العتبة الحسينيةمؤسسة وارث الأنبياء
مخطوطة العتبة الحسينيةمخطوطة وارث الأنبياء
عوامل تقويض الأنظمة الاستبدادية  دراسة في ضوء نصوص زيارات الإمام الحسين (عليه السلام) القسم الثاني

عوامل تقويض الأنظمة الاستبدادية دراسة في ضوء نصوص زيارات الإمام الحسين (عليه السلام) القسم الثاني

د. الشيخ أسعد علي السلمان - باحث إسلامي، مؤسّسة وارث الأنبياء للدراسات التخصّصية في النهضة الحسينية، العراق

خلاصة المقال

مقدّمة

إنّ ممارسة الظلم والاستبداد من قِبل الأنظمة السياسية من الظواهر التي مُنيت بها الحضارات البشرية منذ بدايتها وحتّى يومنا هذا، فهي وكما تقدّم منّا في القسم الأوّل بمثابة الداء الاجتماعي الذي ينخر في فعالية الحياة والمجتمع، فيجعل من الشعوب المستبَدّة عظاماً نخرة مطحونة وكيانات هشّة هزيلة لا تقوى على مواجهة مسؤولية التقدّم والتطوّر والانطلاق، تذوب إرادتها في إرادة المستبدّ، وتخضع إلى مشيئته، وترتهن بنزواته ومصالحه.

هذا؛ وفي مقام تحديد مقصودنا من مفردة الاستبداد، فقد أشرنا فيما تقدّم إلى أنّ الاستبداد والطغيان يشتركان في حيثية واحدة، فما هو جوهري في فعل الاستبداد (أي الانفراد) يتضمّن من دون أدنى شكّ معنى نفي الآخر، وعدم الاعتراف به مشاركاً في الحقّ العامّ، وحينها يحصل الاعتداد والاغتصاب والطغيان على الآخرين من قبل المستبِدّ.

وهذه الحيثية المشتركة بين المفهومين هي المنطلق في مقام بيان العوامل الكفيلة في تقويض الأنظمة الاستبدادية التي تتسلّط على رقاب الشعوب استناداً إلى ما نطقت به النصوص التي تكفّلت بربط الزائر للحضرة الحسينية المباركة في كربلاء بسيّده ومولاه الإمام أبي عبد الله الحسين×، الإمام الذي قاد نهضة الإصلاح والثورة على الطغاة والمستبدّين في عصره.

وبعد مطالعتنا لمجموع نصوص الزيارات فقد صنّفنا هذه العوامل إلى صنفين رئيسين، صنف يتّخذ أُسلوب المواجهة المباشرة مع المستبدّ الظالم، ويكون لوحده كفيلاً في تحريك الأُمّة باتّجاه تقويض سلطانه وكسر شوكته، وقد تكفّل القسم الأوّل من هذا المقال ببيان الموارد الداخلة تحت هذا الصنف بشكل مفصّل، التي هي:

إيقاظ حالة الرفض المستمرّة للأنظمة الاستبدادية والاستعداد للثورة ضدّها.

إحياء ثقافة طلب الثأر لدماء الشهداء.

إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 وصنف آخر من العوامل (غير المباشرة) يكمن دوره في تهيئة الأرضية المناسبة لإضعاف هذا المستبدّ وإزالته في نهاية المطاف بضميمة وسائط أُخرى. ونحن في هذا القسم الثاني من المقال سنعرض للقارئ الكريم مجموعةً من العوامل (غير المباشرة) الموجودة في نصوص زيارات المولى أبي عبد الله الحسين×، والتي هي على نحو الإجمال:

الإيمان بوجود قيادة حيّة ثائرة في صفوف الجماهير.

استشعار حالة المصيبة الناجمة عن الأعمال التعسّفية للحاكم المستبدّ.

إيجاد حالة الوعي لدى الجماهير ورفع الجهل عنهم.

ترسيخ مفهومي العزّة والشموخ لدى الناس.

إيجاد حالة من الغنى المعنوي وعدم الركون للمقدّرات المادّية التي في أيدي المستبدّين.

إضعاف المستبدّ من خلال إضعاف دور أعوانه وأتباعه في المجتمع.

العوامل غير المباشرة

العامل الأوّل: الإيمان بوجود قيادة حيّة ثائرة في صفوف الجماهير

إنّ وجود قيادة واعية مؤمنة بضرورة الثورة ضدّ الظلم ومستعدّة للتضحية دائماً، يُعدّ من الأُمور المهمّة التي يخاف منها المستبدّ؛ وذلك لكونها تشكّل تهديداً مباشراً له، فنراه يسارع دوماً إلى تصفية النخب الفاعلة في المجتمع خشيةً من التفاف الناس حولها.

إنّ الحركات الثورية التي تمتلك قيادة صالحة تكون نتائج حركاتها ذات ثمرات مؤثّرة، سواء كُتب لها النصر أم مُنيت بالهزيمة المادّية، بخلاف ذلك بالنسبة إلى الحركات الغوغائية، فهي لا يُكتب لها في الأعمّ الأغلب الفلاح والنجاح، وإن كُتب لها فإنّها قد تقع في نفس المستنقع الذي ثارت عليه، فتولّد أنظمة استبدادية فاسدة، والأنكى من ذلك أنّها قد تُفضي إلى الفتنة وإشاعة الفوضى بين الناس؛ ومن هنا كان من الضروري جدّاً وجود قيادة حكيمة متّصفة بالعلم والقدرة والأخلاق الحسنة والمحبوبية بين الناس[1].

طبعاً؛ هذا إذا لم يتأتَ تصدّي المعصوم× لذلك، وإلّا فإنّ القيادة تنحصر به دون غيره بحسب عقيدة أتباع مدرسة أهل البيت^؛ فإنّه هو الوحيد القادر على إيصال الفرد والمجتمع إلى تكامله المنشود[2]. قال تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [3].

هذا؛ وإنّنا عند مطالعتنا لنصوص زيارات المولى أبي عبد الله× نجدها مفعمة بالإشارة إلى حياة الإمام الحسين× بصفته قائد النهضة المعطاء التي قامت بوجه استبداد بني أُمية وجورهم، وكذلك مفعمة بالإشارة إلى حياة أصحابه البررة الذين التفوا حوله واستشهدوا في ركابه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على ضرورة أن تكون حياة القادة المصلحين السابقين حاضرة في وجدان الأُمم الساعية إلى التخلّص من أغلال العبودية التي وضعها بعض الحكّام في رقابهم؛ فإنّ الإيمان بحياة هؤلاء مدعاة لالتفاف أحرار هذه الأُمم حول مَن يُمثّل هؤلاء القادة من الشخصيّات المؤمنة والشجاعة، الأمر الذي يجعل الثورة ضدّ الاستبداد في نشاط دائم، ومضاجع المستبدّين في رعب مستمرّ.

وهذه النصوص عبارة عن:

ـ ما ورد في الزيارة السادسة: «وَأَشْهَدُ أَنَّكَ وَمَنْ قُتِلَ مَعَكَ شُهَداءُ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّكُمْ تُرْزَقُونَ»[4].

ـ وكذا ما ورد في زيارة النصف من شعبان: «أَشْهَدُ أَنَّكَ قُتِلْتَ وَلَمْ تَمُتْ، بَلْ بِرَجاءِ حَياتِكَ حَيِيَتْ قُلُوبُ شِيعَتِكَ، وَبِضِياءِ نُورِكَ اهْتَدى الطَّالِبُونَ إِلَيْكَ، وأَشْهَدُ أَنَّكَ نُورُ الله الَّذِي لَمْ يُطْفَأْ وَلا يُطْفَأْ أَبَداً، وأَنَّكَ وَجْهُ الله الّذِي لَمْ يُهْلَكْ وَلا يُهْلَكُ أَبَداً»[5].

ـ وكذا ما ورد في زيارة عرفة: «فَالنَّفْسُ غَيْرُ راضِيَةٍ بِفِراقِكَ، وَلا شاكَّةٍ فِي حَياتِكَ، صَلَواتُ الله عَلَيْكَ وَعَلى آبائِكَ وَأَبْنائِكَ»[6].

ـ وفي مورد زيارة أنصار المولى ورد في زيارة الأوّل من رجب: «أَشْهَدُ أَنَّكُمْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّكُمْ تُرْزَقُونَ»[7].

إنّ الإيمان بهذه الحياة يُعدّ صمام أمان لتنظيم أيّة حركة جماهيرية تسعى إلى إقامة دين الحقّ، ودفع الحيف عن الناس جرّاء الممارسات التعسّفية والقمعية التي يقوم بها النظام الاستبدادي، وعلى جميع المستويات. كيف لا؟ وأنّ حياة هذا القائد الفذّ قد حملت أهداف الإسلام السامية، هذه الأهداف التي تجلّت في كلماته لأخيه محمد بن الحنفية عند خروجه من مكّة: «وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب’»[8]. فإنّ سياسة أهل البيت^ ومنهم الإمام الحسين× على وجه الخصوص هي الممثّل لوجهة الإسلام في جميع مجالاته السياسية في حماية الإنسان من الظلم والاعتداء، وصيانته من العبودية والاستغلال، وإيجاد مجتمع ليس فيه معوز أو فقير أو مظلوم[9].

العامل الثاني: استشعار حالة المصيبة الناجمة عن الأعمال التعسّفية للحاكم المستبدّ

إنّ وجود البلاء والمحن من أقدم الظواهر في الحياة البشرية، فوجودها مرتبط بوجود الإنسان، فهذا أبو البشر آدم× قد وقع في محنة عبّر عنها القرآن الكريم بالفتنة (ابتلاء)، حيث قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)[10]. ثمّ تتابعت المحن والابتلاءات في بنيه:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)[11].

وكذا تتابعت في سائر الأُمم التي سبقت الأُمّة الإسلامية، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)[12].

والأُمّة الإسلامية هي الأُخرى لم تكن بمنأى عن هذه السنّة، فمواجهة الصعاب والمشاقّ وتحمّلها كان هو الجزء الآخر المتمّم المقتضي لدخولهم للجنّة، حيث قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[13]. «فإنّ الآية أعلاه تحكي إحدى السنن الإلهية في الأقوام البشرية جميعاً، وتنذر المؤمنين في جميع الأزمنة والأعصار أنّهم ينبغي عليهم لنيل النصر والتوفيق والمواهب الأُخروية أن يتقبّلوا الصعوبات والمشاكل، ويبذلوا التضحيات في هذا السبيل. وفي الحقيقة إنّ هذه المشاكل والصعوبات ما هي إلّا امتحان وتربية للمؤمنين ولتمييز المؤمن الحقيقي عن المتظاهر بالإيمان‏»[14].

هذا؛ وأنّ من أشدّ أنواع البلاء هو تسلّط المفسدين على رقاب الناس وتحكّمهم بمصائر الشعوب؛ فإنّ هذا النوع تكون له آثار مخرِّبة في المجتمع، من قبيل: القتل، والاستعباد، وهتك الأعراض. قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)[15].

تزداد هذه الآثار شدّةً ويكون لها في النفس أكثر وقعاً كلّما كان المجني عليهم على درجة عالية من الأهمّية في المجتمع، أي كانوا من النخب الفكرية والدينية والقيادية المؤثّرة، وتزداد أكثر فيما إذا كان ضحيّة الاستبداد مَن يحمل هذه السمات الثلاث جميعها، ويكون حجّة الله على خلقه، فألا يجدر بالمؤمنين أن يحزنوا من أجل هؤلاء ويكونوا في عزاء كلّما تجدّدت ذكرى فقدهم؟! فإنّ في ذلك مواساة لنبيّهم| الذي اشتهر عنه قوله: «ما أُوذي نبيّ مثل ما أوذيت»[16]؛ فإنّه من المؤكّد أنّ الأذية التي لحقت بأهل بيته^ هي من أبرز مصاديق أذيّته|؛ وذلك لأنّه يراها رأي العين، ويتحمّلها قبل وجودها[17].

ونظراً لكون المصيبة التي حلّت بأهل البيت^ في واقعة عاشوراء هي من أعظم المصائب؛ فإنّه «لا يوم كيومك يا أبا عبد الله»[18]، فإنّ استشعارها وإظهار حالة الجزع عليها لهو من الأُمور المندوبة التي أكّدتها الروايات الكثيرة عن المعصومين^، فقد رُوي «أنّه لما أخبر النبيّ| ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين وما يجري عليه من المحن، بكت فاطمة بكاءً شديداً، وقالت: يا أبتِ، متى يكون ذلك؟ قال: في زمان خالٍ منّي ومنك ومن علي، فاشتدّ بكاؤها، وقالت: يا أبتِ، فمَن يبكي عليه؟ ومَن يلتزم بإقامة العزاء له؟ فقال النبي: يا فاطمة، إنّ نساء أُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجدّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلّ سنة، فإذا كان القيامة تشفعين أنتِ للنساء وأنا أشفع للرجال، وكلّ مَن بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة...»[19] الحديث. مضافاً إلى أحاديث أُخرى كثيرة مروية من طرق الفريقين[20].

إنّ استشعار هذه المصيبة العظمى التي جرت في واقعة كربلاء علاوةً على ما تقدّم هو من المحاور المهمّة التي تمّ التركيز عليها كثيراً في نصوص زيارات المولى أبي عبد الله×؛ سعياً منها إلى ترسيخ هذه الحالة في نفوس الناس وجعلها من حالات التواصل العاطفي بين الأجيال المتعاقبة وبين الأحداث الأليمة التي حدثت في يوم عاشوراء، وهذه النصوص لكثرتها نجدها قد توزّعت على عدّة مضامين:

أحدها: يُحدّد الحالة التي يكون عليها الزائر في اللحظات الأُولى التي يلتقي بها الزائر بمزوره، أو يُخاطبه عن بُعد، وهي لحظة التحية والسلام، فالزائر وهو يلقي التحية على الإمام المعصوم× نجده في مقاطع من جملة الزيارة يُناديه بالقتيل أو بالشهيد، وهذه المفردة عندما تُذكر فإنّها تتلازم مع الحيف والجور الذي وقع على هذا الشخص. ومن هذه المقاطع التي تفرز حالة الألم واللوعة التي يعيشها الزائر في لحظات اللقاء الأُولى، ما نقرأه في:

إحدى زيارات الإمام الحسين×: «السَّلامُ عَلَيْكَ يا قَتِيلَ الله وَابْنَ قَتِيلِهِ»[21].

وكذا ورد: «السَّلامُ عَلَيْكَ يا شَهَيدَ ابْنَ الشَّهِيدِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا قَتِيلَ ابْنَ القَتِيلِ»[22].

وزيارته× في يوم عرفة كذلك: «السَّلامُ عَلَيْكَ يا صَرِيعَ العَبْرَةِ السَّاكِبَةِ، وَقَرِينَ المُصِيبَةِ الرَّاتِبَةِ»[23].

إلى غير ذلك من الزيارات[24].

وثانيها: ما ينطلق بالزائر إلى آفاق أعمق، فالمصيبة التي حلّت بالإمام الحسين× ليست مصيبة عادية، كأن تكون حادثة قتل نجمت عن صراع دنيوي أو عصبية قبلية، وإنّما هي مصيبة عظيمة جدّاً، غاب فيها جانب النفع الشخصي للمضحّين، وحصلت على تضامن نوعي من قِبل جميع مَن يسمع بها[25]؛ وذلك لما تمثّله من كونها تضحية عن دين الناس عقيدةً وعملاً. ومن هذه النصوص ما ورد في:

زيارة وارث: «بَأَبِي أَنْتَ وَاُمِّي يا بْنَ رَسُولِ الله، بِأَبِي أَنْتَ وَاُمِّي يا أبا عَبْدِ الله، لَقَدْ عَظُمَتْ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتِ المُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلى جَمِيعِ أَهْلِ السَّماواتِ وَالأَرض»[26].

وزيارة أُخرى أيضاً: «يا أبا عَبْدِ الله، لَقَدْ عَظُمَتِ المُصِيبَةُ وَجَلَّتِ الرَّزِيَّةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلى جَمِيعِ أَهْلِ الإسْلامِ»[27].

وكذا ورد المعنى نفسه لكن بتعظيم أشدّ في زيارة عاشوراء: «يا أَبا عَبْدِ الله، لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلّتْ وَعَظُمَتِ المُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلى جَمِيعِ أَهْلِ الإسْلامِ، وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّماواتِ عَلى جَمِيعِ أَهْلِ السَّماواتِ»[28].

وثالثها: ما يربط بين هول المصيبة التي وقعت على الإمام الحسين× ومن معه، وبين الظلم الذي وقع على أهل بيت الرسالة؛ نتيجة الممارسات البشعة لذلك الجيش الجرّار الذي يتألّف من مجموعة حاقدين على أفراد هذا البيت الطاهر، يُكثّر سوادهم مجموعة جبناء ساكتين يلهثون وراء هذا العرض الزائف من الدنيا، هذا الجيش الذي كان مأموراً من قِبل طغمة ظالمة أدّى بها استبدادها واستئثارها بالحكم إلى إبعاد أهل البيت^ عن مقامهم الذي خصّهم الله} به، ودفعهم عن مراتبهم وحقّهم في قيادة هذه الأُمّة وصولاً إلى تحقيق العدالة الإلهية.

ومن هنا؛ فهذه النصوص في مقام إحياء قلوب المظلومين باستشعار هول ما عاناه أهل البيت من حكّام الجور في زمانهم؛ لتكون هذه القلوب متهيّئة لمواجهة المستبدّين الظالمين في كلّ زمان ومكان؛ بسبب تكرار صور المآسي في حكم هؤلاء، وتجدّد المصائب على أيديهم. ومن هذه النصوص ما يقرأه الزائر في:

زيارة الأوّل من رجب: «يا أبا عَبْدِ الله، لَقَدْ عَظُمَتِ المُصِيبَةُ وَجَلَّتِ الرَّزِيَّةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلى جَمِيعِ أَهْلِ الإسْلامِ، فَلَعَنَ الله اُمَّةً أَسَّستْ أَساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ، وَلَعَنَ الله اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ، وَأَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ التِي رَتَّبَكُمْ الله فِيها»[29].

زيارته× يوم الأربعين: «وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا، وَباعَ حَظَّهُ بِالاَرْذَلِ الأدْنى، وَشَرى آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الاَوْكَسِ، وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّى فِي هَواهُ، وَأَسْخَطَكَ وَأَسْخَطَ نَبِيَّكَ، وَأَطاعَ مِنْ عِبادِكَ أَهْلَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ وَحَمَلَةَ الاَوْزارِ المُسْتَوْجِبِينَ النَّار»[30].

هذا؛ وأنّ الاستشعار الدائم للمصائب والرزايا نتيجة ممارسات الحكّام المستبدّين، يُعدّ من مصاديق الجهر بالسوء الذي أجازه القرآن في حالة وقوع الظلم، حيث قال تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا)[31]. فالآية بعد أن ألقت الضوء على حذر الشرع الإسلامي من تعوّد الألسنة على الجهر بالسوء، وإفشاء كوامنه في المجتمع، الأمر الذي يؤدّي بدوره إلى تعويد النفس على اقتراف الموبقات وحصول الانحلال المجتمعي، والفوضة الخلقية بما لاكته الألسن الهرجة المرجة دون تحرّج[32]؛ نجدها تستثني حالة معينة، وهي: (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)، ومن المعلوم أنّ جواز الحديث بمساوئ الظالم يكون ذا هدف شريف، وهو الضرب على يد الظالم والاستعانة بالناس ضدّه[33]؛ فإنّ دم الشهيد «أمر مؤلم مفجع... يتحوّل في نفوس الأفراد إلى سخط على الذين ثار الشهيد بوجههم»[34].

وهذا بالفعل ما يحصل عليه الزائر من تلاوته للنصوص المباركة لزيارات المولى أبي عبد الله×، خصوصاً لما نشاهده من المحبوبية الشديدة لاستذكار هذا النحو الثالث من أنحاء استشعار المصيبة، حيث ألحّت بعض الزيارات على تكرار المقطع الذي من هذا القبيل مئة مرّة، وذلك كما ورد في نصّ زيارة عاشوراء: «ثمّ تقول مئة مرّة: اللّهُمَّ العَنْ أَوَّلَ ظالِمٍ ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَآخِرَ تابِعٍ لَهُ عَلى ذلِكَ، اللّهُمَّ العَنْ العِصابَةَ الَّتِي جاهَدَتِ الحُسَيْنَ وَشايَعَتْ وَبايَعَتْ وَتابَعَتْ عَلى قَتْلِهِ، اللّهُمَّ العَنْهُمْ جَميعاً»[35].

العامل الثالث: إيجاد حالة الوعي لدى الجماهير ورفع الجهل عنهم

أثناء حديثنا في القسم الأوّل من هذا المقال ـ عن العوامل المساعدة لنشأة الأنظمة الاستبدادية ـ بيّنا وجود علاقة سبب ونتيجة متبادلة بين هذا النحو من السلطات الحاكمة، وبين انعدام الوعي وحالة الجهل التي تُصاب بهما الشعوب الواقعة تحت قهرها واستبدادها؛ ونتيجة لذلك نجد هذه الحكومات لا تحترم العلم ولا العلماء، وتسعى جاهدةً إلى حصر إمكانية التطوّر العلمي بالفئات الموالية لها، أو لا أقلّ الفئات التي لا تشكّل أيّ تهديدٍ لها، بل أكثر من ذلك فإنّ هذه الحكومات تحاول فرض نوع من الهيمنة العلمية لنفسها، قال تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)[36]. إنّ الطواغيت والجبابرة على طول التاريخ البشري «يعتبرون كلامهم الحقّ دون غيره، ولا يسمحون لأحد في إبداء وجهة نظر مخالفة لما يقولون، فهم يظنّون أنّ عقلهم كامل، وأنّ الآخرين لا يملكون علماً ولا عقلاً»[37].

والمثال الآخر هو ما كانت تفعله الكنيسة إبّان حكمها الاستبدادي في أُوروبا من قتل العلماء الذين كانت توصلهم نتائج أبحاثهم إلى حقائق علمية تُخالف توجّهات أصحاب هذه المؤسّسة المستبدّة الظالمة.

هذا؛ ويُعّد الوعي السياسي من أهمّ المجالات ذات الصلة بمسألة الحكم؛ فإنّ التجارب أثبتت أنّ عدم امتلاك هذا النحو من الوعي يجرّ الويلات على الأُمم، ويجعلها لقمة سائغة بأيدي الطغاة والمستغلّين؛ ومن هنا فالإنسان وهو يعيش في خضم هذه الحياة ينبغي له أن يكون عارفاً بما يجري حوله من عوامل تحرّك الأشخاص والمجتمعات، وتكون سبباً رئيساً وراء كلّ الأحداث التي تصنع الصراعات، وتُحدّد شكل الحكومات[38]؛ فقد ورد في وصايا أبي ذرّ الغفاري أنّ النبي الأكرم| قال: «على العاقل أن يكون بصيراً بزمانه...»[39]الحديث.

وورد أيضاً عن أمير المؤمنين× في جملة وصاياه لكميل بن زياد أنّه قال: «يا كميل، ما من حركة إلّا وأنت محتاج فيها إلى معرفة»[40].

إنّ الناظر لعموم نصوص زيارات الأئمّة المعصومين^ يجد أنّها مدرسة فكرية تربوية، سواء في مجال العقيدة، أم في مجال الشريعة والأخلاق، فكما أنّ أحد أدوار الأنبياء^ في مجتمعاتهم هو أن «يُثيروا لهم دَفائِنَ العُقُول»[41]، فإنّ رسالة الأئمّة^ كانت قد أدّت هذا الدور بأحسن وجه، سواء في حياتهم المباركة، أم بعد استشهادهم من خلال مضامين الزيارات التي تُتلى في مشاهدهم الشريفة.

إذاً؛ فنصوص زيارات الإمام الحسين× التي نحن بصدد الحديث عنها هي عبارة عن سلسلة دروس منبثقة من رحم نهضته× المباركة، وظيفتها خلق وعي جمعي[42] يُبصر من خلاله الزائر حقيقة العقيدة الإسلامية الناصعة، وضرورة التمسّك بعرى الشريعة المحمّدية، سواء على مستوى إقامة الصلاة، أم إيتاء الزكاة، أم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أم غير ذلك، ويُبصر من خلاله أيضاً قبح الظلم بمناشئه المتعدّدة، التي من ضمنها ما تُمارسه الحكومات المستبدّة بحقّ رعاياها، فيكون هذا الوعي الجمعي حينئذٍ بمثابة أرضية كافية تجعل من أفراد المجتمع مستعدّين دوماً للدفاع عن الدين، والثورة ضدّ الظالمين والمستبدّين.     

فقد ورد في الزيارة الثانية عبارة: «أَشْهَدُ أَنَّكَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ»[43]، أي على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه.

وورد في زيارة وارث قول الزائر: «وَأُشْهِدُ الله وَمَلائِكَتَهُ وَأَنْبِيائَهُ وَرُسُلَهُ أَنِّي بِكُمْ مُوْمِنٌ، وَبِإِيّابِكُمْ مُوقِنٌ، بِشَرايِعِ دِينِي، وَخَواتِيمِ عَمَلِي»[44]. فهذا النصّ الوارد في زيارة وارث المشهورة التي يُزار بها× ليلاً ونهاراً من قِبل مختلف طبقات الناس، يخلق جوّاً ثقافياً يحثّ الزائر وهو يقف في حضرة مولاه الإمام الحسين× على أن يكون على معرفة تامّة (يقين) بما فرضه الله على عباده من أحكام تُنظّم سلوكيّاتهم في مجالات متعدّدة، من ضمنها نبذ الظلم، والسعي إلى إشاعة العدل بين الناس.

وورد في زيارة الأوّل من رجب: «السَّلامُ عَلَيْكَ يا بابَ حِكْمَةِ رَبِّ العالَمِينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بابَ حِطَّةٍ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كانَ مِنَ الآمِنِينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا عَيْبَةَ عِلْمِ اللهِ»[45].

وورد في زيارة النصف من رجب: «السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عِلْمِ الأَنْبِياءِ وَرَحمَةُ الله وَبَرَكاتُه»[46].

فالحضور المتكرّر عند المزور الذي يتّصف بكونه عيبة علم الله ووارث علم الأنبياء، هل يُناسب بقاء الزائر على جهله وعدم وعيه بقضاياه الدينية والحياتية؟ ألا يجدر به أن يكون عارفاً ومطّلعاً على أهداف وتطلّعات النهضة التي سعى إلى تحقيقها الإمام×؟ خصوصاً وأنّ الروايات الكثيرة نصّت على أن يكون الزائر للإمام الحسين× كما هو الحال في زيارة سائر الأئمّة^ عارفاً بحقّه×، فقد روى ابن قولويه عن الإمام الكاظم× قوله: «مَن زار الحسين× عارفاً بحقّه غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر»[47].

هذا؛ وقد عرّف البعض المعرفة[48] بأنّها عبارة عن إدراك الجزئيّات، وهي على أنحاء ثلاثة: يقف فيها العارف على مجموعة صفات سلبية للشيء المعرَّف، وجمالية يتوصّل فيها العارف إلى معرفة ذلك الشيء بصفاته ومميّزاته، وكمالية يقف فيها العارف على حقيقة وكنه الشيء والإحاطة.

ومن المعلوم أنّ الإحاطة بحقيقة المعصوم× منحصرة بالله تعالى ورسوله الكريم|، فقد ورد عنه| أنّه قال: «يا علي، ما عرف الله إلّا أنا وأنت، وما عرفني إلّا الله وأنت، وما عرفك إلّا الله وأنا»[49]. وبالتالي تكون حينها معرفتنا بالأئمّة^ هي معرفة جمالية لا كمالية[50]، أي من نوع المعرفة بالصفات والخصائص والمميّزات ونحو ذلك.

ونتيجة ذلك أنّ الزائر التالي لنصوص الزيارة الشريفة لا غنى له عن المعرفة بالنهضة الحسينية على مستوى الأسباب والوظائف والغايات والمخرجات، فضلاً عن المعرفة العامّة بأدوار أهل البيت عليهم السلام على المستوى العامّ.

أمّا المعرفة ببعض أسباب النهضة الحسينية، فنجدها في قول الزائر: «وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا، وَباعَ حَظَّهُ بِالاَرْذَلِ الاَدْنى، وَشَرى آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الاَوْكَسِ، وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّى فِي هَواهُ، وَأَسْخَطَكَ وَأَسْخَطَ نَبِيَّكَ، وَأَطاعَ مِنْ عِبادِكَ أَهْلَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ، وَحَمَلَةَ الاَوْزارِ المُسْتَوْجِبِينَ النَّار، فَجاهَدَهُمْ فِيكَ صابِراً مُحْتَسِباً...» [51]. فتغطرس الطرف المقابل وفسقه هو أحد الأسباب المهمّة التي بيّنها× عندما رفض البيعة ليزيد وقرّر النهوض ضدّه، فهو× القائل: «يزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يُبايع مثله»[52].

وأمّا المعرفة ببعض الوظائف التي قام بها× في نهضته المباركة، فنجدها في قول الزائر: «وَأَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَنَصَحْتَ وَوَفَيْتَ وَأَوْفَيْتَ وَجاهَدْتَ فِي سَبِيلِ الله»[53].

وكذلك قول الزائر: «أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ حَلَّلْتَ حَلالَ الله وَحَرَّمْتَ حَرامَ الله، وَأَقَمْتَ الصَّلاةَ وَآتَيْتَ الزَّكاةَ، وَأَمَرْتَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ، وَدَعَوْتَ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ»[54].

وأمّا المعرفة بالغايات التي كان يتوخّاها×، فنجد أنّ أسمى الغايات التي كانت وراء حركة جميع الأنبياء والمرسلين والأوصياء (وهي هداية الناس)، لم تغب عن هذه النهضة المعطاء له×، وهذا ما نجده في قول الزائر: «أشْهَدُ أَنَّكَ قُتِلْتَ وَلَمْ تَمُتْ، بَلْ بِرَجاءِ حَياتِكَ حَيِيَتْ قُلُوبُ شِيعَتِكَ، وَبِضِياءِ نُورِكَ اهْتَدى الطَّالِبُونَ إِلَيْكَ»[55].

وقول الزائر أيضاً: «فَأَعْذَرَ فِي الدُّعاءِ، وَمَنَحَ النُّصْحَ وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ؛ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَة»[56].

وأخيراً ما نجده من توجيه الوعي الإنساني إلى المخرجات المنبثقة من حركته المباركة، وهو ما نراه في تعهّد الزائر بعدم الوقوف على مسافة واحدة فيما يجري حوله من ممارسات مستبدّة ظالمة، وإنّما عليه رفض الظلم مهما كان منشؤه؛ حيث ورد في الزيارة قول الزائر: «أَتَيْتُكَ يا مَوْلايَ يا بْنَ رَسُولِ الله، زائِراً عارِفاً بِحَقِّكَ، مُوالِياً لاَوْلِيائِكَ مُعادِياً لاَعْدائِكَ، مُسْتَبْصِراً بِالهُدى الَّذِي أَنْتَ عَلَيهِ، عارِفاً بِضَلالَةِ مَنْ خالَفَكَ، فَاشْفَعْ لِي عِنْدَ رَبِّكَ»[57].

وهذه المعرفة يعدّها الزائر من الكرامة الإلهية التي تجعله مؤهلّاً لأن يدعو الله بأن يكون مع أهل البيت^ في الدنيا بالسير على نهجهم، وفي الآخرة بالفوز بالجنّة والرضوان معهم، فيقول في هذا الصدد: «فَأَسْأَلُ الله الَّذِي أَكْرَمَنِي بِمَعْرِفَتِكُمْ وَمَعْرِفَةِ أَوْلِيائِكُمْ، وَرَزَقَنِي البَرائةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ، أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرةِ، وَأَنْ يُثَبِّتَ لِي عِنْدَكُمْ قَدَمَ صِدْقٍ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ»[58].

وبناءً على جميع ما تقدّم، يتّضح لنا دور نصوص زيارات الإمام الحسين× في إثراء الوعي الإنساني بالمحاور الأساسية للنهضة الحسينية، هذا الوعي المفضي إلى جعل أيّة سلطة استبدادية ظالمة مهدّدة بالثورة ضدّها مع توفّر الشروط اللازمة لذلك.

العامل الرابع: ترسيخ مفهومي العزّة والشموخ لدى الناس

إنّ صفة الخنوع والخضوع واحتقار الذات هي من الأُمور المهمّة التي يسعى المستبدّون دوماً إلى زرعها في نفوس الشعوب التي يسيطرون عليها، فهذه الصفات مع إشاعتها في المجتمع، فإنّها تؤدّي من دون أدنى شكّ إلى تدمير حالة الثقة بالنفس لدى الناس أفراداً وجماعات، وتخدير إرادتهم في التغيير، وبالتالي فسوف يتحقّق للمستبدّين المزيد من التأثير والسلطة، وبدلاً من أن تكون الشعوب في مقاومة ومعارضة لممارسات هؤلاء، نجدها تكون مصدر قوّة ودعم لهم، بل أكثر من ذلك؛ فإنّه مع تفاقم هذه الحالة في النفوس نجد أنّ هؤلاء المقهورين يصفّقون للطغاة حتّى في حال تصفيتهم للأُباة الرافضين للظلم والضيم، وهذه الظاهرة قد تصل إلى مرض نفسي يُعبّر عنه بمتلازمة ستوكهولم، التي هي عبارة عن: «ظاهرة نفسية تُصيب الفرد عندما يتعاطف مع عدوّه، أو مع أيّ شخص قد أساء إليه بأيّ شكل من الأشكال»[59].

والقرآن الكريم لم يقف ساكتاً أمام هذه السلبية الاجتماعية ، فقد ردع عنها في آياته ولم يعذر هؤلاء الخانعين الموالين للظلمة على حساب معتقداتهم ونواميسهم وحرّيّتهم، فهو في بعض آياته وإن وصفهم بالمستضعفين إلّا أنّه جعلهم مع الطغاة والمستكبرين في صفة واحدة وهي الظلم؛ حيث قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)[60]... إلى آخر المحاورة بين المستضعفين والمستكبرين التي اقتصرنا فيها على محلّ الشاهد.

كما أنّه} في محلّ آخر يصف الذين يقومون بهذه التصرّفات بالقوم الفاسقين؛ حيث ورد في بعض مجريات قصّة فرعون قوله تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)[61].

وفي الجانب الآخر، ومن أجل الحدّ من شيوع هذه الظاهرة في المجتمع، نجد أنّ الإسلام يربّي أتباعه وأبناءه ومَن يدينون به، بأن يكونوا أعزّاء، أُباة، لا يقبلون الضيم، ولا يرضون بالظلم، قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)[62]. وقال أيضاً: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[63].

فالعزّة هي موهبة ربّانية يمنحها الله تعالى للسائرين على خطى شرعه المقدّس، والمدافعين عن مبادئه وتعاليمه، سواء كُتب لهم النصر والغلبة على أعدائهم مادّياً ومعنوياً، أم تمّت لهم الغلبة المعنوية فقط، بينما حُجب عنهم النصر المادّي بحسب المقاييس العسكرية؛ فهؤلاء الأُباة يبقون مشعلاً نيّراً يُضيء للأُمّة دربها، ومنبع عزّة وشموخ تأخذ منه الشعوب المستضعفة عوامل قوّتها من أجل الوقوف بوجه الظلم والاستبداد في أيّ زمان ومكان.

ومن هنا؛ نجد أنّ مفهوم العزّة والشموخ قد تجلّى بأبهى صورة في النهضة الحسينية المباركة، كيف لا؟ وقد كانت منذ لحظات انطلاقها الأُولى حركة ساعية إلى تقويم مسار المجتمع الإسلامي، بدايةً بهرم السلطة وانتهاءً بالقاعدة الشعبية التي غابت فيها الحرقة على الدين، فهو× القائل في مقام تشخيص فساد رأس السلطة: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام؛ إذ قد بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد»[64].

وأمّا تصحيح مسار الأُمّة فقد أشار× إليه بقوله: «... وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»[65]. وقوله× أيضاً عند نزوله أرض كربلاء مخاطباً أصحابه: «الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون»[66].

فهذه المفاهيم الدينية السامية التي سعى الإمام× إلى تحقيقها من خلال التضحية بنفسه المباركة ونفوس أصحابه وأهل بيته، من المؤكّد أنّها تجعل هذه الحركة إلهيةً بامتياز، تستلهم أروع معاني العزّة والشموخ الإلهيين، خصوصاً مع ملاحظة ذوبان قائدها× في ذات الله تعالى، فهو المنسوب إليه أو قيل بأنّه لسان حاله ظهر يوم العاشر من المحرّم:[67]

تركت الخلق طراً في هواكا

وأيتمت العيال لكي أراكا

فلو قطّعتني في الحبّ إرباً

لما حنّ الفؤاد إلى سواكا(1)

وكيف لا يكون حاله× كذلك وهو القائل في دعاء عرفة مخاطباً ربّ العالمين: «عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقِيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَل لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيباً»[68]؟!

ونظراً لكون الزيارات هي استمرار للانتهال من معين هذه النهضة المعطاء؛ لذا فهي نصوصاً وحضوراً جسدياً، تسعى إلى جعل نفوس المؤمنين نفوساً عزيزة آبية لكلّ صور الظلم والاستبداد، ففي مجال النصوص التي هي محور بحثنا فإنّنا نجد أن بعضها يُلقّن الزائر طلب المعيّة مع مَن ضحّى في يوم عاشوراء، وبالتالي كسب العزّة التي نالها هؤلاء بسبب تضحيتهم واستبسالهم، فقد ورد عند زيارة الشهداء في الزيارة الأُولى له×: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فُزْتُمْ وَالله، فُزْتُمْ وَالله، فُزْتُمْ وَالله، فَلَيْتَ أَنِّي مَعَكُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً»[69].

وورد أيضاً في زيارة أُخرى له×: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَكُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً»[70].

أمّا المقاطع التي تُحيي حالة العزّة في النفوس بشكل مباشر، فيمكن أن نطالع منها على سبيل المثال:

قول الزائر: «وَبِكُمْ يَفُكُّ الذُّلَّ مِنْ رِقابِنا»[71].

وقوله أيضاً في زيارة النصف من شعبان: «وأَشْهَدُ أَنَّ هذِهِ التُّرْبَةَ تُرْبَتُكَ، وَهذا الحَرَمَ حَرَمُكَ، وَهذا المَصْرَعَ مَصْرَعُ بَدَنِكَ، لا ذَلِيلَ وَالله مُعِزُّكَ، وَلا مَغْلُوبَ وَالله ناصِرُكَ»[72].

وقوله كذلك في زيارة عاشوراء: «فَأَسْأل الله الَّذِي أَكْرَمَ مَقامَكَ وَأَكْرَمَنِي»[73]، فـ«الإكرام: الإعظام والإعزاز، أكرم مقامك أي بالشهادة الكلّية، وأكرمني بك أي بمعرفتك ومحبّتك وتصديقك»[74].

وورد أيضاً في الزيارة ذاتها قول الزائر: «اللّهُمَّ اجْعَلْنِي عِنْدَكَ وَجِيها بِالحُسَيْنِ×»[75]. إنّ الوجيه بحسب ما جاء في شرح هذه الزيارة هو: «ذو الجاه والعِزّ، قال في النهاية: وفي حديث عائشة: «وكان لعلي× وجه من الناس حياة فاطمة»، أي جاه وعِزّ، فقدهما بعدها»[76].

إنّ العزّة والكرامة هي الهدف المهمّ الذي تناله سهام المفسدين ومنهم المستبدّون لتحطيمه في المجتمع، وهذا بالفعل ما ورد في قوله تعالى حكايةً عن لسان بلقيس ملكة سبأ وهي تحاور الملأ من قومها: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)[77]، خصوصاً إذا تأمّلنا في ذيل الآية:(وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)نجده شاهداً صريحاً على تأييد القرآن لمقالتها.

إذاً؛ فما تفعله نصوص زياراته× من إحياء مبدأ العزّة والشموخ في نفوس الناس هو في الحقيقة زرع لبذرة المواجهة بينهم وبين السلطات الاستبدادية؛ وذلك لأنّهم سوف يكونون مع هذا المبدأ أرضية غير خصبة لاستمرارية أيّة حكومة مستبدّة ظالمة عليهم، رافضين وبشدّة لظاهرة التماهي المفترض تحقّقها بين الإنسان المقهور وسلطة الاستبداد.

العامل الخامس: إيجاد حالة من الغنى المعنوي وعدم الركون للمقدّرات المادّية التي في أيدي المستبدّين

عندما تحدّثنا في القسم الأوّل من هذا المقال عن عوامل نشوء الأنظمة الاستبدادية كان من بين تلك العوامل أنّ المستبدّين تكون في أيديهم المقدّرات المادّية للبلد، ونتيجة التقسيم غير العادل لما تحت أيديهم من أموال، نراهم يُنشئون مجتمعاً طبقياً يحظى فيه المتملّقون بشيء من العطاء والرفاهية، وذلك على حساب الفئة الكبيرة من شرائح الشعب التي تعيش حالة الفقر والفاقة، وتبقى تنتظر مايسقط لها من فتات موائد أُولئك الظلمة، ممّا يفقدها روح المقاومة، ويجعلها ترى أنّ الحلّ الوحيد أمامها هو الاستحذاء للظالم، أو التملّق له والتفاني في طاعته[78].

فـ«الخاضعون للاستبداد لديهم شعور بالخوف وشعور بالوحدة؛ لذلك يلجؤون إلى صنع مستبدّ ليحتموا به، ويسيروا خلفه، ويعتبرونه أباً لهم يسلّمون له قيادتهم وإرادتهم، ويتخلّصون من أيّة مسؤولية تُناط بهم، فالمستبدّ قادر على فعل كلّ شيء في نظرهم، وفي مقابل ذلك يتحمّلون تحكّمه وقهره وإذلاله، ويستمتعون بذلك أحياناً»[79].

ونحن إذا طالعنا الآيات القرآنية وجدنا أنّها فيما يرتبط بموضوع بحثنا بيّنت في البداية أنّ الثراء إذا كان أزيد من الحدّ المناسب لحال كلّ فرد بحسب العلم الإلهي، فإنّه يكون مدعاةً لحصول البغي الذي يكون ملازماً دائماً بحسب العرف والعادة للنظم الاستبدادية، قال تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)[80]. وقال تعالى أيضاً في محلّ آخر: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)[81].

ولعمري، أنّ هذا الأمر من الأُمور البيّنة غير المفارقة للواقع الخارجي في الحياة الإنسانية، «فالبحث في أحوال الناس يدلّ على هذه الحقيقة الصادقة، وأنّه عندما تُقبِل الدنيا عليهم ويعيشون في رفاهية وسعة، ينسون الخالق ويبتعدون عنه ويغرقون في بحر الشهوات، ويفعلون ما لا ينبغي فعله، ويشيعون الظلم والجور والفساد في الأرض»[82].‏

ومن هنا؛ يأتي القرآن في سياق الآية الأُولى ليُذكّر الناس سواء كانوا حكّاماً أم محكومين، بأنّ الملك والقدرة بيده سبحانه، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ)[83]. فيا أيّها الحاكم الباغي، أنت ما زلت ضعيفاً أمام هذه القدرة والملك، ويا أيّها المحكوم، أنت لا سبيل لك للخلاص من قيود الاستبداد إلّا بالارتباط بالله تعالى والسير على نهجه لتحصيل الغنى الحقيقي والاستقلال المعنوي عنه، قال الإمام الحسين× في بعض كلماته: «إنّ العِزّ والغنى خرجا يجولان، فلقيا التوكّل فاستوطنا»[84].

إنّ الملازمة بين هذه الأُمور الثلاثة (العزّ، الغنى، التوكّل على الله) أدلّ دليل على أنّ الغنى الحقيقي هو الغنى المعنوي الذي يتلبّس به الإنسان حتّى في حال كونه فقيراً من الناحية المادّية، فمع الاتّكال على حسن اختيار الله، لا يرى المؤمن في غير ما اختاره الله رغبةً في نفسه؛ وقد روى التستري في هذا الصدد بأنّه: «قيل للحسين×: إنّ أبا ذرّ يقول: الفقر أحبّ إليّ من الغنى، والسقم أحبّ إليّ من الصحّة. فقال×: رَحِمَ الله تعالى أبا ذرّ، أَمّا أنا فأَقول: مَن اتّكل على حسن اختيار الله تعالى له لم يتمنّ غير ما اختاره الله} له»[85]. ومع هذا الغنى المعنوي تتحقّق العزّة وعدم الرضوخ لغير سلطة الله تعالى.

وهذا المنطق الذي عاشه الإمام× في وجدانه، وكان سلوىً له في حركته الثورية وهو يواجه السيل العرم من جيوش الظلال، وقد استمرّ حتّى بعد استشهاده، فهذه زياراته المباركة نجدها تُطمِئن الزائر بأنّ رزقه مكفول مادام راكباً في سفن النجاة لأهل البيت^، وخصوصاً سفينة الإمام الحسين×؛ ومن هنا ورد الحثّ الكثير في الروايات على ضرورة تعاهد زيارة قبر المولى×، والربط فيها بين زيارته التي هي امتداد العطاء العاشورائي للإمام الحسين× وبين مسألة الرزق، ومن هذه الروايات على سبيل المثال:

ما عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر×، قال: «مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين×؛ فإنّ إتيانه يزيد في الرزق، ويمدّ في العمر، ويدفع مدافع السوء...»[86].

ومنها أيضاً: ما عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله×، قال: «سمعته يقول: زوروا الحسين× ولو كلّ سنة؛ فإنّ كلّ مَن أتاه عارفاً بحقّه غير جاحد لم يكن له عوض غير الجنّة، ورُزِقَ رزقاً واسعاً...»[87].

ومنها كذلك ما عن عبد الملك الخثعمي، عن أبي عبد الله×، قال: قال لي: «يا عبد الملك، لا تدع زيارة الحسين بن علي’، ومر أصحابك بذلك؛ يمدّ الله في عمرك، ويزيد الله في رزقك...»[88].

 وفيما يخصّ نصوص زياراته× فإنّنا نرى هذا المعنى حاضراً أيضاً فيما يتلوه الزائر من عبائر، يخلّد فيها ذكرى مولاه، ويذكّر نفسه بسماته× الجليلة، هو وسائر أئمّة أهل البيت^، فقد ورد في إحدى زياراته×: «وَبِكُمْ يُباعِدُ الله الزَّمانَ الكَلِبَ»[89]. قال الخليل: «ودهر كلِب: ألحّ على أهله بما يسوؤهم»[90]. وفسّر آخرون كَلِب الدهر بـ: «اشتدّ»[91].

وكذا ورد: «وَبِكُمْ تُنْبِتُ الأَرضُ أَشْجارَها، وَبِكُمْ تُخْرِجُ الأَرضُ ثِمارَها، وَبِكُمْ تُنْزِلُ السَّماءُ قَطْرَها وَرِزْقَها، وَبِكُمْ يَكْشِفُ الله الكَرْبَ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الله الغَيْثَ»[92].

ويوجد نصّ آخر ورد في زيارة عرفة وتحديداً عند زيارة أبي الفضل العبّاس (سلام الله عليه)، يقول الزائر فيه: «اللّهُمَّ لَكَ تَعَرَّضْتُ، وَلِزِيارَةِ أَوْلِيائِكَ قَصَدْتُ؛ رَغْبَةً فِي ثَوابِكَ وَرَجاءً لِمَغْفِرَتِكَ وَجَزِيلِ إِحْسانِكَ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تَجْعَلَ رِزْقِي بِهِمْ دارَّاً، وَعَيْشِي بِهِمْ قارّاً»[93].

إذاً؛ فالزائر من خلال هذه النصوص التي يُجدد الولاء والبيعة لمولاه الإمام الحسين×، نراه يعيش حالة من الاطمئنان الروحي بكفالة رزقه واستقرار معيشته، وكيف لا يكون ذلك وبمولاتهم^ يتحقّق الارتباط الحقيقي بالمولى}؟! فهم قرناء كتابه العزيز بنصّ حديث الثقلين المتواتر[94]، فهو بالمعية معهم^ يحقّق هذا الارتباط؛ لذا نجده دائم السؤال من المولى في نصوص زياراتهم×، وتحديداً في زيارة المولى أبي عبد الله يوم عاشوراء، التي يقول فيها: «فَأَسْأَلُ الله الَّذِي أَكْرَمَنِي بِمَعْرِفَتِكُمْ وَمَعْرِفَةِ أَوْلِيائِكُمْ، وَرَزَقَنِي البَرائةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ، أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرةِ»[95].

ويقول أيضاً في الزيارة ذاتها: «اللّهُمَّ اجْعَلْ مَحْيايَ مَحْيا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمَماتِي مَماتَ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ»[96].

ومع هذا التوكّل والخلوص في النية من قِبل زوّاره×، لا يُعقل نظرهم لما في أيدي الظالمين والمستبدّين من أموال رخيصة ومناصب زائفة، يسعى من خلالها هؤلاء إلى شراء ذممهم والاستعانة بهم لوأد أيّة حركة تحرّرية شعبية أو فئوية، تهدف إلى إسقاط جبروتهم وطغيانهم، فالكون معهم^ لا ينسجم مع موالاة أعدائهم ونصرتهم، وهذا بالفعل ما يردّده الزائر في زيارته للمولى أبي عبد الله× يوم الأربعين، قائلاً: «... وَأَمْرِي لاَمْرِكُمْ مُتَّبِعٌ، وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ حَتّى يَأْذَنَ الله لَكُمْ؛ فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُمْ»[97].

العامل السادس: إضعاف المستبدّ من خلال إضعاف دور أعوانه وأتباعه في المجتمع

إنّ من أهمّ الآليات التي يعتمد عليها المستبدّون في تأسيس سلطتهم وتدعيمها ودوامها هو جمع الأتباع والموالين المستعدّين لتمثيل ساداتهم قولاً وعملاً، والضاربين بيد من حديد على كلّ حركة تسعى إلى تقويض هذه السلطة الظالمة. وفي الحقيقة المستبدّون لا غنى لهم عن هؤلاء، حالهم حال سائر مَن يتولّون مسؤولية إدارية كبيرة.

نعم، الفارق هو أنّ المسؤولين الحقيقيّين يستفيدون من خبرات مَن حولهم من المستشارين أو التنفيذيّين، بينما يستفيد المستبدّون منهم للتصفيق لهم وتلميع صورهم وفرض هيمنتهم على الشعب، وحينها تنشأ طبقة من المتملّقين المتزلّفين الذين يحضون بالقرب من ساداتهم بقدر ما يقدّمونه من خضوع لهم ودعم لسلطانهم، فسحرة فرعون مثلاً كان يصدق عليهم هذا العنوان عندما أقدموا على مواجهة نبي الله موسى× لدحض مشروعه التحرّري؛ حيث إنّهم بعد أن اجتمعوا في الوقت المعلوم لإبطال دعوى نبي الله×، هنا بدأت حالة التقرّب من السلطة المستبدّة، فقد قال تعالى حكايةً عن لسانهم: (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ)[98].

وهنا جاءهم الجواب من قِبل فرعون بالإيجاب؛ حيث قال تعالى حكايةً عن لسان هذا الطاغية: (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)[99]. ثمّ إنّه ولخطورة الموقف نرى فرعون يستميل الجماهير بعبارة رقيقة للحضور إلى المنافسة[100]؛ حيث قال تعالى في السياق المتقدّم نفسه: (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ)، فحضورهم ومشاهدتهم لما يجري سيؤدّي إلى جذبهم من خلال أتباع فرعون (السحرة)، وإيهامهم بأنّهم هم أصحاب القرار في الإبقاء على المشروع الفرعوني؛ حيث ورد حكايةً عن لسان فرعون وملئه: (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ)[101].

ومن هذا المثال يتّضح لنا الدور الخطير الذي يلعبه أتباع الطغاة والمستبدّين في حرف الناس وجعلهم أدوات يستعينون بها في حكمهم؛ وعليه فإذا أردنا مواجهة الاستبداد وتقويض سلطته ينبغي لنا الانتباه إلى هؤلاء وتشخيصهم؛ وذلك بغية الحدّ من دورهم في المجتمع.

ومن هنا؛ نجد الإلحاح في نصوص زيارات المولى أبي عبد الله× على مسألة أتباع الظالمين والداعمين لهم، وقد وقفنا من خلال استقرائنا لمضامين الزيارات على ثلاثة أصناف لأتباع الظالمين والمستبدّين، نوردها على النحو التالي:

الصنف الأوّل: الممهّدون للمستبدّين والممكّنون لهم، وهؤلاء وإن كان بعضهم قد لا يُعدّ من الأتباع؛ لسبق زمانه على زمان المستبدّين مورد النظر إلّا أنّهم بموقفهم هذا يكونون عوناً للظالم وآلةً يعتمد عليها في ظلمه واستبداده للآخرين، وقد نهى الله تعالى عن ذلك؛ حيث قال في محكم كتابه: (...وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [102].

وقد ورد في نصّ زيارة عاشوراء المشهورة تلقين الزائر بضرورة لعن هذا الصنف، وإشراكه في الجريمة الحاصلة مع القتلة والمجرمين، وفي هذا الصدد تقول الزيارة: «وَلَعَنَ الله اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ وَلَعَنَ الله المُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ»[103]. أي: «لعنة الله على أُولئك الذين هيّأوا لقتالك الأسباب، فمنهم مَن باع سيفاً، ومنهم مَن باع رمحاً، وآخر قدّم فرساً. وكذلك الذين أفتوا بجواز قتل الإمام أبي عبد الله× مثل شريح القاضي وغيره»[104].

هذا؛ ولم تقف نصوص الزيارة عند هذا الحدّ، بل إنّها رفضت حالة التمكين المجتمعي للظلم، مبيّنة بأنّ الممكّنين والممهّدين له قد يشكّلون مجتمعاً كبيراً يتجاوز الحدود الفردية، ومع ذلك فينبغي عدم استيحاش الأحرار من رفضهم لهم، وعدم الانصياع وراء ما يُشكّلونه من ظاهرة سلبية، وهذا المعنى نجده في قول الزائر: «وَلَعَنَ الله اُمَّةً أَسَّسَتْ أَساسَ الظُّلْمِ لَكُمْ، وَمَهَّدَتْ الجَوْرَ عَلَيْكُمْ»[105].

الصنف الثاني: الراضون بعمل المستبدّين، فهؤلاء بموقفهم هذا يُعدّون من الآليات التي يعتمد عليها الظالم المستبدّ في ظلمه وجوره، وبالتالي فهم شركاء في جميع الأعمال الإجرامية التي يقوم بها في المجتمع؛ ومن هنا ورد تشديد النكير على هذه الظاهرة في القرآن؛ حيث قال تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ)[106].

قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: الركون السكون إلى الشيء والميل إليه[107].

وقال البغوي: «هو المحبّة والميل بالقلب. وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم»[108].

فإنّ حالة الميل للظالمين والرضا بأعمالهم من المؤكّد أنّها تنمّ عن نحو اعتماد عليهم، وهذا الاعتماد والاتّكاء يستفيد منه الظالم والمستبدّ، ويوظّفه لكسب المؤيّدين والداعمين له. ومن هذا المنطلق؛ نجد أنّ مدرسة الزيارات تربّي الزائر على ضرورة الانتباه إلى مثل هؤلاء الراضين بأفعال الظالمين ورفضهم، فقد وردت النصوص التالية في:

الزيارة الرابعة: «لَعَنَ الله مَنْ قَتَلَكَ، وَلَعَنَ الله مَنْ شَرِكَ فِي دَمِكَ، وَلَعَنَ الله مَنْ بَلَغَهُ ذلِكَ فَرَضِيَ بِهِ، أَنا إِلى الله مِنْ ذلِكَ بَرِيٌ»[109].

وزيارة أُخرى: «اللّهُمَّ العَنْهُمْ وَالعَنْ مَنْ رَضِيَ بِقَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ مِنْ أَوَّلٍ وَآخِرٍ لَعْناً كَثِيراً، وَأَصْلِهِمْ حَرَّ نارِكَ، وَاسْكِنْهُمْجَهَنَّمَ وَسأَتْ مَصِيراً»[110].

وفي نفس الزيارة أعلاه أيضاً: «اللّهُمَّ وَالعَنْ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ ذلِكَ فَرَضِيَ بِهِ مِنَ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَالخَلائِقِ أَجْمَعِينَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ»[111].

وكما هو الحال بالنسبة إلى الصنف الأوّل؛ فإنّ نصوص الزيارات لم تقف عند هذا الحدّ، بل إنّها رفضت حالة الرضا المجتمعي أيضاً، وبالتالي فالزائر وبتبعه كلّ مَن يواجه مظاهر الظلم والاستبداد ينبغي أن يكون على استعداد تامّ لرفض هذه الظاهرة السلبية وإضعاف دورها الرامي إلى تقوية سلطان المستبدّين في كلّ زمان ومكان، فقد ورد في هذا الصدد قول الزائر في زيارته× يومي العيدين: «لَعَنَ الله اُمَّةً ظَلَمَتْكَ وَاُمَّةً قَتَلَتْكَ، وَلَعَنَ الله اُمَّةً سَمِعَتْ بِذلِكَ فَرَضِيَتْ بِهِ»[112].

الصنف الثالث: الأتباع والمطيعون، وهذا الصنف هو من أقوى الآليات التي يعتمد عليها المستبدّون على مرّ التاريخ، فالمستبدّ لوحده كما أسلفنا لا يمكنه السيطرة على الجماهير وإرعابهم من دون أن يكون له مجموعة من المعاونين والمساعدين من ذوي اليد الطولى في الإجرام، ومن الذين بإطاعتهم العمياء يُضفون الشرعية الموهومة على ما تقوم به السلطة المستبدّة من أعمال، وتسنّه من قوانين مجحفة بحقّ الشعب.

وهنا يمكن التنظير بين الدور الذي يقوم ملأ فرعون به وبين ما يقوم به هؤلاء الأتباع، فملأ فرعون يؤيّدونه في أخطر الادّعاءات وأقسى القرارات، قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)[113]. فـ«هذا إغراء منهم لفرعون و تحريض له أن يقتل موسى وقومه، ولذلك ردّ فرعون قولهم بأنّه لا يهمّنا قتلهم؛ فإنّا فوقهم قاهرون على أيّ حال، بل سنُعيد عليهم سابق عذابنا، فنقتل أبناءهم و نستحيي نساءهم‏»[114].

 وقال تعالى أيضاً في ذات الصدد:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)[115]. فعلى الرغم من أنّ أمر فرعون ذو غيّ وجهالة وبعيد عن الدعوة إلى الخير والهداية له، إلا أنّ هؤلاء الملأ لم يتوانوا من اتّباعه في ذلك؛ رعايةً لمصالحهم المهدّدة بالخطر بسبب دعوة موسى×[116].

فهؤلاء هم الدعامة التي يستند إليها الطغاة في سيطرتهم على أُممهم، وبالتالي فحتّى يتمكّن الأحرار من تقويض سلطة هؤلاء الطغاة ينبغي لهم تحجيم دور أتباعهم وإضعافهم في المجتمع؛ ومن هنا نجد أنّ نصوص زيارات المولى أبي عبد الله× التي هي أهمّ مخرجات النهضة الحسينية وامتداد لها في مجال جهاد المستبدّين ومقاومتهم، لم تخلُ من ترسيخ هذا المفهوم في نفوس الناس، فهي علاوةً على نبذها للظالمين والطغاة، ركّزت على الأتباع المطيعين لهم، فأشركتهم في نفس الحكم، وألحقت بهم الخزي والعار الذي لحق بأسيادهم.

فقد ورد في زيارة عاشوراء: «وَلَعَنَ الله اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ، وَلَعَنَ الله المُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ، بَرِئْتُ إِلى الله وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ وَأَوْلِيائِهِمْ»[117].

وورد أيضاً في نصّ آخر من الزيارة ذاتها: «... وَأَتَقَرَّبُ إِلى الله ثُمَّ إِلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُمْ وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ، وَالبَرائةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ وَالنَّاصِبِينَ لَكُمْ الحَرْبَ، وَبِالبَرائةِ مِنْ أَشْياعِهِمْ وَأَتْباعِهِمْ»[118].

ولشدّة النكير على هؤلاء الأتباع والتصدّي لهم، نجد ورود ذكرهم في التكرار مئة مرّة في بعض نصوص زيارة عاشوراء؛ حيث ورد عن المعصوم× استحباب تكرار النصّ التالي مئة مرّة: «اللّهُمَّ العَنْ أَوَّلَ ظالِمٍ ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَآخِرَ تابِعٍ لَهُ عَلى ذلِكَ، اللّهُمَّ العَنْ العِصابَةَ الَّتِي جاهَدَتِ الحُسَيْنَ وَشايَعَتْ وَبايَعَتْ وَتابَعَتْ عَلى قَتْلِهِ، اللّهُمَّ العَنْهُمْ جَميعاً»[119]. فالمراد بـ«آخر تابع: كلّ مَن تبع هذا المؤسّس في ظلمه سواء عاصره أو جاء بعده ورضي بأفعاله، ونسج على منواله»[120].

وخلاصة الحديث عن هذه النقطة: إنّ المستبدّ مع تقليم أظفاره التي يغرسها في جسد المجتمع بواسطة هذه الأصناف الثلاثة من المعاونين والتابعين، سيسهل تقويض سلطته على الناس، وبالتالي القضاء عليه نهائياً. وعليه؛ فلا ينبغي التساهل مع هؤلاء أصلاً؛ فإنّ الكون مع أعداء أهل البيت^ بأيّة صورة وعلى أيّ مستوىً معناه معاداتهم^، وهذا المعنى هو الشعار الذي ترسمه لنا نصوص زيارات أبي الأحرار^، فقد ورد في زيارة الأربعين: «...فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُمْ»[121]، وهذا الدرس ينبغي أن يكون حاضراً لدى جميع الأحرار الرافضين للمستبدّين والطغاة على طول الخطّ.

الخاتمة

من خلال هذه الجولة السريعة في مضامين نصوص زيارات المولى أبي عبد الله×، وقفنا على الدور الذي تلعبه هذه النصوص في مقام إحياء ثقافة الثورة على الظلم والاستبداد في الوجدان الشعبي، ورفد الأُمم التي تحكمها أنظمة استبدادية وتمارس في حقّها أبشع صنوف الظلم والجور بعوامل تتكفّل تحريكها نحو الثورة ضدّ هذه الأنظمة، وتسعى إلى رسم خارطة حكم عادل، تُحفظ فيه حقوق الرعية وتُصان فيه كرامتها؛ فإنّ هذه النصوص هي إحدى أهمّ ثمرات النهضة المعطاء التي قادها الإمام أبو عبد الله× وثلّة من أهل بيته وصحبه (سلام الله عليهم أجمعين).

هذا؛ وإنّنا في القسم الأوّل من هذا المقال قد صنّفنا العوامل المشار إليها إلى صنفين: عوامل مباشرة تكون لوحدها كفيلةً في تحريك الأُمّة باتّجاه تقويض سلطان المستبدّ وكسر شوكته، وأُخرى غير مباشرة يكمن دورها في إعداد الأرضية المناسبة لإضعاف هذا المستبدّ، وبضميمة وسائط أُخرى ستكون مؤدّية إلى الثورة ضدّه وإزالته في نهاية المطاف.

وهناك أيضاً قمنا باستعراض العوامل المباشرة وبيّنا دورها في تقويض الأنظمة الاستبدادية، ووصلت النوبة في هذا القسم الثاني إلى إيقاف القارئ العزيز على الصنف غير المباشر من العوامل المشار إليها أعلاه، وبالتالي فقد أتممنا الحديث عن مجموع العوامل التي استطعنا رصدها اعتماداً على ما لدينا من معطيات معرفية ناتجة من عملية التوليف بين نصوص زيارات الإمام الحسين×، وبين مضامين قرآنية وروائية وكلمات أفادتها أقلام المحققّين من ذوي الخبرة في مجال بحثنا.

وقد وقفنا في المقام على ستّة عوامل غير مباشرة نُجملها فيما يلي:

الإيمان بوجود قيادة حيّة ثائرة في صفوف الجماهير.

استشعار حالة المصيبة الناجمة عن الأعمال التعسّفية للحاكم المستبدّ.

إيجاد حالة الوعي لدى الجماهير ورفع الجهل عنهم.

ترسيخ مفهومي العزّة والشموخ لدى الناس.

إيجاد حالة من الغنى المعنوي وعدم الركون للمقدّرات المادّية التي في أيدي المستبدّين.

إضعاف المستبدّ من خلال إضعاف دور أعوانه وأتباعه في المجتمع.

والحمد لله ربّ العالمين.

المصادر والمراجع

الكتب

* القرآن الكريم.

1.-         إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، نور الله التستري (ت1019هـ)، تعليق: السيّد شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي (ت1411هـ).

2.-         الاستبداد قراءة نفسية، الدكتورة فاتن عبد الجبّار ناجي الخزرجي.

3.-         الأمالي، محمد بن علي بن بابويه القمّي المعروف بالشيخ الصدوق (ت381هـ)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية في مؤسّسة البعثة، نشر: مركز الطباعة والنشر في مؤسّسة البعثة، قم المقدّسة ـ إيران، الطبعة الأُولى، 1417هـ.

4.-         الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ناصر مكارم الشيرازي (وآخرون)، ترجمة: محمد علي آذرشب، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب×، الطبعة الأُولى، 1421هـ.

5.-         بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي (ت1111هـ)، تحقيق: يحيى العابدي الزنجاني، السيّد كاظم الموسوي المياموي، مؤسّسة الوفاء، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية المصحّحة، 1403هـ/1983م.

6.-         البكاء على الحسين× في مصادر الفريقين، حسن بن محمد بن جمعة المطوري، إصدار: وحدة الدراسات التخصّصية في الإمام الحسين× في قسم الشؤون الفكرية الثقافية في العتبة الحسينية المقدّسة، كربلاء المقدّسة ـ العراق، الطبعة الأُولى، 1435هـ/2014م.

7.-         تحف العقول عن آل الرسول|، الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني (ت القرن الرابع)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، قم ـ إيران، الطبعة الثانية، 1404هـ/1363ش.

8.-         شرح زيارة عاشوراء، الملّا حبيب الله الشريف الكاشاني، نشر: محمد شريف الكاشاني، الطبعة الأُولى.

9.-         الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية)، إسماعيل بن حمّاد الجوهري (ت393هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايّين، بيروت ـ لبنان، الطبعة الرابعة، 1407هـ/1987م.

10.-   صداق الحور في شرح زيارة العاشور، السيّد حسن الساروي المازندراني (ت حدود سنة1351هـ)، ترجمة وتحقيق: أحمد بن حسين العبيدان، الناشر: باقيات، الطبعة الأُولى، 1435هـ/2014م.

11.-   طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي (ت1902م)، تقديم: مجدي سعيد، دار الكتاب المصري، القاهرة ـ مصر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 2011م.

12.-   عوالم العلوم والمعارف والأحوال من الآيات والأخبار والأقوال (الإمام الحسين×)، عبد الله البحراني (ت1130هـ)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي# بالحوزة العلمية، قم المقدّسة ـ إيران، الطبعة الأُولى، 1407هـ/1365ش.

13.-   الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة، محمد الصادقي (ت1432هـ)، الناشر: فرهنك إسلامي، قم المقدّسة ـ إيران، الطبعة الثانية، 1406هـ.

14.-   القيادة في الإسلام، محمد الري شهري (ت2022م)، تعريب: علي الأسدي، مؤسّسة دار الحديث الثقافية، قم ـ إيران، الطبعة الأُولى.

15.-   الكافي، محمد بن يعقوب الكليني (ت328هـ أو 329هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفّاري، دار الكتب الإسلامية، طهران ـ إيران، الطبعة الثالثة، 1367ش.

16.-   كامل الزيارات، جعفر بن محمد بن قولويه القمّي (ت367هـ)، تحقيق: الشيخ جواد القيّومي لجنة التحقيق، الناشر: مؤسّسة نشر الفقاهة، الطبعة الأُولى، 1417هـ.          

17.-   كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ)، تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي، الدكتور إبراهيم السامرائي، مؤسّسة دار الهجرة، الطبعة الثانية، 1410هـ.

18.-   كيف تفقد الشعوب المناعة ضدّ الاستبداد، مجموعة باحثين، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الثانية (مزيدة ومنقّحة)، 2002م.

19.-   لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري (ت711هـ)، نشر أدب الحوزة، قم ـ إيران، 1405هـ.

20.-   مختصر بصائر الدرجات، حسن بن سليمان الحلّي (ت ق9هـ)، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف ـ إيران، الطبعة الأُولى، 1370هـ/1950م.

21.-   مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، الميرزا حسين النوري الطبرسي (ت1320هـ)، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية، 1408هـ/1988م.

22.-   معالم التنزيل في تفسير القرآن (تفسير البغوي)، الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (ت516هـ)، تحقيق خالد عبد الرحمن العك، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.

23.-   معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكريا (ت395هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: مكتبة الإعلام الإسلامي، 1404هـ.

24.-   مفاتيح الجنان، عبّاس القمّي (ت1359هـ)، تعريب: محمد رضا النوري النجفي، منشورات العزيزي، الطبعة الثالثة، 1385ش/2006م.

25.-   من أخلاق الإمام الحسين×، عبد المهتدي البحراني، انتشارات الشريف الرضي، قم ـ إيران، الطبعة الأُولى، 1421هـ/2000م.

26.-   من هدى القرآن، محمد تقي المدرسي، دار محبّي الحسين، طهران ـ إيران، الطبعة الأُولى، 1419هـ.

27.-   منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الميرزا حبيب الله الهاشمي الخوئي (ت1324هـ)، تصحيح وتهذيب: السيّد إبراهيم الميانجي، نشر: بنياد فرهنك إمام المهدي#، طهران ـ إيران، الطبعة الرابعة.

28.-   موسوعة علم الإنسان.. المفاهيم والمصطلحات الأُنثروبولوجية، شارلوت سيمور، سميث، ترجمة مجموعة من أساتذة علم الاجتماع بإشراف محمد الجوهري، المركز القومي للترجمة، القاهرة ـ مصر، الطبعة الثانية، 2009م.

29.-   الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي (ت1402هـ)، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية، 1390ش.

30.-   النظام السياسي في الإسلام، باقر شريف القرشي (ت1433هـ)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية، 1398هـ/1978م.

31.-   النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين ابن الأثير (ت606هـ)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، مؤسّسة إسماعيليّان للطباعة والنشر والتوزيع، قم ـ إيران، الطبعة الرابعة، 1364ش.

32.-   نهج البلاغة، كلام الإمام أمير المؤمنين×، تحقيق: صبحي صالح، الطبعة الأُولى، 1387هـ/1967م.

33.-   النور المبين في شرح زيارة الأربعين، مهدي تاج الدين، دار الأبصار.

34.-   وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحرّ العاملي (ت1104هـ)، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، قم المشرّفة ـ إيران، الطبعة الثانية، 1414هـ.

35.-   الوعي والتحليل السياسي، عمار حمادة، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأُولى، 1426هـ/2005م.

36.-   المجلّات والمواقع الإلكترونية

37.-   فلسفة البكاء على الشهيد (مقال)، مرتضى مطهري (ت1400هـ)، نشرية العرفان، المجلّد الواحد والسبعون، محرّم وصفر 1404هـ.

38.-     متلازمة ستوكهولم.. تعريفها، أسبابها، وطرق العلاج، هيئة التحرير، موقع النجاح نت: https://www.annajah.net.

 



[1] للاطّلاع أكثر على صفات القائد اُنظر: الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد: ص181ـ183.

 

[2] اُنظر: الري شهري، محمد، القيادة في الإسلام: ص50.

 

[3][3] البقرة: الآية 247.

 

[4] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص627.

 

[5] المصدر السابق: ص649.

 

[6] المصدر السابق: ص660.

 

[7] المصدر السابق: ص646.

 

[8] البحراني، عبد الله، العوالم (الإمام الحسين×): ص179.

 

[9] اُنظر: القرشي، باقر شريف، النظام السياسي في الإسلام: ص64.

 

[10] الأعراف: الآية 27.

 

[11] المائدة: الآية 27.

 

[12] الأنعام: الآيات 42ـ 44.

 

[13] البقرة: الآية 214.

 

[14] مكارم الشيرازي، ناصر، وآخرون، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج2، ص96.

 

[15] القصص: الآية4.

 

[16] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج39، ص56.

 

[17] فقد أورد الشيخ الصدوق في أماليه رواية طويلة تحكي بكاءه| على ما يجري على أهل بيته^ من بعده. اُنظر: الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، الأمالي: ص175ـ 177.

 

[18] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، الأمالي: ص177.

 

[19] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص293.

 

[20] اُنظر: المطوري، حسن بن محمد بن جمعة، البكاء على الحسين× في مصادر الفريقين.

 

[21] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص623.

 

[22] المصدر السابق: ص647.

 

[23] المصدر السابق: ص661.

 

[24] اُنظر: زيارة الإمام الحسين× في عيدي الفطر والأضحى، وكذا زيارته× يوم الأربعين. المصدر السابق: ص655و681.

 

[25] قد بيّن الشهيد مرتضى مطهّري بأنّ الألم الناتج عن التضحية من هذا النوع ينبغي أن يُحلّل ضمن ما يسمّيه (الإطار الاجتماعي)، فلا يُنظر إلى التضحية والشهادة ضمن إطارها الفردي، وتحقّق الفوز لشخص الشهيد وحسب، وإنّما يرتبط بردّة الفعل التي يُبديها المجتمع تجاه الشهيد. اُنظر: مطهّري، مرتضى، فلسفة البكاء على الشهيد: ص65ـ66.

 

[26] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص631.

 

[27] المصدر السابق: ص644.

 

[28] المصدر السابق: ص666.

 

[29] المصدر السابق: ص644.

 

[30] المصدر السابق: ص682.

 

[31] النساء: الآية 148.

 

[32] اُنظر: الصادقي، محمد، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة: ج7، ص409.

 

[33] اُنظر: المدرّسي، محمد تقي، من هدى القرآن: ج2، ص237.

 

[34] مطهّري، مرتضى، فلسفة البكاء على الشهيد: ص66.

 

[35] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص668.

 

[36] غافر: الآية 29.

 

[37] مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج15، ص248.

 

[38] اُنظر: عمار حمادة، الوعي والتحليل السياسي: ص24، و28.

 

[39] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج68، ص279.

 

[40] المصدر السابق: ج74، ص267. الحرّاني، ابن شعبة، تحف العقول: ص171.

 

[41] نهج البلاغة، تحقيق (صبحي صالح): ص43.

 

[42] يُعرّف الوعي الجمعي أو كما يطلق عليه البعض بالضمير الجمعي بأنّه: «مجموعة من المعتقدات والعواطف المشتركة بين الأعضاء العاديّين في مجتمع معيّن، التي تُشكّل النسق المحدّد لحياتهم». شارلوت سيمور سميث، موسوعة علم الإنسان.. المفاهيم والمصطلحات الأنثروبولوجية: ص369.

 

[43] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص625.

 

[44] المصدر السابق: ص631.

 

[45] المصدر السابق: ص644.

 

[46] المصدر السابق: ص647.

 

[47] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص262. هذا؛ وقد عقد ابن قولويه باباً جمع فيه تسع عشرة رواية في هذا الشأن تحت عنوان: ثواب مَن زار الحسين× عارفاً بحقّه. كما أورد الشيخ الكليني في موسوعته الحديثية (الكافي) مجموعة روايات في ذات الصدد. اُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص580.

 

[48] من الجدير بالذكر أنّ المعرفة المقصودة في الروايات هي ما تجعل الزائر يزداد حبّاً للمزور، هذا الحبّ الذي يجعله يزداد أدباً وخضوعاً وطاعةً؛ ومن هنا جاء على لسان أمير البيان× قوله: «لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلًا ويَقِينَكُمْ شَكَّاً، إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا». نهج البلاغة، تحقيق (صبحي صالح): ص524. وجاء أيضاً في الرواية عن الإمام الصادق×: «لا يقبل الله عملاً إلّا بمعرفة، ولا معرفة إلّا بعمل، فمَن عرف دلّته المعرفة على العمل، ومَن لم يعمل فلا معرفة له...». الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص44.

 

[49] الحلّي، حسن بن سليمان، مختصر بصائر الدرجات: ص125.

 

[50] اُنظر: مهدي تاج الدين، النور المبين في شرح زيارة الأربعين: ص7.

 

[51] القمّي، عباس، مفاتيح الجنان: ص682.

 

[52] البحراني، عبد الله، العوالم (الإمام الحسين×): ص174.

 

[53] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص623.

 

[54] المصدر السابق: ص627.

 

[55] المصدر السابق: ص149.

 

[56] المصدر السابق: ص682.

 

[57] المصدر السابق: ص651.

 

[58] المصدر السابق: ص667.

 

[59] اُنظر: متلازمة ستوكهولم.. تعريفها، أسبابها، وطرق العلاج. هيئة التحرير، موقع النجاح نت.

 

[60] سبأ: الآية 31.

 

[61] الزخرف: الآية 54.

 

[62] المنافقون: الآية 8.

 

[63] آل عمران: الآية 26.

 

[64] البحراني، عبد الله، العوالم (الإمام الحسين×): ص175.

 

[65] المصدر السابق: ص179.

 

[66] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص383.

 

[67] الهاشمي الخوئي، حبيب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: ج13، ص340. وقد ذكر آخرون أنّ هذه الأبيات منسوبة إليه×. اُنظر: المهتدي البحراني، عبد العظيم، من أخلاق الإمام الحسين×: ص258.

 

[68] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص426.

 

[69] المصدر السابق: ص624.

 

[70] المصدر السابق: ص628. وورد المقطع ذاته في زيارة الأوّل من رجب. المصدر السابق: ص646.

 

[71] المصدر السابق: ص623.

 

[72] المصدر السابق: ص649.

 

[73] المصدر السابق: ص666. وشبيه بهذا النصّ قد ورد في زيارة عاشوراء غير المشهورة: «وَأَسْأَلُ الله الَّذِي أَكْرَمَ يا مَوَالِيَّ مَقامَكُمْ، وَشَرَّفَ مَنْزِلَتَكُمْ وَشَأْنَكُمْ، أَنْ يُكْرِمَنِى بِوِلايَتِكُمْ وَمَحَبَّتِكُمْ وَالاِئْتِمامِ بِكُمْ، وَبِالبَرائةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ». المصدر السابق: ص677.

 

[74] الشريف الكاشاني، الملا حبيب الله، شرح زيارة عاشوراء: ص29.

 

[75] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص666.

 

[76] الشريف الكاشاني، الملا حبيب الله، شرح زيارة عاشوراء: ص30.

 

[77] النمل: الآية 34.

 

[78] اُنظر: مجموعة باحثين، كيف تفقد الشعوب المناعة ضدّ الاستبداد: ص18.

 

[79] الخزرجي، الدكتورة فاتن عبد الجبّار ناجي، الاستبداد قراءة نفسية: ص59. نقلاً عن توماس هوبز عالم الرياضيّات والفيلسوف الإنجليزي.

 

[80] الشورى: الآية 27.

 

[81] العلق: الآيتان 6ـ7.

 

[82] مكارم الشيرازي، ناصر، وآخرون، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج15، ص528.

 

[83] الشورى: الآيتان 28ـ 29.

 

[84] النوري الطبرسي، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل: ج11، ص218.

 

[85] التستري، نور الله، إحقاق الحقّ: ج11، ص591.

 

[86] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص284.

 

[87] المصدر السابق: ص285.

 

[88] المصدر السابق: ص286.

 

[89] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص623.

 

[90] الفراهيدي: الخليل بن أحمد، العين: ج5، ص376.

 

[91] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج1، ص724.

 

[92] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص623.

 

[93] المصدر السابق: ص663.

 

[94] اُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج27، ص33ـ 34.

 

[95] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص667.

 

[96] المصدر السابق.

 

[97] المصدر السابق: ص683.

 

[98] الشعراء: الآية 41.

 

[99] الشعراء: الآية 42.

 

[100] المدرسي، محمد تقي، من هدى القرآن: ج9، ص43.

 

[101] الشعراء: الآية 40.

 

[102] المائدة: الآية 2.

 

[103] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص666.

 

[104] الساروي المازندراني، السيّد حسن، صداق الحور في شرح زيارة العاشور: ص39.

 

[105] القمّي، عباس، مفاتيح الجنان: ص677.

 

[106] هود: الآية 113.

 

[107] اُنظر: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين: ج5، ص354. الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح: ج5، ص2126. ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة: ج2، ص431. ابن الأثير، مجد الدين، النهاية في غريب الحديث: ج2، ص261.

 

[108] البغوي، الحسين بن مسعود، معالم التنزيل في تفسير القرآن (تفسير البغوي): ج2، ص404.

 

[109] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص626.

 

[110] المصدر السابق: ص678.

 

[111] المصدر السابق: ص679.

 

[112] المصدر السابق: ص655.

 

[113] الأعراف: الآية 127.

 

[114] الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج8، ص222.

 

[115] هود: الآيتان 96ـ97.

 

[116] اُنظر: مكارم الشيرازي، ناصر، وآخرون، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج7، ص52.

 

[117] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص666.

 

[118] المصدر السابق: ص667.

 

[119] المصدر السابق: ص668.

 

[120] الساروي المازندراني، السيّد حسن، صداق الحور في شرح زيارة العاشور: ص70.

 

[121] القمّي، عبّاس، مفاتيح الجنان: ص683.