنَّ النتائج والتداعيات المُترتّبة عَلَى الحدث غَير محسومة سلفاً ومُسبقاً، والتفاصيل الأُخرى المُتولِّدة مِنْ الحدث الخارجة عَنْ حاقّ الواقعة كذلك المجال فيها مُمكن للحركة والحراك والسعي بلحاظها لإنجاز أكبر قدر مِنْ الأهداف العالية، فلا يأس ولا إياس، بلْ عنفوان رجاء ملؤه تفاؤل بالخير والأمل، وهذهِ معرفة غائرة بالتوكُّل عَلَى الله تعالى والرجاء لرحمته تفوق الإيمان بالقضاء والقدر.
25. التفاصيل ممّا يتطرَّق إليها البَداء والتغيير، فلا بُدَّ مِنْ الخوف واليقظة والحذر، وَهَذا ممّا يوجب الحيويّة والنشاط في الحراك رغم أنَّ الظفر والنصر محتوم، إلّا أنَّه لا يوجب ترك تحمّل المسؤوليّة، وَهَذا معنى ظريف تفسيري لقاعدة لا جبر ولا تفويض، أي: لا جبر في التفاصيل، رغم أنَّه لا تفويض في أصل الحدث وأصل الوقوع والواقعة.
26. هَذا المعنى تفسير توحيدي لقاعدة الزهد التي قال عنها أمير المؤمنين×: إنَّها مشروحة في قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾[615]، أي: لا تفرحوا بحَتمية النصر وتتركوا الخوف والحذر واليقظة، كما لا تأسوا مِنْ حَتمية البلاء فتتركوا النشاط والحراك والرجاء في تحسين النتائج والتفاصيل.
التفاؤل رجاءٌ بسعة البَداء
27. أحد أهم تفاسير قول الْنَّبِيّ’: «تفاءلوا بالخير تجدوه»[616]. هو إيجاده الخير بواسطة التفاؤل، فيصبح المعنى واضحاً (تفاءلوا بالخير توجدوه) . فالتفاؤل حالة تكوينيّة تعيشها النفس والروح، تصنع المُعجزات في عالم تدبير وإدارة الحدث فِي التكوين الخارجي، كما صنعته في عالم التكوين الباطني للنفس، وليسَ الأمر مُختصاً بالأفراد، بلْ هُوَ حتّى عَلَى صعيد المُجتمعات وعَلَى صعيد الدول والحكومات.
28. ليس التفاؤل على إطلاقه ممدوحاً، فهناك مواطن يُذمّ فيها التفاؤل، وَهِيَ المواطن الَّتِي ينبغي فيها الحذر والخوف مِنْ سخطه تَعَالَى - مثلاً- ونحوها، فينبغي التعرُّف على تلك المواطن، فإنّ مواضع العفو والرحمة تغاير مواضع النكال والنقمة الإلهيّة، وهي مواقع تكوينيّة لا يمكن أن يمتزج بعضها بالبعض الآخر، كما في دعاء الافتتاح: «أيقنتُ أنّك أنت أرحمُ الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشدُّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة...»[617].
29. تبليغ الولاية رغم عظمتها وخطورتها في الأمر الإلهي النازل عَلَى النَّبي’، إلّا أنَّ ذلك لمْ يدفع بالنبي’ إلى الاندفاع في الحركة والحراك مِنْ دون تدبير وتخطيط في توخّي الأفضل في المساحة المفتوحة، بَعْدَ أنْ لمْ يكن الأمر مُضيَّقاً بَلْ موسّعاً، حتّى جاء الأمر مرّة أُخرى بالفوريّة والتضييق، فترك التأخير بسبب التروّي والتحرّي إلى المُبادرة والإسراع.
30. وَرَدَ النهي الشديد في السنّة الإلهيّة عَنْ التضييق بكثرة السُّؤال، كما في بني إسرائيل ضيَّقوا عَلَى أنفسهم الأوامر الإلهيّة المُتّسعة ذَاتَ العموم بسبب كثرة السُّؤال عَنْ التفاصيل والقيود، كما في أمره تعالى لهم بذبح البقرة فكان المجال - في البدء- مُتّسعاً لهم في التفاصيل والحركة فيها، إلّا أنَّهم أكثروا السُّؤال عَنْ القيود في التفاصيل ليحتّموها عَلَى أنفسهم، مَعَ أنَّها لمْ تكن مُبرمة بالقيود مُضيّقة عليهم رغم إبرام أصل الأمر.
31. الهدهد في قصة سليمان× قد يبدو مِنْهُ التكبّر عَلَى سليمان× حين قَالَ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِين﴾[618]، فهو تصوّر - كما هو حال بعض مدّعي المعرفة- أنَّ ما عَلِم به كُلّ الحقيقة، مَعَ أنَّهُ جهل ما عدا ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ وقع فِي صفة غَيْر محمودة بسبب الجهل واختلاطه مَعَ مرتبة العلم لديه.
الفتح الحسيني
32. لمْ تكن شجاعة الحسين× شجاعة فرد أو شجاعة فرديّة فحسب، بلْ كانت شجاعة في التدبير وشجاعة في الحكمة وفي التخطيط والتقدير، وهي ما يُسمّى: (بشجاعة القيادة وشجاعة إدارة الأزمات وإمامة الأُمّة) .
33. هُناك نفوس واسعة الأمل والرجاء تستطيع أنْ تحوّل الهزيمة إلى نصر، تحوّل الغصّة إلى فرصة.
34. إنَّ الحسين× وإنْ كَانَ يبحث عَنْ الفتح الذي هُوَ أعظم مِنْ النصر، لكن ذلك لا يعني مُطلقاً التفريط بالجوانب الأُخرى وعدم البحث عَنْ الانتصارات فيها - الجوانب الأُخرى- فيما هُوَ ممكن ومقدور.
35. كثير من الانتصارات التي انتصر فيها الْنبِيّ’ رغم ذلك أنّ القُرآن لمْ يسمّها فتحاً، فما هي الأبعاد الَّتِي حملها صلح الحديبية حتّى سمّاه القُرآن (فتحاً) ؟ بَلْ وزاد فِي وصفه فسمّاه (فتحاً مُبيناً) رغم أنَّ الكثير مِنْ المُسْلمين وخصوصاً المُشكّكين والمُرجفين يرونها هزيمة وفشلاً.
36. في قمّة الضيق والمضيق الذي يمرّ به النهر ينفتح عَلَى البحار والمحيطات العظيمة، هكذا كَانَ الحسين× يُؤسِّس لبناءٍ معرفيٍّ ويوصل رسالة للناس، في أنَّ الفتح غَير النصر، والنصر العسكري الخارجي قدْ يكون مُخالفاً للفتح؛ فتصبح الخسارة فتحاً وإنْ لمْ تكن نصراً، قال×: «مَنْ لَحِق بي استُشهد، ومَنْ لمْ يلحق بي لمْ يدرك الفتح»[619].
37. كَانَ المُسْلِمُون ينتظرون كلمة تُشيد بالانتصار بَعْدَ المعركة، فإذا بأمير المؤمنين× يُشير إلى الفتح بقوله: «أنا فقأت عين الفتنة، وَلَمْ يكن ليجرأ عليها أحدٌ غيري»[620]، ليقول× لكلِّ مؤمن: لا تنظر إلى ما تحت قدميك من الانتصارات، بل اُنظر إلى ما هو الأهم، وهو تغيير المعادلات بظهور الحقّ وانقشاع الفكر الباطل، بسقوط قادة الباطل من النفوس، فإنَّ البصيرة المعرفيّة في متشابه المفاهيم الدينيّة - كموقعيّة أزواج النَّبي’ وموقعيّة صحابته وموقعيّة المصحف وموقعيّة الراية والشعار بكلمة حقّ توظّف لغاية باطلة- أعظم مِنْ النصر العسكري.
في معنى الحِلْس
38. إنَّ قول أبي عبد الله×: «فكونوا أحلاس بيوتكم»[621]، أي: استقم عَلَى ما أنت عليه مِنْ الإيمان وبيئة المؤمنين، والتزام جماعة الإيمان وبنمط وروية الخفاء وكتمان موضع القوّة والضعف في المؤمنين عَنْ الأعداء والمخالفين، والمواصلة في مشروع أهل البيت^، بدون صخب في العلانية تُثير الأعداء وتعرقل مسيرة الإيمان.
39. إنَّ المقصود من كلمة (حِلْس) في الرواية وأمثالها ليس هو الجمود والخمول، بل المراد من (البيوت) هو تشبيه المؤمن في بيت العقيدة المستقيمة بالمتاع الذي في البيت، يظنّ الداخل أنّه لا قيمة له، في حين أنّه من الأشياء البالغة الأهمّية والقيمة والفائدة الكبيرة، وأنّه لا يفارق البيت أبداً، أي: في حين أنّ له أهمّية ودوراً كبيراً في البيت إلّا أنّه في غطاء أمني واحتراس خفي عن أن يفطن إليه العدو.
40. فالمراد من أحلاس بيوتكم، أي: لا بدَّ من تصاعد الحِسّ الأمني في طبعكم وسيرتكم كيلا يفطن ولا يطمع بكم العدو في حين كونكم سبباً فاعلاً كبيراً في نفع وفائدة بيت العقيدة، ملازمين له لا تفارقوه ولا تتأثّروا بفتن الموجات الفكريّة المختلفة عن بيت منهاج العقيدة الحقّة من تيارات فكريّة منحرفة وضالة، وقولهم^: «فاسكُنوا ما سكنت السماء والأرض»[622]، أي: اثبتوا ما كنتم عليه من الحقّ قَبل أن تعصف بكم الفتن، ولذلك فلسان هذه الروايات القيام بالواجب لحماية الدين والعقيدة بقوّة الثبات العقائديّ، لا التخاذل والتفرّج عن حماية بيت العقيدة.
41. النشاط وتحمّل المسؤوليّة لا يعني الضجيج والصخب وإعلان الأسرار للأعداء في العلانية، وكذلك الخفاء والكتمان لا يعني الجمود والانعزال والتفرّج مِنْ بعيد، ولنا في الإمام المهدي # القدوة البالغة؛ فإنَّه # في قمّة الخفاء مَعَ قمّة تحمّل كافة المسؤوليّات في كُلّ الساحات والميادين الساخنة والباردة.
42. لا بدَّ أن تكون وسطياً في الحدث، فإنّ الوسطيّة بمعنى المعادل الموضوعي والعامل المشترك الذي لا غنى عنه لكثير من العمليات التدبيريّة الحسابية.
43. التمركّز لا يعني التقوقع الجغرافي بقدر ما هُوَ تمركّز الاستراتيجية.
44. هَذا المعنى لا يعني السكون والركود والنكول عَنْ هدف الانتظار، بلْ يعني دوام استهدافه في السعي والنشاط والحركة والحراك، والسكون والسكوت عَنْ بقية الأهداف الأُخرى الدنيويّة، وكذلك هُوَ - بتوظيف الأهداف المتوسطة لذلك الانتظار والظهور مِنْ دون الاغترار بتلك الأهداف لنفسها بنظرة موضوعية لها- تطبيق لقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾[623].
45. الانتظار مِنْ مادّة الناظر، أي: المتطلّع لشيء آتٍ، حيث يجعل مركز كُلّ برامجه وتخطيطه وخطاه وخططه السعي لذلك الهدف، والدوران حول تلك النقطة المركزيّة مِنْ دون رسم هدف مغاير لذلك الفرج الحقيقي؛ وذلك بعدم الاغترار والفرح بالانفراج النسبي الضئيل؛ وبذلك يكون السعي والعمل والنشاط أكبر مِنْ الأهداف المتوسطة، فضلاً عَنْ الأهداف المقطعيّة الشخصيّة.
قاعدة إعداد القوّة
46. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[624]، هذهِ الآية ترسم أصلاً مُحكماً وقاعدةً خطيرةً استراتيجية، ألا وهي: (إنَّ بناء القوّة لَيسَ له سقف يقف عنده، بلْ هُوَ أُفق مفتوح لا يتناهى) .
47. بناء القدرة والقوّة ليس له سقف في دعوة القرآن، نعم استخدام القوّة تّجاه الآخرين ولو كانوا من الأعداء المُعتدين له سقف وحدٌّ محدود، كما أنّ استخدام القوّة تّجاه الآخرين حالة استثنائية واضطراريّة وليست حالة أوليّة في منطق القرآن ومدرسة أهل البيت^.
48. فبين بناء القوّة وإعدادها واستخدام القوّة واستعمالها بون شاسع، ومن ذلك تُفهم التوصية بـ «فكونوا أحلاس بيوتكم»[625].
برنامج التقيّة الأمنيّة والإعداد الخفيّ (الذكي)
49. مِنْ الطريف أنَّ قاعدة الإعداد الأمنيّ مُتمازجة ومُتداخلة مع أقسام الجهاد الدفاعي - التي ستأتي- ومَعَ ذلك هي مُتعاكسة معها، وليسَ معنى التعاكس هُوَ التضاد، بلْ هُوَ تعاكس السير المنظوميّ لتنامي هذهِ القاعدة مَعَ تلك الأقسام.
فينبغي بالمؤمن أن يعي بذكاءٍ ذلك السير العكسي ويستثمره بشكل صحيح.
50. إنَّ النَّبي’ وأهل بيته^ وسّعوا عنوان التقيّة إلى التقيّة التعليمية (الأمن التعليمي أو المعلوماتي) والتقية المداراتية.
الحذر أنواع ومراتب
51. ينبغي بالإنسان أن يخطّط بخفاء لمواجهة مستوى الخداع أو الجهل الموجود في النفس الأمّارة بالسوء، أو عند الأزواج أو الأولاد أو الأعداء الحقيقيين، وهذا يحتاج إلى ضابط وميزان لا يسقط فيه التدبير إلى الازدواجية، بل يبقى على الاستقامة بتدبير خفي يحرس فيه الأمن؛ ولذلك حذر المعصوم× المؤمنين من استخدام التقية في غير موطنها، كما في احتجاج الحسن العسكري× - في حديث- أنّ الرضا× جفا جماعة من الشيعة، فقال لهم: «وتتّقون حيث لا تجب التقيّة، وتتركون التقيّة حيث لا بدّ من التقيّة»[626].
52. كتمان الإيمان دور عظيم وَهُوَ المحافظة بالتقيّة عَلَى النفس أو عَلَى جماعة الإيمان، ولكن هناك ما هُوَ أعظم، وهي قاعدة أُخرى ملازمة لقاعدة (الكتمان الذكي) ، وهي قاعدة (اصطناع الكُفْر تقيّة وخداعاً للعدو) ، وكلا الدورين مارسهما أبو طالب×، فهناك رواية شبّهته بمؤمن آل فرعون، وأُخرى تشبّهه بأصحاب الكهف وَهُوَ دور ثُنائي مزدوج أعظم مِنْ الدور الأوَّل.
53. قول أمير المؤمنين×: «فأما السبّ فسبّوني؛ فإنّه لي زكاة ولكم نجاة، وأمّا البراءة فلا تتبرّأوا منّي...»[627]، هذه الرواية المستفيضة هي تحديد لأمد التقيّة بأن لا تصل بالإنسان في ذوبان هويته في نهج الباطل وانسلاخه عن هوية منهاج الإيمان، إذ ليس المراد تحريم البراءة اللفظيّة في مقابل تجويز السبّ لفظاً - وهذا ما كذّبه الإمام الصادق× في نسبة ذلك لأمير المؤمنين×- بل المراد بالبراءة كسيرة ومنهاج عمل ينسلخ فيه عن أمير المؤمنين×.
54. إنّ سبب عدم استمرار النبيّ موسى× في مصاحبة الخضر× هو عدم صبره على الصرامة - انضباطاً- في إنفاذ الأُمور بلا تتعتع سؤال وتلكؤ استنكار؛ مما يُفشي سرّ المهمات.
55. إنّ أحد تفاسير: «لولا الحجّة لساخت الأرضُ بأهلها»، ليس أن تسيخ الأرض فقط بأهلها تكويناً بسبب الملكوت بالقضاء والقدر الإلهي، بل أيضاً بحسب الأسباب الطبيعيّة، أي: لولا رعاية الإمام# وفعل الإنسان الكامل - بالأسباب الطبيعيّة الإداريّة والتدبيريّة والتنظيميّة- بإحداث الموازنات والمعالجات السياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة الظاهريّة والخفيّة وكلّ المجالات المعيشيّة الأُخرى لساخت الأرض بأهلها.
جدليّة حفظ النظام الثابت والإصلاح المتغيِّر
56. لعلَّ البعض ينظر إلى الإمام الحسن× بأنَّه تحرّك في صُلحه مَعَ معاوية عَلَى أساس البراغماتية، وكَانَ في مُنتهى الواقعية (البراغماتية) ولم يكن مثاليّاً، تطبيقاً - بحسب زعمهم- لأُسس أساس مبادئ السياسة (لا توُجد عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، وإنَّما توُجد مصلحة دائمة) .
57. ولكن هَذا الكلام غَير صحيح؛ لأنّه× تحرّك عَلَى أساس (المبدأية والواقعيّة) ، مزجاً بين الواقعية الَّتِي تتحرّك عَلَى أساس النفع، والمبدأية الَّتِي تسير وفق ثوابت الدِّين، بابتكار سلوكي لمْ يسبقه أحد مِنْ الأنبياء والأولياء، نستطيع أنْ نُسميه - كاصطلاح بين المبدأيّة والنفعيّة- (المبدأيّة النفعيّة) ، وهي علاقة متوازنة بين النفع التفويضي والجبريّة المبدأيّة (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين) ؛ وبالتالي يكون الإمام الحسن قدْ وفّق بين النزعتين، أي: إنَّه لمْ يخسر أيّ ورقة إيجابية في هَذا الطرف مَعَ تفادي الطعون عَلَى الطرف المُقابل.
58. البراغماتي يطالب بالانعطاف مَعَ الواقع - مرونة التعاطي- والإمام الحسن× ينعطفُ مَعَ الواقع مَعَ عدم التفريط بأيّ مبدأ مِنْ المبادئ، وعدم خسران أيّ ورقة مِنْ الأوراق، حَيْثُ يمكن استثمار بدائل آليّة للحفاظ عَلَى المبدأ.
59. إنّ كلمة عبد المطلب× لإبرهة: «وللبيت ربٌّ هُوَ أمنع له مِنْ الخلق كلّهم وأوْلى به منهم»[628]، هي كلمة تحدٍّ وتهديد، وقوّة وقُدْرة في مناورة العدو للحصول عَلَى مكاسب أُخرى مِنْ خلال المُناورة في المسير والمسار، وفعلاً حصل عَلَى ما يريد.
60. والدرس المُهِم الذي نبع مِنْ صُلح الإمام الحسن× ومناورة جدّه عبد المطلب×، هو أنَّ الإنسان إذا كَانَ في معركة ويتوقّع الخسران مِنْ جهة فلا ينبغي أنْ يفرِّط في كُلّ شيء، بلْ يتوخّى مِنْ خلال محاورته ومناورته الإبقاء عَلَى بقية القُدرات.
الوسطية في المسير والمسار
61. الوسطيّة قد تكون بالمناورة الَّتِي تحافظ عَلَى الثابت التوليفي الذي يوازن بين النهج التقليدي والنهج الحديث العصري.
وبعبارة: هُوَ استخراج للبّ الثابت في النهج التقليدي عَنْ القشور القديمة وتلبيسه آليات عصريّة.
62. النَّاس بين الإفراط في التغيُّر بإيصاله للبّ الثابت، وبين التفريط وتضييع الأُمور بحجّة الثبات فيصاعدون بالثابت إلى الآلية، بلا موازنة بين الثابت والمُتحرّك، بين الآلية المُتغيّرة وبين اللبّ الثابت.
63. الدِّين وسيع ومتين، والشَّريعة سمحة سهلة ليِّنة، وهي مِنْ الدِّين، وَمِنْ أصعب الصعاب الذي حارت فيه الألباب، هو التوفيق بين ما هُوَ ثابت ومتين وبين ما هُوَ سهل ليّن هيّن، فالليونة والسهولة في الآليّة تعني التغيّر، وتغيُّر الآلية لا يعني تغيُّر الدِّين الثابت.
64. قَالَ تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾[629]، هُناك قاعدة يبني عليها الفُقهاء وهي أنَّ (الصلح أعظم مِنْ القضاء) - أي: الصلح بحق وليسَ بباطل- باعتبار أنَّ القضاء يكون فيه طرف خاسر وطرف رابح، وكأنَّ هُناك نوعاً مِنْ القهر والإلجاء للطرف الآخر، ولنفس السبب هو أفضل مِنْ الحرب.
معنى نسبيّة الحقيقة
65. الحقيقة نسبيّة، بمعنى أنّها ذات مراتب لا متناهية وليست نسبيّة سفسطيّة، يختلط فيها السراب مَعَ الحقيقة، فهي نسبية في نفس الحقيقة، وليسَ في الحقّ المختلط بالباطل والوهم والسراب؛ لأنَّ هَذا يؤدِّي إلى أنَّ أيّ شيء يساوي أيّ شيء.
الوفاء مع أهل الغدرِ غدرٌ عند الله
66. إنّ غدر العدو أذا قوبل بسلميّةٍ وبوداعة وحسن ظنّ فهو غدر عند الله، فيصبح المؤمن - المغدور- غادراً عند الله؛ لأنّه أحسن الظنّ بأهل الغدر، فنخطط لمواجهة غدره من حيث هو غادر وقد ظهرت منه بوادر الغدر، وهذا أصل عظيم في التعاطي مع تحايل العدو وخدعه ومراوغته.
نظرية تخادم القواعد
67. لا شكّ في أنّ بين جميع القواعد الدينيّة تعاون بترابط منظومي نظامي متّصل ومتواصل بين القواعد كحلقات في سلسلة وسلاسل وطبقات، كنظام الولاية للمُحكمات.
وكمثال للتخادم: فإنّ قاعدة الرعاية وقاعدة الإعداد إحداهما أكبر من الأُخرى من جهة، فقاعدة الرعاية المستقاة من قول الْنَّبِي’: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته»[630]، تُمَنهِج وتُمَنطِق قاعدة إعداد القوّة المأخوذة من قوله تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[631]، من جهة أنّ الإعداد يحتاج إلى رعاية، فليس الإعداد كيفما اتّفق، وليس هو بشكل عشوائي ينفرط وينفلت فيه الأمر، فيمكن للمؤمنين في الساحات العلميّة أو العمليّة أن يمازجوا ويزاوجوا بين القواعد لاستيضاح بعض التكاليف والواجبات، أو لاستكشاف تكاليف جديدة.
المعنى الصحيح لمفهوم الانتظار
68. ينبغي أن يفهم المؤمن أنّه الآن يعيش كفرد في مجتمع دولة الإمام # الخفيّة، فكيف يتعامل معها؟ وكيف يبنيها؟ وهذه النظرة هي شكل آخر غير التعبّد الدينيّ المحض وغير فكرة إسقاط الواجب الدينيّ - التعبّدي- بل بفكرة استثمار الواجب التعبّدي.
69. عن أبي عبد الله×: «يا عمّار، الصدقة - والله- في السرّ [في دولة الباطل] أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك عبادتكم في السرّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل أفضل؛ لخوفكم من عدوِكم في دولة الباطل وحال الهدنة...»[632].
70. المنهج الصحيح الواقعي لقراءة أحداث مسرح الظهور ولعلامات الظهور ولشخصيات الظهور، هو منهج (الأمر بين الأمرين) ، فلا تفويضيّة بجعل المحور هو العلامات، أو بيد شخصيات مسرح الظهور، ولا جبريّة مطلقة لا ترى أهمّية لأيّ دور وشخصيّة في مسرح الظهور، بل إنّما أمر بين أمرين، وذلك بالالتفات إلى المناهج الذي يتّبعها هؤلاء الثلاثة (اليماني والخراساني والسفياني) وغيرهم.
71. لا جَبر ولا حَتمية مطلقة للأسباب الغيبيّة والإعجاز الغيبي والإدارة الغيبيّة بمعزل عن الأسباب الطبيعيّة في تعجيل الظهور، كما أنّه لا تفويضيّة بجعل كلّ الأسباب بيد المؤمنين في إدارة وتنامي الحكومة الخفيّة للإمام#.
72. ما ذكرناه من منهج سوف يبطل منهج مَن يجعل العلامة بمثابة العلّة إذا حدثتْ حدثَ الظهور، وإذا لم تحدث سوف لا يحدث الظهور، وكأنّه يُعلِّق ظهور الإمام المهدي # على ظهور هذه العلامات، فهو في الحقيقة مُنتَظِر للعلامات - كاليماني والخراساني والسفياني وغيرهم برؤية جبرية للظهور لا رؤية مسؤولة- وليس مُنتَظِراً انتظار نصرة وعون للمهدي # ؛ وسيكون من الفاشلين في الامتحان - لأنّ كلّ العلامات قابلة للبَداء- كما فشل المُنتَظِرون في زمن نوح×؛ حيث علّقوا انتظارهم على العلامات (نوى التمر) .
73. كذلك يبطل منهج مَن يُعلِّق أمله وعمله فقط على حدوث البَداء في كلِّ العلامات - وهذا مسلك جبريّ- لأنّه يقول: ما دامت العلامة يمكن فيها البَداء ولا يرتبط بها الظهور فلماذا أنظر إليها؟ وبما أنّ الله ناصر وليّه ومظهر دينه على الدين كلّه، فما الداعي للبحث وراء العلامات ومتابعة الأحداث تسارعت أم تباطأت؟
والمنهج الصحيح يتّضح بضوابط ثلاث:
أ) ضابطة معرفة المنهج:
إنّ معرفة منهاج هؤلاء الثلاثة (اليماني والخراساني والسفياني) في سنة الظهور أهمّ من معرفة أشخاصهم؛ لأنّ الميزان هو على المنهج لا على الشخص، والبصيرة هي على الحقِّ لا على الرجال؛ ومن ثَمَّ فمن أخطاء ثقافة التعليم لعلامات الظهور شخصنة البصيرة بأشخاص، بينما البصيرة مرهونة بالمنهج والميزان.
ب) ضابطة النظرة المجموعيّة:
وهي ضابطة خطيرة أيضاً في قراءة علامات الظهور، وهي أنّ الثقافة والمعرفة بالمشروع المهدويّ مبتوراً عن الثقافة والمعرفة بأصحاب الكساء، بدءاً بالمعرفة النبويّة ومعرفة المنهاج العلويّ والفاطميّ والحسنيّ والحُسينيّ، فضلاً عن التوحيد، وثمرة ذلك هيمنة ثوابت الدين العُليا في قراءة المشروع المهدويّ.
ج) ضابطة في كيفيّة قراءة روايات علامات الظهور بالعلامة المركزيّة (محوريّة الرجعة) :
* إنّ روايات علامات الظهور هي في الحقيقة إحداثيات ومعلومات استطلاعية بُغية التحفيز للقيام بالممانعة عن وقوع مخططات العدو، والوقاية عن حصول الإخفاقات والدعوة إلى إطلاق مبادرات استباقية تستهدف أوكار ومعاقل العدو، ورسم خارطة سياسيّة وعسكريّة أمنيّة واجتماعيّة لسنين أو لسنة الظهور، وأنّها تقرير يرسم الوظيفة الاستراتيجيّة والتكتيكيّة والتقنيّة واللوجستيّة للمؤمنين فيما ينبغي عليهم القيام به والحذر منه واليقظة تجاهه، لا أنّها أنباء عن مقدرات لا بديّة الغرض منها التفرّج والخروج عن الخوض مع اللاعبين في لعبة المواجهة.
* إنَّ معرفة حقيقة الظهور وحقيقة دولة العدل للإمام الثّانِي عشر # لا تتمُّ بدون معرفة الغاية مِنْ الظهور، والغاية مِنْ الدولة؛ فإنَّ غاية كُلّ شيء هُوَ أبين أمر في تعريف الشيء حتّى أنَّه قِيلَ في علم المنطق: إنَّ الأجزاء الرُكنيّة القواميّة الَّتِي يتكوَّن منها الشيء ليست بمثابة مِنْ الأهمّية في تعريف الشيء بقدر تعريفه بغايته.
* إنَّ هذهِ الدراسات والبحوث جعلت نجوم ومحاور مسرح أحداث سنة الظهور، عبارة عَنْ الخراساني واليماني والسُّفياني، بينما الظاهر في روايات مُسْتفيضة أنَّ محور محاور أحداث سنة الظهور هُوَ حصول الرجعة لثُلّة من الأموات في الكوفة هم سبعة وعشرون نفراً، وهم الدائرة المركزيّة من الـ (313) أعضاء الحكومة المركزيّة لدولة المهدي # .
* إذاً؛ لهؤلاء الراجعين دور بالغ الخطورة في توازن معادلات الأحداث، وَمِنْ عظم هَذا الدور لهم وَردت المقولة المُسْتفيضة عَنْ المعصومين^: «العجب كُلّ العجب ما بين جمادي ورجب»[633].
* من غير الصحيح بلورة العقيدة المهدويّة بالإمام الثّانِي عشر وظهوره ودولته بصياغتها وقولبتها بعيداً عَنْ ماهيّة منهاج آبائه، كالمنهاج العلويّ والفاطميّ والحسنيّ والحُسينيّ وبقيّة الأئمّة^، فصار البيان لماهيّة الظهور ومشروع الدولة للإمام الثّانِي عشر - هَذا البيان- مبتوراً عَنْ لبّه الحقيقي ومجتثّاً عَنْ جذوره الأصليّة.
* وبهذه الضوابط يُقطع الطريق على الأدعياء، ويكون التمحور بهذه الضوابط تمحوراً حول منهج الإمام#؛ لأنّ تلك المحاور مسارات وخطوط هم^ رسموها لنا.
إرهاصات الظهور
الرايات المُناهضة لمشروع السُّفياني
(القيام بالمسؤوليّة)
74. عَنْ أبي عبد الله×، قال: «خروج الثلاثة (الخراساني والسُّفياني واليماني) في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد، وليسَ فيها راية بأهدى مِنْ راية اليماني يهدي إلى الحقّ»[634].
75. اليماني يتحمّل المسؤوليّة: وهذهِ الروايات بمجموعها تُشير إلى أنَّ هُناك مَنْ يتحمّل المسؤوليّة، نَعَمْ هي تُبيِّن أنَّ اليماني رايته أهدى، وبذلك هي تدفع المؤمنين للقيام بواجباتهم ومسؤولياتهم تّجاه الأخطار وحركات الضلال، فإنَّ اليماني لَيسَ هُوَ مِنْ الملائكة المُقرّبين ولا من المعصومين^، بلْ هُوَ مؤمن قام بواجبه وتحمّل مسؤوليته؛ وبالتالي هُوَ قدوة للآخرين - مِنْ هَذِهِ الجهة- حيث لا ينبغي لهم القعود وترك المسؤوليّات.
76. السفياني حركة مقهورة: إنَّ حركة السُّفياني رغم قسوتها وشدّتها يمكن للمؤمنين أنْ يقهروها أو يُقلَّلوا مِنْ توسّعها؛ فيكفّون شرّها بالجملة أو في الجملة، مُضافاً إلى سلامة التوجّه الذي يدعو إليه مِنْ مركزيّة إمامة الأئمّة الاثني عشر وإمامة الإمام الثّاني عشر.
الرايات المُمهِّدة للسُّفياني
77. الأوصاف للحركات الَّتِي قَبل السُّفياني عديدة، بعض الحركات يصفها المعصوم× بحركة السُّفياني، وَمِنْ الواضح أنَّه لَيسَ للسُّفياني - الذي قُبيل ظهور الإمام # - اسم، فهُناك حركة الأصهب والأبقع وغيرهما.
78. السفياني نتيجة لتقاعس المؤمنين: هذهِ الروايات وغيرها تؤكِّد أنَّ قَبل حركة السُّفياني هُناك حركات ضالّة ومضلّة وباطلة تفتن المؤمنين، وكأنَّها تشير إلى أنَّ السُّفياني نتيجة سلبية متولِّدة مِنْ سلبية أُخرى، وَهِيَ عدم قيام المؤمنين بمسؤولياتهم تّجاه أنفسهم وتّجاه المُجْتَمع بالتصدّي لتلك الحركات، ووأدها في مهدها ولعدم توعية المُجْتَمع للقيام بمسؤوليّته بالتحرُّك الصحيح والتصرُّف المُتقن.
الشيصباني
79. هَذا الوصف (الشيصباني) لعلَّه - والله العالم- وصف مُركّب مِنْ كلمتين دُمجتا في كلمة واحدة، والكلمتان هُما (شيطان وصبي) ، فتصير (شيصبان) كما هُوَ موجود في كثير مِنْ المُصطلحات، فمثلاً يدمجون الزمان مَعَ المكان فتصير (زمكان) .
80. فالنتيجة: أنَّ حكومة شيصبان حكومة شيطانيّة صبيانيّة لا تحسن التصرُّف كالصبي، وتنحدر في مهاوي الفسق والفجور والرذيلة كالشيطان، وبطابع مُراهق انفلاتي نحو الوجوم، وهذهِ الحُكومة مُقدّمة وأرضية لفجور وفسق ودمار وتقاعس أكبر بواسطة تسلُّط السُّفياني.
حكومة بني العبّاس
81. الروايات تؤكِّد أنَّ ملكهم - بني العباس- لقائم، وَمِنْ الواضح أنَّه لا يقصد أشخاصهم ولا أولادهم؛ لأنَّه يقول (ملكهم) ، أي: حكمهم وسياستهم، فحكمهم وسياستهم قدْ بُنيت وأُسست عَلَى (الرضا مِنْ آل مُحمَّد’) ، ولكنَّه مُجرَّد شعار لَيسَ فيه إلّا الخُداع والتضليل الإعلامي، وكأنَّ كُلّ حكومة تُؤسِّس بنيانها عَلَى ذلك الشعار انتهازاً لغرض الوصول للحكم - لأنَّ الأرضية العامَّة للمُسْلمين تهتف بأهل البيت^ - يسميها المعصوم حكومة بني العبّاس، ولو كانت في هذا الزمن!
82. حكومة المكر والخُداع: المُستشعر مِنْ لسان الروايات أنَّ المؤمنين وجماعتهم إذا لمْ يقوموا بالمسؤوليّة المُلقاة عَلَى عاتقهم ولم يدركوا - بوعي وهمّة عالية وبُعد في النَّظر- عُمقَ الخطر المُحدق بهم سوف تستمرّ حكومات المكر والخُداع والتضليل الإعلامي، وكذلك الحكومات الشيطانيّة الَّتِي لا تُحسن التصرُّف بالتسلُّط عليها، وسيذوقون الذلّ والهوان، ثمَّ يدخلون فيما هُوَ أتعس وَهُوَ تسلُّط السُّفياني، فهذا لا يكون حَتماً عليهم إلّا بتلك المُقدّمات المُهيأة لأشرِّ وأقسى حكومة عرفها تاريخ البشريّة، فالمعصوم× حينما يفصّل في تعاقُب الحكومات الباطلة (شيصباني، بني العباس، سفياني) ، لَيسَ هُوَ نبوءة فلكيّة، بل هي قراءة هدفها التوصية وإيجاد الوعي في كيفيّة تحمّل المسؤوليّة، قَالَ تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ الله لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[635].
السفياني وداعش[636] ويأجوج ومأجوج وجوه لعملة واحدة
83. إنَّ خراب العمران والطابع المدني والإفساد وسفك الدماء والهرج والمرج هي صفة يأجوج ومأجوج الَّتِي ذكرها القُرآن الكريم، وقدْ ذُكر في جملة مِنْ الروايات الواردة في ملاحم آخر الزمان نبوءة عَنْ خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان، والظاهر أنَّ المُراد به عنوان وصفي، لا أنَّه عنوان واسم علم لجنس مخلوق، وإنْ كَانَ المعنى الوصفي يُأول للمعنى الثّانِي مِنْ الحقيقة النوعيّة؛ وذلك بناءً عَلَى تجسّم الأعمال وتجوهر الذات بسنخ الأعمال، أي: إنَّ الذات والروح والنفس وما لها مِنْ أبدان تنمسخ ويتكوّن بها جوهر مسانخ لطبيعة العمل، فالصورة صورة إنسان، وأمَّا الروح فقدْ تبدّلت إلى جنس يأجوج ومأجوج.
84. لا ناموس ولا قاموس لهم: يصف القرآن هرجهم ومرجهم بتموّج بعضهم في بعض عندما يزول السدّ - المعنوي- تبياناً لعدم انضباطهم بمبدأ، ولا ناموس ولا قاموس يتعاطى معه في المعيشة بشكل لا يُطاق حيث لم يتحمّله أُولئك الأقوام البدائيين رغم جهلهم وأُمّيَّتِهم وتخلُّفهم، وإذا كان يهود (بنو قريظة وبنو النضير) نتيجة غدرهم في ذمّة التعايش المدني مَعَ مجتمع المُسْلمين أجلاهم وأبعدهم النَّبي’ عَنْ أرض الحجاز، فكيف بمَن يفسدون في الأرض مِنْ كُلّ حدب وصوب؟ فهؤلاء لا يكفي فيهم الإجلاء والإبعاد عَنْ النسيج المدني - كما في اليهود- بلْ لا بدَّ مِنْ إقامة سدّ عازل يحول بينهم وبين انطلاق أمواج فسادهم تجاه المُجْتَمع المدني الإنساني الآمن، فضلاً عَنْ المُجْتَمع المؤمن المُسالم.
85. هَذا ما نلاحظه حالياً طابعاً مُتميِّزاً في القاعدة المشكَّلة مِنْ السلفيّة والوهابيّة وداعش، فإنَّ سفك الدماء الذي يُمارسونه وقتل الأبرياء وخراب المُدن بلا أيّ رادع ولا وازع، وبلا التزام بثابت مِنْ الثوابت، ولا تتقيّد بناموس مُقدّس إلّا عَلَى مُستوى الشعار كدجل إعلاميّ وخداع إعلاني، كقناع يلبسونه لتغطيّة صفة اليأجوجيّة والمأجوجيّة لديهم.
شخصيّات في مسرح الظهور نفاق الإيمان (البتريّة)
البتريّة: هي ظاهرة تلفيقيّة مزجيّة مخلّطة؛ لأنَّهم يخلطون مَعَ ولاية أهل البيت^ ولاية الشيخين.
86. الروايات تُشير إلى تكرُّر هذهِ الظاهرة واستمرارها في الوسط الشيعيّ إلى عام الظهور كحالة نفاقية في الإيمان، وإنَّ أصحاب هَذا التيار البتري التوفيقي التلفيقي يعتمدون المسحة العلميَّة، ويتضرّعون بالمبررات الفقهية لهذا المنهج، ونداؤهم وخطابهم القائم ببني فاطمة إشارة إلى نهج فاطمة‘ في الإنكار عَلَى مسار السقيفة والبراءة مِنْ الانحراف، فكأنَّ الميزان المائز لهم هو رفض التبري مِنْ أعداء فاطمة‘، كما أنَّهم في بداية أمرهم حيث أنكروا البراءة مِنْ الشيخين وأظهروا البراءة مِنْ أعدائهما، «فالتفت إليهم زيدُ بن عليّ في محضر أخيه الباقر×، وقال لهم: أتتبرأون مِنْ فاطمة؟! بترتُم أمرَنا بتركم اللهُ. فيومئذٍ سُمّوا البتريّة»[637]، فعدم المعاداة مَعَ الشيخين يأول إلى مُعاداة فاطمة؛ ولذلك يُخاطبون الحجّة#: «ارجع يا بن فاطمة، لا حاجة لنا فيك». أي: لا حاجة لنا في النهج الفاطمي الذي ينطلق مِنْ البراءة لأعداء آل مُحمَّد^.
عَلَى طرفي نقيض
87. إنَّ ظاهرة التلفيق بين منهاج أهل البيت^ والمناهج الأُخرى - وعدم التبرّي والبراءة مِنْ تلك المناهج والمدارس المناوئة لأهل البيت^ كظاهرة المُقصّرة والمارقة- هي ظاهرة تتكرّر في كُلّ عصر، تأخذ ألواناً وأشكالاً ومُسمّيات مُخْتلِفة، تَحْتَ أُطر الوحدة والتقريب بين المذاهب، وتَحْتَ أُطر وذرائع مُخْتلِفة أُخرى.
88. التيّار المصادم: في مقابل هَذا التيّار المخلط نرى هُناك تيّاراً مصادماً يُشدّد عَلَى الفصل والتمييز بين مدرسة أهل البيت^ والمدارس الأُخرى، ويحصر التبعيّة والمرجعيّة الشَّرعيّة الإلهية بأهل البيت^، وهو ما يُعرف بـ (التولّي) ، وسلبها ونفي الصلاحية عَنْ بقية المدارس، وتخطئة المسارات المباينة للعترة، وَهُوَ ما يعرف بـ (التبرّي) ، وقدْ طُعن عَلَى هَذا التيار الثّانِي بالتشدّد والغلو في أهل البيت^.
وَهَذا التجاذُب بين الظاهرتين جدليّة تتكرّر في الأزمنة المُختلفة، وهي قائمة في الزمان الحاضر أيضاً، وَرُبَّما يُبرَّر التيار الأوَّل بمنهجه المزجي والتلفيقي بجملة مِنْ الذرائع، كما أنَّه قدْ تُسجّل عَلَى التيار الثّانِي جملة مِنْ المؤاخذات بسبب صراحته الصارخة وعدم مداراته وعدم اتّخاذه أُسلوب الرِّفق واللّين في تبيين الحقائق، ومفاجأة الوسط العام بخطاب لمْ تتهيأ لها الذهنيّة العامَّة في الوسط الخاص، فضلاً عَنْ الوسط العام.
89. إنَّ سِرّ استعراض هذهِ الروايات المُستفيضة المُتكاثرة لتفاصيل عسكرية وأمنيّة، وإحداثيات جغرافيّة، وملفات سياسيّة، وملفات ومعلومات أمنيّة عَنْ طبيعة حركة السُّفياني ونقاط الضعف والقوّة فيها، وكذلك في الروايات الشيعيّة المُناهضة لها، فهل يا ترى كُلّ هَذا إنَّما هُوَ كمعلومات قمر صناعي عَنْ المُستقبل؟! كلا، بلْ هُوَ دعوة للمؤمنين بالاطّلاع عَلَى هذهِ المعلومات ليرسموا لأنفسهم استراتيجيّة وبرنامج مقاومة ومواجهة، وهذهِ القراءة لنصوص علامات الظهور تختلف عَنْ القراءة - الخاطئة- السائدة، كتنبؤات فلكيّة أو كهانات أو أبراج فلكيّة للمنجمين.
صور عديدة للبَداء في مشروع السفياني
90. قواعد البَداء التي ذكرناها تنطبق عَلَى مشروع السُّفياني المستقبلي بياناً لآفاق الاختيار والمسؤولية في ظل كونه مِنْ المحتوم، إلّا أنَّ حتميّته لا تفلت مِنْ البَداء، ولم يكن تقريراً ضمن المباحث السابقة.
91. المحتوم مَن شارفت أسبابُ وقوعه: معنى كونه محتوماً لا يعني عدم تطرّق البَداء فيه؛ لأنّ المحتوم ليس الذي وقع ووُجِد، إنّما قُدر تقديراً باتاً ولمّا يقع، وقد اكتملت أسباب وقوعه، أي: شارفت أسبابُ وقوعه على الاكتمال ولمّا يقع، وعلى ضوء ذلك فإمكان هيمنة تقدير آخر حاكم ووارد.
92. استراتيجيّة الدفع: تدلُّ الروايات عَلَى أنَّ السُّفياني يُلاقي مُقاومة مجاميع مؤمنة، فلا تستتب له السيطرة على المناطق الَّتِي يسيطر عليها، بلْ يكون هُناك كرٌّ وفرٌّ، وَهَذا يعطي استراتيجيّة ثانية وهي الرفع بَعْدَ الاستراتيجيّة الأُولى الَّتِي هي الدفع، أي: دفع سيطرته قبل السيطرة.
93. مفتاح الأمل: كلا الاستراتيجيتين دالتان عَلَى لزوم شِدَّة المقاومة وصلابتها حدوثاً وبقاءً وفي كُلّ الظروف، وأنْ لا تهدأ مجاميع المؤمنين عَنْ المُقاومة حتّى لو تحقّق لجيش السُّفياني سيطرة نسبية في بعض المناطق، فإنَّ ذلك لا يعني بقاء تلك السيطرة والقدرة له عَلَى تلك المناطق عَلَى درجة ووتيرة واحدة، بلْ بالإمكان إضعافها وإزالتها، وهذهِ الدلالة نجدها في روايات كثيرة دالّة عَلَى هشاشة بقاء سيطرة السُّفياني فيما يسيطر عليه مِنْ مناطق، وَهَذا مفتاح أمل لبقاء ومسؤوليّة المقاومة والمواجهة لمشروعه.
94. في عقد الدرر: «ثمَّ يدخُل الكوفة فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تلحق به وهم أشرّ خلق الله، وفرقة تقاتله وهم عِنْدَ الله شُهداء، وفرقة تلحق بالأعراب وهم العصاة... فيبلغ الخبر أهل البصرة، فيركبون إليهم في البرّ والبحر، فيستنقذون أُولئك النساء مِنْ أيديهم»[638].
الرواية - حاكم ومُحكم- وفيها مواضع دالّة عَلَى أنَّ الوظيفة الأوّليّة والمسؤوليّة هي المقاومة والمواجهة.
لمشروع السُّفياني:
أ) حرمة الخضوع للسفياني: ذلك عِنْدَ قوله: «فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تلحق به وهي أشرّ خلق الله»، وَهُوَ يشير إلى حرمة الانقياد والذوبان مَعَ مشروعه؛ لأنَّه يوجب الخسران الأبدي ومقتضاه لزوم مقاومته.
ب) ثمَّ قوله×: «وفرقة تقاتله وَهُم عِنْدَ الله شهداء»، في هَذا البيان منه× دلالة عَلَى أنَّ القاعدة الأوليّة والوظيفة والمسؤوليّة هي مقاومة مشروعه ومواجهته بلغ ما بلغ، ولا ريب في أنَّ هذهِ الوظيفة ليست مقرّرة - قبل دخوله الكوفة أيضاً- مِنْ كُلّ البلدان حتّى في الشام؛ لأنَّ مشروعه - كما مرَّ- إبادة للدين باسم الدِّين، كما هي شاكلة النهج الأُمويّ.
ج) وقوله×: «وفرقة تلحق الأعراب وهم العصاة»، وَهَذا أيضاً بيان منه× إلى أنَّ ترك مقاومة السُّفياني والتخاذُل عَنْ هذهِ المسؤوليّة والاهتمام بنجاة النفس معصية كبيرة جدّاً، ووجه الدلالة عَلَى أنَّها كبيرة أنَّ هَذا العنوان (العصاة) والتوصيف قدْ وَرَدَ نظيره في الذين خالفوا رسول الله| في مواطن، نظير ما وَرَدَ في الصوم في السفر مِنْ جماعة كانوا مَعَ رسول الله| وبقوا صياماً سمّاهم النَّبي| العُصاة وبقي ذلك الوصف عليهم.
95. خصوصية أهل العراق: ذكر× البصرة والكوفة[639] إشارة لخصوصية - خاصة- لأهل العراق، فالأمر - بالنسبة إليهم- عيني تعيُّني وواجب وفريضة كُبرى، بحيث يكون التخلُّف عنها معصية، ويوسم المتخاذل بوصف العصاة إلى يوم القيامة، ولم يكن التعبير بهذهِ الشهادة والتأكيد في الروايات الَّتِي ذكرت البلدان الأُخرى.
الجهاد الدفاعي
ينقسم الجهاد الدفاعي فقهيّاً بحسب الأدلّة إلى أقسام أربعة:
القسم الأوَّل: الدِّفاع الوقائي الرادع عَنْ عدوان المعتدي:
وَهُوَ مضمون القاعدة في الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[640] وَهَذا النوع مِنْ الجهاد الباب مفتوح عَلَى مصراعيه لإعداد المُجْتَمع للقوّة أمام عدوان المُعتدي، وليسَ هُناك سقف مُعيَّن يقف عنده ذلك الإعداد، وَهُوَ نحو مِنْ القوّة الناعمة - في الاصطلاح الاستراتيجي الحديث- لأنَّه لا تُراق فيه محجمة دم ولا تنشب فيه نار تشتعل، بلْ قُوّة ردع واقية عَنْ العدوان، وَمِنْ خصائص هَذا القسم أنَّه لا يعطل في حال مِنْ الأحوال، كَمَا أنَّه عينيّ عَلَى الجميع استغراقاً كُلٌّ بحسب قدرته وطاقته، فضلاً عَنْ كفايته بحسب مراتب الإعداد.
القسم الثّانِي: الدِّفاع العلاجي:
وَهَذا القسم يُقرِّر أنَّ الدِّفاع بَعْدَ وقوع الاعتداء لرفع العدوان والغزو، وطرده مِنْ بقاع الإيمان مكانيّة كانت أو جغرافيّة أو غيرهما، وَهُوَ المعهود في الأذهان والثقافة الفقهيّة.
القسم الثَّالث: الدِّفاع الاقتصاصي:
وَهَذا القسم غايته الردع عَنْ تكرّر العدوان، وَهُوَ مفاد قاعدة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[641]. وَمِنْ الواضح أنَّ عِدَّة مضامين قرآنية تصبُّ في هَذا المفاد.
القسم الرَّابع: الجهاد الدفاعي الاستباقي:
وَهُوَ يُقام به في المورد الذي يُعلم بأنَّ العدو مُتربِّص لشنِّ عدوان قريب قدْ أخذ أُهبته في ذلك، وبدت علامات ولوائح ذلك شاهرة ظاهرة، والقدر المُتيقّن مِنْ مشروعيّة هَذا القسم ما إذا كَانَ عدم الاستباق بالحرب والتواني عَنْ المُبادرة يستلزم عدم القُدرة عَلَى الجهاد الدفاعي مِنْ القسم الثّانِي - وَهُوَ العلاجي- أو أنَّه سيكبِّد المؤمنين والمسلمين خسائر كبيرة في الأرواح والثروات، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين﴾[642].
ثمَّ إنَّ ها هُنا أقساماً أُخرى مِنْ أقسام الدِّفاع وهي:
القسم الخامس والسادس: الجهاد الاستباقي والاقتصاصي للدفاع عن المقدَّسات:
وهذه الأقسام أعظم من الأقسام السابقة؛ لأنَّ هذهِ الأقسام للدفاع عَنْ الأراضي المُقدَّسة، أي: البلاد الَّتِي فيها مراقد المعصومين^ وفيها المساجد المشرَّفة، فالحرم المكّي أرض مُقدّسة والحرم المدني كذلك، بلْ يشمل ما هُوَ أوسع مِنْ الحرم المكّي والمدني فيشمل أرض الحجاز كُلّها، فهذهِ الأرض ينبغي تطهيرها مِنْ دنس المنتهِكين لقدسيتها وحرمتها، كذلك النجف وكربلاء والكاظميّة وخراسان وسامراء، مدنٌ يجب الدِّفاع عنها وحمايتها وقطع أيدي الباطل عنها إنْ كانت في أيديهم، بلْ حماية المقدَّسات توجب حماية كُلّ أرض العراق، وَهَذا حال وحكم كُلّ البلدان الَّتِي فيها المقدَّسات، وَهَذا يشير إلى أنَّ برنامج الثأر والثورة مُستمرّ.
القسم السابع: الجهاد تعصباً لأهل البيت^:
بيت الَمقدِس إنَّما صار قبلة وقُدِّس لعبادة الأنبياء فيه ولقُدسيتهم، كَمَا في الرواية عَنْ ابن عباس: «فسار بهم موسى فانطلقوا يؤمّون الأرض المُقدَّسة وهي فلسطين، وإنَّما قدَّسها لأنَّ يعقوب× وُلِد بها، وكانت مسكنَ أبيه إسحاق×، ويوسف× ونُقلوا كلّهم بَعْدَ الموت إلى أرض فلسطين»[643]، إذا كان الدفاع عن الأرض المقدَّسة أعظم من الدفاع عن باقي الأراضي، فبالأوْلى الدفاع تعصباً لذات المعصوم× يكون أعظم، فليس التعصب مختصاً بحياة المعصوم×، بلْ لما بَعْدَ حياة الإمام المعصوم، كَمَا يظهر مِنْ قول السجاد×: «لو أنَّ عبداً زنجياً تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته»[644]، فيكون التعصب غَير مقيّد بزمان أو مكان ما دام يصبّ في نصرتهم، ويُضاف نسبته إليهم وإذا كنّا نقول في زيارة أبي الفضل×: «انتُهكت بقتلك حرمةُ الإسلام»[645].
96. حرب باردة وحرب ساخنة: بعد معركة الطف يختار الإمام زين العابدين× الحرب الباردة، في حين تختار زينب‘ وهي العالمة غَير المعلَّمة والفهمة غَير المفهمة - كَمَا وصفها الإمام زين العابدين×- نهجاً آخر، وهي لمْ تكن لتتصرف إلّا فيما يأمر به الشرع وتَحْتَ نظر الإمام×، فهُنا نهجان يسيران في عرض بعضهما، وكلاهما تَحْتَ نظر ورعاية الإمام السجّاد×.
97. وَهَذَا بعينه موقف الزهراء‘ حين كَانَ أمير المؤمنين× في حرب باردة وعدم مواجهة مَعَ الطرف الآخر، في حين كانت الزهراء‘ تحرّض الأنصار عَلَى القتال، فقدْ روي في الخبر مسنداً عَنْ مصعب بن عبد الله، قَالَ: «كانت زينب بنت عَليّ وهي بالمدينة تؤلّب النَّاس عَلَى القيام بأخذ ثأر الحسين×»[646]، فبلغ ذلك عمر بن سعيد، فكتب إلى يزيد يُعلمه الخبر، فكتب إليه: أنْ فرِّق بينها وبينهم، فأمر أنْ يُنادي عليها بالخروج مِنْ المدينة والإقامة حَيْثُ تشاء، فقالت: «قدْ علم الله ما صار إلينا، قد علم الله ما صار إلينا، قُتِل خيّرنا، وانسقنا كَمَا تُساق الأنعام، وحُملنا عَلَى الأقتاب، فو الله، لا خرجنا وإنْ أُهريقت دماؤنا...»[647].
98. استمرار الثأر والثورة: وَهَذا يشير إشارة قويّة إلى الثورة والثأر وضرورة المطالبة بثأر الحسين× مِنْ أعدائه مهما كانت الظروف ومهما كلّف الأمر، كَمَا قدْ كلّف زينب الخروج مِنْ المدينة - نَعَمْ قدْ تختلف الآليات فمرّة تكون الآلية باردة ومرّة تكون ساخنة- بلْ إنَّه حسب ما تذكر نفس القصّة أنَّها رفضت الخروج لولا إلحاح الهاشميّات، قَالَ: «فأبت الخروج، ثمَّ اجتمع عليها نساء بني هاشم وتلطفنَ معها في الكلام، فاختارت مصر»[648].
99. وفي هَذَا إشارة إلى أنَّ زينب‘ كانت مُصرّة عَلَى الاستمرار فِي الثورة لولا إلحاح الهاشميّات، وكذلك يشير إلى أنَّ حكومة بني أُمية لَمْ تستطع مواجهة الثورة الزينبيّة إلَّا بالأساليب القذرة فِي الضغط عَلَى بني هاشم، وَهَذَا أمر بالغ الأهمّية أغفله الكثير.
100. من أقسام الجهاد (الجهاد للمواساة) : وهو يغاير الجهاد لأجل الدفاع أو للدعوة؛ حيث إن غايته ليس حصول الدفاع والنجاة ولا الدعوة واستجابة الطرف والخصم، بل مواساة المعصوم× في القتل والقتال، وهو وإن كان يتّفق من حيث الموضوع مع القسم السابق إلّا أنّه قسم مستقل برأسه، وهو عبارة عن الجهاد الذي يكون من أجل ذات المعصوم× في حياته بلا رجاء إنقاذ حياته، بل للمواساة فقط.
وهذا القسم كان واضحاً في الثقافة الإسلاميّة في زمن المعصوم× وإن أغفلته ثقافتنا اليوم، وفي زيارة الناحية المقدّسة يشير الإمام # إلى هذا القسم:
101. قال: «السلام على مسلم بن عوسجة الأسدي، القائل للحسين - وقد أذِنَ له في الانصراف-: أنحن نُخلي عنك؟! وبِمَ نعتذر عند الله من أداء حقّك؟... وكنت أول مَن شرى نفسه وأول شهيد شهد الله وقضى نحبه، ففزت وربّ الكعبة، شكر الله استقدامك ومواساتك إمامك...»[649].
102. وكذلك في سلامه# على سعد: «السلام على سعد بن عبد الله الحنفي، القائل للحسين - وقد أذِنَ له في الانصراف-: لا والله، لا نخليك حتى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله’... ثمَّ هي بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً، فقد لقيت حمامك وواسيت إمامك...»[650].
103. أعظم المواساة مواساة أبي الفضل×: وبما تقدم تتّضح عظمة الشهادة بجهاد المواساة التي شهدها المعصوم× لأبي الفضل×، فقد ورد معنى المواساة في زيارة أبي الفضل× التي رواها - بسند معتبر- أبو حمزة الثمالي عن الإمام الصادق×، قال: «...أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي’... أشهد لقد نصحت لله ولرسوله، فنِعمَ الأخ المواسي»[651].
104. سلاح للسَّلام لا للاستسلام:
إنَّ الآلية الَّتِي اتّفق عليها جميع الفُقهاء، ولم يشكك فيها أحد منهم هي قاعدة (إعداد القوّة) ، واستدلَّ لهذه القاعدة مِنْ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾[652]، وَهَذا المُقدار المُتّفق عَلَيه دينيّاً وشرعيّاً وعقلائياً، العدو يرفضه ويتهموننا بالأوباشية، ويحاولون قصّ أظافرنا وأجنحتنا بحجّة أنَّها مخالب عدوانيّة، نقول لهم: إنَّها ليست للعدوان، بلْ للدفاع عَنْ أنفسنا، نُريدُ حماية أنفسنا، لمْ ولَنْ نبدأ الآخرين بعدوان، هَذا هُوَ منطق ديننا ومنطق قادتنا المعصومين^ ، ولكن هم مَن بدأ الحرب وأجّج نار الفتنة في مجتمعنا.
ركنية الأراضي المُقدَّسة
105. الدِّين مِنْ الأُمور ذات المراتب: فهُناك مرتبة العقائد وهي أعلى مراتب الدِّين، ثمَّ تأتي مرتبة الأخلاق، ثمَّ مرتبة فروع الدِّين، كما بيَّنها الحديث النَّبوي الذي هُوَ مِنْ جوامع الكلم، فعن النَّبي’: «العلم ثلاثة: آية مُحكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة»[653]. وَمِنْ الواضح أنَّ هذهِ المراتب رُتِّبت مِنْ حيث الأهمّية؛ وبالتالي يكون الواجب في كُلّ مرتبة أوجب مِنْ الواجب في المرتبة الأُخرى، فمثلاً الصَّلاة ركن مِنْ أهمّ أركان فروع الدِّين، لكن لا تُقاس بواجب رُكنيّ اعتقاديّ رغم ركنيتها، فضلاً عَنْ أنْ تُقاس بأصل مِنْ أُصول الاعتقاد، كالولاية.
106. لا قيمة للصلاة بلا ولاية: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾[654]، فالصَّلاة رغم عظمتها حالها بدون ولاية الله ورسوله وأُولي الأمر حركات ضوضائية كالتصفيق والصفير، وهذهِ الصَّلاة مكاء وتصدية حتّى لو كانت بزعم ولاية الله؛ ولذلك رغم أنَّهم يؤمنون بالله، أي: يقرّون بالشهادة الأُولى، ولكن لعدم إقرارهم بالشهادة الثَّانية للرسول’ يعد ويعتبر اللهُ سُبْحَانَهُ وتعالى طوافَهم وحجّهم وعبادتهم وتقربّهم إليه بُعداً عنه ونجاسة ينبغي إزالتها وإبعادها عَنْ المسجد الحرام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾[655].
107. الزيارة أعظم: وَمِنْ العجيب أنَّ بعضاً مِنْ أوساطنا الشيعيّة يُقايس حجاب المرأة - مثلاً- بالزيارة لأنَّها مستحبّة.
وَهَذا خلط وخبط وعدم تمييز ومعرفة بمراتب الدِّين، فأيُّهما هُوَ المُستحبّ؟ وأيُّهما هُوَ الواجب؟ فالزيارة تتضمَّن عِدَّة واجبات كفائية وأُخرى عينيّة، مِنْها: ترويج الدِّين وإرشاد وتعاهد المؤمن لولاية أهل البيت^ وعمارة المُقدَّسات وغيرها مِنْ العناوين الواجبة المُنطبقة.
108. لتركبن سُنن مَن قبلكم: كذلك عَنْ حريز، عَنْ بعض أصحابه، عَنْ أبي جعفر× قال: «قال رسول الله’: والذي نفسي بيده، لتركبُن سُنن مَن قبلكم حذوا النعل بالنعل والقذّة بالقذّة حتى لا تخطئون طريقهم ولا يخطئكم سنّة بني إسرائيل، ثمَّ قال أبو جعفر×: قال: موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ﴾، فردّوا عليه وكانوا ستمائة ألف ﴿قالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ*قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾، أحدهما يوشع بن نون والآخر كالب بن يافنا، قال: وهما ابنا عمّه، فقالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.قال: فعصى أربعون ألف وسلم هارون وابناه ويوشع بن نون وكالب بن يافنا فسمّاهم الله فاسقين، فقال: لا تأس على القوم الفاسقين، فتاهوا أربعين سنة؛ لأنّهم عصوا فكان حذو النعل بالنعل، إنّ رسول الله| لمّا قُبض لم يكن على أمر الله إلّا علىّ والحسن والحسين وسلمان والمقداد وأبو ذرّ، فمكثوا أربعين حتى قام عليّ× فقاتل مَن خالفه»[656].
109. أدخلوا الأرض المقدَّسة: الإشارات القُرآنية والروائية واضحة بضرورة دخول المؤمنين الأرض المُقدَّسة، وبالتالي ضرورة إخراج الكفّار والفُسّاق والمنحرفين منها وإلّا سيكون المؤمن الذي كتب الله له أنْ يدخُل الأرض هُوَ الفاسق؛ إذا امتنع عن الدخول، وسيشمله عنوان الفسق، فَهُوَ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو الله ما يشاء ويُثْبِتُ وعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾،وَهُوَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾،فإنَّ الأرض المُقدَّسة كما يقول الإمام× في الرواية الأخيرة عَنْ مسعدة بن صدقة: «كتبها الله لهم ثمَّ محاها عنهم، ثمَّ كتبها للأبناء فدخلوها». والرواية تُخبر أنّ الأُمّة ابتُليت بَعْدَ رسول الله’ بنصرة البيوت المُقدَّسة، فلم يستجيبوا فتاهوا أربعين سنة، وسنُبتلى بمثلها إنْ تخاذلنا.
110. التيه في أُمّة مُحمَّد’: دخول الأراضي المُقدَّسة فَرْضٌ عينٌ عَلَى كُلّ المؤمنين، وليست القضية مختصّة بزمن النَّبي موسى× وَهَذا ما أراد الإمام الإشارة إليه حيث أورد حديث النَّبي’: «لتركبُنّ سُنن مَنْ قبلكم حذوا النعل بالنعل والقذّة بالقذّة»، وطبقه عَلَى قول القُرآن: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾، وأكّد أنَّ الأُمّة تتخاذل عَنْ عليّ× ولا تنصره فيصيبها الله التيه أربعين سنة، وما دامت سنّة إلهيّة في كُلّ الأُمم السابقة، فينبغي بنا أنْ نعي خطورة ما يجري وعظم المسؤوليّة المُلقاة عَلَى عواتقنا، وإلّا فسوف نُبتلي بالتيه أربعين عاماً، ونكون مِنْ المؤخِرين للظهور وليسَ المُعجِّلين.
باب حطّة
* قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ*فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾[657].
* وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ*فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾[658].
111. قدْ وَرَدَ مُستفيضاً لدى الفريقين أنَّ باب حطّة في هذهِ الأُمّة - كَمَا قَالَ النَّبي’- هُمْ أهل البيت^ بلْ إنَّ باب حطّة في بني إسرائيل كَانَ لأنَّ أسماء النَّبي وأهل بيته مكتوبة عليه استشفاعاً بهم، كَمَا وَرَدَ في الرواية المتقدِّمة، وتفيد الآيتين حينئذٍ:
أ) افتراض دخول باب حطّة افتراض سُكنى القرية المُقدَّسة عمارة وإحياءً لها.
ب) افتراض التوسُّل والاستشفاع لغفران الذُّنوب بباب حطّة في الأراضي المُقدَّسة وهم أهل البيت^.
ج) لزوم الخضوع والسجود لله تعالى فيها، والعبادة له بالتوجّه بها إليه تعالى.
د) إنَّ الإعراض عَنْ التوجّه والتوسُّل بباب حطّة عقوبته دنيويّة عاجلة قبل الأُخرويّة، وبنزول الرجز مِنْ السماء عَلَى العصاة لذلك.
كيف نُقدِّسهم
112. حفظ الأمن في البقاع المُقدَّسة وتأمينها واجب، كذلك تأمين الطريق للوصول إليها؛ لأنَّ (مقدِّمة الواجب واجبة)، كذلك ينبغي تسهيل أداء العبادة فيها وإقامة الصَّلاة وكافة الممارسات الدينيّة كالشعائر وغيرها.
113. عمارة البيوت المقدَّسة: بما أنَّ عمارة البيت الحرام متولِّدة مِنْ وجوب زيارته، فإنَّ تعاهد المساجد المُكرَّمة والمشاهد المُشرّفة تتوّلد منه ضرورة عمارتها، بلْ إنَّ عَلَى الوالي إجبارهم إذا تركوا الحجّ، ففي صحيح الفضلاء، عَنْ أبي عبد الله× قال: «... ولو تركوا زيارة النَّبي لكان عَلَى الوالي أنْ يجبرهم عَلَى ذلك، أو عَلَى المقام عنده، فإنْ لمْ يكن لهم أموال أُنفقت عليهم مِنْ بيت مال المُسْلمين»[659].
114. التشعير والتقديس: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾[660].
إنَّ هذهِ البيوت رفعها الله وأوجب بذلك عَلَى المؤمنين رفعها، وأنْ يُذكر فيها اسمه، فهَذا تشعير لها لجعلها مشاعر مقدَّسة، ثمَّ قَالَ بَعْدَ ذلك: يسبِّح له فيها، أي: التسبيح جاء بَعْدَ مفروغيّة رفعها (تشعيرها وتقديسها)، وأنَّ لازم رفعها وتعظيمها القنوت والإخبات والضعة والتواضع فيها.
115. الزيارة والجوار جهاد: كما في رواية عَنْ الحسن بن العباس بن الجريش، عَنْ أبي جعفر الثّانِي× في حديث طويل في شأن ﴿إنّا أنْزَلنَاه﴾، قَالَ×: «ولا أعلم في هَذا الزمان جهاداً إلّا الحجّ والعمرة والجوار»[661]، ومفادها تنزيل الجوار للمشاهد المُشرّفة منزل الجهاد.
ولكن بنظرة أُخرى وبفهم أعمق؛ ولما قُرِّر في العُلوم الروحيّة وعلوم النفس والاجتماع مِنْ وجود الطاقات الغيبيّة الَّتِي تكون كأمواج روحيّة مرسلة، وهي بحسب مَنْ أُرسلت منه، فَإنْ كَانَ صالحاً كانت، وبالعكس إنْ كَانَ طالحاً، كَمَا أنَّ هُناك إشارة أُخرى تشير إلى المُعاناة الَّتِي يعانيها المجاور لهم والزائر مِنْ قِبَل الظالمين عَلَى مرَّ العصور، كَمَا أنَّ الزائر حين الزيارة يستلهم معاني الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عَنْ المنكر، بلْ وَكُلّ العقائد الحقّة.
116. الجهاد عمارة للمقدَّسات: قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ الله﴾[662].
في الآية الكريمة إشارة إلى أنَّ عمارة بيت الله الحرام سقاية (خدمة) زوّار بيت الله شيء عظيم، كذلك سقاية (خدمة) زوّار البيوت الَّتِي أذِن اللهُ أنْ تُرفع ويُذكر فيها اسمه وعمارتها شيء عظيم، ولكن الجهاد أعظم مِنْ سقاية وخدمة الحجّاج والزوّار، وكذلك أعظم مِنْ العمارة، فيكون الجهاد في الدِّفاع عَنْ المقدَّسات عظيماً وأعظم؛ لأنَّه يجمع بين عنوان الجهاد وعنوان العمارة والسقاية، لأنَّه مُقدّمة لبقائها وعمارتها وخدمة الزائرين بها.
117. أُسِّس على التقوى: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَالله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾[663].
في قصّة معروفة حاول فيها المنافقون احتواء الناس واحتواء القيادة الدينيّة؛ وذلك ببناء مسجد (ضرار) الذي وصفه القُرآن الكريم أنَّه كفر ورَصد ضد المؤمنين، فالقرآن يأمر بعدم الصَّلاة فيه أبداً ويطلب القيام في مسجد له صفتان أنَّه أُسس عَلَى التقوى، وأنَّه فيه رجال يحبّون أنْ يتطهروا.
118. معدن التقوى أعظم: فإذا كَانَ القُرآن يشيد بالتأسيس لذلك المسجد؛ لأنَّه أُسِّس عَلَى التقوى، سواء أسَّسه النَّبي أو أسَّسه المُسْلِمُون بأمر النَّبي’، فكيف بك ببيوت هي أعظم مِنْ المساجد؛ لأنَّ المؤسس لها هُوَ الله، لأنَّه رفعها وعظّمها، وإذا كَانَ المسجد عظيماً لأنَّه أُسِّس عَلَى التقوى، فكيف بنفس التقوى ومعدن التقوى!
119. مشهور فُقهاء الإماميّة أنَّ المسافر يُخيَّر بين القصر والتمام في أربعة أماكن: المسجد الحرام ومسجد النَّبي’ والحائر الحسيني ومسجد الكوفة. وذهب الكثير إلى أنَّ التخيير المذكور هُوَ في مُدن تلك المقدَّسات عَلَى سعتها، وبعضهم قال بالتخيير في كُلّ مراقد المعصومين^، وكأنَّ الشَّريعة حين شعّرت هذهِ الأماكن جعلتها بمثابة وطن عالمي لكلِّ النَّاس.
أخيراً هذا الكتاب
نحن لسنا في صدد قدح أو مدح الكتاب، ولا في صدد نقد أو تقيم الكتاب، فهذا أمر متروك للقارئ اللبيب وللباحث النَيقَد، وإنّما نحن في صدد وصف للكتاب زيادة في تنوير القارئ الكريم إلى بعض ميزات هذا الكتاب حتى يسهل عليه خارطة السير في قراءة وفهم الكتاب.
فمن حيث الصفات الفنيّة والصياغيّة:
أولاً: الميل غالباً إلى صياغة الموضوعات على شكل نقاط، فبدل أن يتمّ سرد الموضوع بالشكل المتعارف يسرد بشكل نقاط.
ثانياً: الميل غالباً إلى ذِكر أكثر من عنوان للموضوع الواحد وذلك لأسباب منها:
أ) إفهام القارئ أنّ للموضوع زوايا عديدة يمكن أن يُقرأ من خلالها.
ب) إنّ كثرة العناوين ليست كثرة ترفيّة وبلا فائدة، بل لها جُلّ الفائدة في وضع القارئ الكريم بالصورة المرجوة من البحث.
ج) أن كثرة العناوين أحياناً تكون بسبب تعدد القراءات للعنوان الواحد، وكلّها تعبر عن نفس العنوان، وليست تُعبّر عن جانب من العنوان وزاوية منه.
ثالثاً: أحياناً يُذكر العنوان وتُذكر تحته كتابة بأسطر قليلة قد تصل إلى خمسة أسطر وبشكل أنصاف سطور، تكون بمثابة مقدّمة تنويريّة كإضاءة لعناوين الفصل إن كانت لعنوانه أو للموضوع كذلك.
رابعاً: إنّ العناوين المتعدّدة هي قراءة علميّة عمليّة تجعل القارئ يقرأ الموضوع من خلال العنوان الأول، فيطبقه في حياته اليوميّة حينما يكون ظرفه مناسباً ومتناسباً مع هذا العنوان، ويُقرأ الموضوع من خلال العنوان الثاني - كقراءة ثانية- ليطبقه في حياته اليوميّة حينما يكون الظرف مناسباً ومتناسباً مع القراءة الثانية للموضوع، وهكذا لو كان هناك عنوان ثالث أو رابع.
وأما من حيث المادة العلميّة:
إنّ قراءة المشهد الحسيني كقراءة توحيديّة من خلال البَداء الذي ما عُظمَ وما عُبد الله بمثله - كما في الروايات- ليس هو محضاً في القراءة العقديّة الفكريّة التي قد تكون في أكثر أحيانها ترفيّة أو عمليّة ونافعة، ولكن لفئة محدودة من المثقفين أو الباحثين، ويبقى بالنسبة لعامّة المؤمنين أمراً مطلسماً ومرمّزاً؛ ولذلك أشرنا بين شارحتين تحت العنوان أنّها مباحث في العقيدة الفقهيّة، إشارة إلى الجانب العلميّ والعمليّ في حياة الأفراد كافة؛ لأنّ العقيدة تمثِّل تصحيح الجانب الفكريّ العقديّ، والفقه يصحح المسار العمليّ في الوظيفة العمليّة في الحياة اليوميّة.
فإذن؛ نقرأ المشهد الحسينيّ لنصحح مشهدنا الحياتي، لأنّ مشهد الطفّ لم يقتصر على بُعد واحد، بل شمل كلّ أبعاد الحياة: سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً، وهكذا.
ولذلك يرى القارئ الكريم في طيات بحث التوحيد كلاماً عن حياة رسول الله|، أو كلاماً عن حياة أمير المؤمنين× أو عن حياة الإمام الصادق×، وهكذا بقيّة المعصومين^؛ وذلك إشارة إلى:
إنّ المعصومين^ نور واحد، فكلّهم: (مهدي، وصادق، وباقر، ورضا، وكاظم، وجواد... وهكذا).
* إنّ الوقائع الجزئيّة الحياتيّة للمعصومين^ يمكن من خلالها أن نقرأ الطفّ، ويمكن من خلال الطفّ أن نقرأها، فأحدها يحكي الآخر، فمرّة نسير بطريق (الإن) - حكايةً- من خلال المفردات الجزئيّة الحياتيّة، التي تكون كمعلولات تشير إلى علّة واحدة، وتُقرأ جزئيّة فاردة، وأُخرى بالعكس نقرأ المعصومين^ من خلال المشهد الحسينيّ، أي: بطريق (اللّم) من العلّة إلى المعلول؛ وبالتالي تكون هكذا رؤية متبادلة متكاملة، لأنّه ليس كلّ رؤية متبادلة هي متكاملة.
* إنّ الكثير من المثقفين - بل المختصّين في البحوث الفقهيّة أو العقائديّة- يرون أنّ من غير الصحيح عند البحث عن الإمام الحسين× - مثلاً- في أيّ جانب من جوانب حياته المباركة جرجرة البحث للكلام عن موضوع آخر، ولو كان هو الحديث عن رسول الله| أو أحد المعصومين^؛ لأنّ ذلك يُبعِد القارئ عن بوصلة البحث الأساسيّة ويشتِّت ذهنه. لكن نحن نقول: إن الأمر على العكس، فهو لا يُبعِد، بل يفصل، ولا يشتِّت بل يوسِّع؛ لأنّ البحوث الدقّية المعمَّقة من الضروري أن ترى النور بآليات عديدة موسَّعة ومفصَّلة، ومن الضروري أن تكون تلك القراءة بآليات مناسبة، كأن يُقرأ الحسين× من خلال سيرة النبي| وصفاته، أو سيرة أحد المعصومين^.
*وهذا الأُسلوب وهذه الطريقة - المفصِّلة الموسِّعة بالآليات المناسبة- قد يُلحظ كطريقة من طرق القرآن الكريم، بل ومن طُرق أهل البيت^، وهذا واضح لمَن قرأ خُطب أمير المؤمنين×، فالقرآن عندما يتحدَّث في مبحث عقائدي أو عن مبحث أخلاقي؛ فأنّه يأتي بمصداق للصدق، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾[664] ومن جهة أُخرى، نرى الآيات القرآنيّة تتحدّث في موضوع معين، ثمّ تنتقل فجأة وبلا سابق إلى موضوع آخر كأنّه لا صلة له بالآيات السابقة، وأمّا الشواهد في كلام المعصومين^ وأمير المؤمنين× في نهج البلاغة فكثيرة لا حاجة لاستعرضها.
* تمّ استعراض وظائف أُخرى عقائديّة لم تُبسط في أبحاث العقيدة الفقهيّة، كالجبر والاختيار وغيرهما.
* إنّ هذا الكتاب يحتوي على أكثر من سبعة قواعد منهجيّة، وهذه القواعد السبعة هي: في النشاط الدينيّ الفقهيّ السياسيّ والاجتماعيّ، وهذا ما يعطي القاعدة الواحدة مرونة في الاستعمال في أكثر من مكان واحد.
* تمّ في هذا الكتاب بحث بعض الوظائف والواجبات التي قلَّ البحث عنها في الكتب التخصصيّة، أو بُحثت بشكل مقتضب وبسيط، فمثلاً التقيّة وظيفة فقهيّة لها مستويات بحسب الأحكام الفقهيّة الخمسة - وقد بُحثت بشكل مفصَّل- ولكنّها لم تتناول إلّا الجانب الفردي، أمّا بُعدها الاجتماعي فلعلّه يندر البحث عنه، وأمّا في هذا الكتاب، فإنّ سماحة الأُستاذ (دام ظلّه) تناول البُعد الفرديّ والاجتماعيّ والسياسيّ أيضاً، بل والاستراتيجي، وبمعالجة موضوعيّة ميدانيّة من خلال ذِكر مصاديق جليَّة وواضحة، مارسها الأنبياء والأئمّة ومارسها أصحابهم أيضاً، هذا مضافاً إلى تصحيح المسار الفكريّ الخاطئ في فهم التقيّة؛ حيث كان يُفهم منها مجرّد الإحجام والاحتياط والحذر بلا أن تكون برنامج عمل مختلف الأبعاد والمستويات. ونفس السير الفكريّ الخاطئ ارتُكب في فهم الحِلْس، فإنّ الحلس كما هو الظاهر أشدّ إيهاماً من التقيّة؛ لأنّه ظاهر في ضرورة السكون ومسك الأرض وعدم الحركة، والذي بدا لنا بعد التحقيق هو العكس تماماً.
* قد يصعب على الفهم أنّ المؤمن هل يمكن أن يناور؟ وأنه كيف يمكن المحافظة على المبادئ ورعاية الثوابت؟ وأنّه أساساً: هل يجوز للمؤمن ذلك؟ وكيف يمكن تصوره للمعصوم×؟ قاعدة المرونة والمناورة في المسير والمسار تجيب على ذلك بإجابة بسيطة، ولكنّها عميقة ودقيقة بفكرةِ جعلِ المرونة في الآليات والقشور مع الحفاظ على اللّب الثابت، وتُبيِّن كيف أنّ الإمام الحسن× استطاع في ذلك الظرف العصيب الجمع بين البراغماتيّة والمبدأية كما تبيِّن بعض ما مارسه المعصومون^.
* كذلك هناك تكاليف خاصّة في أوقات معيَّنة من زوايا معيَّنة، ولكن خصوصيتها لا تعني فرديتها، وهذا أمر بالغ الأهمّية، فإنّ الكثير يتصور أنّ الخصوصيّة تعني الفرديّة، والبُعد الفردي والتكليف على مستوى خاص وفرديّ، وهذه قراءة مغلوطة؛ لأنّ البُعد الفردي جانب متدنٍّ من المسؤوليّة. ومن تلك الأُمور الخاصّة بمسؤوليّات العصر الراهن - والتي كما بيَّنا لا تقتصر مسؤوليّتها على البُعد الفرديّ، بل على المستوى الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ وغيرها- هو تكليف المؤمنين في عصر الغيبة، ومنها التكليف في مواجهة حركات الانحراف، وخصوصاً حركة السفياني، وأمّا كيفيّة المواجهة فنرى أنّها المواجهة التي تنعكس من سلوك الحسين× يوم الطفّ، فرغم ذلك الوعد الإلهي الجازم بشهادة الحسين× فقد كان يقوم بواجبه قيام الواثق بالنصر والنجاة بنظرٍ إلى البَداء الأعظم والبَداء الإلهي.
فهل ينعكس ذلك على مواجهتنا لحركة السفياني؟ التي قد وردت فيها روايات تشير بالصراحة أو بالمضمون إلى إمكان حصول البَداء. فإذا لم تكُ لدينا تلك القراءة للمشهد الحسينيّ، لم ينعكس على سلوكنا في مواجهة السفياني أمل ملؤه الرجاء بالنصر المتولِّد من معرفتنا بالبَداء.
والبَداء الذي نريده ليس البَداء التكوينيّ، فنحن لا نريد أن نبيِّن البَداء من الوجهة العقائديّة المحضة، أو قل: لا نريد بيان البَداء من جهة الربّ. بل نريد - وهو المهم- أن نبيِّن كيف مارس الحسين× البَداء كحقيقة عقائديّة وفكريّة في سلوكه في ساحة الطفّ، بل كيف مارس المعصومون^ ذلك في ساحات طفوفهم، سواء مع الأباعد أو الأقارب، وكذلك نريد - وهو الأهم- أن نبيِّن كيف ينعكس ذلك كلّه على خارطة مسؤوليّات المؤمنين في العصر الراهن كعقيدة فقهيّة.
فإنّ الحسين× كان موعوداً بالشهادة، ومع ذلك كان ينظِّم معسكره، بل ويقاتل قتال مَن لا يقين له بالشهادة - رغم يقينه بالشهادة- ومقابل ذلك الإمام صاحب العصر # مهذّب خائف، رغم كونه موعوداً بالنصر، ورغم يقينه بالنصر، وهو خوف يوازن شدّة الرجاء التي يعيشها # ، كما أنّ تفاؤل رسول الله| وتفاؤل باقي أهل البيت^ سواء في تجاربهم الحياتيّة أو ما تعكسه سلوكيّات الآخرين بالنسبة إليهم هو ترجمة للأمل الذي يقابل الحذر - الذي هو ترجمة للخوف الموازن للرجاء- فقد كان| أحذر الناس من الناس، فلم يأخذه التفاؤل إلى الإفراط، ولم يجرّه الحذر إلى الأحجام عن العطاء والدعوة إلى الخير، فلا إفراط تفاؤلي ولا تفريط حذري، ولكن أمر بين أمرين.
* كذلك في الفصل الثالث من القسم الثاني ثمانية أقسام من أقسام الجهاد، وهذه الأقسام تبيِّن وظيفة المؤمن في النشاط العسكري ووظيفة تقديس المقدَّسات، ولم يخالف سماحة الشيخ (دام ظلّه) مشهور فقهاء الإماميّة في مسألة الجهاد، ولكنّه فصَّل ما لم يفصِّله الآخرون بما لا يخرج عن ظهور عموم الآيات والروايات في ذلك.
فإن الجهاد الدفاعي كما هو مقرّر يكون ردعاً للعدوان، ولكن آلية الجهاد الدفاعي لتحقيق ذلك الردع تختلف شدّة وضعفاً بشكل متناسب مع حجم وشدّة العدوان.
فالجهاد الدفاعي الوقائي يكون من باب الوقاية خير من العلاج، والجهاد الدفاعي العلاجي يكون من العلاج بعد وقوع الاعتداء وبقدر العدوان، فإنّ قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾[665]، إشارة إلى أنّ القصاص لا يقتصر على البُعد الفرديّ، أو البُعد الاجتماعي، بل في البُعد السياسي والعسكري لأجل حياة الأُمّة وسعادة أُمّة الإيمان والإسلام، كما أنّ الجهاد دفاعاً عن المقدَّسات هو الآخر قسم برأسه، بل أقسام عديدة تدور حول تقديس مَن قدَّسهم الله تعالى، فإنّ الدفاع عن بلدٍ فيه مقدَّسات أنبل وأشرف من الدفاع عن الأراضي التي لا مقدَّسات فيها.
وبما أنّ هذه الأراضي وبحسب الآيات والروايات قُدِّست لوجود المعصومين^ فيها؛ فيكون الدفاع عن ذات المعصوم× - نفسه- أعلى وأقدس وأشرف من الدفاع عن الأراضي المقدَّسة، وبذلك يتنقّح لنا القسم السابع من أقسام الجهاد، وهو الجهاد تعصُّباً لذات المعصوم× المقدّسة، والذي يتفرّع عليه جهاد آخر - ولكنّه قسم مستقلّ برأسه- وهو الجهاد المواساتي، والذي يكون فقط من أجل مواساة المعصوم×.
* كما وتمّ في هذا الكتاب تصحيح بعض المسارات الخاطئة في فهم كثير من الألفاظ التي وردت في الروايات، والتي لعلّه بُنيت عليها مناهج ومدارس معرفيّة، ومنها:
معنى (الحِلْس) الذي فُهم لدى الكثيرين بشكل خاطئ ومخالف تماماً لما هو المراد في الروايات، وكذلك معنى التقيّة وأبعادها وأقسامها المختلفة وأنّ معنى التقيّة المعروف جزء من المعنى الصحيح - الوسيع- الذي جُعل ديناً ومنهاجاً حياتيّاً، كما في الحديث الشريف: «التقيّة من ديني ودين آبائي، ولا دين لمَن لا تقيّة له»[666]، كذلك اللّين والرفق والمرونة واللطف له الأهمّية العظمى، ولكن في أبوابه الصحيحة، بل الوفاء الذي هو أشرف وأنبل من هذه المعاني له مواطن، ولا يصح في كلّ المواطن، فإنّ الوفاء مع أهل الغدر غدر عند الله، كما يقول أمير المؤمنين× كما وقد بيَّن الكتاب نظريّة تخادم العلوم التي تبيِّن أهمّية العلاقة بين العلوم المختلفة، أهم جانب في تطور وتكامل العلوم هو ذاك.
* والشيء الأهمّ والحيويّ الأساسي - المنهجي- في هذا الكتاب، هو وضع ضوابط ومناهج لدراسة روايات زمن الغَيبة ورايات وأشخاص هذه الفترة الحسّاسة والمهمّة في حياة المؤمنين، وأنّ الدراسات الكثيرة في هذا الزمن - مع شديد الأسف- تُجعل محاورها الأساسية شخصيات وشخوص زمن الغَيبة وتحاول معالجة الروايات على أساس ذلك المحور، وهذا مسار مغلوط يحرف النظرة المجموعيّة التي ترمي إليها تلك الروايات، وهذا التأسيس - بحسب نظري القاصر- فتح عظم وتشييد لمنهج جديد في قراءة روايات زمن الغَيبة وسنة الظهور.
* وبعد ذلك كله ذكرنا مقاطع مختارة - مهمّة- من الكتاب لأجل أن تبقى في الذاكرة.
[1] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص146. الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص332.
[2] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص146.
[3] هود: آية45.
[4] هود: آية46.
[5] هود: آية46.
[6] المشهدي، محمّد بن جعفر، المزار: ص206.
[7] التوبة: آية33.
[8] الزمر: آية47.
[9] الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص40، مادّة (بَدا) .
[10] النساء: آية130.
[11] الرعد: آية39.
[12] الطبرسي، أحمد بن عليّ، الاحتجاج: ج1، ص384. المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص97.
[13] مريم: آية67.
[14] الروم: آية27.
[15] البقرة: آية117.
[16] السجدة: آية7.
[17] فاطر: آية1.
[18] التوبة: آية106.
[19] فاطر: آية11.
[20] وهذهِ الآيات في معنى البداء مقتبسة مِنْ مناظرة الإمام مَعَ سليمان (متكلم خراسان) ؛ حيث سأله عَنْ آيات البَداء فأورد هذهِ الآيات السبع مُبيّناً مِنْ خلالها أنَّ البَداء أنواع ومراتب.
[21] غافر: آية60.
[22] الصدوق، محمّد بن علي، عيون أخبار الرضا×: ج1، ص167. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج10، ص336.
[23] اُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص146. القمي، علي بن بابويه، فقه الرضا×: ص45.
[24] الرعد: آية39.
[25] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص146. الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص332.
[26] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص146.
[27] الذاريات: آية47.
[28] الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص336. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص109.
[29] التين: آية8.
[30] المائدة: آية64.
[31] الصدوق، محمد بن علي، مَنْ لا يحضره الفقيه: ج4، ص368. الحلي، ابن إدريس، مستطرفات السرائر: ص620.
[32] الزُّخرف: آية79.
[33] الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص44 مادّة (برم) .
[34] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص469.
[35] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص470.
[36] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج70، ص349.
[37] المصدر نفسه: ج99، ص55.
[38] يونس: آية98.
[39] القمّي، علي بن إبراهيم، تفسير القمّي: ج1، ص317.
[40] القلم: آية48.
[41] العيّاشي، محمّد بن مسعود، تفسير العيّاشي: ج1، ص55. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص116.
[42] الدخان: آية4.
[43] هود: آية1.
[44] الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص444. الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا×: ج1، ص161.
[45] الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا×: ج1، ص161. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج10، ص330-331.
[46] العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العيّاشي: ج2، ص216. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص119.
[47] الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة: ص428. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص114، ح39.
[48] المائدة: آية121.
[49] العيّاشي، محمد بن مسعود، تفسير العيّاشي: ج1، ص303. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج13، ص179.
[50] الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن: ج10، ص86. المتّقي الهندي، علي، كنز العمال: ج11، ص406.
[51] الطبرسي، الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق: ص17. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج16، ص231.
[52] الجُّمعة: آية2.
[53] القلم: آية4.
[54] مِنْ الواضح أنّا نتكلَّم عَنْ المعصوم بلا تفصيل واستدلال بيِّن؛ باعتبار أنَّ هذهِ الأُمور تُعدّ مِنْ المُسلمات مِنْ جهة، وَمِنْ جهة أُخرى نحنُ لا نُريدُ الإطالة الَّتِي تخرج بنا عَنْ المُراد.
[55] الريشهري، محمد، ميزان الحكمة: ج1، ص58.
[56] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج58، ص129.
[57] البقرة: آية34.
[58] الفتح: آية27.
[59] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن: ج9، ص330. الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص181. ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبويّة: ج3، ص774. الواقدي، محمد بن عمر، كتاب المغازي: ج2، ص606 و609.
[60] الذاريات: آية54.
[61] الذاريات: آية55.
[62] الصدوق، محمد بن علي، التوحيد: ص443. الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا×: ج1، ص160-161. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج10، ص330.
[63] النحل: آية120.
[64] الصدوق، محمّد بن عليّ، الأمالي: ص357. الثقفي، إبراهيم بن محمّد، الغارات: ج1، ص 57. النيسابوري، محمّد بن الفتّال ، روضة الواعظين: ص117.
[65] خطب الإمام عليّ×، نهج البلاغة: ج4، ص17. اُنظر: القاضي المغربي، النعمان بن محمّد، شرح الأخبار: ج2، ص392. الكراجكي، محمد بن علي ، كنز الفوائد: ص270.
[66] الحلي، ابن نما، مثير الأحزان: ص40. ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص59.
[67] مالك بن أنس، الموطأ: ج2، ص906. السيوطي، جلال الدين، الديباج عَلَى مُسْلِم: ج3، ص119.
[68] الصدوق، محمّد بن عليّ، علل الشرائع: ج1، ص150-151.
[69] المفيد، محمّد بن محمّد، الإرشاد: ص84.
[70] ابن طاووس، عليّ بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص59. واُنظر: الطبرسي، أحمد بن عليّ، الاحتجاج: ج2، ص24.
[71] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3 ، ص224. الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج9، ص193. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3 ، ص115.
[72] الحلي، ابن نما، مُثير الأحزان: ص29. الزرندي، محمد بن يوسف، معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول: ص94.
[73] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج3، ص226، ح13. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص276، ح3640.
[74] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج3، 225، ح11. الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص275، ح3639.
[75] الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة: ص233. ابن طاووس، علي بن موسى، الأمان من أخطار الأسفار والأزمان: ص66. القصّة طويلة أوردنا منها موضع الاستشهاد.
[76] هود: آية86.
[77] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص471، ح5. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج46، ص264.
[78] اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج6، ص264. الصفدي، خليل أيبك، الوافي بالوفيات: ج11، ص100.
[79] الإربلي، علي بن أبي الفتح، كشف الغُمّة في معرفة الأئمّة: ج2، ص427.
[80] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج8، ص37. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص254.
[81] الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص50-51. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج47، ص165. وفي نفس هَذا الجزء والصفحة وما بعدها روايات كثيرة في أُسلوب الحرب الباردة للإمام الصادق× مَعَ السُّلطة الحاكمة.
[82] المفيد، محمّد بن محمّد، أوائل المقالات: ص216.
[83] القصص: آية18.
[84] السند، محمّد، الإمامة الإلهية: ج3، ص4-5. بيّن سماحة الشَّيخ (دام ظله) في كتاب الإمامة الإلهية قراءة مُميّزة للنماذج المذكورة.
[85] الكهف: آية13.
[86] الكهف: آية19.
[87] الراغب الأصفهاني ، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص450 مادّة (لطف) .
[88] الكهف: آية63.
[89] الأنعام: آية80.
[90] ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ص329-350. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج95، ص225.
[91] النعماني، محمد، الغيبة: ص200، باب11، ح1. وقدْ نُقل نفس المضمون في روايات أُخرى مِنْ طرق الشيعة والسنّة، حَيْث نقل في سنن أبي داود - وَهُوَ مِنْ مصادر السنّة- عنوان (الأحلاس) . اُنظر: أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود: ج2، ص305.
[92] النعماني، محمد، الغيبة: ص 201، باب11، ح2.
[93] المصدر السابق: ص203، باب11، ح5. وبنفس المضمون نقل ذلك الكليني في باب ما يعاين المؤمن والكافر. اُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج3، ص132.
[94] الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد: ص788. المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص514.
[95] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص31.
[96] ابن قولويه، جعفر بن محمّد، كامل الزيارات: ص444 (الهامش) .
[97] الصدوق، محمّد بن عليّ، الأمالي: ص285. واُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص105. وابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج2، ص250.
[98] الطباطبائي، محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص77. الريشهري، محمد، ميزان الحكمة: ج3، ص2353. كَمَا وَرَدَ في قصّة الحديبية، وكذلك في قصّة كتابه’ إلى خسرو برويز.
[99] التوبة: آية61.
[100] المائدة: آية68.
[101] السيوطي، جلال الدين، الدرّ المنثور فِي التفسير بالمأثور: ج2، ص298.
[102] المصدر نفسه.
[103] المعارج: آية1.
[104] وفي كتاب مدينة المعاجز أنَّ السائل المذكور هُوَ النَّظر بن الحارث الفهري، فإنَّه قال للنبي’: «إذا كنت سيّد وُلد آدم، وأخوك سيّد العرب، وابنتك فاطمة سيّدة نساء العالمين، وابناك الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، وعمّك سيّد الشهداء، وابن عمِّك ذو الجناحين يطير بهما في الجنّة حَيْث يشاء... فما لسائر قريش؟!!»، وَهُوَ باحتجاجه عَلَى النَّبي’ بتنصيبه لعليٍّ×: أنَّه إذا كَانَ حقّاً وَمِنْ السماء فليأتيه العذاب، فجاءه العذاب. البحراني، هاشم، مدينة المعاجز: ج2، ص272.
[105] الإسراء: آية20.
[106] الحلي، ابن فهد، الرَّسائل العشر: ص416.
[107] الطبرسي، الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق: ص17. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج16، ص231.
[108] الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجد: ص578.
[109] آل عمران: آية188.
[110] الأحقاف: آية24.
[111] يوسف: آية83.
[112] التوبة: آية40.
[113] الرعد: آية42.
[114] الأنفال: آية30.
[115] ابن قولويه، جعفر بن محمّد، كامل الزيارات: ص548.
[116] النمل: آية50-51.
[117] فاطر: آية 43.
[118] التوبة: آية 73.
[119] مِنْ الكتب المشهورة الَّتِي ذكرت قراءة أهل البيت^ هي: البيان للطوسي، والتبيان للطبرسي، وينبغي أنْ نُلفت أنظار الإخوة أنَّ القراءات هي علم مِنْ علوم القُرآن، بلْ لعلَّه مِنْ أقدم علوم القُرآن حَيْث نشأت في الصدر الأوَّل، وقدْ أجاز’ كثيراً مِنْ القراءات، وهي أكثر مِنْ سبع، والمُهم هُنا هُوَ أنْ نعرف أنَّ تبدُّل الحرف (مِنْ واو إلى باء) - في الآية أعلاه- لا يعني التحريف، بلْ هُوَ مِنْ تعدّد القراءات، واختلاف باب التحريف عَنْ باب القراءات.
[120] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج75، ص73.
[121] كما يقول أحدنا للآخر: لنفتح صفحة جديدة في العلاقة.
[122] الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص282 مادّة (صفح) .
[123] الزُّخرف: آية89.
[124] المائدة: آية13.
[125] الحجر: آية85.
[126] النور: آية22.
[127] التغابن: آية14.
[128] النمل: آية14.
[129] آل عمران: آية159.
[130] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص23، ح15. الإحسائي، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي: ج2، ص103.
[131] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص23، ح15. الصدوق، محمّد بن عليّ، الأمالي: ص504.
[132] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص401، ح2. الصفّار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص45.
[133] خُطَب أمير المؤمنين×، نهج البلاغة: ج4، ص42.
[134] التغابن: آية14.
[135] النحل: آية127.
[136] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج14، ص327. الأشتري، ورّام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر: ج1، ص125.
[137] الطباطبائي، محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص77، كَمَا وَرَدَ في قصّة الحديبية، وكذلك قصّة كتابه’ إلى خسرو برويز. الريشهري، محمّد، ميزان الحكمة: ج3، ص2353.
[138] الصفّار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص365. ابن شهر آشوب، محمّد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص346.
[139] النمل: آية22.
[140] العلق: آية6-7.
[141] الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجِّد: ص289.
[142] الحديد: آية23.
[143] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص293. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج99، ص164.
[144] اُنظر: المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج41، ص146، نقلاً عَنْ المغازي للواقدي.
[145] القاضي المغربي، النعمان بن محمد، شرح الأخبار: ج2، ص381. الكوفي، فرات بن إبراهيم، تفسير فرات الكوفي: ص95.
[146] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص 274، (زيارة الإمام الهادي× لجدّه أمير المؤمنين× يوم الغدير) . الشهيد الأوَّل، محمد بن مكّي، المزار: ص80.
[147] القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة لذوي القُربى: ج1، ص284. الكراجكي، محمّد بن عليّ، كنز الفوائد: ص137.
[148] الأحزاب: آية10-13.
[149] الأحزاب: آية22.
[150] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص274، (زيارة الإمام الهادي× لجدّه أمير المؤمنين× يوم الغدير) . الشهيد الأوَّل، محمد بن مكّي، المزار: ص79.
[151] الأنعام: آية80.
[152] التوبة: آية25-26.
[153] التوبة: آية27.
[154] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص274-275. الشهيد الأوَّل، محمد بن مكّي، المزار: ص80.
[155] قَالَ أبو الحسن الأشعري: «لا خالق إلَّا الله. وإنَّ أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة كَمَا قَالَ: ﴿ وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 96) ، وإنَّ العباد لا يقدرون أنْ يخلقوا شيئاً وَهُمْ يُخلقون، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله﴾ (فاطر:3) ». الأشعري، أبو الحسن، الإبانة عَنْ أُصول الديانة: ص20.
[156] المائدة: آية64.
[157] البقرة: آية67.
[158] البقرة: آية70.
[159] البقرة: آية115.
[160] يونس: آية3.
[161] يونس: آية3.
[162] الذاريات: آية47.
[163] قد يُتوهّم - كما توهم بعض الصوفية أو العرفاء أو حتى اليهود- أنّ من التوحيد هو التمسّك بالإرادة الإلهية الجزئية؛ لأنّه لا محالة لو وقعت فهي جزئية، فالإنسان في نظرهم يجب أن ينظر إلى ذلك الجزئي الذي سيقع والذي هو في علم الله، وهكذا تفكير - قبل وقوع الحادث- باطل؛ لأنّه تعجيز لقدرة الله وإرادته بأن كان الله تعالى -قبل الوقوع- مجبوراً على فعل جزئي ضيق لا يمكنه أن يُغيره، وهذا تعجيز وليس توحيداً.
ونهج عاشوراء يُعلِّم الخلق أنّه بما أنّ البَداء الإلهي هو التغيّر في الواقع الخارجي تبعاً لتغيّر الشروط والمقتضيات فاستوسعوا - ثقة بربّكم وتفاؤلاً- رحمة الله وسعة مشيئته وإرادته من خلال التحرّك البنّاء الذي يؤدّي إلى ذلك.
[164] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج3، ص226، ح14. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص276، ح3641.
[165] الصدوق، محمّد بن عليّ، مَن لا يحضره الفقيه: ج1، ص119، ح567.
[166] اُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص275-277، باب85.
[167] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص467. الحلي، ابن فهد، عدّة الداعي: ص23.
[168] الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص19.
[169] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص146.
[170] الأنبياء: آية87.
[171] القلم: آية48.
[172] الأنعام: آية123.
[173] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص312.
[174] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص37. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص135.
[175] هَذا بقطع النَّظر عَنْ وجود المعصوم× - الإمام السّجاد× والباقر× فضلاً عَنْ كُلّ المعصومين^ وإحاطته بإحاطة ملكوتيّة- الذي روى تفاصيل الواقعة بدقّة وحيادية عجيبة في سنين حياته وَبَعْدَ شهادته نقل لنا أبناؤه^ تفاصيل أُخرى، ولا ننسى عَلَى الإطلاق العالمة غَير المعلَّمة والفَهِمَة غَير المُفَهَّمة الَّتِي قادت معركة السبي إلى جانب زين العابدين× بتدبير فاطمي عظيم، إضافة إلى تقرير الإمام× والأئمّة مِنْ بعده لما نُقل عَلَى الألسن مِنْ واقعة الطفّ، وكانت تجري عَلَى مسامعه وتَحْتَ نظره المبارك، فلو كَانَ هُناك تزوير لكشفه لنا.
[176] الفتح: آية1-2.
[[177]][177] الفتح: آية27.
[178] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن: ج9، ص335. الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص181. ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية: ج3، ص774. الواقدي، محمد بن عمر، كتاب المغازي: ج2، ص606.
[179] النصر: آية1.
[180] الفتح: آية1.
[181] ابن شهر آشوب، محمّد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج1، ص163. المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج19، ص324.
[182] ابن قولويه، جعفر بن محمّد، كامل الزيارات: ص157. الحلي، حسن بن سليمان، مختصر بصائر الدرجات: ص6. (بتغيير قليل) .
[183] خُطَب أمير المؤمنين×، نهج البلاغة: ج1، ص182. الهلالي، سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس: ص256.
[184] الحلي، ابن إدريس، السرائر (موسوعة ابن إدريس) : ج3، ص504.
[185] قلنا: أكثر. لأنّ في هذه القواعد قواعد أُخرى، فيصل العدد إلى عشر قواعد أو أكثر.
[186] الآمدي، عبد الواحد، غُرر الحكم ودُرر الكلم: ج1، ص317. النمازي الشاهرودي، عليّ، مستدرك سفينة البحار: ج1، ص123.
[187] الخراساني القايني، محمد تقي، مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: ج4، ص9.
[188] النعماني، محمد، الغيبة: ص217.
[189] خُطب أمير المؤمنين×، نهج البلاغة: ج3، ص51. واُنظر: المتّقي الهندي، عليّ، كنز العمال: ج16، ص175، ح44215.
[190] النعماني، محمد، الغيبة: ص203. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج3، ص132.
[191] الروم: آية60.
[192] الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج3، ص142.
[193] العسكري، أبو هلال، جمهرة الأمثال: ج2، ص208.
[194] ابن منظور، محمّد بن مكرم، لسان العرب: ج6، ص56.
[195] الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج4، ص63.
[196] الزبيدي، محمّد مرتضى، تاج العروس: ج8، ص245.
[197] ابن منظور، محمّد بن مكرم، لسان العرب: ج8: ص8-9.
[198] البقرة: آية143.
[199] آل عمران: آية118.
[200] الصدوق، محمّد بن علي، الأمالي: ص430-431.
[201] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج8، ص33.
[202] الخزّاز القمّي، علي بن محمّد، كفاية الأثر: ص247-248.
[203] اُنظر: الصدوق، محمد بن عليّ، علل الشرائع: ج1، ص148، باب122، ح6.
[204] اُنظر: الطبرسي، أحمد بن عليّ، الاحتجاج: ج1، ص187-188.
[205] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج29، ص420.
[206] اُنظر: الصدوق، محمّد بن عليّ، الأمالي: ص311.
[207] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص38.
[208] الأنفال: آية66.
[209] الأنفال: آية60.
[210] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج8، ص42. الصدوق، محمّد بن عليّ، الأمالي: ص602، المجلس 77، ح6. ولكن في أمالي الصدوق مسندة بسندٍ حَسَنٍ، عن عبد الله بن سنان.
[211] ورد أنّ ذلك الرجل هو الخضر.
[212] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج1: ص454، ح4. الصدوق، محمّد بن عليّ، الأمالي: ص313.
[213] وقريب من هذا المعنى ما ذكر علماء أُصول الفقه في معنى الوسطيّة - في التنجيز أو التكليف- وهي: أنّ المكلَّف في ظرف الاضطرار يمكنه أن يأتي بثمانية أجزاء من العمل المركب من عشرة أجزاء؛ لأنّ الثمانية مُجزِيَة في ظرف الاضطرار، ومطلوبة على كلِّ حال .
[214] البقرة: آية143.
[215] النحل: آية120.
[216] البقرة: آية143.
[217] الأنفال: آية60.
[218] النمل: آية33.
[219] النحل: آية92.
[220] الكهف: آية95.
[221] الشهيد الأوَّل، محمد بن مكّي، المزار: ص125.
[222] الأنفال: آية60.
[223] الرحمن: آية33.
[224] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج72، ص38. المجلسي، محمد تقي، روضة المتّقين: ج5، ص515. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج1، ص215.
[225] يوسف: آية76.
[226] التوبة: آية122.
[227] الشهيد الثاني، زين الدين بن عليّ، الرعاية في علم الدراية: هامش ص54.
[228] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج72، ص38. المجلسي، محمد تقي، روضة المتّقين: ج5، ص515. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج1، ص215.
[229] الأنفال: آية60.
[230] الأنفال: آية60.
[231] النحل: آية106.
[232] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص220.
[233] غافر: آية28.
[234] آل عمران: آية28.
[235] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص23.
[236] الطبرسي، أحمد بن عليّ، الاحتجاج: ج1، ص380.
[237] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج74، ص151.
[238] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص23.
[239] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص219، ح12. الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص210، ح24.
[240] الصدوق، محمّد بن عليّ، الخصال: ص354، ح35. الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص164، ح9.
[241] البقرة: آية159.
[242] النور: آية19.
[243] النساء: آية83.
[244] النعماني، محمّد، الغيبة: ص43، ح7.
[245] المصدر نفسه.
[246] المصدر السابق: ص41، ح1.
[247] البقرة: آية137.
[248] النعماني، محمد، الغيبة: ص42-43، ح4.
[249] المصدر نفسه: ص45، ح12.
[250] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص222، ح3. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص235، ح1.
[251] خُطب أمير المؤمنين عليّ×، نهج البلاغة: ج4، ص42.
[252] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص119.
[253] التغابن: آية14.
[254] الحميري، عبد الله بن جعفر، قُرب الإسناد: ص133.
[255] الطبرسي، أحمد بن عليّ، الاحتجاج: ج2، ص237. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص217.
[256] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص224، ح8.
[257] المصدر نفسه: ج2، ص370، ح2.
[258] المصدر نفسه: ج2، ص372، ح10.
[259] المصدر السابق: ج2، ص222، ح1.
[260] المصدر السابق: ج2، ص225، ح10.
[261] المصدر السابق: ج2، ص370، ح5.
[262] البقرة: آية61.
[263] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص371، ح6.
[264] المصدر نفسه: ج2، ص220، ح20.
[265] المصدر نفسه: ج2، ص219، ح11.
[266] المصدر السابق: ج2، ص218، ح5.
[267] غافر: آية28.
[268] الموسوي، فخار بن معد، الحجّة عَلَى الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص122. الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص231.
[269] غافر: آية28.
[270] الخراساني القايني، محمد تقي، مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: ج4، ص9.
[271] القصص: آية20.
[272] العيّاشي، محمد بن مسعود، تفسير العيّاشي: ج2، ص323، ح9.
[273] المصدر نفسه: ج2، ص323، ح10.
[274] المصدر السابق.
[275] التحريم: آية6.
[276] الموسوي، فخار بن معد، الحجة عَلَى الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ص84. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص231، ح17.
[277] الكهف: آية65.
[278] الكهف: آية63-65.
[279] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص225، ح13.
[280] المصدر السابق: ج2، ص220، ح20.
[281] المصدر نفسه: ج2، ص219، ح11.
[282] المصدر السابق: ج1، 310 ح13.
[283] المصدر نفسه: ج1، 311، ح14.
[284] الأنعام: آية76-79.
[285] الكهف: آية19.
[286] الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص228، ح10.
[287] الكهف: آية70.
[288] الكهف: آية76.
[289] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص222-223، ح5.
[290] النساء: آية83.
[291] الصدوق، محمّد بن عليّ، معاني الأخبار: ص160.
[292] ومن هنا يمكن تفسير معنى حرمة ذكر اسم الإمام# الذي ورد في كثير من الروايات في أنّه يعرِّض الإمام# للخطر، وبالتالي سيعرقل حركته#؛ لأنّه سيؤدّي إلى زيادة الخفاء من قِبَل الإمام بسبب ازدياد احتمال الخطر لكشف شخصيته، وستتقطع كلّ سُبل البناء والإدارة التي يحتمل وجوده فيها، وهذا غير معنى طلب تعجيل الظهور - على الفهم الآخر- الذي يأمر المؤمن بالدعاء فقط للإمام#، وأن يلهج فقط بذكر الإمام# صباحاً ومساءً، فتدبّر.
[293] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج80، ص362.
[294] الصدوق، محمّد بن عليّ، إكمال الدين: ج2، ص636.
[295] آل عمران: آية 163.
[296] الصدوق، محمّد بن عليّ، عيون أخبار الرضا: ج1، ص141، ح1.
[297] المائدة: آية43.
[298] المائدة: آية48.
[299] الصفّار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص330.
[300] القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ص214.
[301] القاضي المغربي، النعمان بن محمّد، شرح الأخبار: ج2، ص39. الثقفي، إبراهيم بن محمّد، الغارات: ج2، ص676.
[302] البقرة: آية191.
[303] المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج10، ص150.
[304] المُفيد، محمد بن محمد، الأمالي: ص313.
[305] المصدر نفسه. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج15، ص131.
[306] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص364.
[307] اُنظر: الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص314-317.
[308] المفيد، محمّد بن محمّد، الإرشاد: ج2، ص116.
[309] اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص21.
[310] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص38.
[311] المصدر نفسه: ج2، ص37.
[312] المفيد، محمّد بن محمّد، الأمالي: ص313.
[313] الكهف: آية71.
[314] اُنظر: السَّند، محمَّد، أُسس النظام السِّياسي عِنْدَ الإماميِّة: ج1، ص287.
[315] الكهف: آية79.
[316] الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص86.
[317] الطوسي، محمّد بن الحسن، الأمالي: ص528 باختلاف يسير. المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج30، ص548.
[318] البيهقي، أحمد بن الحسين، شعب الإيمان: ج5، ص348.
[319] النساء: آية128.
[320] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص5.
[321] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج7، ص460.
[322] خُطب أمير المؤمنين عليّ×، نهج البلاغة: ج4، ص57.
[323] الصدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار: ص2. عَنْه المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج2، ص184، ح5.
[324] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج2، ص184، ح3.
[325] النساء: آية46.
[326] المائدة: آية41.
[327] لا زالت البشرية في المستوى الابتدائي مِنْ هَذا العلم الذي كشفه الإمام× قَبل أربعة عشر قرناً.
[328] الطبرسي، أحمد بن عليّ، الاحتجاج: ج2، ص10.
[329] خُطب أمير المؤمنين عليّ×، نهج البلاغة: ج2، ص180.
[330] المصدر السابق: ج1، ص92.
[331] الطوسي، محمّد بن الحسن، الأمالي: ص528، باختلاف يسير. المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج30، ص548.
[332] الطوسي، محمد بن الحسن، الخلاف: ج1، ص27.
[333] خُطب أمير المؤمنين عليّ×، نهج البلاغة: ج4، ص57. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج72، ص97.
[334] يوسف: آية76.
[335] النساء: آية122.
[336] الكهف: آية109.
[[337]][337] طه: آية114.
[338] اُنظر: السند، محمّد، الإمامة الإلهية: ج1، ص36.
[339] آل عمران: آية7.
[340] الزمر: آية23.
[341] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج2، ص285.
[342] الأنفال: آية60.
[343] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج72، ص38.
[344] وهذا مشروح مفصَّلاً في الأبحاث الأُصولية - من أُصول الفقه- تحت عنوان أُصول القانون والمبادئ الأحكامية والأُسس والأُصول التشريعيّة.
[345] ينبغي الالتفات إلى أنَّ كُلّ كلمة لها حسابها ووزنها الخاصّ، فالحُجِّية يلزم أنْ تكون مجموعيّة، أي: باجتماع وليسَ حُجِّية مُنفردة، هذا أوَّلاً، وثانياً بنظم، أي: لَيسَ بانفراط وعشوائيّة، وثالثاً هَذا النظم يتّبع وينتظم بنظم أكبر منه، ورابعاً يترابط بين هذهِ المجموعة بكُلِّ طبقاتها وأبعادها.
[346] البقرة: آية2-3.
[347] النيسابوري، محمد بن الفتال، روضة الوعظين: ص31.
[348] المتّقي الهندي، عليّ، كنز العمال: ج16، ص197. القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ج2، ص413، ح99.
[349] الصدوق، محمّد بن عليّ، عيون أخبار الرضا: ج1، ص141، ح1.
[350] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص150.
[351] الأنفال: آية53.
[352] إبراهيم: آية26.
[353] الإسراء: آية60.
[354] العيّاشي، محمّد بن مسعود، تفسير العيّاشي: ج2، ص298. وعنه المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج31، ص257.
[355] إبراهيم: آية26.
[356] الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن: ج6، ص75.
[357] القمي، عليّ بن إبراهيم، تفسير القمي: ج1، ص369.
[358] الدخان: آية43-46.
[359] البقرة: آية16.
[360] الصافات: آية62.
[361] البحراني، هاشم، حلية الأبرار: ج2، ص157.
[362] الطوسي، محمّد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن: ج6، ص464.
[363] القمي، عليّ بن إبراهيم، تفسير القمي: ج1، ص369.
[364] الصدوق، محمّد بن عليّ، إكمال الدين: ج2، ص651.
[365] المفيد، محمّد بن محمّد، الاختصاص: ص85.
[366] الطوسي، محمّد بن الحسن، مصباح المتهجّد: ص774.
[367] الصدوق، محمّد بن علي، الخصال: ص355، ح35. الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص65.
[368] الصدوق، محمّد بن عليّ، إكمال الدين: ج2، ص651.
[369] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص206.
[370] الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة: ص463. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص217.
[371] النعماني، محمد، الغيبة: ص318.
[372] اليزدي، علي، إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب: ج2، ص173.
[373] المصدر السابق: ج2، ص173.
[374] الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة: ص463. المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص217.
[375] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص217.
[376] حينما نقول: (صفات سياسيّة عقائديّة) . لا يمنع إشارة الرواية أساساً إلى توجهاته الشخصيّة العدائيّة لأهل البيت^.
[377] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص217.
[378] الصدوق، محمّد بن عليّ، إكمال الدِّين: ص480.
[379] ص: آية79.
[380] النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكُبرى: ج2، ص391، ح3887. المتقي الهندي، عليّ، كنز العمال: ج12، ص202، ح34667.
[381] النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكُبرى: ج2، ص391، ح3887. المتقي الهندي، عليّ، كنز العمال: ج12، ص202، ح34667.
[382] البقرة: آية127.
[383] البقرة: آية158.
[384] اُنظر: مذكرات مستر همفر الأصل الثّانِي.
[385] في مذكرات مستر همفر أنَّ أحد أهداف الوهابيّة والسلفية الرئيسة هو هدم الكعبة، والغريب المفظع أنَّ بعضهم يستدلّ بحديث النَّبي’ - الذي أوردناه سابقاً- «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضتُ البيت»، والمُضحك المُبكي أنَّ هَذا الحديث يصبّ في قداسة الكعبة وليسَ العكس؛ لأنَّ تتمّته: «لنقضتُ البيت فبنيتُه عَلَى أساس إبراهيم»، فإذاً؛ الهدم هُوَ لإعادتها إلى الأساس الذي بناه آدم وإبراهيم وإسماعيل، وليسَ للإبادة كَمَا يقول ويهدف هؤلاء أعداء الدِّين.
[386] هَذا المقطع مِنْ الحديث هُوَ كلام للبشير الذي جاء إلى الإمام المهدي# بعدما خُسف بجيش السُّفياني وكَانَ هُوَ أحد أفراد الجيش.
[387] الخصيبي، الحسين بن حمدان، الهداية الكُبرى: ص398. عَنْه المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج53، ص10.
[388] سبأ: آية51.
[389] البلخي، أحمد بن سهل، البدء والتأريخ: ص178.
[390] اليزدي، عليّ، إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب: ج2، ص165.
[391] المتقي الهندي، عليّ، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: ص76-77. المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص94.
[392] المتقي الهندي، عليّ، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: ص76-77. المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص93.
[393] اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج2، ص206، مادّة (أجج) .
[394] الفرقان: آية53.
[395] الراغب الأصفهاني ، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص10، مادّة (أجّ) .
[396] الكهف: آية94.
[397] الكهف: آية99.
[398] الكهف: آية93-94.
[399] الأنبياء: آية96.
[400] الطبري، محمّد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ج17، ص115. السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور: ج4، ص337، عَنْ جامع البيان. المتقي الهندي، عليّ، كنز العمال: ج14، ص259، ح38645.
[401] ابن ماجه، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجه: ج2، ص1364 باختلاف يسير. واُنظر: المروزي، نعيم بن حماد، الفتن: ص164.
[402] الصدوق، محمد بن علي، الخصال: ص354. الحر العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص164.
[403] البقرة: آية204-206.
[404] مُحمَّد: آية22.
[405] مُحمَّد: آية29.
[406] القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ج3، ص434، باب99، ح4.
[407] ابن المنادي، أحمد بن جعفر، الملاحم: ص304-307. المتقي الهندي، عليّ، كنز العمال: ج14، ص594-594، ح39679 بتفاوت يسير.
[408] القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ج3، ص434، باب99، ح4.
[409] النعماني، محمد، الغيبة: ص311، باب18، ح2.
[410] المصدر نفسه: ص312، باب18، ح4.
[411] الأنعام: آية2.
[412] النعماني، محمد، الغيبة: ص312، باب18، ح5.
[413] المصدر السابق: ص310، باب 18، ح1.
[414] الروم: آية2-3.
[415] القمّي، عليّ بن إبراهيم، تفسير القمي: ج2، ص152. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص100.
[416] النعماني، محمد، الغيبة: ص315، باب18، ح10. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص250.
[417] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص470.
[418] المصدر نفسه.
[419] المصدر السابق: ج1، ص368.
[420] الصدوق، محمّد بن عليّ، عيون أخبار الرضا×: ج1، ص161. المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص95.
[421] الرحمن: آية29.
[422] البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن: ج5، ص237.
[423] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص122. نخبة من الرواة، الأُصول الستة عشر: ص110.
[424] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج13، ص179-180.
[425] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص225.
[426] القمي، عليّ بن إبراهيم، تفسير القمي: ج1: 36. المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص118-119.
[427] النعماني، محمد، الغيبة: ص316. عَنْه المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص252.
[428] الصدوق: محمّد بن عليّ، إكمال الدِّين: ص652. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص206.
[429] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة: ص450.
[430] النعماني، محمد، الغيبة: ص310، باب18، ح1.
[431] المصدر نفسه: ص317، باب18، ح16. الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة: ص416.
[432] الصدوق: محمّد بن عليّ، إكمال الدِّين: ص652، ح11.
[433] النعماني، محمد، الغيبة: ص311، باب18، ح3.
[434] محمّد بن الحسن، الطوسي، الأمالي: ص661. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص275.
[435] وهذه الروايات وروايات كثيرة لا تتعارض مَعَ ضرورة القيام بالمسؤولية وأهمّية الأمر بالمعروف والنهي عَنْ المنكر، وحماية الدِّين ضد الانحراف والباطل والضلالة، وهذه العناوين عَلَى الجملة مِنْ ضروريات الدِّين ولا يمكن تركها وإهمالها؛ فلا بُدَّ أنْ يكون المراد من التواري عنْ السُّفياني أو معنى الاختباء والاختفاء معانٍ عديدة فنقول:
1. معنى أنْ «الرجال تواري وجوهها عنه»، هُوَ أنْ لا يكونوا صيداً سهلاً ويعطوا أنفسهم له، وهُوَ تنبيه لضرورة التدبير وجمع القوّة وعَلَى التدابير والحيلة لمواجهة السُّفياني.
2. قول الرواية «لَيسَ عَلَى النساء بأس»، إشارة إلى أنَّ السُّفياني لا يقتل النساء ولا يفجر بهنَّ، كما هُوَ في الروايات الأُخرى، فهل تكون هذهِ الرواية وأمثالها تعارض تلك؟ كلا، بَلْ هُوَ إشارة إلى أنَّ الاستهداف المباشر للرجال، وأمَّا النساء فالاستهداف لهنّ غَير مباشر.
3. الرواية حينما قالت: «لَيسَ عليهنّ بأس»، أي: لَيسَ عليهنّ بأس وشدّة بقدر البأس والشدّة عَلَى الرجال. نعم، المعلن والمُقرر عَلَى الرجال، وليسَ هُوَ عدم للبأس مُطلقاً.
مِنْ جهة أُخرى، إنَّ الرجال ينبغي أنْ يتواروا لَيسَ لمُجرَّد حفظ النفس، بلْ لأجل نصر أكبر، أي: لا يكونوا صيداً سهلاً للاعتقال أو القتل، بلْ ليجمعوا قواهم لأجل نصر أكبر وليسَ - كما لعلَّه يفهم البعض- هُوَ الهروب والتقاعس وترك المسؤوليات، بلْ هي إشارات أمنية واستخبارية لتحمّل المسؤولية.
[436] المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص77.
[437] سبأ: آية51.
[438] سبأ: آية51.
[439] المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص77-79.
[440] سبأ: آية51.
[441] المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص77.
[442] وهذا أمر معروف لا يخفى على المتتبع لما هو المعروف في ذلك الزمن عن مساحة مدينة الكوفة.
[443] قد تقدّم ذلك في القاعدة الأُولى، قاعدة (كن حِلْساً) ، فراجع.
[444] المتقي الهندي، عليّ، كنز العمال: ج11، ص214.
[445] المتقي الهندي، عليّ، كنز العُمال: ج14، ص588، ح39667. اليزدي، عليّ، إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب: ج2، ص173.
[446] اليزدي، عليّ، إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب: ج2، ص165.
[447] المتقي الهندي، عليّ، كنز العُمال: ج14، ص589، ح39669.
[448] المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص80.
[449] المروزي، ابن حمّاد، الفتن: ج1، ص202.
[450] الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك: ج4، ص520. المتقي الهندي، عليّ، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: ص113، عَنْ المستدرك.
[451] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ج22، ص129. المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص75.
[452] اُنظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص228. وقال: أورده الثعلبي في تفسيره، وروى أصحابنا في أحاديث المهدي، عَنْ أبي عبد الله وأبي جعفر÷ مثله.
[453] البلخي، أحمد بن سهل، البدء والتاريخ: ج2، ص178-179.
[454] المروزي، نعيم بن حمّاد، الفتن: ص215. المتقي الهندي، عليّ، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: ص123، عَنْ الفتن.
[455] الصخري هُوَ (السُّفياني) نسبة إلى صخر جدّ بني أُميّة.
[456] المروزي، نعيم بن حمّاد، الفتن: ص218. المتقي الهندي، عليّ، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: ص125-126.
[457] المروزي، نعيم بن حمّاد، الفتن: ص216. اُنظر: الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك: ج4، ص431. المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص84، عَنْ المستدرك.
[458] النعماني، محمد، الغيبة: ص282، باب14، ح50.
[459] المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص77.
[460] المروزي، نعيم بن حمّاد، الفتن: ص158.
[461] المتقي الهندي، عليّ، كنز العُمال: ج14، ص588، ح39667. المروزي، نعيم بن حمّاد، الفتن: ص192. اليزدي، عليّ، إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب: ج2، ص173.
[462] المتقي الهندي، عليّ، كنز العُمال: ج14، ص589، ح39669.
[463] اليزدي، عليّ، إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب: ج2، ص173.
[464] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص375. الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة: ص446، ص443. الطوسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى: ج2، ص284.
[465] النعماني، محمد، الغيبة: ص264.
[466] النعماني، محمد، الغيبة: ص286. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص245.
[467] النعماني، محمد، الغيبة: ص314. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص250.
[468] النعماني، محمد، الغيبة: ص314. الحر العاملي، محمد بن الحسن، إثبات الهداة: ج3، ص740.
[469] الرعد: آية11.
[470] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال: ج2، ص505. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج69، ص178.
[471] الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة: ص455.
[472] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص384. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج5، ص338.
[473] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال: ج2، ص505.
[474] الشهيد الأوَّل، محمد بن مكي، المزار: ص125.
[475] النمازي، علي، مُستدرك سفينة البحار: ج2، ص366. المتقي الهندي، علي، كنز العمال: ج11، ص213.
[476] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص330. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج99، ص65.
[477] النعماني، محمد، الغيبة: ص313. وعنه: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص249.
[478] النعماني، محمد، الغيبة: 318. الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة: ص487.
[479] النعماني، محمد، الغيبة: ص289. عنه: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص237.
[480] النعماني، محمد، الغيبة: ص282. وعنه: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص243.
[481] النعماني، محمد، الغيبة: ص310.
[482] إنَّ قانون الفتنة عام شامل للسابقين واللاحقين، للمؤمنين والفاسقين على حدٍّ سواء، بلْ هو حتى للكاملين، وحتى للذين استثناهم الشيطان مِنْ غوايته - إلّا عبادك مِنْهم المخلَصين- والمعصوم× يصف الفتن: أنَّها كقطع الليل المُظلم، ويصف زماننا بالشدّة وطول المدّة وإدبار الزمان، زمانٌ يكون القابض على دينه كالقابض على جمرة، كيف نصنع يا إمامنا؟ قال: «إلينا». وهذه الكلمة - إلينا- تتكرَّر بكثرة في الروايات التي تُخبر بظهور السُّفياني، وتأمر المؤمن بالاختباء والاختفاء مِنْ السُّفياني إلى أنْ تنتهي حركته، فهذا الكلام وشبهه في الروايات كثير، يُشيرُ بَدواً بأنَّ التكليف يتبدّل أو يتوقّف؛ حيث إنَّ هذه الروايات لو أُخذ بظاهرها البدوي أنَّه لا أمر بالمعروف ولا نهي عَنْ المنكر، ولا جهاد ولا كلمة حقّ، كذلك تُشير إلى التخلّي عَنْ كثير مِنْ الواجبات الاجتماعية، فما معنى (إلينا) وما معنى «البدوا ما البدنا»، يمكن تفسير ذلك على مستويات - وهذه المستويات لا تقاطع بينها، ولا تتنافى مع ما ذكره سماحة الشَّيخ (دام ظله) أيضاً- عديدة منها:
1. إنَّ اللجوء إلى أهل البيت^ - على كُلّ حال- وهو الاستمساك واللجوء العقائدي، والاستمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
2. اللجوء العلمي والعملي مِنْ خلال العمل برواياتهم والسير على نهجهم وخطّهم.
3. تطبيق حديث الثقلين، وهو التمسُّك بحبل الله الممدود، وهو كتاب الله وعترة النَّبي’؛ لأنَّهما بحسب - قول الرسول’ - لَنْ يفترقا حتى يردا عليه الحوض.
4. إلينا: تعني التوسُّل بنا إلى الله والدعاء وطلب الحاجة بنا، وهذا لا يعني التخلّي عَنْ المسؤولية وترك الحبل على الغارب.
5. إلينا: معناه الاقتداء بنا والتصرُّف كما نتصرف، والعمل بمقتضى تلك الظروف، أي: إلى حجّة الله في أرضه الإمام الغائب# وجعله قدوةً وأُسوةً ونبراساً يُقتدى به، فكما هو غائب عَنْ الظهور وليس غائباً عَنْ الحضور والعمل، فكذلك أنتم اجعلوا غيبتكم عَنْ الظهور للناس والأعداء، لكن لا تغيبوا عَنْ الميدان؛ لذلك قالت الرواية: «البدو ما البدنا».
6. إلينا: يعني لا تتصرفوا تصرفاً إلّا بَعْدَ مراجعتنا، مِنْ خلال ما يتوفّر لديكم مِنْ الطُّرق العديدة والوسائل العلميَّة الصحيحة، التي تجعلكم في نجاة إذا ما طبقتموها بالشكل الصحيح.
7. إلينا: اتخذوا إمامكم قدوة مِنْ حيث التريُّث في العمل والصبر حتى نضوج الأمر، وعدم التهوّر بالشكل الذي يؤدِّي إلى أنْ يفقد الإنسان حياته، دون أنْ يتحقّق أيّ هدف، أو يحقّق هدفاً بسيطاً لا قيمة له، فالفرد المؤمن ينبغي أنْ يسعى لتحقيق الأهداف العالية.
8. إلينا: معناه اتخاذ الإمام المنتظر# قدوةً، فكما أنَّه يترقّب الفرصة الكُبرى للظهور وتحقيق نصر أكبر وفتح أعظم، فكذلك أنتم تحيّنوا ذلك النصر وتلك الفرصة المُناسبة، باعتبار أنَّ الجهاد والاستشهاد درجات، وأنَّ العمل لتربية النفس والمُجْتَمع وتوعيته بعمق مسؤوليته لهي أعظم الجهاد.
[483] المتقي الهندي، علي، كنز العمال: ج14، ص589.
[484] المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر: ص67. عن النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم: ج8، ص186.
[485] المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر: ص68. عن النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم: ج8، ص166.
[486] المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر: ص68. عَنْ النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم: ج8، ص 167.
[487] وهذا النص وردت فيه روايات عديدة مِنْ طُرق العامَّة قدْ تصل إلى حدّ التواتر أو الاستفاضة، دون الإشارة إلى أنَّ هذا الجيش هو جيش السُّفياني. نَعَمْ، أئمة أهل البيت^ أشاروا إلى أنَّه جيش السُّفياني.
[488] خطب أمير المؤمنين علي×، نهج البلاغة: ج1، ص68.
[489] الأنفال: آية60.
[490] البقرة: آية 179.
[491] البقرة: آية 178-179.
[492] البقرة: آية194.
[493] الشورى: آية39-43.
[494] الحلي، حسن بن سليمان، مختصر بصائر الدرجات: ص196. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج53، ص78.
[495] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج8، ص264. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج15، ص51.
[496] الشورى: آية41.
[497] الأنفال: آية60.
[498] الأنفال: آية58.
[499] ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج6، ص168. أدعية الإمام السجاد×، الصحيفة السجادية: ص52.
[500] الطوسي، محمد بن الحسن، الخلاف: ج1، ص664. ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج3، ص20.
[501] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص241.
[502] النساء: آية100.
[503] إبراهيم: آية37.
[504] يوسف: آية87.
[505] العيّاشي، محمد بن مسعود، تفسير العيّاشي: ج1، ص303. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج13، ص180.
[506] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص392.
[507] إبراهيم: آية37.
[508] المائدة: آية21-25.
[509] الطبري، محمد بن جرير، المسترشد: ص387. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج40، ص 78.
[510] ابن المغازلي، علي بن محمد، مناقب علي بن أبي طالب×: ص111. ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص6. ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج42، ص356.
[511] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص323.
[512] يوسف: آية86.
[513] خطب أمير المؤمنين×، نهج البلاغة: ج4، ص71. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج79، ص134.
[514] قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله، قصص الأنبياء: ص176.
[515] البقرة: آية143.
[516] يونس: آية87.
[517] الحجرات: آية1-3.
[518] الطباطبائي، محمد حسين، الميزان: ج18، ص249.
[519] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج7، ص269. الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج10، ص86.
[520] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص379. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص262.
[521] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال: ج2، ص778. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج28، ص217
[522] الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج41، ص436.
[523] الشهيد الثانِي، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام: ج14، ص452.
[524] الخوئي، أبو القاسم، مباني تكملة المنهاج: ج1، ص264.
[525] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج7، ص175-185. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج28، ص13.
[526] الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج10، ص146. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج28، ص12.
[527] الصدوق، محمد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه: ج2، ص251.
[528] القمي، علي بن محمد، كفاية الأثر: ص181.
[529] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص238. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص 229.
[530] الإسراء: آية76-77.
[531] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن: ج6، ص508.
[532] اُنظر: التستري، محمد تقي، قاموس الرجال: ج11، ص41.
[533] المصدر نفسه.
[534] الخطي، علي محمد، وفيات الأئمة: ج5، ص465.
[535] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص422. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج14، ص491.
[536] المصدر نفسه.
[537] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص664. الكفعمي، إبراهيم، المصباح: ص551.
[538] الشهيد الأوَّل، محمد بن مكي، المزار: ص177. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج98، ص219.
[539] ابن نما ، محمد بن جعفر، ذوب النضار: ص97. وعنه: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص365.
[540] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال: ج1، ص341.
[541] المصدر نفسه.
[542] المصدر نفسه.
[543] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص579. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ص509.
[544] الإسراء: آية5.
[545] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج8، ص206. الحلي، حسن بن سليمان، مختصر بصائر الدرجات: ص48.
[546] الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا: ج1، ص268. الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص192. المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص328.
[547] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص308.
[548] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص107.
[549] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص20.
[550] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص20.
[551] الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الحسين: ص209.
[552] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص334.
[553] المصدر نفسه.
[554] الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الحسين: ص228.
[555] الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج4، ص568.
[556] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص337.
[557] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص492.
[558] المصدر نفسه.
[559] المفيد، محمد بن محمد، المزار: ص121. المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص177.
[560] الأنفال: آية60.
[561] المجلسي، محمد تقي، روضة المُتقين: ج5، ص515. البخاري، محمد بن مسلم، صحيح البخاري ج6، ص146.
[562] البقرة: آية120.
[563] المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين: ج12، ص158. ابن قدامه، عبد الله، المغني: ج7، ص2.
[564] الأنفال: آية35.
[565] التوبة: آية28.
[566] الشورى: آية23.
[567] المائدة: آية67.
[568] الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد: ص789.
[569] الحج: آية32.
[570] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج40، ص45.
[571] الطبراني، سليمان بن أحمد، المُعجم الأوسط: ج8، ص93.
[572] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص301.
[573] المائدة: آية21-26.
[574] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج13، ص179.
[575] هُنا يُعلّق صاحب البحار على الأربعين سنة: «ولعلَّه× حَسَبَ الأربعين مِنْ زمان إظهار النَّبي خلافة أمير المؤمنين×، وإنكار المُنافقين ذلك بقلوبهم حتّى أظهروه َبعْدَ وفاته’». المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج13، ص180.
[576] المصدر نفسه.
[577] المصدر نفسه: ص181.
[578] الرعد: آية39.
[579] الرعد: آية11.
[580] النور: آية36.
[581] اُنظر: التفسير المنسوب للإمام العسكري: ص 260-261.
[582] قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله، قصص الأنبياء: ص175.
[583] البقرة: آية58-59.
[584] الأعراف: آية161-162.
[585] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص256. المجلسي، محمد تقي، روضة المُتقين: ج7، ص476.
[586] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص133. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج23، ص119.
[587] النور: آية36-37.
[588] السيوطي، جلال الدين، الدرّ المنثور: ج5، ص50.
[589] كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء: ص54.
[590] الحج: آية25.
[591] الزمخشري، محمود بن عمر، ربيع الأبرار: ج4، ص440.
[592] الحسني، عبد الكريم بن طاووس، فرحة الغري: ص105. وعنه: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج97، ص121.
[593] النراقي، أحمد، المعاد (كتاب فارسي طبع أخيراً) .
[594] اُنظر: الحكيم، محسن، المستمسك: ج5، ص519.
[595] النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى: ج5، ص215. المتقي الهندي، علي، كنز العمال: ج12، ص202.
[596] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص222. وعنه: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج98، ص60.
[597] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص487. وعنه: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج98، ص6.
[598] الحج: آية27.
[[599]][599] البقرة: آية125.
[600] آل عمران: آية97.
[601] الحج: آية45.
[602] الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج5، ص420.
[603] العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفُقهاء: ج1، ص402. العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، المُخْتلف: ج2، 879. اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الخلاف: ج3، ص189. ابن إدريس، محمد بن منصور، السرائر: ج1، ص644.
[604] الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة:ج11، ص24.
[605] النور: آية36.
[606] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص251. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج15، ص47.
[607] التوبة: آية19.
[608] التوبة: آية107-108.
[609] الأنفال: آية60.
[610] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج72، ص38.
[611] خطب أمير المؤمنين×، نهج البلاغة: ج4، ص57. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج72، ص97.
[612] ابن شهر آشوب، محمّد بن عليّ، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص224. الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج9، ص193. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص115.
[613] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج95، ص225.
[614] اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد: ص788. المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص514.
[615] الحديد: آية23.
[616] الطباطبائي، محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص77. الريشهري، محمّد، ميزان الحكمة: ج3، ص2353، كَمَا وَرَدَ في قصّة الحديبية وكذلك في قصة كتابه’ إلى خسرو برويز.
[617] الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجِّد: ص578.
[618] النمل: آية22.
[619] القمّي، جعفر بن محمّد، كامل الزيارات: ص157. الحلي، حسن بن سليمان، مختصر البصائر: ص6. باختلاف يسير.
[620] خُطَب أمير المؤمنين عليّ×، نهج البلاغة: ج1، ص182. الهلالي، سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس: ص256.
[621] النعماني، محمد، الغيبة: ص200. وقدْ نُقل نفس المضمون في روايات أُخرى مِنْ طرق الشيعة والسنّة، حَيْث نُقل في سنن أبي داود - وَهُوَ مِنْ مصادر السنّة- عنوان (الأحلاس) . اُنظر: أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود: ج2، ص305.
[622] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج47، ص274.
[623] الروم: آية60.
[624] الأنفال: آية60.
[625] النعماني، محمد، الغيبة: ص200.
[626] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص237. الحرّ العامليّ، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص217.
[627] الحرّ العامليّ، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص228.
[628] المفيد، محمّد بن محمّد، الأمالي: ص313. المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج15، ص131.
[629] النساء: آية128.
[630] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج72، ص38.
[631] الأنفال: آية60.
[632] الصدوق، محمّد بن عليّ، إكمال الدين: ص646.
[633] القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ج3، ص434، باب99، ح4.
[634] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص375. الطوسي، محمّد بن الحسن، الغيبة: ص446-443. إعلام الورى بأعلام الهدى، الفضل بن الحسن الطبرسي: ج2، ص284.
[635] الرعد: آية11.
[636] هذا المصطلح هو عبارة عن حروف يرمز بها إلى (الدولة الإسلامية في العراق والشام) .
[637] الصدوق، محمّد بن عليّ، مَن لا يحضره الفقيه: ج4، ص544.
[638] المقدسي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر: ص77.
[639] من المعروف بحسب النقول التأريخية أنّ البصرة تشمل الجنوب، والكوفة تشمل الفرات وبعض مناطق الوسط.
[640] الأنفال: آية60.
[641] البقرة: آية179.
[642] الأنفال: آية58.
[643] قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله، قصص الأنبياء: ص176، ح200.
[644] الحلي، ابن نما، ذوب النضار: ص97. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص365.
[645] المشهدي، محمّد بن جعفر، المزار: ص391. الكفعمي، إبراهيم بن عليّ، المصباح: ص551.
[646] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص465.
[647] المصدر نفسه.
[648] المصدر نفسه.
[649] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص69.
[650] المصدر نفسه: ج45، ص70.
[651] المفيد، محمد بن محمد، المزار: ص121. المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص391.
[652] الأنفال: آية60.
[653] المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين: ج12، ص158. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المغني: ج7، ص2.
[654] الأنفال: آية35.
[655] التوبة: آية28.
[656] العياشي، محمّد بن مسعود، تفسير العياشي: ج1، ص303.
[657] البقرة: آية58-59.
[658] الأعراف: آية161-162.
[659] الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج11، ص24.
[660] النور: آية36.
[661] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص251. الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج15، ص47.
[662] التوبة: آية19.
[663] التوبة: آية107-108.
[664] مريم: آية54.
[665] البقرة: آية179.
[666] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص224.


